(٢١) - ٢١ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ الْبَطِينُ،
===
(٣) - (٣) - (باب التوقي في الحديث عن رسول الله ﷺ)
أي: هذا باب معقود في ذكر الأحاديث الدالة على وجوب التوقي والتحفظ والتحرز عن الكذب في الحديث والرواية عن رسول الله ﷺ، فلا يروي عنه إلا ما عرف ناقله وصحة مخارجه، يقال: توقى في الشيء إذا تحرز عن الخطأ فيه واحتاط له وتثبت فيه.
* * *
(٢١) - ٢١ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
قال: (حدثنا معاذ بن معاذ) التميمي العنبري أبو المثنى البصري قاضي البصرة، ثقة متقن، من كبار التاسعة، مات سنة ست وتسعين ومئة (١٩٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) عبد الله (بن عون) بن أرطبان -بفتح فسكون ففتح- المزني مولاهم أبي عون البصري الخراز -بفتح المعجمة والمهملة- ثقة ثبت فاضل من أقران أيوب في العلم والعمل والسن، من السادسة، مات سنة خمسين ومئة (١٥٠ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
قال: (حدثنا مسلم) بن عمران (البطين) -بفتح فكسر- أبو عبد الله الكوفي، وثقه أحمد وغيره، وقال في "التقريب": ثقة، من السادسة. يروي عنه: (ع).
[ ١ / ١١٩ ]
عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: مَا أَخْطَأَنِي ابْنُ مَسْعُودٍ عَشِيَّةَ خَمِيسٍ إِلَّا أَتَيْتُهُ فِيهِ
===
(عن إبراهيم) بن يزيد بن شريك (التيمي) أي: المنسوب إلى تيم الرباب، أبي أسماء الكوفي العابد القدوة.
وثقه ابن معين، وقال أبو زرعة: ثقة مرجئ، وقال الأعمش: كان إذا سجد .. تجيء العصافير فتنقر على ظهره، وقال لي: ما أكلت منذ أربعين ليلة إلا حبة عنب، وقال في "التقريب": ثقة إلا أنه يرسل ويدلس، من الخامسة، مات سنة اثنتين وتسعين (٩٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) يزيد بن شريك بن طارق التميمي الكوفي.
وثقه ابن معين وابن حبان، وقال في "التقريب": ثقة، يقال: إنه أدرك الجاهلية، من الثانية، مات في خلافة عبد الله بن الزبير. يروي عنه: (ع).
(عن عمرو بن ميمون) الأودي أبي عبد الله الكوفي، ثقة مخضرم مشهور، من الثانية، مات سنة أربع وسبعين (٧٤ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(قال) عمرو بن ميمون: (ما أخطأني ابن مسعود) أي: ما فاتني لقاؤه (عشية) كل يوم (خميس إلا أتيته فيه) أي: في عشية خميس، ذكر الضمير مع كون المرجع مؤنثًا وهو لفظة عشية؛ لاكتسابه التذكير من المضاف إليه الذي هو لفظ خميس، أو باعتبار كونها بمعنى الوقت؛ أي: ما فاتني لقاؤه إلا أتيته فيه، قال السندي: فالاستثناء من أعم الأحوال، ولكن بتقدير قد؛ أي: ما فاتني لقاؤه إلا وقد أتيته في عشية خميس، ومعلوم أنه لا يفوته الملاقاة حال إتيانه إياه، فهذا تأكيد للزوم الملاقاة في عشية كل خميس، ويحتمل
[ ١ / ١٢٠ ]
قَالَ: فَمَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ بِشَيْءٍ قَطُّ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ عَشِيَّةٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، قَالَ: فَنَكَسَ، قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ فَهُوَ قَائِمٌ مُحَلَّلَةً
===
أن المراد: أن ابن مسعود كان يجيئه، فإن كان ما جاءه يومًا .. أتاه هو فيه. انتهى منه.
وهذا السند من ثمانياته؛ رجاله ستة منهم كوفيون، واثنان منهم بصريان، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات.
(قال) عمرو بن ميمون: (فما سمعته) أي: فما سمعت ابن مسعود (يقول بشيء قط) أي: في شيء من الأشياء، فالباء بمعنى (في)، و(قط) ظرف مستغرق لما مضى من الزمان ملازم للنفي متعلق بسمعته؛ أي: ما سمعته في زمن من الأزمان يقول في شيء من الأشياء وأمر من الأمور: (قال رسول الله ﷺ) كذا وكذا جازمًا بأنه مقوله؛ تورعًا من الكذب عليه.
(فلما كان) ابن مسعود (ذات عشية) بالنصب؛ أي: في عشية من العشايا، ولفظ (ذات) مقحم، أو من إضافة الشيء إلى نفسه، أو فلما كان الزمان عشية من العشايا، أو بالرفع و(كان) تامة؛ أي: فلما كانت عشية من العشايا، والعشية: من نصف النهار إلى نصف الليل .. (قال) ابن مسعود: (قال رسول الله ﷺ) كذا وكذا، (قال) عمرو بن ميمون: (فنكس) ابن مسعود بعدما قال: قال رسول الله ﷺ جازمًا؛ أي: طأطأ رأسه وخفضه.
(قال) عمرو بن ميمون (فنظرت إليه) أي: إلى ابن مسعود، (ذ) إذا (هو) أي: ابن مسعود (قائم محللة) -بفتح اللام الأولى المشددة- منصوب على
[ ١ / ١٢١ ]
أَزْرَارُ قَمِيصِهِ قَدِ اغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ وَانْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ، قَالَ: أَوْ دُونَ ذَلِكَ، أَوْ فَوْقَ ذَلِكَ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، أَوْ شَبِيهًا بِذَلِكَ.
===
الحال من ضمير قائم (أزرار قميصه) بالرفع على أنه نائب فاعل لمحللة؛ أي: فإذا هو قائم حالة كونه محللة مفكوكة أزرار قميصه.
وقوله: (قد اغرورقت) أي: غرقت (عيناه) بكثرة الدموع .. حال ثانية من الضمير المذكور، وقوله: (وانتفخت أوداجه) معطوف على اغرورقت، وفي "القاموس": اغرورقت عيناه دمعتا دموعًا كثيرة حتى كأنهما غرقتا في دمعهما. انتهى.
قلت: اغرورق من مزيد غرق كاخشوشن من مزيد خشن للدلالة على الكثرة والمبالغة.
وانتفخت؛ أي: ارتفعت كأنها ورمت، والأوداج: جمع ودج؛ وهو عرق في صفحتي العنق ينتفخ عند الغضب، وهما ودجان، وعرق الأخدع الذي يقطعه الذابح، فلا يبقى معه حياة. انتهى م ج.
ولفظة (قال) في قوله: (قال أو دون ذلك) معطوفة على قوله: (فنكس) بتقدير العاطف، والتقدير: فنكس رأسه، ثم قال، أو قال رسول الله ﷺ دون ذلك الذي قلته؛ أي: لفظًا أقل منه لا ما قلته، (أو) قال (فوق ذلك) الذي قلته؛ أي: لفظًا أكثر منه لا ما قلته، (أو) قال لفظًا (قريبًا من ذلك) الذي قلته في القدر لا ما قلته، (أو) قال لفظًا (شبيهًا) في التركيب (بذلك) الذي قلته لا ما قلته؛ تنبيهًا على أن ما ذكره نقل بالمعنى، وأما اللفظ .. فيحتمل أن يكون هو اللفظ المذكور، وأن يكون لفظًا آخر.
وهذا الأثر انفرد به ابن ماجه، وفي "الزوائد": إسناده صحيح، احتج الشيخان بجميع رواته، ورواه الحاكم من طريق ابن عمرو.
[ ١ / ١٢٢ ]
(٢٢) - ٢٢ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: كَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ إِذَا حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَدِيثًا فَفَرَغَ مِنْهُ
===
ودرجته: أنه صحيح، وغرضه بسوقه: الاستدلال به على الترجمة، ودل عليها بمنطوقه.
وفي "الزوائد": وقد اختلف فيه على مسلم بن عمران البطين: قيل: عنه عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود، وقيل: عنه عن أبي عبد الرحمن السلمي، وقيل: عنه عن إبراهيم التيمي. انتهى.
* * *
ثم استشهد المؤلف لأثر ابن مسعود بأثر أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٢٢) - ٢٢ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي.
قال: (حدثنا معاذ بن معاذ) التميمي البصري.
(عن) عبد الله (بن عون) بن أرطبان المزني البصري.
(عن محمد بن سيرين) الأنصاري مولاهم أبي بكر بن أبي عَمْرة البصري إمام وَقْته.
(قال) محمد: (كان أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، رجاله كلهم بصريون إلا أبا بكر بن أبي شيبة؛ فإنه كوفي، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات.
أي: كان أنس (إذا حدَّث عن رسول الله ﷺ حديثًا) فقال: قال رسول الله ﷺ كذا وكذا (ففرغ منه) أنس من
[ ١ / ١٢٣ ]
قَالَ: أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ.
(٢٣) - ٢٣ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ،
===
حديثه .. (قال) أنس جواب إذا؛ أي: قال أنس: الحديث ما قلته لكم (أو كما قال رسول الله ﷺ) وأو عاطفة على محذوف، والكاف زائدة، والتقدير: قال أنس بعد فراغه من تحديثه الحديث: ما قلته لكم أو ما قاله رسول الله ﷺ؛ تنبيهًا على أن ما ذكره نُقل بالمعنى، وأما لفظ الحديث الحقيقي .. فيحتمل أن يكون هو اللفظ الذي ذكره، ويحتمل أن يكون لفظًا آخر.
وهذا الأثر انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به لأثر ابن مسعود.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لأثر ابن مسعود بأثر زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٢٣) - ٢٣ - (٣) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا غندر) محمد بن جعفر الهذلي البصري ربيب شعبة.
(عن شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي البصري.
(ح) أي: حول المؤلف السند، (و) قال:
(حدثنا محمد بن بشار) بن عثمان العبدي البصري.
(حدثنا عبد الرحمن بن مهدي) بن حسان الأزدي مولاهم أبو سعيد البصري، ثقة، من التاسعة، مات بالبصرة سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع)، قال:
[ ١ / ١٢٤ ]
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبي لَيْلَى، قُلْنَا لِزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: حَدِّثْنَا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: كَبِرْنَا وَنَسِينَا، وَالْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ شَدِيدٌ.
===
(حدثنا شعبة) ثقة، من السابعة.
(عن عمرو بن مرة) بن عبد الله بن طارق الهمداني المرادي أبي عبد الله الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات سنة ثماني عشرة ومئة، وقيل قبلها. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الرحمن بن أبي ليلى) اسمه يسار الكوفي، ثقة تابعي كوفي، من الثانية، مات سنة ثلاث وثمانين (٨٣ هـ). يروي عنه: (ع).
قال ابن أبي ليلى: (قلنا) معاشر الحاضرين (لزيد بن أرقم) بن زيد بن قيس الأنصاري الخزرجي الصحابي الجليل الكوفي رضي الله تعالى عنه، رمد فعاده النبي ﷺ، وكتب الوحي له، وكان من خواص علي، شهد معه صفين، له تسعون حديثًا؛ اتفقا على أربعة، وانفرد (خ) بحديثين، و(م) بستة، مات سنة ست أو ثمان وستين (٦٨ هـ).
وهذان السندان من سداسياته؛ رجال الأول منها أربعة كوفيون، واثنان بصريان، والثاني منهما رجاله ثلاثة منهم كوفيون، وثلاثة بصريون، وحكمهما: الصحة؛ لأن رجالهما كلهم ثقات.
أي: قلنا لزيد: (حدثنا) بصيغة الأمر يا زيد، حدثنا (عن رسول الله ﷺ قال) زيد بن أرقم: (كبرنا) -بكسر الباء- أي: وصلنا سن الكبر وزمن نقصان الفهم، (ونسينا) الحديث الذي حفظناه عن رسول الله ﷺ، (والحديث) والرواية (عن رسول الله ﷺ) شأنه (شديد) تحملًا وأداء، والكذب عليه كالكذب على الله سبحانه
[ ١ / ١٢٥ ]
(٢٤) - ٢٤ - (٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ قَال: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ قَال: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ
===
وتعالى، ولأنه قد ورد فيه وعيد شديد من قوله ﷺ: "من كذب عليّ متعمدًا .. فليتبوأ مقعده من النار".
وهذا الأثر انفرد به ابن ماجه أيضًا، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به، والله أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لأثر ابن مسعود رضي الله تعالى عنه بأثر الشعبي رحمه الله تعالى، فقال:
(٢٤) - ٢٤ - (٤) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي.
(قال: حدثنا أبو النضر) هاشم بن القاسم الليثي البغدادي، ثقة، من التاسعة، مات سنة سبع ومئتين (٢٠٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن شعبة) بن الحجاج أبي بسطام البصري، ثقة، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن أبي السفر) -بفتحتين أو بفتح فسكون- سعيد بن محمد الهمداني الثوري الكوفي، ثقة، من السادسة، مات في خلافة مروان بن محمد. يروي عنه ت (خ م د س ق).
(قال) عبد الله: (سمعت الشعبي) عامر بن شراحيل النخعي أبا عمرو الكوفي الإمام العلم، ثقة فقيه مشهور، من الثالثة، مات بعد المئة. يروي عنه: (ع).
[ ١ / ١٢٦ ]
يَقُولُ: جَالَسْتُ ابْنَ عُمَرَ سَنَةً فَمَا سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيْئًا.
(٢٥) - ٢٥ - (٥) حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ،
===
وهذا السند من خماسياته؛ رجاله ثلاثة منهم كوفيون، وواحد بصري، وواحد بغدادي، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات.
أي: سمعته حالة كونه (يقول: جالست) ولازمت عبد الله (بن عمر) بن الخطاب العدوي المكي رضي الله تعالى عنه (سنة) واحدة، (فما سمعته) أي: فما سمعت ابن عمر في تلك السنة (يحدث عن رسول الله ﷺ شيئًا) من الحديث لا قليلًا ولا كثيرًا؛ تحفظًا وتوقيًا من الكذب عليه ﷺ.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب أخبار الآحاد، باب خبر المرأة الواحدة، رقم الحديث (٧٢٦٧)، ومسلم في كتاب الصيد والذبائح، باب (٧) رقم الحديث (٥٠٠٦ - ٥٥٠٧)، كما في "تحفة الأشراف".
ودرجة هذا الأثر: أنه صحيح؛ لأن رجاله كلهم ثقات، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رابعًا لأثر ابن مسعود بأثر ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٢٥) - ٢٥ - (٥) (حدثنا العباس بن عبد العظيم) بن إسماعيل بن توبة التميمي (العنبري) أبو الفضل البصري، ثقة حافظ، من كبار الحادية عشرة، قال البخاري: مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (م عم).
[ ١ / ١٢٧ ]
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُوسٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّا كُنَّا نَحْفَظُ الْحَدِيثَ وَالْحَدِيثُ يُحْفَظُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ فَأَمَّا إِذَا رَكِبْتُمُ الصَّعْبَ
===
قال: (حدثنا عبد الرزاق) بن همام الحميري أبو بكر الصنعاني، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى عشرة ومئتين (٢١١ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنبأنا معمر) بن راشد الأزدي أبو عروة البصري، ثقة، من السابعة، مات سنة أربع وخمسين ومئة (١٥٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) عبد الله (بن طاووس) بن كيسان اليماني، ثقة، من السادسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) طاووس بن كيسان اليماني أبي عبد الرحمن الحميري مولاهم، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة ست ومئة (١٠٦ هـ) يوم التروية، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(قال) طاووس: (سمعت) عبد الله (بن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، رجاله ثلاثة منهم صنعانيون، واثنان بصريان، وواحد طائفي، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات.
أي: سمعت ابن عباس حالة كونه (يقول: إنا كنا) أولًا (نحفظ الحديث) أي: نأخذه عن الناس، ونحفظه اعتمادًا على صدقهم، (والحديث) أي: والحال أن الحديث (يحفظ) بالبناء للمفعول؛ أي: يؤخذ (عن) فم (رسول الله ﷺ) أي: في الزمن الذي هو حقيق بأن يعتني به، (فأما) حرف شرط وتفصيل داخلة على المبتدأ المحذوف (إذا) شرطية وجملة (ركبتم) الجمل (الصعب) الذي لا يطيع
[ ١ / ١٢٨ ]
وَالذَّلُولَ .. فَهَيْهَاتَ.
===
راكبه، (و) الجمل (الذلول) الذي يطيع صاحبه، والصعب كناية عن الأحاديث الضعيفة، والذلول كناية عن الأحاديث الصحيحة، وركوبها كناية عن روايتها، فعل شرط لإذا وجوابها جملة قوله: (فهيهات) أي: بعد تحديثنا الحديث؛ خوفًا من الكذب على رسول الله ﷺ، وهيهات: اسم فعل ماض بمعنى بعد، ولجموده اقترنت به الفاء الرابطة للجواب، وجملة إذا الشرطية خبر المبتدأ المحذوف، والتقدير: وأما تحديثنا الحديث وقت ركوبكم الصعب والذلول .. فبعيد عن العقل لا يقع منا.
قال السندي: ركوب الصعب والذلول كناية عن الإفراط والتفريط في النقل، بحيث ما بقي الاعتماد على نقلهم، قوله: (فهيهات) أي: بعد الأخذ عنهم والحفظ اعتمادًا عليهم، ويحتمل أن المعنى: إنا كنا نحفظ الحديث على الناس بالإلقاء عليهم وبالرواية لهم، وحينما ظهرت فيهم الخيانة بالإفراط أو التفريط .. فبعيد أن نروي لهم، وفيه نظر؛ لأن كذب الناس يمنع من الأخذ عنهم لا من تعليمهم، بل ينبغي أن يكون الكذب علة تعليمه عقلًا؛ فإن الجهل يوجب الإكثار من الكذب، إلا أن يقال: إنهم كانوا يغيرون في النقل؛ لأنهم يضعون الحديث، ومثل هذا إذا تركت تعليمه .. لا ينقل، فلا يغير. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الأثر: مسلم في مقدمته.
ودرجته: أنه صحيح؛ لأن رجاله كلهم ثقات، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به لأثر ابن مسعود.
* * *
[ ١ / ١٢٩ ]
(٢٦) - ٢٦ - (٦) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ قَرَظَةَ بْنِ كَعْبٍ
===
ثم استأنس المؤلف للترجمة بأثر عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٢٦) - ٢٦ - (٦) (حدثنا أحمد بن عبدة) بن موسى الضبي أبو عبد الله البصري، وثقه أبو حاتم والنسائي، وقال في "التقريب": ثقة، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثنا حماد بن زيد) بن درهم الأزدي أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت فقيه، من الثامنة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن مجالد) بن سعيد بن عمير الهمداني أبي عمرو الكوفي.
ضعفه ابن معين، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ، قال البخاري: كان يحيى القطان يضعفه، وكان ابن مهدي لا يروي عنه، وكان أحمد ابن حنبل لا يراه شيئًا، وقال الدوري عن ابن معين: لا يحتج بحديثه، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ضعيف واهي الحديث، وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به، وقال الذهبي: أورد البخاري. في كتاب "الضعفاء" في ترجمة مجالد حديثًا من طريق مجالد عن الشعبي عن ابن عباس في فضل فاطمة، وهو موضوع صريح، وبالجملة: اتفقوا على ضعفه. انتهى "تهذيب".
وقال في "التقريب": ليس بالقوي، وقد تغير في آخر عمره، من صغار السادسة، مات سنة أربع وأربعين ومئة (١٤٤ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن الشعبي) عامر بن شراحيل الكوفي.
(عن قرظة) بمعجمة وفتحات (ابن كعب) بن ثعلبة الأنصاري الصحابي،
[ ١ / ١٣٠ ]
قَالَ: بَعَثَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى الْكُوفَةِ وَشَيَّعَنَا، فَمَشَى مَعَنَا إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ: صِرَارٌ، فَقَالَ: أَتَدْرُونَ لِمَ مَشَيْتُ مَعَكُمْ؟ قَالَ: قُلْنَا: لِحَقِّ صُحْبَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلِحَقِّ الْأَنْصَارِ، قَالَ: لكِنِّي مَشَيْتُ مَعَكُمْ لِحَدِيثٍ أَرَدْتُ أَنْ أُحَدِّثَكُمْ بِهِ، فَأَرَدْتُ أَنْ تَحْفَظُوهُ لِمَمْشَايَ مَعَكُمْ؛
===
شهد الفتوح بالعراق، ومات في حدود الخمسين على الصحيح. يروي عنه: (س ق).
(قال) قرظة: (بعثنا) معاشر الأنصار (عمر بن الخطاب) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته؛ رجاله اثنان منهم مدنيان، واثنان كوفيان، واثنان بصريان، وحكمه: الضعف، لأن فيه راويًا متفقًا على ضعفه، وهو مجالد بن سعيد.
أي: بعثنا عمر بن الخطاب (إلى الكوفة، وشيعنا) بتشديد الياء؛ أي: جهزنا (فمشى معنا إلى) أن يصل معنا إلى (موضع يقال له: صرار)، وفي "القاموس": صرار بوزن كتاب: موضع قرب المدينة المنورة، (فقال) لنا عمر: (أتدرون) أي: أتعلمون (لم مشيت) أي: لأي سبب مشيت (معكم) إلى أن وصلت إلى ها هنا؟
(قال) قرظة بن كعب: (قلنا) لعمر في جواب استفهامه: مشيت معنا رعاية وأداء (لحق صحبة رسول الله ﷺ) التي لنا، (و) وفاء الحق الأنصار) الذي لنا على الناس من محبتهم وإكرامهم.
(قال) عمر: نعم، مشيت معكم لذلك، و(لكني مشيت معكم) أيضًا (لـ) تبليغ (حديث أردت أن أحدثكم به، فأردت أن تحفظوه) على ظهر قلوبكم (لممشاي) متعلق بتحفظوه؛ أي: لأجل رعاية حق مشيي (معكم)
[ ١ / ١٣١ ]
إِنَّكُمْ تَقْدُمُونَ عَلَى قَوْمٍ لِلْقُرْآنِ فِي صُدُورِهِمْ هَزِيزٌ هَزِيزُ الْمِرْجَلِ، فَإِذَا رَأَوْكُمْ .. مَدُّوا إِلَيْكُمْ أَعْنَاقَهُمْ وَقَالُوا: أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ، فَأَقِلُّوا الرِّوَايَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَنَا شَرِيكُكُمْ.
===
ومكافأتكم لي عليه بالحفظ؛ وذالك الحديث: (إنكم تقدمون) -بضم أوله وكسر ثالثه- من الإقدام؛ أي: تهجمون وتحضرون (على قوم للقرآن) أي: لتلاوته (في صدورهم هزيز) -بفتح الهاء وبزايين معجمتين- كأزيز وزنًا ومعنىً؛ أي: صوت كـ (هزيز المرجل) وصوته، والمرجل -بكسر الميم-: إناء يغلي فيه الماء سواء كان من نحاس أو غيره، وله صوت عند غليان الماء فيه، وفي بعض النسخ: كهزيز النحل؛ أي: كصوته عند اجتماعه في الليل في الكوارة؛ وهو ذباب العسل، والمراد: لهم إقبال على تلاوة القرآن واعتناء بها.
(فإذا رأوكم) وأبصروكم .. (مدوا إليكم أعناقهم) وبسطوها للأخذ عنكم وتسليمًا للأمر إليكم وتحكيمًا لكم، (وقالوا) أي: قال بعضهم لبعض: جاء (أصحاب محمد) ﷺ، فخذوا عنهم الحديث، وإذا رأيتموهم كذلك .. (فأقلوا) أي: قللوا (الرواية) والتحديث لهم (عن رسول الله ﷺ) أي: لا تُكثروا في الرواية لهم؛ نظرًا إلى كثرة طلبهم وشوقهم في الأخذ عنكم؛ تعظيمًا لأمر الرواية عن رسول الله ﷺ؛ لأنهم ليسوا أهلًا للحديث وحفظه، وبهذا التعليل وافق الحديث الترجمة، أو لئلا يشتغلوا بذالك عن العظة، (وأنا شريككم) في الأجر بسبب كوني دالًا لكم على الخير وباعثًا لكم على حفظ حديث رسول الله ﷺ من نشره في غير موضعه.
وهذا الأثر انفرد به ابن ماجه، ولم يشاركه في روايته أحد من أصحاب الأمهات، ولكن ذكره الدارمي في "سننه" (١/ ٨٥).
[ ١ / ١٣٢ ]
(٢٧) - ٢٧ - (٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ
===
ودرجة هذا الأثر: أنه ضعيف (٤) (٤)؛ لأن في إسناده راويًا متفقًا على ضعفه، وغرضه بسوقه: الاستئناس به للترجمة، والله ﷾ أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف خامسًا لأثر ابن مسعود بأثر السائب بن يزيد رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٢٧) - ٢٧ - (٧) (حدثنا محمد بن بشار) بن عثمان العبدي أبو بكر البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع)، قال: (حدثنا عبد الرحمن) بن مهدي بن حسان الأزدي أبو سعيد البصري، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
قال: (حدثنا حماد بن زيد) بن درهم الأزدي أبو إسماعيل البصري، ثقة، من الثامنة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاري النجاري أبي سعيد المدني القاضي.
قال ابن سعد: كان ثقة ثبتًا حجة كثير الحديث، وقال في "التقريب": ثقة، من الخامسة، مات سنة أربع وأربعين ومئة (١٤٤ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن السائب بن يزيد) بن سعيد بن ثمامة -بضم ففتح مع التخفيف-
[ ١ / ١٣٣ ]
قَال: صَحِبْتُ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَمَا سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِحَدِيثٍ وَاحِدٍ.
===
الكندي المدني، ويعرف بابن أخت نمر، صحابي ابن صحابي له أحاديث؛ اتفقا على حديث، وانفرد (خ) بخمسة، وحجَّ به أبوه في حجة الوداع وهو ابن سبع سنين، وولاه عمر سوق المدينة، مات سنة إحدى وتسعين (٩١ هـ)، وقيل قبل ذلك، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة ﵁ وعنهم أجمعين. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته؛ رجاله ثلاثة منهم بصريون واثنان مدنيان وحكمه: الصحة.
(قال) السائب بن يزيد: (صحبت سعد بن مالك) أبا سعيد الخدري المدني في سفره (من المدينة إلى مكة، فما سمعته) أي: فما سمعت أبا سعيد (يحدث عن النبي ﷺ بحديث واحد) تحرزًا من الوقوع في الكذب على رسول الله ﷺ، ولعلهم كانوا يحدثون عند شدة الحاجة ورغبة الطالب، والأحاديث المشهورة عنهم رووها على هذا الوجه، وإلا .. فكيف أشهر هؤلاء هذه الأحاديث، ولعلهم حملوا حديث "ليبلغ الشاهد الغائب" على التبليغ عند الحاجة، أو أنهم تركوا الرواية بعد أن بلغوا؛ أي: بعض الغائبين ما كان عندهم من الحديث، ورأوا أن هذا كاف في امتثال الأمر، أو حملوا ذلك على الوجوب الكفائي، فإذا قام به البعض؛ كأبي هريرة .. سقط الطلب عن الباقين، والله ﷾ أعلم. انتهى من "السندي".
وهذا الأثر انفرد به ابن ماجه عن غيره من أصحاب الأمهات، ولكن ذكره الدارمي في "سننه" برقم (١/ ٨٥) من طريق حماد بن زيد.
[ ١ / ١٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ودرجته: أنه صحيح؛ لأن رجاله كلهم ثقات، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: سبعة أحاديث:
الأول للاستدلال، والسادس للاستئناس، والبواقي للاستشهاد.
والله ﷾ أعلم
[ ١ / ١٣٥ ]