«وَلَمْ يَقُلْ: مَاذَا خَلَقَ رَبُّكُمْ»، وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وَقَالَ مَسْرُوقٌ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: «إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالوَحْيِ سَمِعَ أَهْلُ السَّمَوَاتِ شَيْئًا، فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ وَسَكَنَ الصَّوْتُ، عَرَفُوا أَنَّهُ الحَقُّ وَنَادَوْا: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٢٣]».
وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «يَحْشُرُ اللَّهُ العِبَادَ، فَيُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ: أَنَا المَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ».
٧٤٨١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «إِذَا قَضَى اللَّهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ، ضَرَبَتِ المَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خَضْعَانًا لِقَوْلِهِ كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ - قَالَ عَلِيٌّ: وَقَالَ غَيْرُهُ- صَفْوَانٍ يَنْفُذُهُمْ ذَلِكَ فَإِذَا: ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣]».
[ ٢٥٨ ]
قَالَ عَلِيٌّ: وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ بِهَذَا، قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ. قَالَ عَلِيٌّ: قُلْتُ لِسُفْيَانَ: قَالَ سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ لِسُفْيَانَ: إِنَّ إِنْسَانًا رَوَى عَنْ عَمْرٍو بْن دِينَار، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَرْفَعُهُ: أَنَّهُ قَرَأَ: ﴿فُزِّعَ﴾، قَالَ سُفْيَانُ: هَكَذَا قَرَأَ عَمْرٌو، فَلَا أَدْرِي سَمِعَهُ هَكَذَا أَمْ لَا؟ قَالَ سُفْيَانُ: وَهِيَ قِرَاءَتُنَا.
﴿فُزِّعَ﴾ [سبأ: ٢٣] بِعَينٍ مُهمَلَةٍ، ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ: ٢٣] يَعْنِي: زَالَ عنها الفَزعُ، وفي قِرَاءَةٍ أُخرَى: (فُرِّغ).
٧٤٨٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِلنَّبِيِّ ﷺ يَتَغَنَّى بِالقُرْآنِ». وَقَالَ صَاحِبٌ لَهُ: يُرِيدُ: أَنْ يَجْهَرَ بِهِ (^١).
_________________
(١) ورواه مسلم (٧٩٢).
[ ٢٥٩ ]
«ما أَذِنَ» يَعْنِي: ما اسْتَمعَ، وهَذَا يَدُلُّ على شَرعِيَّةِ تَحسِينِ الصَّوتِ بِالقُرآنِ والتَّغَنِّي به، ما هو مَعنَاهُ الغِنَاءُ، ولكن مَعنَاهُ مِثلُ ما فَسَّرهُ، وهو الجَهْرُ به مع تَحسِينِ الصَّوتِ، اللهُ أَكبَرُ.
«النَّبيُّ» جِنسٌ؟
جِنسُ النَّبيِّ نعم. في اللَّفظِ الآخَرِ «مِنْ نَبِيٍّ»، المَعرُوفُ بِالتَّنكِيرِ.
أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، قَولُهُ: «ﷺ» من كَلَامِ النَّبِيِّ؟
كُل نبيٍّ يُقَالُ له هَذَا، كُلُّ الأَنبِياءِ يُقَالُ لهُم: ﷺ.
في الحَدِيثِ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِلنَّبِيِّ ﷺ»، يَعْنِي الرَّسُولَ ﷺ صلى على جِنسِ الأَنبِيَاءِ؟
وهَذَا مُحتَمِلُ، يَحتَاجُ إلى تَأَمُّلٍ، قد يَكُونُ قَالَهُ وقد يَكُونُ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ.
٧٤٨٣ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَقُولُ اللَّهُ: يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ
[ ٢٦٠ ]
وَسَعْدَيْكَ، فَيُنَادَى بِصَوْتٍ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ» (^١).
وفي اللَّفظِ الآخَرِ: «بَعثَ النَّارِ» (^٢) بِالإِضَافَةِ، قَالَ: «يا رَبِّ ومَا هُوَ بَعْثُ النَّارِ؟». قَالَ: «مِنْ كُلِّ ألْفٍ تِسعُمَائةٍ وتِسعَةٌ وتِسعُونَ» اللهُ أَكبَرُ، كمَا يَأَتِي.
٧٤٨٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَبُّهُ أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ فِي الجَنَّةِ» (^٣).
(الشَّيخُ): اللَّهُمَّ ارْضَ عنها، اللَّهُمَّ ارْضَ عنها، رَاجِعِ الشَّرحَ على البَابِ.
[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤٥٤)]: «قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْده الا لمن أذن لَهُ﴾ «وَسَاقَ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ثُمَّ قَالَ: «وَلَمْ يَقلْ مَاذَا خلق ربُّكُم؟». قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: اسْتَدَلَّ الْبُخَارِيُّ
_________________
(١) ورواه مسلم (٢٢٢).
(٢) رواه البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٣٧٩) (٢٢٢).
(٣) ورواه مسلم (٢٤٣٤، ٢٤٣٥).
[ ٢٦١ ]
بِهَذَا عَلَى أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ قَدِيمٌ لِذَاتِهِ، قَائِمٌ بِصِفَاتِهِ، لَمْ يَزَلْ مَوْجُودًا بِهِ، وَلَا يَزَالُ كَلَامُهُ لَا يُشْبِهُ الْمَخْلُوقِينَ، خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ الَّتِي نَفَتْ كَلَامَ اللَّهِ، وَلِلْكُلَّابِيَّةِ فِي قَوْلِهِمْ: هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْفِعْلِ وَالتَّكْوِينِ، وَتَمَسَّكُوا بِقَوْلِ الْعَرَبِ: قُلْتُ بِيَدِي هَذَا، أَيْ: حَرَّكْتُهَا، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْكَلَامَ لَا يُعْقَلُ إِلَّا بِأَعْضَاءٍ وَلِسَانٍ، وَالْبَارِي مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ؛ فَرَدَّ عَلَيْهِمُ الْبُخَارِيُّ بِحَدِيثِ الْبَابِ وَالْآيَةِ، وَفِيهِ أَنَّهُمْ إِذَا ذَهَبَ عَنْهُمُ الْفَزَعُ قَالُوا لِمَنْ فَوْقَهُمْ: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ سَمِعُوا قَوْلًا لَمْ يَفْهَمُوا مَعنَاهُ مِنْ أَجْلِ فَزَعِهِمْ؛ فَقَالُوا: مَاذَا قَالَ؟ وَلَمْ يَقُولُوا: مَاذَا خَلَقَ؟ وَكَذَا أَجَابَهُمْ مَنْ فَوْقَهُمْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ بِقَوْلِهِمْ: قَالُوا الْحَقَّ.
وَالْحَقُّ أَحَدُ صِفَتَيِ الذَّاتِ الَّتِي لَا يَجُوزُ عَلَيْهَا غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى كَلَامِهِ الْبَاطِلُ، فَلَوْ كَانَ خَلْقًا أَوْ فِعْلًا لَقَالُوا خَلَقَ خَلْقًا إِنْسَانًا أَوْ غَيْرَهُ، فَلَمَّا وَصَفُوهُ بِمَا يُوصَفُ بِهِ الْكَلَامُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ بِمَعْنَى التَّكْوِينِ. انْتَهَى.
وَهَذَا الَّذِي نَسَبَهُ لِلْكُلَّابِيَّةِ بَعِيدٌ مِنْ كَلَامِهِمْ، وَإِنَّمَا هُوَ كَلَامُ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ، فَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي «خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ» عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ: أَنَّ الْمَرِيسِيَّ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نقُول لَهُ كن فَيكون﴾: هُوَ كَقَوْلِ الْعَرَبِ: قَالَتِ السَّمَاءُ فَأَمْطَرَتْ، وَقَالَ الْجِدَارُ هَكَذَا، إِذَا مَالَ، فَمَعنَاهُ قَوْلُهُ إِذَا أَرَدْنَاهُ إِذَا كَوَّنَّاهُ.
وَتَعَقَّبَهُ أَبُو عُبَيْدٍ بِأَنَّهُ أُغْلُوطَةٌ؛ لِأَنَّ الْقَائِلَ إِذَا قَالَ: قَالَتِ السَّمَاءُ؛ لَمْ يَكُنْ كَلَامًا صَحِيحًا حَتَّى يَقُولَ فَأَمْطَرَتْ، بِخِلَافِ مَنْ يَقُولُ: قَالَ الْإِنْسَانُ فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ قَالَ كَلَامًا، فَلَوْلَا قَوْلُهُ فَأَمْطَرَتْ لَكَانَ الْكَلَامُ بَاطِلًا؛ لِأَنَّ السَّمَاءَ
[ ٢٦٢ ]
لَا قَوْلَ لَهَا، فَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْبُخَارِيُّ وَهَذَا أَوَّلُ بَابٍ تَكَلَّمَ فِيهِ الْبُخَارِيُّ عَلَى مَسْأَلَةِ الْكَلَامِ وَهِيَ طَوِيلَةُ الذَّيْلِ». [انتهى كلامه].
وهَذَا أَوَّلُ بَابٍ أو الأَبْوَابُ التي سَبَقَت: ﴿إنما أمره إذا أراد شَيْئًا أن يقول له كن فيكون﴾؟
كأنَّ قَصْدَهُ أَنَّه أَفرَدَهُ لِهذَا الشَّيءِ، أَفرَدَهُ لِهذَا الشَّيءِ المُتَغَلِّبِ، والكِتَابُ كُلُّهُ مَلْآنٌ، وإلَّا فهو أَفرَدَهُ لِهذَا الشَّيءِ.
[قال الحَافِظُ ﵀]: «وَهِيَ طَوِيلَةُ الذَّيْلِ قَدْ أَكْثَرَ أَئِمَّةُ الْفِرَقِ فِيهَا الْقَوْلَ، وَمُلَخَّصُ ذَلِكَ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ «الِاعْتِقَادِ»: «الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ، وَكَلَامُ اللَّهِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ مَخْلُوقًا وَلَا مُحْدَثًا وَلَا حَادِثًا، قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل: ٤٠]، فَلَو كَانَ الْقُرْآنُ مَخلُوقًا لَكَانَ مَخلُوقًا يكن وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ اللَّهِ لِشَيْءٍ بِقَوْلٍ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ قَوْلًا ثَانِيًا وَثَالِثًا فَيَتَسَلْسَلُ وَهُوَ فَاسِدٌ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣)﴾ [الرحمن: ١ - ٣]، فَخَصَّ الْقُرْآنَ بِالتَّعْلِيمِ؛ لِأَنَّهُ كَلَامُهُ وَصِفَتُهُ، وَخَصَّ الْإِنْسَانَ بِالتَّخْلِيقِ؛ لِأَنَّهُ خَلْقُهُ وَمَصْنُوعُهُ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَقَالَ: خَلَقَ الْقُرْآنَ وَالْإِنْسَانَ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء: ١٦٤]، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَلَامُ الْمُتَكَلِّمِ قَائِمًا بِغَيْرِهِ». [انتهى كلامه].
قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: هَذَا كَلَامٌ يُؤذِي ويُتْعِبُ، ولِهذَا يَقُولُ بَعضُ السَّلَفِ -وأَظُنَّهُ ابنَ المُبَارَكِ ﵀-: «إِنَّنَا نَستَطِيعُ أن نَحكِيَ كَلَامَ اليَهُودِ ونَحكِيَ كَلَامَ
[ ٢٦٣ ]
النَّصَارَى ولكن لا نَستَطِيعُ أن نَحكِيَ كَلَامَ الجَهمِيَّةِ» (^١). يَعْنِي: لِشنَاعَتِهِ وخُبثِهِ.
المَقْصُودُ: أنَّ هَذِه الأَدِلَّةَ والأَحَادِيثَ كُلَّها وَاضِحَةٌ في إِثبَاتِ الصِّفَاتِ للهِ وإِثبَاتِ الكَلَامِ، وَأنَّه قَالَ ويَقُولُ وتَكَلَّمَ ويَتَكَلَّمُ إذا شَاءَ ﷾.
وهَذَا من أَعظِمِ الصِّفَاتِ، ومِن أَعظَمِ الكَمَالِ، كَونُهُ يُوصَفُ بِأنَّه قَالَ وَيقُولُ جل وعلا ويَتَكَلَّمُ، وَأنَّه أَنزلَ الكُتُبَ على الأَنبِيَاءِ، وتَكَلَّمَ سُبحَانَهُ بِالقُرآنِ، كُلُّ هَذَا مِنْ أَعظَمِ الدَّلَائِلِ على اسْتِحقَاقِهِ العِبَادةَ، وَأنَّه رُبُّ العَالَمِينَ، وأنهُ الخَلَّاقُ العَلِيمُ، وَأنَّه الذي يَقُولُ للشَّيءِ كُنْ فَيكُونُ ﷾، وليسَ عَدَمُ الكَلَامِ صِفَةَ كَمَالٍ، ولكنَّها صِفَةُ نَقصٍ؛ لِأَنَّهَا مِنْ صِفَاتِ الجَمَادِ.
والحَاصِلُ: أنَّ ما جَاءَتْ به هَذِه الأَدِلَّةُ هو مَحضُ ما تَقتَضِيهِ العُقُولُ السَّلِيمَةُ، العُقُولُ الصَّحِيحَةُ والفِطَرُ السَّلِيمَةُ مِنْ إِثبَاتِ صِفَةِ الكَلَامِ للهِ أَنَّه قالَ ويَقُولُ جل وعلا، ويَتَكَلَّمُ فيما مَضَى، ويَتَكَلَّمُ فيما يَأتِي ﷾ على الوَجهِ اللَّائِقِ به ﷾، لا يُشَابِهُهُ خَلقُهُ في شَيءٍ مِنْ صِفَاتِهِ، لا في الكَلَامِ ولا في غَيرِهِ.
ولِهذَا يَقُولُ يَومَ القِيَامةِ لآدَمَ ﵇: «أَخرِجْ بَعثَ النَّارِ» (^٢). هَذَا كَلَامٌ غَيرُ الكَلَامِ السَّابِقِ، ويَقُولُ لِأهلِ الجَنَّةِ: «هل رَضِيتُم؟ يَقُولُونَ: يا رَبَّنَا مَا لنَا لا نَرضَى وقد أَعطَيتَنَا ما لَمْ تُعطِ أَحَدًا مِنْ خَلقِكَ؟! أَلم تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟! أَلَمْ تُثقِّلْ مَوازِينَنَا؟! ألَمْ تُدْخِلْنَا الجَنَّةَ؟! ألَمْ تُنجِّنَا منَ النَّارِ؟!» (^٣). وهَكَذَا يَقُولُ
_________________
(١) رواه البخاري في «خلق أفعال العباد» (ص ٣٠).
(٢) رواه البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢) (٣٧٩).
(٣) رواه البخاري (٦٥٤٩)، ومسلم (٩) (٢٨٢٩)، دون قوله: «ألم تبيض وجوهنا …» إلخ.
[ ٢٦٤ ]
﷾ لِأَهلِ الجَنَّةِ: «السَّلَامُ عليكُمْ».
والمَقْصُودُ: أن الكَلَامَ يَتَجَدَّدُ وقتًا بعد وَقتٍ ولِهذَا قَالَ: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ (٢)﴾ [الأنبياء: ٢]، ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ [الشعراء: ٥] يَعْنِي: جَدِيدًا، بعد أن لم يَتَكَلَّمْ تَكَلَّمَ ﷾، والقُرْآنُ تَكَلَّمَ به بعدَ التَّورَاةِ، والإِنجِيلُ بعد التَّورَاةِ وهَكَذَا.
وهَذِه الأَحَادِيثُ التي ذَكَرهَا الْمُؤَلِّفُ كُلُّها وَاضِحَةٌ في كَلَامِهِ سُبحَانَهُ، وَأنَّه يُسمَعُ، وأنَّ له صَوتًا يُسمَعُ، تَسمَعُهُ الْمَلَائِكَةُ وتَسمَعُ كَلَامَهُ، وهَكَذَا سِمِعَهُ جبرَائِيلَ ﵇، وهَكَذَا سَمِعَهُ مُحَمَّدٌ ﷺ حين أُسْرِيَ به حينَ عُرجَ به إلى السَّمَاءِ، وهَكَذَا سَمِعَهُ مُوسَى ﵊: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء: ١٦٤]. وهَذَا هو الكَلَامُ الذي يَعقِلُهُ النَّاسُ، تَعقِلُهُ الأُمَمُ أَنَّه يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ يُسمَعُ.
يَكفِي؛ لأنَّ كَلَامَهُم في كَلَامِ اللهِ كَلَامٌ صَعبٌ على القُلُوبِ وصَعبٌ على الآذَانِ سَمَاعُهُ، قَبَّحَهُمُ اللهُ.
لِمَنْ المَقَالَةُ هَذِه: إنا لَنَحكِي كَلَامَ اليَهُودِ والنَّصَارَى؟
عَبدُ اللهِ بنُ الْمُبَارَكِ ﵀.
* * *
[ ٢٦٥ ]