وبه (عن حماد عن إبراهيم النخعي، عن علقمة عن عبد الله (١». أي ابن مسعود فإنه المراد عند الإطلاق في مصطلح المحدثين وفيه إيماء إلى أنه أكمل وأفضل من سائر العبادلة، ولذا لم يعده في مقام المماثلة.
(قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا معشر الصحابة الاستخارة) أي طلب الخير (في الأمر) أي في المهم المحتمل للخير والشر إذ لا استخارة في فعل نفس
_________________
(١) عبد الله بن مسعود كان أفضل من سائر العبادلة
[ ١٧ ]
الطاعة ولا في ترك نفس المعصية، والمعنى أنه كان يبالغ في تعليمنا دعاء الاستخارة في ظهور الأمر والشأن (كما يعلمنا السورة من القرآن)، وقد ورد مختصرًا اللهم خِرْ لي واختر لي، ولا تَكِلْني إلى اختياري، وفي رواية اللهم خِر لي، واجعل الخيرة فيه، وكذا ورد اللهم اهدني لأحسن الأعمال لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، وقد جاء مطولًا كما بينه بقوله (١) (وفي روايته) عن ابن مسعود وغيره (قال: قال رسول الله ﷺ إذا أراد) أي إذا قصد.
(وفي رواية إذا هم أحدكم أمرًا) من الأمور ويكون مترددًا فيه بين فعله وتركه لعدم معرفة خيره وشره في عالم الظهور (فليتوضأ) أي وضوء حسنًا يستوعب فرائض وسننًا (وليركع من باب إطلاق الجزء على الكل، أي ليصل (ركعتين) أي شفعًا من الصلاة فإنه أقلها ويقرأ فيهما الكافرون والإخلاص أو آية ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ويَختَارُ مَا كَان لهُمْ الخِيرَةُ سُبحَانَ الله وَتَعالى عَمَّا يُشرِكُونَ﴾ (٢) وآية ﴿ومَا كَانَ لِمُؤمِنٍ وَلا مُؤمِنةٍ إذا قَضَى الله ورَسُولُهُ أمرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخيرَةُ مِن أمرِهِم ومَنْ يَعْصِ الله ورَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا مُبيِنًا﴾ (٣).
وفي رواية (من غير الفريضة) اهتمامًا باستقلال هذه الفضيلة (ثم ليقل) بلسانه حاضرًا بجنانه (اللهم) أي يا الله آمنّا بخير وادفع عنا كل ضير (إني أستخيرك) أي أطلب خيرك، وأطلب منك الخير والعلم به في هذا الأمر
_________________
(١) قال في غنية المستعلي: والاستخارة في الحج والجهاد وجميع أبواب الخير يتحمل على تعيين الوقت لا على نفس الفعل وإذا استخار فهي لما ينشرح له صدره وينبغي أن يكررها سبع مرات لما روى ابن السني عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: يا أنس إذا هممت فاستخر ربك فيه سبع مرات، ثم انظر إلى الذي سبق إلى قلبك فإن الخير فيه. مشتاق أحمد ..
(٢) القصص ٦٨.
(٣) الأحزاب ٣٦.
[ ١٨ ]
(بعلمك) أي بسبب علمك المحيط بالخير والشر والنفع والضر كما أشار إليه قوله ﷾: ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لكُم وَعَسَى أَنْ تُحِبُوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لكُمْ والله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعلَمُون﴾ (١)
(وأستقدرك) أي أطلب منك أن تجعل لي على الخير قدرة وقوة (بقدرتك) أي بحولك وإرادتك والباء فيهما للاستعانة أي أطلب منك خيرًا مستعينًا بعلمك وقدرتك أو للاستعطاف أي بحق علمك وحرمة قدرتك.
وفي رواية النسائي وأستهديك بقدرتك وأسألك من فضلك أي العظيم كما في أكثر الروايات.
وفي رواية البزار عن ابن مسعود وأسألك من فضلك برحمتك فإنهما بيدك لا يملكهما أحد سواك (فإنك تعلم ولا أعلم وتقدر ولا أقدر) بكسر الدال، وهو الرواية في أكثر الأصول فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم، والرواية الأولى تناسب ترتيب ما تقدم، والأخرى تلائم ما أخر من قوله (وأنت علام الغيوب) بضم الغين وكسرها، أي كثير العلم بما غاب من العباد، (اللهم إن كان هذا الامر) الذي يريده كما في رواية البزار (خيرًا لي في معيشتي).
وفي رواية البزار في ديني ودنياي، (وخيرًا لي في عاقبة أمري فيسره لي) أي فسهله كما في رواية وفي رواية أخرى فوفقه أي اجعله وفق مقصودي وبارك لي فيه (وزاد) أي ابن مسعود في رواية كما في رواية البزار (وإن كان غيره) أي غير ذلك كما في رواية أي غير الأمر المذكور أو المحصور (خيرًا) أي لي كما في رواية (فاقدر) بضم الدال أي فقدر لي الخير.
وفي رواية فوفقني للخير (حيث كان) الخير (ثم رضني به) بتشديد الضاد
_________________
(١) البقرة ٢١٦.
[ ١٩ ]
المكسورة أي أرضني كما في رواية، والحديث بطوله في البخاري والأربعة عن جابر ورواه ابن حيان، عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري، والحاكم، عن أبي أيوب بروايات مختلفة وعبارات مؤتلفة، وقد بسطت الكلام عليها في الحرز الثمين شرح حصن الحصين.
وقد روى الحاكم والترمذي، عن سعيد بن أبي وقاص مرفوعًا من سعادة ابن آدم استخارته الله تعالى، ومن شقاوته تركه استخارة الله تعالى.
وروى الطبراني في الأوسط عن أنس ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار، وقال بعض الحكماء: من أعطي أربعًا لم يُمنع أربعًا من أعطي الشكر لم يمنع المزيد، ومن أعطي التوبة لم يُمنع القبول، ومن أعطي الاستخارة لم يُمنع الخير ومن أعطي المشورة لم يُمنع الصواب.
وبه (عَنْ حَمَّاد عَنْ إبراهيم، عَنْ عَلقَمَة عَنْ عبد الله بن مسعود قال: جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله هل يبقى أحد من الموحدين) أي المؤمنين، أو غير المشركين ليشتمل الموحدين من أهل الجاهلية (في النار) أي في قعر دار البوار معذبًا على وجه الإكثار (قال: نَعَم) يَبْقَى (رَجَلٌ يَكونُ فِي قَعْرِ جَهنّم يُنادِي بالحَنّان المنّان) إما بطريق الثناء، وإما على وجه النداء وهما بتشديد النون فيهما للمبالغة من الحنان بالخفة وهو الرحمة ومن المنة بمعنى العطية، وبمعنى الامتنان فإنه يمن على عباده بالنعمة كقوله تعالى: ﴿بَل الله يَمُنُّ عَلَيْكُم﴾ (١) الآية وعن علي كرم الله وجهه: الحنان من يقبل على من أعرض عنه والمنان من يبدأ
_________________
(١) الحجرات ١٧.
[ ٢٠ ]
بالنوال قبل السؤال، وقد عدا من الاسم الأعظم والله أعلم والمعنى أنه يبالغ في ذكرهما (ويرفع صوته بهما حتى يسمع صوته جبرائيل ﵇ فيعجب) بفتح الجيم أي فيتعجب (من ذلك القنوت) في ذلك المقام، (فقال) أي جبرائيل (العجب) أي هذا العجب الذي منه ينبغي أن يتعجب (العجب) كرر للمبالغة، وروي بالنصب أي أعجب العجب أو أعجب لعجب، (ثم لم يصبر) أي جبرائيل (حتى يصير) أي يرجع ويسير (بين يدي عرش الرحمن) أي قدامه طالبًا مرامه (ساجدًا) لربه وحامدًا أوعابدًا (فيقول الله ﵎) أي له مشاهدًا لفعله، ومشاهدًا لقوله (ارفع رأسك) حتى ادفع بأسك (يا جبرائيل) الأمين، فيرفع رأسه ذلك الحين (فيقول) أي الله (تعالى ما رأيت من العجائب أي شيء) علمت من الغرائب (والله أعلم) أي منه ومن غيره (بما رآه) في جميع المراتب (فيقول يا رب) أي يا ربي خصوصًا ورب العالمين عمومًا (سمعت صوتًا) أي غريبًا من قعر جهنم قريبًا ينادي صاحب ذلك الصوت (بالحنان المنان فتعجبت من ذلك الصوت) البهي الشأن في ذلك المكان (فيقول الله) عز اسمه ومسماه (تبارك) خيراته ومبراته (وتعالى) ذاته وصفاته أن يشبهها مخلوقاته ومصنوعاته (يا جبرائيل اذهب إلى مالك) خازن النار هنالك، (وقل له أخرج منها العبد الذي ينادي بالحنان والمنان) في ذلك الزمان (فيذهب جبرائيل ﵇ إلى باب من أبواب جهنم) لطلب المرام (فيضربه) أي فيدق الباب (فيخرج إليه مالك للجواب).
[ ٢١ ]
(فيقول جبرائيل ﵇: إن الله ﵎ يقول أخرج العبد الذي ينادي بالحنان والمنان، فيدخل) أي مالك في طبقات النار (فيطلب ذلك العبد) في تلك الدار (فلا يوجد) إشارة إلى كمال فنائه في مقام عنايته، (وإن مالكًا) أي والحال أن مالكًا (أعرف بأهل النار من الأم) أي الأمهات، ولو من الحيوانات (بأولادها) من الذكور والبنات فيخرج حيرانًا (فيقول لجبرائيل) معتذرًا (إن جهنم زفرت) بفتح الفاء يقال: زفر النار سمع لتوقدها صوتًا. والمعنى توقدت وصاحت زفرة عظيمة (لا أعرف الحجارة من الحديد) في تلك الحال، (ولا الحديد من الرجال فيرجع جبرائيل ﵇ حتى يصير بين يدي عرش الرحمن ساجدًا) ولإظهار العبودية وفق عابدًا (فيقول ﵎: ارفع رأسك يا جبرائيل)، فإنك رفيع القدرعند ربك الجليل (لم) أي لأي شيء (لم تجيء لعبد) أي باحضاره عندي فيقول (يا رب إن مالكًا يقول معذرة إن جهنم قد زفرت زفرة لا أعرف الحجر من الحديد) في المقام الشديد (ولا الحديد من الرجال) من شدة الأهوال (فيقول الله ﷿ قل لمالك) أي على لساني (إن عبدي في قعر كذا وكذا) من مكان البلايا، (وفي سر كذا وكذا) من
[ ٢٢ ]
الخفايا (وفي زاوية كذا وكذا) من الزوايا (فيدخل) الفاء فصيحة أي فيجيء جبرائيل إلى مالك (فيخبره) بما تقرر هنالك (فيدخل) مالك ثانيًا (فيجده في المحل الذي قيل له) إنه فيه مطروحًا منكوسًا، أي مقلوبًا معكوسًا (مشدودًا) أي مربوطًا (ناصيته) منضمة (إلى قدميه ويداه إلى عنقه) أي معه مغلولًا أو مسلسلًا (واجتمعت عليه، الحيات والعقارب) وتعلقت به في جميع جهاته من المشارق والمغارب (فيجذبه جذبة) أي فيأخذه أخذة قوية توترة في المراتب حتى تسقط عنه الحيات والعقارب (ثم يجذبه جذبة أخرى) أقوى من الجذبة الأولى بإذن المولى (حتى تنقطع منه السلاسل والأغلال) ويرتفع عنه الأهوال (ثم يخرجه من النار فيصيره) أي فيجعله مغموسًا في (الحياة) التي ليس بعدها الممات (ويدفعه) أي يسلمه (إلى جبرائيل) وهو الروح الأمين (فيأخذه) أي جبرائيل بناصيته ويمدّه مدًّا أي يجره جرًا إلى ناصية (فما مر به) جبرائيل (على ملأ) أي على جمع أشراف (من الملائكة إلا وهم يقولون أف) بفتح الفاء المشدودة وبكسرها وقد تنون. وهذه الثلاث قراءات، وفيها أربعون لغات أي يتضجر (لهذا العبد حتى يصير) أي جبرائيل (بين يدي عرش الرحمن ساجدًا فيقول الله ﵎: ارفع رأسك يا جبرائيل) ليكون شاهدًا مشاهدًا (فيقول الله): أي لذلك العبد (عبدي) أي يا عبدي: (ألم أخلقك بخلق حسن) بفتح الخاء أي بصورة حسنة لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ في أَحْسَنِ تقْويم﴾ (١)، (ألم أرسل إليك رسولًا) يدلك عليَّ (ألم
_________________
(١) التين ٤.
[ ٢٣ ]
يقرأ) أي الرسول (عليك كتابي) ليهديك إليَّ (ألم يأمرك) أي الرسول (بالمعروف وينهك) أي ولم يمنعك (عن المنكر) تخويفًا لما لدي (حتى يقر العبد بذنبه) ويعترف بسوء نسبه وحلم ربه (فيقول الله تعالى: فلم فعلت كذا وكذا) من المناهي والملاهي (فيقول العبد: يارب ظلمت نفسي) ظلمًا كثيرًا في المعصية (حتى ألقيت في النار) بسببه (كذا وكذا خريفًا) أي سنةً، لكن مع هذا كله (لم أقطع رجائي منك) مع خوفي آخر أمري (بالحنان والمنان) لرفع عسري، (فأخرجتني بفضلك من دار الملامة فارحمني) برحمتك العامة وأدخلني دار السلامة (فيقول الله ﵎: اشهدوا يا ملائكتي بأني رحمته أعطيته جنة فيها نعمة.
وقد ذكر عند الحسن البصري أن آخر من يخرج من النار رجل يقال له هناد وبعدما عذب ألف عام ينادي يا حنان يا منان فبكى الحسن البصري وقال: ليتني كنت هناد فتعجبوا منه فقال: ويحكم أليس يومًا يخرج في الجملة ولا يخلد فيها كذا في منهاج العابدين للغزالي.
وفي الشمائل للترمذي، عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: "إني لأعلَمُ أول رَجُلٍ يَدخُلُ الجَنَّةَ، وآخر رَجُلٍ يَخرُجُ مِنَ النَّارِ يُؤْتى بالرَّجُل يَوْمَ القِيَامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه ومحونا عنه كبارها فيقال: عملت يوم كذا وكذا وهو مقر لا ينكر وهو مشفق من كبارها فيقول أعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة،
[ ٢٤ ]
فيقول: إن [لي] ذنوبًا ما أراه ههنا" قال أبو ذر: فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه.
وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: "إني لأَعرِفُ آخر أهل النَّار خُروجًا، رجلٌ يَخرجُ مِنْها زَحفًْا فيقال له: انطلق فادخل الجنَّة، قَال فَيذْهبُ لِيَدْخُلَ فَيَجِدُ النَّاس أخذُوا المنازل فيرجع فيقُولُ تَمَنَّ فَيَتمَنى فيُقالُ لَهُ فَإنَّ الذي تمنيْت وعَشَرةَ أضْعَافِ الدُّنْيَا قال فيقول: نَعَم أتسخر بي، وأَنْتَ المَلِك؟ " قَالَ فَلقَد رأيتُ رسول الله ﷺ ضحك حتى بَدتْ نَواجِذُهُ.