﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧]،
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]
سَخَّرَ: ذَلَّلَ.
٧٤٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا الجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ، أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أَوْ يَرُدَّهُ إِلَى مَسْكَنِهِ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» (^١).
هَذَا البَابُ مِنَ المُؤلِّفِ ﵀ فيه بَيَانُ عِظَمِ شَأنِ اللهِ ﷿، وأنَّ كَلِمَاتِهِ
_________________
(١) ورواه مسلم (١٨٧٦).
[ ٢١٩ ]
لا تُحصَى ﷾، فَإنهُ جل وعلا: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢] ﷾، وكُلُّ ما في العَالمِ قَدِيمًا وحَدِيثًا كُلُّهُ بِأمرِهِ وتَكوينِهِ ﷾، وهَكَذَا ما يَكُونُ في العَالمِ بعدَ البَعثِ والنُشُورِ كُلُّهُ بِأمرِهِ ﷾ وتَكوِينِهِ؛ ولِهذَا قَالَ ﷾: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ [الكهف: ١٠٩]، وهَكَذَا يَقُولُ سُبحَانَهُ: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾ [لقمان: ٢٧]، فَلا يُحصِي كَلِمَاتِهِ أَحَدٌ ﷾.
وهَذَا يعمُّ الكَلَامَ الكَونِيَّ والكَلَامَ الشَّرعِيَّ، كَلَامُهُ الكَونِيُّ الذي يَأمُرُ به ﷾، يَأمُرُ بِتَكوِينِ الأَشيَاءِ وخَلقِهَا وإِيجَادِهَا، ويَشمَلُ الكَلَامَ الشَّرعِيَّ مما أَنْزَلَ على رُسلِهِ مِنْ كَلِمَاتِ القُرآنِ، وكَلِمَاتِ التَّورَاةِ، وكَلِمَاتِ الإِنجِيلِ، وكَلِمَاتِ الزَّبُورِ، وجَمِيعِ الكَلِمَاتِ المُنزَّلةِ على الأَنبِياءِ ﵈ في الصُّحُفِ التي أُنزِلَت عَلَيهِم، فلا يُحصِي ذَلكَ إلا هو ﷾.
ثم هو يُخبِّرُ عِبَادَهُ أَنَّه رَبَّهُمْ وخَالَقَهُم ومُدِبَّرَ شُئُونِهِم: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]-يَعْنِي: خَلقَ الشَّمسَ والقَمرَ والنُّجُومَ- ﴿مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ [الأعراف: ٥٤] … مُذلَّلَات بِأمْرِهِ ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤] يَعْنِي: بِأمْرِهِ. ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
كُلُّ هَذَا يِشمَلُ الكَلَامَ كُلَّهُ. ذَكرَ الخَلقَ والأَمرَ، فَالخَلقُ ما يَتَعَلَّق بِالْمَخلُوقَاتِ، والأَمرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالأَقوَالِ.
[ ٢٢٠ ]
وهَكَذَا قَولُهُ في سُورَةِ يُونُسَ: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ [يونس: ٣].
فهو مُدَبِّرُ الأُمُورِ ﷾، يَعرِفُ العَبدُ رَبَّه بِأنَّه خَالِقُ السَّمَوَاتِ وخَالِقُ الأَرضِ، وَرَبُّ كُلُّ شَيءٍ ومَلِيكُهُ، وأنَّه الإِلَهُ الحَقُّ المُستَحِقُّ لِلعِبَادةِ، وأنَّهُ ذُو الأَسمَاءِ الحُسنَى والصِّفَاتِ العُلَا، وَأنَّه لا شَبِيهَ له، ولا كُفءَ له، ولا ندَّ لَه، وأنَّ كَلِمَاتِهِ لا تُحصَى، ولو جُمِعَ ما في الأَرضِ مِنْ شَجَرٍ، وجُمِعَ ما فيها مِنْ أَقلَامٍ، وجُمِعَ ما فيها من بِحَارٍ وكُتُبٍ بهَذِه الأَقلَامِ كُلَّ شَيءٍ حَتَّى تَنتَهِيَ البِحَارُ -لم تَنفَدْ كَلِمَاتُ اللهِ ﷾.
ومَن هَذِه صِفَتُهُ هو المُستَحِقُّ لأن يُعبَدَ جل وعلا، وهو المُستَحِقُّ لأن يُطَاعَ أَمرُهُ، ويُنْتَهى عن نِهيِهِ جل وعلا، وهو المُستَحِقُّ لأن تَخضَعَ له العِبَادُ طَائِعِينَ مُمتَثِلِينَ لِأمْرِه، تَارِكِينَ لما نَهَى عنه، وَاِقِفِينَ عند حُدُودِهِ.
ولكِنْ جَهْلُ الأَكْثَرِ بِاللهِ، وجَهْلُهُمْ بِدِينِهِ، وجَهلُهُمْ بِصِفَاتِهِ وأَسمَائِهِ هُو الَّذِي أَوقَعَهُم فِيمَا أَوقَعَهُم فيهِ مِنَ الشِّركِ بِاللهِ، والمَعصِيَةِ له ﷾، ولِهذَا يَقُولُ جل وعلا: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٣، ٤٤]. فَجَعَلَهُم أَضَلَّ مِنَ الأَنعَامِ، مِنْ البَقرِ والإِبِلِ والغَنَمِ؛ لِجَهلِهِم بِاللهِ وجَهلِهِمْ بِدِينِهِ واتِّبَاعِهِم أَهوَاءَهُم.
وفي سُورَةِ الأَعرَافِ يَقُولُ سُبحَانَهُ: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
[ ٢٢١ ]
حَكَمَ عَلَيهِم بِأَنَّهم أَضَلُّ، شَبَّهَهمْ بِالأَنعَامِ ثم حَكَمَ بأنهم أَضَلُّ مِنَ الأَنعَامِ؛ لِإعْرَاضِهِم عن الحَقِّ وجَهلِهِم به، والأَنعَامُ قد تَهتَدِي لِمَصَالِحَها، أَمَّا هَؤلاءِ فقَدْ ضَلُّوا عن مَصَالِحِهِم، وعن نَجَاتِهِم وعن أَسبَابِ سَعَادَتِهِم؛ فَصَارُوا أَضَلَّ منَ الأَنعَامِ، وأَسوَأَ حَالًا مِنَ الأَنعَامِ، ثم حَكَمَ عَلَيهِم فَقَالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾، لَيْسَ هُنَاكَ أَحَدٌ أَشَدَّ غَفلَةً مِنْ هَؤلَاءِ؛ لَمَّا أَعرَضُوا عن دِينِ اللهِ واسْتَكبَرُوا عن طَاعَتِهِ واتَّبَعُوا أَهوَاءَهُم، وإن حَذَقُوا في أيِّ صِنَاعَةٍ وفي أيِّ اخْتِرَاعٍ؛ لا قِيمَةَ لذَلكَ، وإن طَارُوا في السَّمَاءِ وإن غَاصُوا في البِحَارِ لا قِيمَةَ لذَلكَ؛ لما جَهِلُوا أَمرَ اللهِ وجَهِلُوا دِينَهُ، وجِهِلُوا أَسبَابَ السَّعَادَةِ.
يُقالُ: كَلمِاتُ اللهِ عِلمُهُ؟
لا، الكَلمِاتُ غَيرُ العِلمِ.
أَحسَنَ اللهُ إِليكَ: مُناسَبةُ الحَدِيثِ لِلبَابِ؟
قَولُهُ: «هو تَصْدِيقٌ بِكَلِمَتِي» بِكَلمَاتِ اللهِ، التَّصدِيقُ بِكَلِمَاتِ اللهِ مِنْ أهمِّ الإِيمَانِ، ولِهذَا قَالَ: «أن تُؤمِنَ بِاللهِ ومَلَائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسَلِهِ واليَومِ الآخِرِ»، والتَّصْدِيقُ بِكَلِمَاتِ اللهِ مما يُوجِبُهُ الإِيمَانُ.
والعِلمُ أَوسَعُ من الكَلَامِ، الكَلَامُ مِنْ عِلمِ اللهِ، ولَمَّا أَنزلَ اللهُ قَولَهُ: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥] قَالَتْ اليَهُودُ: عندنا التَّورَاةُ فَهَلْ هِيَ قَلِيلٌ من عِلمِ اللهِ؟ قَالَ: نعَم، التَّورَاةُ بِالنِّسبَةِ إلى عِلمِ اللهِ قَلَيلٌ. اللهُ أَكبَرُ.
* * *
[ ٢٢٢ ]