٦٠ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ سَكَتَ هُنَيْهَةً فَقُلْتُ: بِأَبِى أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَقُولُ فِي سُكُوتِكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ؟ قَالَ: أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالثَّلْجِ وَالْمَاءِ وَالْبَرَدِ.
• [رواته: ٥]
١ - علي بن حجر السعدي: تقدم ١٣.
٢ - جرير بن عبد الحميد: تقدم ٢.
٣ - عمارة بن القعقاع بن شبرمة الضبي الكوفي، ابن أخي عبد الله بن شبرمة وكان أكبر من عمه، روى عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير وعبد الرحمن بن أبي نعيم البجلي والحارث العكلي والأخنس بن خليفة الضبي، وعنه شيخه الحارث العكلي وابنه القعقاع والأعمش والسفيانان وغيرهم. قال البخاري: عن علي بن المديني: له نحو ثلاثين حديثًا. وثقه ابن معين والنسائي، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، ووثقه ابن سعد، ويعقوب بن سفيان، والله أعلم.
٤ - أبو زرعة بن عمرو: تقدم ٥٠.
٥ - أبو هريرة - ﵁ -: تقدم ١.
[ ١ / ٢٤٧ ]
• التخريج
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه وأحمد وابن خزيمة.
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (كان رسول الله - ﷺ - إذا افتتح الصلاة) كان فعل ماض تدل على تكرار الفعل، قال ابن دقيق العيد: كان يفعل كذا بمعنى: تكرر منه فعله وكان عادة له.
قلت: هذا هو الغالب، وقد جاء هذا اللفظ معبرًا به عن مجرد الفعل مرة واحدة، كما في أحاديث المناسك: "كان النبي - ﷺ - يفعل كذا"، ولم يحج في الإِسلام إلَّا حجة واحدة كما لا يخفى! ! فدلالتها على التكرار في الغالب.
وقوله: (افتتح الصلاة) أي كبّر فيها، وافتتاح الشيء بمعنى الشروع فيه، وفي حديث عائشة -﵂-: "كان النبي - ﷺ - يفتتح الصلاة بالتكبير" الحديث. فمعنى افتتحها: كبّر تكبيرة الإحرام التي هي مفتاحها، كما في حديث علي: "افتتاحها التكبير"، وكما في الرواية الأخرى بلفظ: "إذا كبّر". وقوله: (سكت) أصله: أمسك عن الكلام، يقال: يسكت سكوتًا؛ إذا أمسك عن الكلام، ورواية البخاري: (يسكت) بصيغة المضارع. قال الجوهري: تقول: تكلم الرجل ثم سكت؛ من غير ألف، فإذا انقطع كلامه فلم يتكلم قلت: اسكت، قال الراجز:
قد رابني أن الكرى أسكتا لو كان معنيًا بها لهيتا
قوله: (هنية) رواية الأكثرين بضم الهاء وشد الياء، ويروى: "هنيهة" و"هنيئة"، وذكر النووي: (أن الهمزة خطأ وأن الأصل هنوة، فلما صغّر صار هنيوة، فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء ثم أدغمت). اهـ.
قلت: يعني أدغمت الأولى في الثانية المبدلة من الواو في سيّد وهيّن ونحوهما، على القاعدة المشار إليها بقول ابن مالك:
إن يسكن السابق من واو ويا واتصلا ومن عروض عريًا
فياء الواو اقلبن مدغما وشذ معطى غير ما تقدما
وتعقب كلام النووي -﵀- بأنه لا يمنع ذلك رواية الهمزة، لجواز أن تكون الياء قلبت همزة كما جاء في رواية الكشميهني: (هنيهة) بإبدالها هاء، وهي رواية إسحاق والحميدي في مسنديهما. والمعنى: سكت مدة قليلة،
[ ١ / ٢٤٨ ]
والمراد: سكت عن الجهر أو عن القراءة بالفاتحة لا عن الكلام، لأن قوله: (ما تقول). يدل على أنه قد علم أنه يقول شيئًا، فعبّر بالسكوت عن تركه الجهر بما يقوله. وقوله: (بأبي أنت وأمي) معناه: أفديك بأبي وأمي؛ على أن المحذوف فعل، ويجوز أن يكون المحذوف اسمًا والتقدير: أنت مفدي بأبي وأمي، ففي كل من التقديرين الجار والمجرور متعلق بمحذوف كما هو المعروف في نظائره، والحذف عند النحويين في مثل هذا لكثرة الاستعمال. وعلى التقرير الأول: الجملة فعلية، وعلى الثاني: اسمية، وهذه اللفظة تستعمل لإبداء المحبة والتعظيم للشخص، كأنه جعله أحب إليه من أبيه وأمه. والحديث يدل على جواز استعمالها للرسول - ﷺ - فقيل: خاص به وقيل: يجوز استعمالها لغيره، ومنه حديث سعد بن أبي وقاص يوم أحد حيث قال له - ﷺ -: "ارم فداك أبي وأمي"، وهو دليل واضح لجواز هذه اللفظة لغيره ﵊؛ ولكن لا ينبغي قولها إلا لأهل العلم والصلاح ممن يكون في احترامه احترام للشرع والله أعلم. و(ما) في قوله: (ما تقول) للاستفهام (وفي سكوتك) أي في حال سكوتك أو في وقت سكوتك، وقوله: (بين التكبير والقراءة) تعيين لمحل السكوت المذكور، وقوله: (أقول: اللهم) أصله: يا الله؛ فحذفت الياء وعوّض عنها الميم، وهذه الصيغة خاصة بلفظ الجلالة، والأكثر في استعماله مع الميم حذف الياء كما تقدم، وسمع الجمع بينهما في قول الشاعر:
إني إذا ما حدث ألمّا أقول يا اللهم يا اللهمّا
وإلى ذلك أشار ابن مالك -﵀- بقوله:
والأكثر اللهم بالتعويض وشذّ يا اللهمّ في قريض
وقوله: (باعد) أي: أبعد، وصيغة المفاعلة إما للمبالغة كما قاله الكرماني، أو للتكثير مثل ضاعف بمعنى ضعف. وقوله: (بيني وبين خطاياي) كرر كلمة (بين) لأن عود الخافض عند العطف على الضمير المخفوض؛ لازم عند الأكثرين، كما قال ابن مالك:
وعود خافض لدى عطف على ضمير خفض لازمًا قد جعلا
وليس عندي لازمًا إذ قد أتى في النظم والنثر الصحيح مثبتا
و(الخطايا) جمع خطية كالعطايا جمع عطية، من قولهم: خطئ في دينه؛
[ ١ / ٢٤٩ ]
إذا أثم، والخطأ: الإثم والذنب. قال أبو عبيد: خطئ وأخطأ بمعنى، وأنشد لامرئ القيس:
يا لهف هند إذا خطئن كاهلًا القاتلين الملك الحلاحلا
وفي القاموس: أخطيت لغة رديئة. وخطئ في دينه وأخطأ: سلك سبيل خطأ عمدًا كان أو غير عامد. قال البدر العيني -رحمه الله تعالى-: (وأصل خطايا: خطائي، فقلبوا الياء همزة كما في قبائل جمع قبيلة، فصارت: خطائئي بهمزتين فقلبت الثانية ياء فصارت: خطائي، ثم قلبوا الهمزة ياء مفتوحة فصارت: خطايي أي بياءين، فقلبت الياء -أي الأخيرة- ألفًا فصارت: خطايا). اهـ. فيحتمل أن المراد بهذا الدعاء محو ما سلف منها، فتكون المباعدة: المبالغة في عدم المؤاخذة بها، أو المراد العصمة منها في المستقبل، وتكون إضافتها حينئذٍ لاحتمال حصولها كما هي العادة في جنس البشر، أو على تقدير حصولها. وقد استشكل هذا الدعاء ونحوه وما هو كثير في السنة من طلبه المغفرة ومبالغته في ذلك، مع كونه معصومًا عند الأكثرين من الذنوب: أما من الكبائر فباتفاق، وأما من الصغائر فعند الأكثرين -وعلى فرض تجويزها- فقد أخبره الله أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وقد يجاب عن هذا وما فيه معناه: أنه من طلبه الدرجة العالية. ويتضمن أمورًا منها: عدم الاغترار بالله وأمن مكره، ومنها: إظهار الحاجة والفقر إليه تعالى، ومنها: تعليم أمته الدعاء، ومنها: أن الدعاء في نفسه قربة يزاد بها العبد رفعة عند الله، وفيه: شكر نعمه -﷾-. وفي الحديث: "من لم يسأل الله يغضب عليه"، كما قيل:
الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب
والأحاديث في فضل الدعاء والحث عليه كثيرة مشهورة، مع أن فعله لذلك فيه تعليم للأمة وحث لهم على الدعاء. وقوله: (كما باعدت) الكاف في محل نصب نعت لمصدر محذوف، وما مصدرية والتقدير: مباعدة مثل مباعدتك، أو: تبعيدًا مثل تبعيدك، أو: إبعادًا مثل إبعادك بين المشرق والمغرب، ووجه التشبيه أن المشرق والمغرب لا يجتمعان، فكذلك يكون حالُه مع الذنوب: أنه لا يجتمع معها كما لا يجتمع المشرق والمغرب. وقوله: (نقّني) فعل طلب بصيغة الأمر وهو، من: التنقية من الشيء، وهو مجاز عن إزالة الذنب ومحوه حتى لا يكون
[ ١ / ٢٥٠ ]
له أثر، والجملة مؤكدة لمعنى التي قبلها، جعل محو الذنوب كغسل الشيء من الوسخ ونحوه حتى ينقى منه، واستعار لفظ التنقية للإزالة. وقوله: (كما ينقى) مثل قوله: (كما باعدت). و(الدنس) بفتح الدال والنون: الوساخة، وتخصيص الثوب الأبيض لأن التنقية فيه أظهر من غيره. وقوله (البرد) حَبُّ الغمام، والمبالغة في الغسل إنما تكون عادة بالماء، فقد يكون ذكر هذه الأشياء على سبيل المبالغة بذكر كل شيء من شأنه أن يغسل به.
• الأحكام والفوائد
الحديث دليل على استحباب دعاء الاستفتاح وأنه يكون بهذا اللفظ، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله في كتاب الصلاة، وفيه: جواز قول الإنسان لغيره فداك أبي وأمي، وقد تقدم ذلك، وفيه: استعمال الأدب في السؤال وحرص الصحابة على الفائدة وأنه ينبغي لمن يكون مع العلماء سؤالهم عن كل ما أشكل عليه من فعلهم ليستفيد وليس في ذلك منافاة للأدب، وفيه: جواز التطهير بالثلج والبرد وأنهما كالماء في ذلك وهذا محل الشاهد ومناسبة الحديث للترجمة، وفيه: استحباب الإلحاح في الدعاء، وأنه لا ينبغي لأحد تركه، وإن عظمت منزلته عند الله، وفيه: استعمال التوكيد في الألفاظ، وأن افتتاح الصلاة يكون بالتكبير وسيأتي إن شاء الله تعالى.