وَقال النَّبِيُّ ﷺ: «كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» يُقَالُ مُيَسَّرٌ: مُهَيَّأٌ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَسَّرْنَا القُرْآنَ بِلِسَانِكَ: هَوَّنَّا قِرَاءَتَهُ عَلَيْكَ.
وَقَالَ مَطَرٌ الوَرَّاقُ: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]، قَالَ: هَلْ مِنْ طَالِبِ عِلْمٍ فَيُعَانَ عَلَيْهِ.
وهَذَا من رَحمَةِ اللهِ ﷿ أنَّ اللهَ يَسَّرَهُ لِلعِبَادِ، وجَعَلَهُ في مُتَنَاوَلِهِم إذا صَدَقُوا في حِفظِهِ وفَهمِهِ يَسَّرَهُ لهم ﷾، فإذا صَدَقَ العَبدُ في تَدَبُّرِهِ والاسْتِفَادةِ منه حَصَلَ له الخَيرُ العَظِيمُ، والعِلمُ العَظِيمُ الْمُبَاركُ، وهَكَذَا حِفظُهُ، فالْمُهِمُّ الصِّدقُ في ذَلكَ والحِرصُ والرَّغبَةُ الصَّادِقِةُ في حِفظِهِ وفَهمِهِ، واللهُ يُعِينُ على ذَلكَ ويُيَسِّرُهُ ﷾.
قَولُهُ: «هل من طَالِبِ عِلمٍ فَيُعَانُ عليه»، هل المَقصُودُ به الحِفظُ، أو المَقصُودُ به التَّدَبُّرُ؟
العُمُومُ، الحِفظُ من العِلمِ، والفَهمُ أَعظَمُ، وَرَأسُ العِلْمِ وأَصلُ العِلْمِ
[ ٤١٠ ]
هو القُرآنُ، فمَن أَرَادَ العِلمَ فَليتَدَبَّرِ القُرآنَ ولَيعتَنِ بِالقُرآنِ: حِفظًا، وتَدَبُّرًا، وعَمَلًا، ومُذَاكَرةً.
وكان عِلمُ الصَّحَابةِ ﵃ أَكثَرُهُ كُلُّهُ مِنَ القُرآنِ بَعضُهُم لا يَحفَظُ إلا أَحَادِيثَ قَلِيلَةً، لكن نَفَعَهُمُ اللهُ بِعلمِهِم وعِنَايِتِهِم بِكِتَابِ اللهِ ﷿، «هل مِنْ طَالِبِ عِلمٍ فَيُعَانُ عليه»، من أَقبَلَ على القُرآنِ هو مِنْ أَفضَلِ الطَّلَبةِ وأَهمِّ الطَّلَبَةِ وأَكمَلِهِم عِلمًا؛ لأن الإِقبَالَ على القُرآنِ مع العِلْمِ يُعطِي خَشيَةً للهِ، وتَعظِيمًا للهِ، ومُرَاقِبَةً وخَوفًا منه، وَجِدَّةً في طَاعَتِهِ، وحِرْصًا على مَرضَاتِهِ، وحَذَرًا مِنْ عِقَابهِ، فهو يُرَبِّي في القُلُوبِ الخَوفَ مِنَ اللهِ، والرَّغبَةَ فيما عنده، وخَشيَتَهُ ﷾ مع ما يَحصُلُ منَ العِلمِ.
أيُّهما أفضَلُ يا شَيخُ، أنْ يَحفَظَ القُرآنَ أو يَتَدَبَّرُه، أو يَحفَظ قَلِيلًا منَ القُرآنِ ويَتَدَبَّرُ مَعنَاهُ؟
كَونُهُ يَحفَظُ ويَتَدَبرُ أَفضَلُ، الذي يَحفَظُ وَيَقرَأُ ولو نَظرًا ويَتَدَبَّرُ هَذَا هو العِلمُ، وإذا يَسَّرَ له حِفظَهُ كَامِلًا؛ هَذَا خَيرٌ إلى خَيرٍ، لكن تَدَبُّرُهُ والعِنَايةُ به ولو نظرًا أَفضَلُ مِنْ مُجَرَّدِ الحِفظِ بِغَيرِ عِنَايَةٍ.
القُرآنُ يُقَدَّمُ على مِثلِ هَذِه المَجَالِسِ؟
لا، هَذِه الْمَجَالِسُ مَجَالسُ عِلمٍ، والقُرآنُ له أَوقَاتٌ أُخْرَى، اللهُ وَسَّعَ الوَقتَ، يَجعَلُ لِلحفْظِ وَقتًا، وللتِّلَاوَةِ وَقتًا، ولِمَجَالسِ العِلْمِ وَقتًا، لا يُغنِي هَذَا عن هَذَا.
هل وَاجِبٌ على المُسلِمِ أن يَجعَلَ وَقتًا للتَّدَبُّرِ في كُلِّ يَومٍ؟
لا، ما هو بِوَاجِبٍ كُلَّ يَومٍ، حَسبَ الطَّاقَةِ، ما فيه شَيءٌ مُحَدَّدٌ،
[ ٤١١ ]
الوَاجِبُ أن يَتَدَبَّرَ ويَعتَنِيَ حَتَّى يَتَّقِيَ رَبَّهُ، يَفعَلُ ما لا يَسعُهُ جَهَلُهُ، يَفعَلُ ما يُعِينُهُ على فَهمِ ما أَوجَبَ اللهُ وتَركِ ما حَرَّمَ اللهُ، مِنْ غَيرِ تَحدِيدٍ.
وقد نبَّه سُبحَانَهُ على هَذَا المَعنَى بقَولِهِ: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩] ما قَالَ يَتلُو، لِيتَدَبَّرُوا، والْمُهِمُّ التَّدَبُّرُ، ﴿مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩]، ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢]، ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]، ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤] إنما هو بِالتَّدَبُّرِ.
يَتَدَبَّرُ يَعْنِي يَتَفَكَّرُ؟
نعم يَتَفَكَّرُ في الْمَعَانِي يَعْنِي.
هل مِنَ المَعَانِي دَائمًا الرُّجُوعُ منه إلى التَّفسِيرِ.
يَرجِعُ إلى التَّفسِيرِ فيما أَشكَلَ عليه، الوَاضِحُ ما يَحتَاجُ ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥)﴾ [الحجر: ٤٥]، ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧)﴾ [الطور: ١٧]، وما أَشبَهَ ذَلكَ ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥)﴾ [الزخرف: ٧٤، ٧٥]، ما هو يَحتَاجُ إلى التَّفسِيرِ إذا سَمِعَهُ حَصلَ لِقَلبِهِ منَ الخُشُوعِ والإِنَابَةِ والخَيرِ الشَّيءُ الكَثِيرُ، وإذا أَشكَلَ عليه بَعضُ الأَحكَامِ يُرَاجِعُ التَّفسِيرَ.
المُتَشَابِهُ؟
ما أَشكَلَ عليه يَرجِعُ إلى التَّفسِيرِ ويَرجِعُ إلى أَهْلِ العِلْمِ يَسأَلُهُم.
[ ٤١٢ ]
٧٥٥١ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، قَالَ يَزِيدُ: حَدَّثَنِي مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عِمْرَانَ، قَالَ: قُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ.
فِيمَا يَعْمَلُ العَامِلُونَ؟ قَالَ: «كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» (^١).
٧٥٥٢ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، وَالأَعْمَشِ، سَمِعَا سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ كَانَ فِي جَنَازَةٍ فَأَخَذَ عُودًا فَجَعَلَ يَنْكُتُ فِي الأَرْضِ، فَقَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ أَوْ مِنَ الجَنَّةِ»، فَقَالُوا: أَلَا نَتَّكِلُ؟ قَالَ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ»، ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل: ٥] الآيَةَ (^٢).
يَعْنِي قَالَ: كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ له، كما جَاءَ في الرِّوَايَةِ الأُخْرَى، ثم قَرَأَ الآيَةَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل: ٥ - ١٠]. المَعنَى: أن القَدَرَ مَاضٍ، والأَعمَالَ مِنْ أَسبَابِ التَّيسِيرِ لِمَا سَبَقَ، أَعمَالُ الخَيرِ مِنْ أَسبَابِ التَّيسِيرِ لِلحُسنَى والسَّعَادَةِ، وأَعمَالُ الشَّرِّ مِنْ أَسبَابِ التَّيسِيرِ للشَّقَاوَةِ والهَلَاكِ. اللهُ أَكبَرُ، اللهُ أَكبَرُ.
_________________
(١) ورواه مسلم (٢٦٤٩).
(٢) ورواه مسلم (٢٦٤٧).
[ ٤١٣ ]
«سَعدُ بنُ عُبَيدَةَ» كذا؟
«سَعدُ بنُ عُبَيدٍ»
(الطَّالبُ): عندنَا ابنُ عُبَيدَةَ.
قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: لا، سَعدُ بنُ عُبَيدٍ مَولَى ابنِ الأَزهَرِ، الْمَشهُورِ في الرِّوَايَةِ، الذي نَعرِفُهُ سَعدُ بنَ عُبَيدٍ مَولَى ابنِ الأَزهَرِ أمَّا هَذَا شَخصٌ آخَرُ.
(الشَّيخُ) رَاجِعْ عندك لَعلَّهُ شَخصٌ آخِرُ؟
[قال الإِمَامُ العَينِيُّ ﵀ في «عُمدَةِ القَارِي» (٢٨/ ٥٠٠)]: «وَسعْدُ بن عُبَيْدَة أَبُو حَمْزَة بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّاي السّلمِيّ بِالضَّمِّ الْكُوفِيُّ خَتَنُ أَبِي عَبدِ الرَّحْمَنِ السّلمِيِّ، واسْمُهُ عَبدُ اللهِ بنُ حَبِيبٍ الْكُوفِيُّ الْقَارِيُ ولِأَبِيهِ صُحْبَةٌ». [انتهى كلامه].
قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: هَذَا غَيرُهُ، غَيرُ سَعدِ بنِ عُبَيدٍ مَولَى ابنِ الأَزهَرِ.
[قال الحَافِظُ ابنُ حجَرٍ ﵀ في «تَقريبِ التَّهذيبِ» (٢٢٤٩)]: «سَعدُ بنُ عُبَيدَةَ السّلمِيُّ، أَبو حَمزَةَ الكُوفِيُّ، ثِقَةٌ منَ الثَّالِثَةِ، مَات في وِلَايةِ عُمرَ بنِ هُبَيرةَ على العِراقِ، ع» (^١).
(الشَّيخُ): والذي قَبلَهُ؟
[قال الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ ﵀ في «تَقريبِ التَّهذيبِ» (٢٢٤٩)]: «سَعدُ بنُ عُبَيدٍ الزُّهرِيُّ مَولَى عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ أَزهَرَ، يُكَنَّى أَبَا عُبَيدٍ، ثِقَةٌ منَ الثَّانِيَةِ، وقِيلَ: له إِدْرَاكٌ، ع».
قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: هَذَا الأَوَّلُ ابنُ أَزهَرِ بنِ عُبَيدٍ، وهَذَا السُّلَمِيُّ بِالهَاءِ ابنُ عُبَيدَةَ.
* * *
_________________
(١) «التقريب» (٢٢٤٩)
[ ٤١٤ ]