٧٥٢١ - حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، قَالَ: «اجْتَمَعَ عِنْدَ البَيْتِ ثَقَفِيَّانِ وَقُرَشِيٌّ - أَوْ قُرَشِيَّانِ وَثَقَفِيٌّ - كَثِيرَةٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ، قَلِيلَةٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَتَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ مَا نَقُولُ؟ قَالَ الآخَرُ: يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنَا وَلَا يَسْمَعُ إِنْ أَخْفَيْنَا، وَقَالَ الآخَرُ: إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا، فَإِنَّهُ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ [فصلت: ٢٢]» الآيَةَ (^١).
(الشَّيخُ): عندَكَ (كَثِيرَةٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ)؟ نبَّه الشَّارحُ عليه؟ كأنَّه على مُضَافٍ إِلَيه، قد يُؤنَّثُ الْمُضَافُ لِتَأنِيثِ الْمُضَافِ إليه، كما قَالَ ابنُ مَالِكٍ.
_________________
(١) ورواه مسلم (٢٧٧٥).
[ ٣٤٥ ]
وَرُبَّمَا أَكْسَبَ ثَانٍ أَوَّلَا
تَأْنِيثًا انْ كَانَ لِحَذْفٍ مُوْهَلَا
وأَنَّثَ «كَثِيرَةً»؛ مُرَاعَاةً لأنَّ الشَّحمَ مُضَافٌ إلى البُطُونِ، والِفقَهَ مُضَافٌ إلى القُلُوبِ وهي مُؤَنَّثةٌ.
[قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤٩٦)]: «وَإِنَّمَا وَصَفَ الْجَمِيعَ بِقِلَّةِ الْفِقْهِ؛ لِأَنَّ هَذَا الَّذِي أَصَابَ لَمْ يَعْتَقِدْ حَقِيقَةَ مَا قَالَ بَلْ شَكَّ بِقَوْلِهِ: «إِنْ كَانَ». وَقَوْلُهُ فِي وَصْفِهِمْ: «كَثِيرَةٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ قَلِيلَةٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ» وَقَعَ بِالرَّفْعِ عَلَى الصِّفَةِ وَيَجُوزُ النَّصْبُ، وَأَنَّثَ الشَّحْمَ وَالْفِقْهَ لِإِضَافَتِهِمَا إِلَى الْبُطُونِ وَالْقُلُوبِ، وَالتَّأْنِيثُ يَسْرِي مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ إِلَى الْمُضَافِ أَوْ أَنَّثَ بِتَأْوِيلِ شَحْمٍ بِشُحُومٍ وَفِقْهٍ بِفِهُومٍ». [انتهى كلامه].
قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: ولا شَكَّ مِثْلمَا بَيَّنَ ﷾ أَنَّه يَعلَمُ السِّرَّ وأَخفَى، وَأنَّه يَسمَعُ الخَفِيَّ والجَهرَ ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣)﴾ [الملك: ١٣]، فهو عَلِيمٌ بِأَحوَالِهِم سَمِيعٌ لِمَقَالِهِم، وإن خَفِيَ على مَنْ يَلتَصِقُ بهم، فإنَّه لا تَخفَى عليه خَافِيَةٌ، سَمعُهُ بِكُلِّ شَيءٍ، وعِلمُهُ لِكُلِّ شَيءٍ ﷾.
والمَقصُودُ مِنْ ذِكرِ قِصَّةِ الثَّقَفِيِّينِ والقُرشِيِّ أو عَكسِهِ: التَّنبِيهُ على الرَّسُولِ ﷺ، يُنَبِّهُ العَبَادَ على أنَّ الوَاجِبَ الحَذَرُ مِنَ اللهِ، وأنهُ يَعلَمُ السِّرَّ وأَخفَى ويَسمَعُ النَّجوَى ولا تَخفَى عليه خَافِيَةٌ، فَعَليكَ يَا عَبدَ اللهِ أنْ تَحذَرَ ما حَرَّمَ عليك، وأن تَبتَعِدَ عن ذَلكَ سِرًّا وجَهْرًا، وأن تَعلَمَ يَقِينًا أَنَّه لا يَخفَى عليه خَافِيَةٌ ﷾؛ فَالوَاجِبُ تَعظِيمُهُ والحَذَرُ مِنْ نِقمَتِهِ، والإِقَامَةُ الدَّائِمَةُ على طَاعَتِهِ واتِّبَاعُ شَريعَتِهِ، وتَعظِيمُ أَمرِهِ ونَهيِهِ، فلا يَخفَى عليه خَافِيَةٌ
[ ٣٤٦ ]
﷾، بِخِلَافِ الْمَخلُوقِ فإنه يَخفَى عليه ما غَابَ عنه وما حِيلَ بينَه وبينه، أمَّا اللهُ ﷾ فهو لا يَخفَى عليه خَافِيَةٌ جل وعلا.
قَولُ الآخَرِ: إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا، فَإِنَّهُ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا، مِنْ قَبِيلِ الفِقهِ؟
على كُلِّ حَالٍ هَذَا نَوعٌ مِنْ الفِقْهِ، لكِنْ ما أَنْكَرَ عَليهِ، إذا كَانَ عنده فَقْهٌ أَنكرَ عليه.
* * *
[ ٣٤٧ ]