أَخْفَى الله سُبْحَانَهُ عِلْمَ القَدَرِ عَنْ عُقُولِ الْمُكَلَّفِينَ ابْتِلَاءً وَامْتِحَانًا، وَحَجَبَهُ عَنْهُم تَمْحِيصًا وَاخْتِبَارًا، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ سَبِيلًا إِلَى العِلْمِ بِهِ رَحْمَةً بِهِمْ وَإِشْفَاقًا، وَلِذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْهَى عَنِ الخَوْضِ فِيهِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: (خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ نَتَنَازَعُ فِي القَدَرِ، فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ، حَتَّى كَأَنَّمَا فُقِئَ فِي وَجْنَتَيْهِ الرُّمَّانُ، فَقَالَ: أَبِهَذَا أُمِرْتُمْ أَمْ بِهَذَا أُرْسِلْتُ إِلَيْكُمْ؟ إِنَّمَا هَلَكَ
_________________
(١) يُرْوَى هَذَا مِنْ كلامِ عِيسَى ﵇، أَخْرَجَهُ مالكٌ بلاغا في موطئه - رواية الليثي - (٢/ ٩٨٦)، ومن طريقه ابن المبارك في كتاب الزهد (رقم ١٣٥)، وأخرجه من طريقين مختلفين: ابن أبي شيبة في المصنف (١٣/ ١٩٣)، وأحمد في كتاب الزهد (رقم: ٣١١). قال الشيخ الألباني ﵀ في السلسلة الضعيفة (رقم: ٩٠٨): "لا أَصْلَ لَهُ مَرْفُوعًا".
(٢) التحرير في شرح صحيح مسلم (ص: ٦٠١ - ٦٠٣).
[ ١ / ١٧٧ ]
مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حِينَ تَنَازَعُوا فِي هَذَا الأَمْرِ، عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ أَلَّا تَتَنَازَعُوا فِيهِ) (^١).
وَعَلَى هَذَا دَرَجَ السَّلَفُ الصَّالِحُونَ، وَالأَئِمَّةُ الْمَرْضِيُّونَ، فَكَانُوا يَنْهَوْنَ عَنِ الخَوْضِ وَالتَّنْقِيرِ فِيهِ، والتَّعَمُّقِ وَالتَّكَلُّفِ فِي ذَلِكَ، لِعَجْزِ الْعُقُولِ عَنِ الإِحَاطَةِ بِهِ، وَقُصُورِهَا عَنْ إِدْرَاكِ حَقِيقَتِهِ، وَلِأَنَّهُ كَمَا قَالَ الحَافِظُ ابن عَبْدِ الْبَرِّ ﵀: "لَا يُدْرَكُ يجدَالٍ، وَلَا يَشْفِي مِنْهُ مَقَالٌ، وَالْحِجَاجُ فِيهِ مُرْتَجَّةٌ لا يُفْتَحُ شَيْءٌ مِنْهَا إِلَّا بِكَسْرِ شَيْءٍ وَغَلْقِهِ" (^٢).
وَقَالَ فِي مَوْطِنٍ: "وَجُمْلَةُ القَوْلِ فِي الْقَدَرِ أَنَّهُ سِرُّ اللهِ؛ لَا يُدْرَكُ بِجِدَالٍ وَلَا نَظَرٍ، وَلَا تَشْفِي مِنْهُ خُصُومَةٌ وَلا احْتِجَاجٌ" (^٣).
ورَحِمَ اللهُ أَبَا جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيَّ إِذْ يَقُولُ: "وَأَصْلُ الْقَدَرِ سِرُّ اللهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ، لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَالتَّعَمُّقُ وَالنَّظَرُ فِي ذَلِكَ ذَرِيعَةُ الْخِذْلانِ، وَسُلَّمُ الْحِرْمَانِ، وَدَرَجَةُ الطُّغْيَانِ، فَالْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ ذَلِكَ نَظَرًا وَفِكْرًا وَوَسْوَسَةً، فَإِنَّ الله تَعَالَى طَوَى عِلْمَ الْقَدَرِ عَنْ أَنَامِهِ
_________________
(١) أخرجه الترمذي في جامعه (رقم: ٢١٣٣)، وأبو يعلى في المسند (١٠/ ٤٣٣) من طريق هِشَامِ بن حَسَّان عن ابن سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁ به. قال التِّرْمِذيُّ: "وهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلا مِنْ هَذَا الوَجْه". ولَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عَمْرو بن شُعَيْبٍ عَن أبيه عَن جَدِّه عند أحمد في المسند (٢/ ١٦٨)، والبخاري في خلق أفعال العباد (ص: ١٥٤)، ابن ماجه في مُقَدِّمة سننه (رقم: ٨٥)، واللالكائيُّ في شرح أصول الاعتقاد (٣/ ١١٥)، والآجُرِّي في الشريعة (١/ ٤٦٩)، وحَسَّنَهُ العَلَّامَةُ الأَلْبَانيُّ في المشكاة (١/ ٣٦).
(٢) التمهيد (٦/ ١٤).
(٣) المصدر السابق (٣/ ١٣٩).
[ ١ / ١٧٨ ]
وَنَهَاهُمْ عَنْ مَرَامِهِ" (^١).
وَرَحِمَ اللهُ الإِمَامَ أَبَا حَنِيفَةَ النُّعْمَانَ إِذْ يَقُولُ: "إِنَّ النَّاظِرَ فِي الْقَدَرِ كَالنَّاظِرِ فِي شُعَاعِ الشَّمْسِ؛ كُلَّمَا ازْدَادَ نَظَرًا ازْدَادَ حِيرَةً، أَوْ قَالَ تَحَيُّرًا" (^٢).
وبَيَّنَ قِوَامُ السُّنَّة ﵀ الحِكْمَةَ مِن اسْتِئْثَارِ اللهِ تَعَالَى بِالْقَدَرِ، وَالسَّبَبَ فِي حَجْبٍ مَعْرِفَتِهِ عَنِ الخَلْقِ فِي شَرْحِهِ لِصَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَنَقَلَ فِي ذَلِكَ نَصًّا عَزِيزًا عَنِ الإِمَامِ أَبِي الْمُظَفَّرِ السَّمْعَانِيِّ ﵀.
يَقُولُ ﵀: (وَجِمَاعُ هَذَا البَابِ: أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الله ﵎ طَوَى عَنِ العَالَمِ عِلْمَ مَا قَضَاهُ وَقَدَّرَهُ عَلَى عِبَادِهِ، فَلَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ نَبِيًّا مُرْسَلًا، وَلَا مَلَكًا مُقَرَّبًا، لأَنَّهُ خَلَقَهُمْ لِيَتَعَبَّدَهُمْ وَيَمْتَحِنَهُمْ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (^٣).
وَقَدْ نَقَلْنَا عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ خَلَقَهُمْ لِيَأْمُرَهُمْ بِالْعِبَادَةِ، فَلَوْ كَشَفَ لَهُمْ عَنْ سِرِّ مَا قَضَى وَقَدَّرَ لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ فِي عَوَاقِبِ أُمُورِهِمْ، لَافْتَتَنُوا وَفَتَرُوا عَنِ العَمَلِ، واتَّكَلُوا عَلَى مَصِيرِ الأَمْرِ فِي الْعَاقِبَةِ، فَيَكُونُ قُصَارَاهُم عِنْدَ ذَلِكَ أَمْنٌ أَوْ قُنُوطٌ، وَفِي ذَلِكَ بُطْلَانُ العِبَادَةِ.
وَحَجَبَ عَلَيْهِم عِلْمَ القَضَاءِ وَالْقَدَرِ، وَعَلَّقَهُمْ بَيْنَ الخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، وَالطَّمَعِ وَالْوَجَلِ، لِيَبْلُوَ سَعْيَهُمْ وَاجْتِهَادَهُم، وِلِيَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، وَاللهِ الحُجَّةُ البَالِغَةُ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ شَرَّ القَدَرِ لَا يُكْشَفُ لِلْخَلْقِ، حَتَّى إِذَا دَخَلُوا الجَنَّةَ فَعِنْدَ ذَلِكَ
_________________
(١) العقيدة الطحاوية (ص: ٤٩ - ٥٠).
(٢) الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء لابن عبد البر (ص: ٣١٥).
(٣) سورة الذاريات: (٥٦)، ونقله أيضا في الحُجَّة في بيان المحجة (١/ ١٠٣ - ١٠٤).
[ ١ / ١٧٩ ]
يَطَّلِعُونَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّهَا دَارُ الخُلُودِ، وَالْبَلْوَى زَائِلَةٌ، وَالتَّعَبُّدُ عَنْ أَهْلِهَا مَوْضُوعٌ، وَاللهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ، وَهُوَ الجَوَادُ الكَرِيمُ" (^١).