٦٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَتَانَا مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَاكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ فَإِنَّهَا رِجْسٌ".
• [رجاله ٥]
• [كلهم تقدموا]
١ - محمَّد بن عبد الله بن يزيد، تقدمت ترجمته رقم ١١.
٢ - سفيان بن عينية: تقدم ١.
٣ - أيوب بن أبي تميمة: تقدم ٤٨.
٤ - محمَّد بن سيرين: تقدم ٥٧.
٥ - أنس بن مالك - ﵁ -: تقدم ٦.
• التخريج
أخرجه البخاري ومسلم وأحمد وأخرجه أبو داود والترمذي والبيهقي من غير رواية أنس، وأخرجه الدارمي وأخرجه البخاري ومسلم وأحمد من رواية ابن عمر، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله عند الكلام على لحم الحمر.
• اللغة والإِعراب والمعنى
قوله: (ينهاكم) بضمير الفرد على أن الناهي هو الله، والرسول مبلغ عنه أو أن ذكر الله للدلالة على أن نهي الرسول نهي الله، والخبر عند النحويين في مثل هذا محذوف، إما خبر الأول وخبر الثاني دليل عليه وإما بالعكس، فعلى الأول إن الله ينهاكم ورسوله ينهاكم والمحذوف هو الأول على حد قول الشاعر وهو من شواهد سيبويه، وهو لقيس بن الخطيم:
نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف
التقدير: نحن بما عندنا راضون، ومثله قول عمير بن ضابئ أحد البراجم:
[ ٢ / ٢٨٤ ]
فمن يك أمسى بالمدينة رحله فإني وقيَّارٌ بها لغريب
التقدير: فإني بها غريب وقيار غريب، ولو شئت عكست فقلت: فإني غريب وقيار كذلك، وقول الآخر:
رماني بأمر كنت منه ووالدي بريّا ومن أجل الطويّ رماني
التقدير: كنت بريًا ووالدي، وفي القرآن ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فأعاد الضمير في الخبر على أحد المذكورين وذكر السندي أن فيه رواية ينهيانكم بالتثنية، اهـ.
قلت: لكن مثل هذا قد ورد فيه حديث الخطيب الذي قال: ومن يعصهما فقد غوى مع أنه ورد في الصحيح: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. وورد مثل قول الخطيب في خطبة النبي - ﷺ - فإنه قال فيها: ومن يعصهما فلا يضر إلَّا نفسه. قال ابن حجر عند قوله - ﷺ - أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، قال: فيه دليل على أنه لا بأس بهذه التثنية، وأما قوله للذي خطب فقال ومن يعصهما: "بئس الخطيب أنت" فليس من هذا لأن المراد في الخطب الإِيضاح وأما هنا فالمراد الإِيجاز في اللفظ ليحفظ ويدل عليه أن النبي - ﷺ - قاله في موضع آخر، قال: ومن يعصهما فلا يضر إلَّا نفسه، واعترض بأن هذا الحديث إنما ورد أيضًا في خطبة النكاح وأجيب: بأن المقصود أيضًا في خطبة النكاح الإِيجاز فلا نقض، وثم أجوبة أخرى منها دعوى الترجيح فيكون خبر المنع أولى لأنه عام والآخر يحتمل الخصوصية ولأنه ناقل والآخر مبني على الأصل إلى أن قال: ومنها دعوى أنه من الخصائص فيمتنع من غير النبي - ﷺ - ولا يمتنع منه لأن غيره إذا جمع أوهم إطلاقه التسوية بخلافه هو فإن منصبه لا يتطرق إليه إيهام ذلك، قال: وإلى هذا مال ابن عبد السلام، اهـ. المراد منه. وذكر آخر البحث أنه ملخص من كلام البيضاوي وغيره وللكلام على هذا موضع آخر إن شاء الله.
وقوله: (لحوم) جمع لحم وهو باعتبار أنواعه لأنه اسم جنس، والحمر جمع حمار وهو العَير، والحمار: النهَّاق من ذوات الأربع، إنسيًا كان أو وحشيًا، ولهذا جاء تقييدها في بعض روايات هذا الحديث بالإنسية لأنها هي المعنية بالتحريم دون الوحشية، والجمع أحمرة وحمير وحُمر كما في حديث أبي هريرة
[ ٢ / ٢٨٥ ]
في إثم مانعي الزكاة في صحيح مسلم قالوا: فالحمر يا رسول الله، وحُمْر وحمور وحمرات جمع الجمع كجزرات، وطرقات، بفتح الحاء وضمها في حديث ابن عباس في تقديم الضعفة من المزدلفة "على حمرات لنا"، وفي المثل: "دعوا حمرات الجهل لا يوردنكم، مياه غطيش غب ثالثة بغضي" وقال الآخر:
إذا غرَّد المكاء في غير روضة فويل لأهل الشاء والحمرات
وهي جمع صحة لحمرة جمع حمار، فتكون جمع الجمع، والأنثى حمارة وحمر جمع حمار، وسيأتي الكلام على الحديث إن شاء الله في تحريم لحوم الحمر، وقوله: (فإنها رجس) يحتمل عود الضمير على الحمير وهو أشبه بغرض المصنف، ويحتمل عوده على اللحوم. وتقدم الكلام على لفظ رجس في الاستنجاء بالروثة في باب الاستنجاء، والغرض هنا حكم سؤر الحمار.
• الأحكام والفوائد
وجمهور العلماء على أن سؤر الحمار طاهر كسائر الحيوان على ما تقدم إلَّا الكلب والخنزير وما توالد منهما عند الشافعي وأحمد ومن وافقهما، أما الخنزير فمحل إجماع وأما الكلب فقد تقدم الكلام عليه مستوفى وتفصيل المذاهب فيه، وللإمام أبي حنيفة تفصيل في أسآر الحيوان فذكر النووي في المجموع عنه أنه قال: الحيوان أربعة أقسام: أحدها: مأكول كالبقر والغنم فسؤره طاهر، والثاني: سباع الدواب كالأسد والدب فهي نجسة، والثالث: سباع الطير كالبازي والصقر فهي طاهرة السؤر إلَّا أنه يكره استعماله وكذا الهر، والرابع: البغل والحمار فمشكوك في سؤرهما لا يقطع بطهارته ولا بنجاسته ولا يجوز الوضوء به واختلف قوله في الفرس والبرذون. اهـ. المجموع (جـ ١ ص ١٧٣) وتقدم أن الشوكاني نسب لأحمد القول بوجوب غسل الأواني من سؤر ما لا يؤكل لحمه كما تقدم في المسألة الخامسة من شرح حديث الولوغ والله أعلم.