وبه (عن حماد عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة أنه) أي الشأن (أهدي لها ضب) بفتح الضاد بالعجمة وتشديد الموحدة حيوان بري معروف من الحشرات قيل يعيش سبعمائة سنة فصاعدًا إذ لا يشرب الماء ويبول في كل أربعين يومًا قطرة ولا تسقط له سمن، ومن شعر حاتم الأصم:
وكيف أخاف الفقر والله رازقي ورازق هذا الخلق في العسر واليسر
يكفل بالأرزاق للخلق كلهم، والضب في البيداء والحوت في البحر
(فسألت) أي عائشة (النبي ﷺ هل يحل أكله فنهى عن أكله فجاء سائل) من الفقراء (فأمرت) أي عائشة (له) أي للسائل (به) أي بالضب بأن يدفع إليه (فقال رسول الله ﷺ) إنكارًا عليها (أتطعمين) غيرك من المسلمين (ما لا تأكلين) لقوله
[ ٩٠ ]
تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (١)
وقوله تعالى ﴿وَلاَ تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾ (٢) والحديث "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، والحديث يدلُّ على تحريمه أو كراهته.
وقد قال الدميري في حياة الحيوان إنه يحل أكل الضب بالإجماع.
وروى الشيخان، عن ابن عباس أن النبي ﷺ قيل له أحرام هو؟ قال: لا لكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه.
وفي سنن أبي داود لما رأى النبي ﷺ الضبين المشويين بزق فقال خالد: يا رسول الله أراك تقذرته، وذكر تمام الحديث، وفي رواية المسلم لا آكله ولا أحرمه، وفي الأخرى كلوه فإنه حلال، ولكنه ليس من طعامي.
قال فكل هذه الروايات صريحة في الإباحة ولا يكره أكله عندنا خلافًا لبعض أصحاب أبي حنيفة، وحكى القاضي عياض عن قوم تحريمه، وقال النووي: وما يظنه يصح عن أحمد قال في الاحياء: فالظن بأبي حنيفة أن هذه الأحاديث لم تبلغه ولو بلغته لقال بها قلت هذا من بعض الظن فإن حسن الظن بأبي حنيفة أنه أحاط بالأحاديث الشريفة من الصحيحة والضعيفة، لكنه ما رجح الحديث الدال على الحرمة أو حمله على الكراهة جمعًا بين الأحاديث وعملًا بالرواية والدراية.