التصور والذهن، وما علم الله -تعالى- أنه سيكون، فهو شيء في التقدير، والعلم والكتاب، وإن لم يكن شيئًا في الخارج كما قال الله -تعالى-: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (١) .
فلفظ الشيء في الآية يتناول ما وجد، وما يتصوره الذهن موجودًا، ولا يستثنى من ذلك شيء، لا أفعال العباد، ولا أفعاله -تعالى-، سواء المتعدية، أو اللازمة،
كما قال -تعالى-: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٢) .
فجمع في الآية بين النوعين من الأفعال، المتعدية واللازمة.
والقدرة تتعلق بكل ما تتعلق به المشيئة، فإن ما شاء الله كان، ولا يكون شيء إلا بقدرته -تعالى-: ولهذا قال -تعالى-: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاء قَدِيرٌ﴾ (٣) . ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤)
والشيء في الأصل، مصدر شاء، يشاء، شيئًا، كنال، ينال، نيلًا، ثم وضعوا المصدر موضع المفعول، فسموا "المشاء" شيئًا، كما سموا المنال: نيلًا، فقالوا: نيل المعدن، كما يسمى المقدور: قدرة، والمخلوق: خلقًا، فقوله تعالى: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: على كل ما يشاء، فمنه ما قد شاءه فوجد، ومنه ما لم يشأه ﴿فلم يوجد﴾ وهو شيء في العلم، بمعنى أنه قابل لأن يشاءه.
_________________
(١) الآية ٨٢ من سورة يس.
(٢) الآية ٤ من سورة الحديد، انتهى من "مجموع الفتاوى" ملخصًا (٨/٧-١١) .
(٣) الآية ٢٩ من سورة الشورى.
(٤) الآية ١٢٠ من سورة المائدة، المصدر السابق (ص٣٨٣) .
[ ١ / ٢٠٢ ]
فهذا العموم يتناول ما كان شيئًا في الخارج، والعلم، وما كان في العلم فقط، بخلاف ما لا يجوز أن تتناوله المشيئة، وهو الحق -تعالى- وصفاته، أو الممتنع لنفسه، فإنه غير داخل في العموم، ولهذا اتفق الناس على أن الممتنع لنفس ليس بشيء" اهـ (١) .
_________________
(١) المصدر السابق (ص٣٨٣) .
[ ١ / ٢٠٣ ]
١٩- قال: " حدثني إبراهيم بن المنذر، حدثنا معن بن عيسى، حدثني عبد الرحمن ابن أبي الموالي، قال: سمعت محمد بن المنكدر يحدث عبد الله بن الحسن، يقول: أخبرني جابر بن عبد الله، السلمي، قال: كان رسول الله -ﷺ- يعلم أصحابه الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمهم السورة من القرآن، يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم فإن كنت تعلم هذا الأمر - ثم تسميه بعينه - خيرًا لي، في عاجل أمري وآجله - قال: أو: في ديني ومعاشي، وعاقبة أمري- فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه، اللهم إن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: في عاجل أمري وآجله - فاصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به".
جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، الأنصاري الخزرجي، من أكابر علماء الصحابة، والحريصين على تحصيل العلم، فقد ذكر له عدة رحلات في طلب الحديث، منها: أنه رحل من المدينة إلى مصر من أجل حديث واحد، كما ذكره البخاري في "صحيحه" معلقًا، وكان حافظًا مكثرًا عن رسول الله -ﷺ-، وهو مفتي المدينة في زمانه، له مناقب كثيرة.
قال الواقدي: توفي سنة ثمان وسبعين، وقال صاحب الحلية: سنة سبع وسبعين. قيل: إنه عاش أربعًا وتسعين سنة، - ﵁ - وعن سائر صحابة رسول
[ ١ / ٢٠٤ ]