٣٢ - حدثنا محمد بن بشار، ثنا محمد بن جعفر وعبد الرحمن بن مهدي قالا: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن زيد بن أرقم، قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن هذه الحشوش محتضرة، فإذا دخل أحدكم فليقل: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث.
حدثنا جميل بن الحسن العتكي، ثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة (ح)، وثنا هارون بن إسحاق، نا عبدة، عن سعيد، عن قتادة، عن القاسم بن عوف الشيباني، عن زيد بن أرقم أن رسول الله - ﷺ - قال … فذكر الحديث.
هذا حديث خرجه ابن خزيمة في صحيحه، عن محمد بن بشار، ومحمد بن عبد الأعلى، ثنا خالد يعني ابن الحارث، ثنا شعبة، وثنا يحيى بن حكيم، ثنا ابن أبي عدي، ثنا شعبة، وثنا يحيى بن حكيم، ثنا أبو داود، ثنا شعبة، فذكره.
وقال: هذا حديث بندار، غير أنّه قال: عن النّضر بن أنس. وكذا قال يحيى بن حكيم في حديث ابن أبي عدي عن النضر بن أنس.
قال أبو عيسى في كتاب الجامع: في إسناده اضطراب، فذكر ما تقدّم، وزاد: وقال معمر: عن النضر بن أنس، عن أبيه، زاد البزار: وقال حسام بن مصك، عن قتادة، عن القاسم بن عوف عن زيد، قال: وهذا الحديث قد اختلفوا في إسناده، عن قتادة.
وفي كتاب العلل للترمذي: وسألت محمدا عنه، وقلت له: أي الروايات عندك أصح؟ فقال: لعلّ قتادة سمع منهما جميعا عن زيد، ولم يقض في هذا
[ ١ / ١٣٠ ]
بشيء، وفي قوله: عن زيد؛ إشارة إلى عدم صحة حديث النضر، عن أبيه، وقد جاء ذلك مصرحا به من كلام الإِمام أحمد فيما ذكره البيهقي، وأنّ تعليل الحديث بالاضطراب على قتادة ليس قادحا، لاحتمال سماعه منهما كما قال البخاري، وهما ثقتان، فسواء كان عنهما أو عن أحدهما، وإلى كونه صحيحا عنهما قال أبو حاتم البستي، فرواه في صحيحه من جهة عيسى بن يونس، عن شعبة، عن قتادة، عن القاسم، وقال: هذا الحديث مشهور عن شعبة وسعيد جميعا، وهو مما تفرد به قتادة، أنا عمر بن محمد، نا محمد بن عبد الأعلى، نا خالد بن الحارث، عن شعبة، عن قتادة، سمعت النضر بن أنس يحدث عن زيد فذكره، ورواه الحاكم من جهة عمرو بن مرزوق، أنا شعبة، عن قتادة، عن النضَّر، عن زيد بلفظ: فإذا دخل أحدكم الغائط فليقل: أعوذ بالله من الرجس النجس، الشيطان الرجيم، ثم قال: قد احتج مسلم بحديث لقتادة، عن النضر، عن زيد، واحتج البخاري بعمرو بن مرزوق، وهذا الحديث مختلف فيه عن قتادة، ورواه شعبة، عن القاسم، عن زيد، وكلا الإسنادين من شرط الصحيح، ولم يخرجاه بهذا اللفظ، وزعم الإشبيلي أنه اخَتلف في إسناده، قال: والذي أسند ثقة؛ وفيما قاله نظر؛ لأن الحديث لم يرم بالإِرسال حتى يكون الحكم للثقة المسند، إنما رمي بما ذكرناه آنفا، والله أعلم.
٣٣ - حدثنا محمد بن حميد، ثنا الحكم بن بشير بن سليمان، ثنا خلاد الصَّفَّار، عن الحكم النصري، عن أبي إسحاق، عن أبي جحيفة، عن علي، عن النبي - ﷺ -: ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول: باسم الله.
[ ١ / ١٣١ ]
هذا حديث قال فيه أبو علي الطوسي: غريب، ولا نعرفه إلَّا من هذا الوجه، وقد روي في هذا الباب - يعني التسمية عند دخول الخلاء - حديث، وليس إسناده بذاك، وقال الترمذي عندما خرجه عن محمد بن حميد: غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإسناده ليس بالقوي، ولا أدري ما الموجب لذلك؟ لأن جميع من في إسناده غير مطعون عليه بوجه من الوجوه فيما رأيت، بل لو قال فيه قائل: إنّ إسناده صحيح، لكان مصيبا، والله أعلم.
وبيان ذلك أنَّ محمد بن حميد قال فيه يحيى: ليس به بأس، كيس.
وقال جعفر بن أبي عثمان الطيالسي: ثقة.
وسئل عنه الذهلي فقال: ألا ترى أني هو ذا أحدث عنه؟!
وقيل للصغاني: تحدّث عن ابن حميد؟ فقال: وما لي لا أحدّث عنه وقد حدّث عنه الإمام أحمد وابن معين؟! وأما الحكم فروى عنه إبراهيم بن موسى، وزنيج ومحمد بن مهران الجمال، ويحيى بن المغيرة، وعمرو بن رافع، وابنه عبد الرحمن بن الحكم، وقال أبو حاتم الرازي: هو صدوق، وأما خلاد الصَّفّار أبو مسلم الكوفي فروى عنه عمرو بن محمد وحسين الجعفي، وذكره ابن حبان في كتاب الثقات، والحكم بن عبد الله النصري، حديثه في صحيح مسلم، ووصف مع ذلك بالثقة.
٣٤ - حدثنا عمرو بن رافع، ثنا إسماعيل بن علية، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا دخل الخلاء قال: أعوذ بالله من الخبث والخبائث.
أخرجه الجماعة في كتبهم، وذكره البزار في مسنده من حديث إسماعيل بن
[ ١ / ١٣٢ ]
مسلم، عن الحسن وقتادة، عن أنس أن النبي - ﷺ - قال: إذا دخل أحدكم الخلاء فليقل … الحديث.
وإسماعيل ضعيف، وفي كتاب أبي داود من طريق ابن العبد: أنه حدّث عبد العزيز. وقال وهيب: فليتعوذ بالله تعالى، وقال فيه الترمذي: هو أصح شيء في هذا الباب وأحسن، وفي كتاب الذخيرة لابن طاهر بزيادة عن أنس: كان - ﵇ - إذا دخل الكنيف قال: باسم الله، ثم يقول: اللهم إني أعوذ بك قال: رواه أبو معشر نجيح، وهو ضعيف، عن أبي طلحة عنه، وفيهَ ردّ لما ذكره الإِمام أحمد بن حنبل لما سأله مهنأ عن هذا الحديث: تعرفه عن أحد من غير وجه عبد العزيز؟ قال: لا، وكفاك بعبد العزيز بن صهيب؛ فإنه ثقة، قلت: بصري؟ قال: نعم.
وهو في كتاب الأفراد لأبي الحسن، رواه عدي بن أبي عمارة، عن قتادة، عن أنس، وهو غريب من حديث قتادة، تفرد به عدي عنه، ورواه الطبراني في الأوسط من حديث صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري عنه. وقال: لم يروه عن الزهري إلا صالح، تفرد به إبراهيم بن حميد الطويل.
٣٥ - حدثنا محمد بن يحيى، ثنا ابن أبي مريم، ثنا يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة أن رسول الله - ﷺ - قال: لا يعجز أحدكم إذا دخل مرفقه أن يقول: اللَّهم إني أعوذ بك من الرجس النجس، الخبيث المخبث، الشيطان الرجيم.
قال أبو الحسن القطان: نا أبو حاتم، ثنا ابن أبي مريم، فذكره، ولم يقل في حديثه: الرجس النجس وإنّما قال: من الخبيث المخبث، الشيطان الرجيم.
هذا الحديث إسناده ضعيف لضعف رواته، وقد تقدم ذكرهم قريبا.
[ ١ / ١٣٣ ]
وفي الباب حديث رواه أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود، أنبأ به المسند شرف الدين المقرئ، أنا الإِمام بهاء الدين إجازة، أنا الأميرة قراءة عليها، أنا ابن هراشة، أنا ابن البزار، أنا إسماعيل بن نصر، عن عبد الله بن محمد بن ياسين صاحب حديث، نا أحمد بن عبد الجبار السكوني، ثنا أبو يوسف القاضي، عن أبي إسحاق الشيباني، عن أبي الأحوص، عن عبد الله: أن النبي - ﷺ - كان إذا دخل الغائط قال: أعوذ بالله من الخبث والخبائث.
وأشار الترمذي إلى حديث جابر، وأعل حديث أبي أمامة هذا، وحديث بريدة من عند ابن عدي في كامله، وضعفه بحسين بن عمر، قال أبو سليمان الخطابي: الخبث بضم الباء: جماعة الخبيث، والخبائث: جمع الخبيثة، يريد ذكران الشياطين وإناثهم، وعامة أصحاب الحديث يقولون: الخبث مسكنة الباء، وهو غلط، والصواب مضمومة الباء. وفيما قاله نظر؛ لأنّ الذي أنكره هو الذي حكاه أبو عبيد بن سلام والفارابي في كتاب ديوان الأدب، فلا إنكار على المحدثين إذًا، والله أعلم.
وأيضا ففعل - بضم الفاء والعين - تسكن عينه قياسا، فلعل من سكنها سلك ذلك المسلك.
وأمّا معناه فذكر ابن الأعرابي أنَّ أصله في كلام العرب المكروه، فإن كان من الكلام فهو الشتم، وإن كان من الملل فهو الكفر، وإن كان من الطعام فهو الحرام، وإن كان من الشراب فهو الضار.
قال ابن الأنباري: الخبث: الكفر، والخبائث الشياطين.
وقال غيره: الخبث: الشيطان، والخبائث: المعاصي، وزاد بعض المتأخرين على ابن الأعرابي: وقيل الخبائث: الأفعال المذمومة، والخصال الرديئة، وليس ذلك بزيادة لدخوله في معنى كلامه.
وقوله: (إذا دخل الخلاء)، يريد إذا أراد دخول الخلاء، كما في صحيح البخاري، وكقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾، ويحتمل أن يراد به ابتداء الدخول، ويبنى عليه من
[ ١ / ١٣٤ ]
دخل ونسي التعوذ، هل يتعوذ أم لا؟ كرهه ابن عباس وغيره، وأجازه جماعة، منهم ابن عمر، أخذا بقول عائشة - ﵂ -: كان يذكر الله على كل أحيانه. وقد نقل القولان عن مالك. هذا كله في الكنف المتخذة في البيوت لا في الصحراء، وهو ظاهر في لفظة: دخل.
والحَشّ والحُشّ: البستان، والجمع حشان، كضيف وضيفان، والحَشِّ والحُشِّ: المخرج أيضا؛ لأنهم كانوا يقضون حوائجهم في البساتين، والجمع حشوش، والمحشة - بالفتح - الدبر، ونهي عن إتيان النساء في محاشهن، وربما جاء بالسين كما في الصحاح وفي الجمهرة، ويسمى أيضا الحائش، قال الشاعر:
فقلت أثل زال عن حلاحل … ومثمر من حائش حوامل
وفي المغيث: واحد الحشوش حش، ويجمع حشنان، كبطن وبطنان، فإذا استعمل في الكنيف فبالفتح لا غير، سمي للجمع فيه، وكل شيء جمعته فقد حششته، وزعم الخطابي أنه يفتح ويضم كما تقدم من كلام الجوهري، وكلامه صريح في الرد على أبي موسى، والله أعلم.
[ ١ / ١٣٥ ]