الأَوَّلُ: قَالَ ﵀: "وَفِيهِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ أَعْلَمُ مِنْ عُمَرَ، وَهَذِهِ إِحْدَى المَسَائِلِ الَّتِي ظَهَرَ فِيهَا فَضْلُ عِلْمٍ أَبِي بَكْرٍ ﵁ وَرَجَاحَةُ رَأَيِهِ" (^٢).
الثَّانِي: بَوَّبَ البُخَارِيُّ ﵀ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ: بَابُ: الخُوخَةِ وَالمَمَرِّ فِي المَسْجِدِ، وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ قِوَامُ السُّنَّةِ ﵀: "وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى مَزِيَّةِ عِلْمٍ أَبِي بَكْرٍ، أَوْجَبَ أَبُو سَعِيدٍ العِلْمَ لِلْجَمَاعَةِ، وَجَعَلَ لِأَبِي بَكْرٍ مَزِيَّةً، فَقَالَ: (وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا).
وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَعْلَمَ الصَّحَابَةِ، لِأَنَّ أَبَا سَعِيدٍ ﵁ شَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ بِحَضْرَةِ جَمَاعَتِهِمْ، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَحَدٌ" (^٣).
ثُمَّ قَالَ فِي نِهَايَةِ كَلَامِهِ عَنْ أَحَادِيثِ البَابِ: "وَفِي أَمْرِهِ ﷺ بِسَدِّ الأَبْوَابِ الْمُشْرَعَةِ إِلَى الْمَسْجِدِ غَيْرَ بَابٍ أَبِي بَكْرٍ ﵁ اخْتِصَاصٌ شَدِيدٌ لِأَبِي بَكْرٍ ﵁ " (^٤).
_________________
(١) التحرير في شرح صحيح مسلم (ص: ٥٧٨).
(٢) ينظر: (٣/ ٢١١) من قسم التحقيق.
(٣) ينظر: (٢/ ٤١٥ - ٤١٦) من قسم التحقيق.
(٤) ينظر: (٢/ ٤١٧) من قسم التحقيق.
[ ١ / ١٩٥ ]
* الثَّالِثُ: عِنْدَ شَرْحِهِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: (لَمْ أَعْقِلْ أَبَوِيَّ إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدَّينَ).
قالَ ﵀: "فِي الحَدِيثِ مِنْ فَضْلِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ مَا لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ أَحَدٌ، لِأَنَّهُ قصَدَ إِظْهَارَ كِتَابِ اللهِ مَعَ الخَوْفِ، وَلَا يَبْلُغُ أَحَدٌ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ" (^١).
الرَّابِعُ: ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الأَذَانِ، لَمَّا أَعَادَ شَرْحَ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ السَّابِقِ، قَالَ ﵀: "قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: (وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا)، وَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ أَحَدٌ فِي الصَّلَاةِ، وَجَعَلَ مَا كَانَ إِلَيْهِ مِنْهَا بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ لِأَبِي بَكْرٍ، كَانَ جَمِيعُ أُمُورِ الإِسْلَامِ تَبعًا لِلصَّلَاةِ، وَلِهَذَا قَدَّمَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَصَحَّ أَنَّهُ أَفْضَلُ الأُمَّةِ بَعْدَهُ.
فَإِنِ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِحَدِيثِ الذَّنَوبِ وَالذُّنُوبَيْنِ فِي حَقِّ عُمَرَ ﵁، وَقَوْلِهِ: (فِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ) (^٢).
قِيلَ: إِنَّمَا الضَّعْفُ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي وَلِيَهَا لَا فِي عِلْمِهِ، قَلَّتْ مُدَّتُهُ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ نَشْرِ السُّنَنِ وَتَثْبِيتِهَا، لأنَّهُ ابْتُلِي بِارْتِدَادِ النَّاسِ، وَمُقَاتَلَةِ العَرَبِ.
وَأَمَّا مُرَاجَعَةُ عَائِشَةَ ﵂ وَحِرْصُهَا أَنْ يُسْتَخْلَفَ غَيْرُ أَبِي بَكْرٍ، فَإِنَّمَا خَشِيَتْ أَنْ يَتَشَاءَمَ النَّاسُ بِإِمَامَةِ أَبِي بَكْرٍ، فَيَقُولُونَ: مُذْ أَمَّنَا هَذَا فَقَدْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ " (^٣).
_________________
(١) ينظر: (٢/ ٤٢٣) من قسم التحقيق.
(٢) أخرجه البخاري في مواطنَ، منها: (رقم: ٣٦٦٤)، ومسلم (رقم: ٢٣٩٢) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) ينظر: (٢/ ٥٣٨ - ٥٣٩) من قسم التحقيق.
[ ١ / ١٩٦ ]
* الخَامِسُ: قَالَ ﵀: وَقَوْلُهُ: (وَلَيْسَ فِيكُمْ مَنْ تُقْطَعُ الأَعْنَاقُ إِلَيْهِ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ ﵁)، يُرِيدُ أَنَّ السَّابِقَ مِنْكُمُ الَّذِي لَا يَلْحَقُ شَأْوَهُ فِي الفَضْلِ أَحَدٌ لَا يُكُونُ مِثْلًا لأَبي بَكْرٍ، أَيْ: فَلَا يَطْمَعَنَّ أَحَدٌ أَنْ يُبايَعَ كَمَا بُويعَ أَبُو بَكْرٍ، وَلَا يَطْمَعَنَّ أَنْ يُبَايَعَ مِنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ" (^١).
السَّادِسَ: أَشَارَ ﵀ إِلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَلْمَحَ إِلَى أَنَّهُ الخَلِيفَةُ مِنْ بَعْدِهِ، فَقَالَ ﵀: "وَفِي جَعَلِ النَّبِيِّ ﷺ بَابَهُ فِي الْمَسْجِدِ لِيَخْلُفَهُ فِي الإِمَامَةِ، فَيَخْرُجَ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى المَسْجِدِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْرُجُ، وَمَنْعِ النَّاسِ كُلِّهِمْ مِنْ ذَلِكَ خُصُوصِيَّةٌ لَهُ، لَمْ يَخُصَّ بِهَا غَيْرَهُ، وَدَلِيلٌ عَلَى خِلَافَتِهِ بَعْدَهُ" (^٢).
وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا عَلَيْهِ عَامَّةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ مِنْ أَنَّ خِلَافَةَ الصِّدِّيقِ ﵁ ثَبَتَتْ بِالنَّصِّ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ: هَلْ كَانَتْ بِالنَّصِّ الخَفِيِّ أَوِ الجَلِيِّ (^٣)؟
قَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ ﵀: "وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَلَّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى اسْتِخْلَافِ أَبِي بَكْرٍ، وَأَرْشَدَهُمْ إِلَيْهِ بِأُمُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَأَخْبَرَ بِخِلَافَتِهِ إِخْبَارَ رَاضٍ بِذَلِكَ حَامِدٍ لَهُ، وَعَزَمَ عَلَى أَنْ يَكْتُبَ بِذَلِكَ عَهْدًا، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ فَتَرَكَ الْكِتَابَ اكْتِفَاءً بِذَلِكَ، ثُمَّ عَزَمَ عَلَى ذَلِكَ فِي مَرَضِهِ يَوْمَ الْخَمِيسِ، ثُمَّ لَمَّا حَصَلَ لِبَعْضِهِمْ شَكٌّ: هَلْ ذَلِكَ الْقَوْلُ مِنْ جِهَةِ
_________________
(١) (٥/ ٣٧٢) من قسم التحقيق.
(٢) (٢/ ٤١٦) من قسم التحقيق.
(٣) ينظر في تحرير القول في هذه المسألة: الفصل في الملل والنحل لابن حزم (٤/ ٨٧ - ٨٩)، مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٣٥/ ٤٧ - ٤٩)، منهاج السنة النبوية له (١/ ١٣٩ - ١٤١)، تفسير القرآن العظيم لابن كثير (١/ ٥٩)، شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (ص: ٤٨١).
[ ١ / ١٩٧ ]
الْمَرَضِ، أَوْ هُوَ قَوْلٌ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ؟ تَرَكَ الْكِتَابَةَ اكْتِفَاءً بِمَا عَلِمَ أَنَّ الله يَخْتَارُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ مِنْ خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁.
فَلَوْ كَانَ التَّعْيِينُ مِمَّا يُشْتَبَهُ عَلَى الْأُمَّةِ، لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ بَيَانًا قَاطِعَا لِلْعُذْرِ، لَكِنْ لَمَّا دَلَّتْهُمْ دِلَالَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ عَلَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ هُوَ الْمُتَعَيَّنُ، وَفَهِمُوا ذَلِكَ، حَصَلَ الْمَقْصُودُ" (^١).