٧٢ - (١) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ
جَابِرٍ قَالَ: مَا سُئِلَ النَّبِيُّ -ﷺ- شَيْئًا قَطُّ فَقَالَ لَا (^١).
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: إِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ وَعَدَ.
رجال السند:
محمد بن يوسف، هو الفريابي وسفيان، هو ابن عيينة، هما إما مان ثقتان تقدما، وابن المنكدر، هو محمد أبو عبد الله المدني، إمام ثقة.
الشرح:
فيه بيان أن رسول الله -ﷺ- لا يبخل بشيء قلّ ما عنده أو كثر، وما رد سلائلا قط، إن كان عنده شيء أعطاه، وإن لم يكن وعد بالعطاء، وهذا غاية الجود والسخاء، وقد جمع الله -ﷻ- لسيد الخلق -ﷺ- أكمل الصفا وأحسنها.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٧٣ - (٢) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِمْرَانَ، ثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ زَمْعَةَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَيِيًّا لَا يُسْأَلُ شَيْئًا إِلاَّ أَعْطَاه " (^٢).
_________________
(١) رجاله ثقات، وأخرجه الإمام مسلم حديث (٥٦ - ٢٣١١).
(٢) فيه زمعة بن صالح الجندي: ضعيف، والخبرصحيح، شاهده ما تقدم، وما أخرجه البخاري حديث (٤٢١) من حديث أنس -﵁-، وانظر: القطوف (٢٨/ ٧٢).
[ ١ / ١٥٩ ]
رجال السند:
عبد الله بن عمران الأسدي، أبو محمد الأصبهاني، ثقة، وأبو داود الطيالسي، سليمان بن داود، إمام ثقة، وزمعة صالح يماني، ضعفه
الجمهور تقدم، وأبو حازم سلم، ثقة تقدم.
الشرح: انظر السابق.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٧٤ - (٣) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْعَرَبِ قَالَ: زَحَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ حُنَيْنٍ وَفِي رِجْلِي نَعْلٌ كَثِيفَةٌ، فَوَطِئْتُ (^١) بِهَا عَلَى رِجْلِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَنَفَحَنِي (^٢) نَفْحَةً بِسَوْطٍ فِي يَدِهِ وَقَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ أَوْجَعْتَنِي» قَالَ: فَبِتُّ لِنَفْسِي لَائِمًا أَقُولُ أَوْجَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ: فَبِتُّ بِلَيْلَةٍ كَمَا يَعْلَمُ اللَّهُ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا إِذَا رَجُلٌ يَقُولُ: أَيْنَ فُلَانٌ؟ قَالَ قُلْتُ: هَذَا وَاللَّهِ الَّذِي كَانَ مِنِّي بِالأَمْسِ، قَالَ: فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مُتَخَوِّفٌ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّكَ وَطِئْتَ بِنَعْلِكَ عَلَى رِجْلِي بِالأَمْسِ فَأَوْجَعْتَنِي، فَنَفَحْتُكَ نَفْحَةً بِالسَّوْطِ، فَهَذِهِ ثَمَانُونَ نَعْجَةً فَخُذْهَا بِهَا» (^٣).
_________________
(١) زاد في بعض النسخ الخطية" بها".
(٢) المراد هنا دفعه بقوة، والنفح الضرب والرمي. انظر: (النهاية ٥/ ٨٩) وله معان أنظرها فيه. وانظر (الصحاح ٢/ ٥٩٢).
(٣) فيه محمد بن إسحاق تكلم فيه: وقد صرح بالتحديث، وهو صدوق إن شاء الله.
[ ١ / ١٦٠ ]
رجال السند:
محمد بن أحمد بن أبي خلف، إمام ثقة تقدم، وعبد الرحمن بن محمد المحاربي ثقة مدلس تقدم، ومحمد بن إسحاق بن يسار، صاحب السير والمغازي، حسن الحديث، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن
حزم، تابعي إمام ثقة، ورجل، هو صحابي من البادية.
الشرح:
فيه إشارة إلى خشونة ذلك الرجل، ولعل سبب ذلك التزاحم على رسول الله -ﷺ-، وكان رسول الله آلمه أن وطئ الرجل رجله، فجاءت النفحة فجأة من غير قصد، فأتبعها -ﷺ- بقوله: «بسم الله أوجعتني» أسف الرجل لما حدث منه، وبات في ليلته لائما لنفسه نادما، فلما أصبح إذا برجل يسأل عنه، فظن أنه مدعو لعقاب على ما كان منه، فتمالكه الخوف، فانطلق إلى رسول الله -ﷺ- فإذا به يقول له: «إنك وطئت بنعلك على رجلي بالأمس، فأوجعتني، فنفحتك نفحة بالسوط، فهذه ثمانون نعجة فخذها بها» عجبا لهذا الكمال الخلقي، ولا عجب فإنه الرحمة المهداة، وما عُلم أنه انتقم لنفسه من أحد، إلا أن يكون انتقاما لله -﷿-، ولو كان فعلا شيئا لنفسه لكان ذلك لما آذه كفار قريش، حين أتاه جبريل -﵇- فقال له: " يا محمد، فقال، ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ " فقال النبي -ﷺ-: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئا» (^١)، ولكان حين قال لقريش يوم فتح مكة: «ما ترون أني صانع بكم؟، قالوا:
_________________
(١) البخاري حديث (٣٢٣١).
[ ١ / ١٦١ ]
خيرا، أخ كريم، وابن أخ كريم قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء» (^١)، ولم يجعل منها فيئا قليلا ولا كثيرا، لا دارا ولا أرضا ولا مالا، ولم يسب من أهلها أحدا، وقد قاتله قوم فيها فقتلوا وهربوا فلم يأخذ من متاعهم شيئا،
ولم يجعله فيئا.
ما يستفاد:
* بيان لطف رسول الله -ﷺ-، إذ لم ينس نفحته للرجل رغم أنه آلمه حين وطئ قدمه.
* بيان حسن خلقه ورحمته، وتواضعه إذ سأل عنه وبين له سبب ما كان منه.
* بيان جوده -ﷺ- وسخائه، إذ دفعه للرجل قطيعا قابل نفحة سوط.
* أن الندم على الخطأ من أخلاق الكرام ومنهم الرجل إذ لم ينم ليلته أسفا على ما كان منه.
* جواز التحلل من الأخطاء ولو سببها يبيح العقوبة، وهو ما فعله الرسول -ﷺ-.
* حرص رسول الله -ﷺ- على ألا يلقى الله -﷿- بأذى أحد من الناس، يؤيد هذا أنه -ﷺ- قال: «الصلاة جامعة فاجتمع الناس فصعد المنبر، وقال: أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وقد دنا مني حقوق، من بين أظهركم، فمن شتمت له عرضا فهذا عرضي، فليستقد منه، ومن ضربت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد منه، ومن أخذت له مالا فهذا مالي فليأخذ منه، ولا
_________________
(١) معرفة السنن والآثار ١٣/ ٢٩٣.
[ ١ / ١٦٢ ]
يقولن أحدكم إني أتخوف الشحناء من رسول الله ﷺ ألا، وإنها ليست من طبيعتي، ولا من خلقي، وإن أحبكم إلي من أخذ حقا إن كان له، أو حللني فلقيت ربي، وأنا طيب النفس، فقام رجل فقال: أنا أسألك ثلاثة دراهم، فقال: من أين؟» قال: أسلفتكم يوم كذا،
وكذا فأمر الفضل بن عباس أن يقضيها إياه (^١).
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٧٥ - (٤) أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدٍ، ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: إِنَّ جِبْرِيلَ قَالَ: مَا فِي الأَرْضِ أَهْلُ عَشَرَةِ أَبْيَاتٍ إِلاَّ قَلَّبْتُهُمْ، فَمَا وَجَدْتُ أَحَدًا أَشَدَّ إِنْفَاقًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- (^٢).
رجال السند:
يعقوب بن حميد بن كاسب المدني، أبو الفضل، روى مناكير، وعبد العزيز ابن محمد الدراوردي، أبو محمد المدني، لابأس به، أخذ عليه إذا حدث من حفظه، ومحمد بن عبد الله بن مسلم، ابن أخي الزهري، لابأس به، ومحمد بن مسلم إمام ثقة، تقدم.
الشرح: تقدم ما يقوي هذا، وأن رسول الله -ﷺ- أكرم الخلق.
_________________
(١) عبد الرزاق حديث (١٨٠٤٣).
(٢) هذا من مراسيل الزهري، ولقوله هذا شاهد، انظر: رقم (١٧، ٧٢).
[ ١ / ١٦٣ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى: