(وبه عن حماد عن إبراهيم، عن من لا أتهم) يعني عن الثقة عندي (عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال لا يستام الرجل على سوم أخيه) نفي معناه نهي والمساومة المجاذبة بين البائع والمشتري على السلعة وسام يسوم سومًا واستام بها أي طلبها لشرائها.
وصورة السوم على سوم أخيه المسلم أن يقول واحد للمشتري بعد تراضي المتعاقدين رد السلعة لا بيع منك خيرًا منها، أو يقول للبائع استردها لأشتريها منك بأكثر من ثمنها، قيل ومجرد سكوت أحدهما لا يدل على رضاه، بل لا بد من تصريحه فإن وجد ما يدل على الرضا ففيه وجهان كذا قاله النووي ورواه، ابن الملك في شرح المشارق، والله أعلم بالحقائق.
وقد روى الشيخان عن أبي هريرة لا يسم المسلم على أخيه المسلم، (ولا ينكح) أي الرجل (على خطبة أخيه) بكسر الخاء طلب المرأة ليتزوج، وروى البخاري ولفظه لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه، ويحتمل أن تكون لا ناهية، وأن تكون نافية بمعنى الناهية فإنها أبلغ في مقام الرفاهية.
قيل هذا إذا تراضيا على صداق معلوم ولم يبق إلا العقد، وأما إذا لم يكن كذلك فيجوز خطبتها لما روى أن فاطمة ابنة قيس أتت النبي ﷺ فقالت: إن أبا معاوية وأبا جهم خطباني قال ﷺ: انكحي أسامة، وقيل هذا إذا كان الخاطبان
[ ١٢١ ]
متقاربين، أما إذا كان الخاطب الأول فاسقًا، والثاني صالحًا فلا يندرج تحت هذا النهي، ولكنه خلاف الظاهر والله أعلم بالسرائر.
وقال الخطابي: الحديث يدل على جواز السوم والخطبة على سوم الكافر وخطبته لأن الله تعالى قطع الأخوة بين المسلم والكافر وذهب الجمهور إلى منعه وقالوا: التقييد بأخيه خرج على الغالب فلا يكون له مفهوم كما في قوله تعالى: ﴿وربائبكم اللاتي في حُجُوركُمْ﴾ (١) غير مقيد به ولو أريد ما هو الأعم وهو الأخوة من جهة كونهم بني آدم لحصل المقصود ولما احتيج إلى التقييد.
قال النووي لو خطب على خطبة أخيه يكون عاصيًا ويصح نكاحه، ولا يفسخ، وقال بعض المالكية لا يجوز (ولا تنكح المرأة) بصيغة المجهول نفيًا أو نهيًا أي لا تزوج (على عمتها، ولا على خالتها) رواه مسلم بهذا اللفظ عن أبي هريرة ورواه الشيخان عنه أيضًا ولفظه: لا تنكح العمة على ابنة أخيها ولا ابنة الأخت على الخالة أي لا يجوز الجمع بالنكاح بين العمة، وإن علت وبين ابنة أخيها وإن سفلت، ولا يجوز الجمع بالنكاح أيضًا بين ابنة الأخت وإن سفلت وبين الخالة وإن عَلَتْ قيل لأن ذلك يفضي إلى قطيعة الرحم.
وكذا لا يجوز الجمع بينهما في الوطىء بملك اليمين قيل هذا الحديث مشهور يجوز به تخصيص عموم الكتاب وهو قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمُ مَا وَرَاءَ ذَلِكُم﴾ (٢).
_________________
(١) النساء ٢٣.
(٢) النساء ٢٤.
[ ١٢٢ ]
(ولا تتساءل) نفي أو نهي أي لا تطلب المرأة (طلاق أختها) أي من زوجها لا حقيقة ولا حكمًا بأن تتمنى فراقها حتى تأخذ زوجها والمراد بأختها إحدى بنات آدم والله أعلم (لتكفأ) بفتح حرف المضارعة، وسكون الكاف، وفتح الفاء، والهمزة أي لتقلب ما (في جحفتها من الرزق) وترده إلى نفسها لعجزته عن نفقتهما.
والمعنى لتحصل تلك المرأة قصعة أختها خالية عما فيها، وهذا كناية أن يصير لها ما كان يحصل لضرتها من نفقة غيرها (فإن الله هو رازقها) أي كما هو خالقها.
وقد قال الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُم ثُم يُمِيتُكم﴾ (١) ففيه تنبيه أن الرزق لا بد من أن يعقب الخلق قبل الموت ولا يموت أحد إلا بعد استيفاء الرزق واستقصاء الأجل.
وقد ورد عنه ﷺ لا تستبطؤا الرزق فإنه لم يكن عبد يموت حتى يبلغه آخر الرزق هو له فاتقوا الله وأجملوا في الطلب أخذ الحلال وترك الحرام، رواه الحاكم في مستدركه، والبيهقي في دلائله عن جابر ﵁ وفي رواية للبيهقي، عن عمر ﵁ موقوفًا ما من امرء إلا وله أثر هو وَاصِلُهُ ورزق هو آكله وأجل هو بالغه وحتف هو قاتله حتى لو أن رجلًا هرب من رزقه لاتبعه حتى يدركه كما أن الموت يدرك من هرب منه ألا فاتقوا الله وأجملوا في الطلب.
والأحاديث المرفوعة والموقوفة كثيرة في هذا الباب لو ذكرناها يؤدي إلى الاطناب من جملتها ما في البخاري عن عائشة: لا تسأل المرأة طلاق أختها تستفرغ
_________________
(١) الروم ٤٠.
[ ١٢٣ ]
ما في جحفتها، وتنكح فإنما لها ما قدر لها فقوله لتنكح بالنصب على صيغة المعلوم يعني تنكح طالبة الطلاق زوج تلك المطلقة وإن كانت الطالبة والمطلوبة تحت رجل يحتمل أن يعود ضميره إلى المطلوبة يعني تنكح ضرتها زوجًا آخر فلا تشرك معها فيه.
وروى عن صيغة المجهول حتى يفعل المنكوحة وله روي لتنكح بصيغة الأمر المعلوم أو المجهول عطفًا على قوله: لا تسأل (ولا تبايعوا) بحذف أحد التاءين أي لا يبيع بعضكم بعضًا (بإلقاء الحجر) أي برميه فوق الساحة بدلًا عن الإيجاب والسؤال والمعالجات في المقام والوصول والحصول فإنه خلاف المشروع من المنقول والمعقول (وإذا استأجرت أجيرًا) أي أراد أن تأخذه (فأَعلِمْهُ أجره) أي قدر أجرته المرتبة على مقدار عمله ومحنته.
والحديث رواه البيهقي عن أبي هريرة ولفظه: لا يستأوم الرجل على سوم أخيه ولا يخطب على خطبته ولا تناجشوا ولا تبايعوا بإلقاء الحجر ومن استأجر أجيرًا فليعلمه أجره.
وروى أحمد ومسلم والأربعة عن أبي هريرة أنه ﵊ نهى عن بيع الحصاة.
وروى أحمد عن أبي سعيد أنه ﵊ نهى عن استيجار الأجير إلا حتى تبين له أجره.
[ ١٢٤ ]