٧٧ - (١) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: قَالَ الْعَبَّاسُ -﵁-: لأَعْلَمَنَّ مَا بَقَاءُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِينَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَرَاهُمْ قَدْ آذَوْكَ وَآذَاكَ غُبَارُهُمْ، فَلَوِ اتَّخَذْتَ عَرِيشًا (^٥) تُكَلِّمُهُمْ مِنْهُ؟، فَقَالَ: «لَا أَزَالُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ يَطَئُونَ عَقِبِي، وَيُنَازِعُونِي رِدَائِي، حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي يُرِيحُنِي مِنْهُمْ» قَالَ: فَعَلِمْتُ أَنَّ بَقَاءَهُ فِينَا قَلِيلٌ (^٦).
_________________
(١) الآية (٣) من سورة المؤمنون.
(٢) الآية (٣) من سورة المؤمنون.
(٣) الآية (٢١) من سورة الأحزاب.
(٤) كتب قبالته في هامش (ك) بلغ.
(٥) في حاشية (ت) عرشا، وعليها الرمز (خ).
(٦) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٣١/ ٧٦).
[ ١ / ١٦٧ ]
رجال السند:
سليمان بن حرب بن بجيل أزدي، أبو أيوب البصري، إمام ثقة، وحماد ابن زيد الجهضمي، إمام ثقة تقدم، وأيوب السختياني، إمام ثقة تقدم، وعكرمة مولى ابن عباس ثقة تقدم. وسيأتي بهذا موصولا بهذا السند.
الشرح:
قوله: «لأعلمن ما بقاء النبي -ﷺ- فينا؟».
كأن العباس -﵁- عم رسول الله -ﷺ- لاح له علامات تنبئ بقرب أجل رسول الله -ﷺ-، فقال هذا لأصحاب رسول الله -﵃-.
قوله: «إني أراهم قد آذوك وآذاك غبارهم، فلو اتخذت عريشا، تكلمهم منه». أراد العباس -﵁- الصحابة -﵃- ليكشف بهذه العبارة ما يعلم منه قرب أو بعد أجل الرسول -ﷺ-، والعريش تقدم بيان أن منه ما يكون للجلوس عليه، ومنه ما يكون للظل.
قوله: «فقال: لا أزال بين أظهرهم يطؤون عقبي، وينازعوني ردائي، حتى يكون الله هو الذي يريحني منهم».
هذه العبارة فيها أنه سيصبر على ما ذكر عمه العباس عن أصحابه -﵃-، من تجمعهم عليه، وسيرهم خلفه، منازعتهم رداءه إما للبركة، أو لحاجة استيقافه، وفيها معنى أن الأمر بيد الله -﷿- فأنا صابر طال الصبر أو قصر.
قوله: «فعلمت أن بقاءه فينا قليل».
المراد أن العباس -﵁- استنتج من ذلك عندم طول بقاء الرسول -ﷺ- فيهم، ولعل طلب العباس -﵁- قبل طلب رسول الله -ﷺ- عمل عرش كعرش موسى -﵇-، انظر ما تقدم برقم ٣٨.
[ ١ / ١٦٨ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٧٨ - (٢) أَخْبَرَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، ثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ دَاوُدَ ابْنِ عَلِيٍّ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا نَحْجُبُكَ؟ قَالَ: «لَا دَعُوهُمْ يَطَئُونَ عَقِبِي وَأَطَأُ أَعْقَابَهُمْ حَتَّى يُرِيحَنِي اللَّهُ مِنْهُمْ» (^١).
رجال السند:
الحكم بن موسى البغدادي، أبو صالح القنطري، إمام ثقة، ويحيى بن حمزة الحضرمي، أبو عبد الله القاضي الدمشقي، ثقة إمام، وعبد الرحمن ابن عمرو الأوزاعي، إمام ثقة، وداود بن علي بن عبد الله بن عباس، أبو سليمان الهاشمي، كان أميرا على الكوفة، قليل الحديث متكلم فيه، لم يرو عنه الدارمي إلا هذا الحديث.
الشرح:
قولهم: «ألا نحجبك» ابتعاده عن الناس إلا باستئذان، فلم يقبل ذلك؛ لأنه من عمل الملوك، وليس من أخلاق الأنبياء، وانظر المزيد فيما سبق.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٧٩ - (٣) أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا بْنُ عَدِيٍّ، ثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أُنَيْسِ بْنِ أَبِي يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: " خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ عَاصِبًا رَأْسَهُ بِخِرْقَةٍ (^٢)، حَتَّى أَهْوَى نَحْوَ الْمِنْبَرِ، فَاسْتَوَى عَلَيْهِ وَاتَّبَعْنَاهُ، قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ
_________________
(١) فيه داود بن علي أبو سليمان، مقبول.
(٢) في (ت) خرقة، وكلاهما يصح.
[ ١ / ١٦٩ ]
إِنِّي لأَنْظُرُ إِلَى الْحَوْضِ (^١) مِنْ مَقَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ عَبْدًا عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا فَاخْتَارَ الآخِرَةَ» قَالَ: فَلَمْ يَفْطِنْ بِهَا (^٢) أَحَدٌ غَيْرُ أَبِي بَكْرٍ، فَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ فَبَكَى ثُمَّ قَالَ: بَلْ نَفْدِيكَ بابائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا وَأَنْفُسِنَا وَأَمْوَالِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ثُمَّ هَبَطَ فَمَا قَامَ عَلَيْهِ حَتَّى السَّاعَةِ " (^٣).
رجال السند:
زكريا بن عدي، إمام ثقة تقدم، وحاتم بن إسماعيل المدني، أبو إسماعيل الحارثي، ثقة صحيح الكتاب، وأنيس بن أبي يحيى الأسلمي، ثقة لم يرو له الدارمي إلا هذا، وأبوه سمعان أبو يحيى الأسلمي لابأس به.
الشرح:
قوله: «خرج علينا رسول الله -ﷺ- في مرضه الذي مات فيه».
المراد أنه خرج من بيته الملاصق للمسجد، وهم جلوس في المسجد. ولعل هذا كان قبل موته بخمس ليال، فقد ذكر جندب -﵁- بعض خطبه في البراءة من اتخاذ خليل منهم؛ لأن الله اتخذه خليلا، وذكر الثناء على أبي بكر -﵁-، وقال جندب -﵁-: " سمعت النبي -ﷺ- قبل أن يموت بخمس " (^٤). قوله: «
_________________
(١) هو الكوثر.
(٢) في (ت، ك) لها، وصححت في حاشية (ت) بها، عليها علامة (صح) والرمز (ض).
(٣) فيه سمعان أبو يحي الأسلمي: لابأس به، أخرجه البخاري حديث (٤٦٦، وطرفا: ٣٦٥٤، ٣٩٠٤) ومسلم حديث (٢ - ٢٣٨٢).
(٤) مسلم حديث (٥٣٢).
[ ١ / ١٧٠ ]
ونحن في المسجد» أي: جلوس في المسجد، والذي يظهر أن اليوم ليس يوم جمعة.
قوله: «عاصبا رأسه خرقة».
فيه إشارة إلى أنه -ﷺ- مريض، وأنه عصب رأسه لما يجد من الألم.
قوله: «حتى أهوى نحو المنبر، فاستوى عليه واتبعناه».
المراد توجه نحو المنبر، ورقاه حتى جلس عليه، واجتمع الصحابة حول المنبر لعلمهم أنه -ﷺ- سيقول لهم أمرا ذا شأن.
قوله: «والذي نفسي بيده إني لأنظر إلى الحوض، من مقامي هذا». هذا يدل على أن الله -﷿- كشف له عن حوضه الذي ترد عليه الأمة، فمن شرب منه لا يظمأ بعد ذلك أبدا، وقد قال -ﷺ-: «فإنكم سترون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض» (^١)، وليس هذا خاصا بالصحابة -﵃- بل هو عام في كل مؤمن إلى يوم القيامة، وقد أخبر رسول الله -ﷺ- بحقيقة الحوض فقال: «أتدرون ما الكوثر؟ فإنه نهر وعدنيه ربي ﷿، عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم، فيختلج العبد منهم، فأقول: رب، إنه من أمتي فيقول: ما تدري ما أحدثت بعدك» (^٢).
قوله: «إن عبدا عرضت عليه الدنيا وزينتها فاختار الآخرة».
_________________
(١) البخاري حديث (٣١٦٣) ومسلم حديث (١٠٦١).
(٢) مسلم حديث (٤٠٠).
[ ١ / ١٧١ ]
أراد نفسه -ﷺ- فإن الله -﷿- لكرامته خيره بين أن يعطيه من الدنيا ما شاء، ويبقى فيها ما شاء، وبين أن يعطيه الآخرة ونعيمها في جوار ربه -﷿-، فاختار -ﷺ- الآخرة والرفيق الأعلى.
قوله: «فلم يفطن بها أحد غير أبي بكر فذرفت عيناه فبكى، ثم قال: بل نفديك بآبائنا وأمهاتنا وأنفسنا وأموالنا يا رسول الله».
لم يفطن الصحابة -﵃- لمراد رسول الله -ﷺ-؛ لأنهم تعودوا منه في خطبه الأمر والنهي والمواعظ، وما يذكر عن الأمم السابقة، فظنوا أن العبد المخير أحد عباد الله الصالحين من الأمم السابقة، لكن أبابكر فهم المراد، وعلم أن رسول الله -ﷺ- ينعي نفسه إلى أصحابه -﵃-، وإلى الصالحين من أمته إلى يوم القيامة، ولذلك فداه أبو بكر -﵁-، ولا غرابة فقد كان سباقا إلى كل خير -﵁-، وهو بأحوال صاحبه خبير، وقد فهم هذا أبو بكر لما نزلت سورة النصر، وتلاها رسول الله -ﷺ-.
قوله: «ثم هبط، فما قام عليه حتى الساعة».
المراد أن الرسول -ﷺ- نزل عن المنبر، وكانت هذه الخطبة آخر خطبة ألقاها على أصحابه -﵃- من فوق منبره، وهذا يؤيد أنها كانت قبل وفاته -ﷺ- بخمس ليال.
ما يستفاد:
* جواز الجلوس في المسجد ولو في غير وقت الصلاة.
* جواز أن يعصب المريض رأسه من الألم، ولا ينافي ذلك التوكل.
* السنة في إلقاء الخطب من على منبر ليراه ويسمعه كل من حضر.
* جواز القسم على ما يقال للتوكيد، ولاسيما إذا كان الخبر فيه بشارة.
[ ١ / ١٧٢ ]
* إظهار فضل رسول الله -ﷺ- وكرامته على الله -﷿- إذا أراه حوضه وهو على المنبر.
* بيان كرامته -ﷺ- على الله -﷿- إذ خيره في البقاء في الدنيا والتلذذ بمتاعها، أو الآخرة.
* بيان شوق رسول الله -ﷺ- إلى لقاء ربه واختياره الآخرة.
* فطنة أبي بكر -ﷺ- وقوة احساسه بأحوال رسول الله -ﷺ-.
* بيان عظمة حبه لله -﷿- ورسوله -ﷺ- وتضحيته في سبيل ذلك -﵁-.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٨٠ - (٤) أَخْبَرَنَا خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ، ثَنَا بَكْرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، ثَنَا ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ عُبَيْدٍ - مَوْلَى الْحَكَمِ ابْنِ أَبِي الْعَاصِ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي مُوَيْهِبَةَ - مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنِّي قَدْ أُمِرْتُ أَنْ أَسْتَغْفِرَ لأَهْلِ الْبَقِيعِ، فَانْطَلِقْ مَعِي» فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِمْ قَالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْمَقَابِرِ لِيَهْنِكُمْ مَا أَصْبَحْتُمْ فِيهِ مِمَّا أَصْبَحَ فِيهِ النَّاسُ، أَقْبَلَتِ الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يَتْبَعُ آخِرُهَا أَوَّلَهَا، الآخِرَةُ أَشَدُّ مِنَ الأُولَى» ثُمَّ أَقْبَلَ عَليَّ فَقَالَ: «يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ إِنِّي قَدْ أُوتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الدُّنْيَا وَالْخُلْدِ فِيهَا ثُمَّ الْجَنَّةُ، فَخُيِّرْتُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ لِقَاءِ رَبِّي» قُلْتُ: بابي أَنْتَ وَأُمِّي خُذْ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الدُّنْيَا وَالْخُلْدِ فِيهَا ثُمَّ الْجَنَّةَ، قَالَ: «لَا وَاللَّهِ يَا أَبَا
[ ١ / ١٧٣ ]
مُوَيْهِبَةَ لَقَدِ اخْتَرْتُ لِقَاءَ رَبِّي» ثُمَّ اسْتَغْفَرَ لأَهْلِ الْبَقِيعِ ثُمَّ انْصَرَفَ، فَبُدِئ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي وَجَعِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ " (^١).
رجال السند:
خليفة بن خياط شباب العصفري، أبو عمرو البصري، إخباري صدوق، وبكر ابن سليمان الأسواري، أبو يحيى، أخذ المغازي عن ابن إسحاق لابأس به، تفرد الدارمي بالرواية عنه، وليس له سوى هذا، ومحمد بن إسحاق، صدوق تقدم، وعبد الله بن عمر بن علي بن عدي العُبْلي، سكت عنه الأئمة، ووثقه ابن حبان، وهو معتبر على البراءة، من أفراد الدارمي بهذه الرواية، وعبيد مولى الحكم بن أبي العاص، وعبيد جبير أو جبر ابن عبد الله بن عمرو، سكت عنه الأئمة، ووثقه ابن حبان، وهو معتبر على البراءة، وهو من أفراد الدارمي بهذه الرواية.
الشرح:
فيه من لم يوثقه إلا ابن حبان، بعد سكوت الأئمة عنه، وقد صح الحديث في استغفاره -ﷺ- لأهل البقيع، وهم في ذلك الوقت أصحاب رسول الله -ﷺ-، ليس فيه سواهم ولا يمنع أن يكون الاستغفار شاملا كل من قبر بعدهم من صالحي الأمة، إلى يوم القيامة؛ لأنه -ﷺ- بعث رحمة للعالمين، وفي قوله -ﷺ-: «إني قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع فانطلق معي».
_________________
(١) فيه عبد الله بن عمر بن علي بن عدي: لم أقف عليه، وأخرجه الإمام أحمد حديث (١٥٩٩٦).
[ ١ / ١٧٤ ]
ما ينئ بأهمية الأمر، وأن من وراء ذلك نبأ عظيم، يؤيد هذا يؤيد هذا قول أبي مويهبة -﵁-: «فانطلقت معه في جوف الليل».
لأن مبادرة رسول الله -ﷺ- وخروجه في جوف الليل إلى البقيع، وإن كان سريع الإجابة لأمر ربه لا يخلوا من الإشارة إلى دنو أجله -ﷺ-، يؤيد هذا قوله -ﷺ-: «يا أبا مويهبة إني قد أوتيت بمفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي».
وقد قال بعد أن سلم عليهم: «ليهنئكم ما أصبحتم فيه مما أصبح فيه الناس، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها، الآخرة أشد من الأولى».
قد يفهم من هذه التهنئة لأهل البقيع المخاطبين في تلك اللحظة، أن الله -﷿- أطلع رسول الله -ﷺ- على أن أصحابه -﵃- هم في نعيم، لذلك هنأهم بما أصبحوا فيه من السلامة مما أصبح فيه أهل الدنيا من كثرة الفتن والتي ستتوالى عليهم، هم فيها كمن هو في ليال ذات ظلمات بعضها فوق بعض، كل فتنة هي أعظم من سابقتها.
وقد قال أبو مويهبة -﵁- لما سمع من الرسول -ﷺ- أن الله -﷿- خيره: فداه وقال: «بابي أنت وأمي، خذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة». فقال رسول الله -ﷺ-: «لا والله يا أبا مويهبة لقد اخترت لقاء ربي» مؤكدا اختياره لقاء ربه -﷿-.
قوله: «فبدئ رسول الله -ﷺ- في وجعه الذي مات فيه».
[ ١ / ١٧٥ ]
هذا يوحي بأن ذهابه ليستغفر لأهل البقيع -﵃-، كان بعد منتصف ليلة أن أصبح مريضا، وأن ذلك كان قبل وفاته -ﷺ- بخمس ليال، على غرار ما تقدم من الرواية.
ما يستفاد:
* علاوة على ما تقدم في الأمر بالاستغفار لأهل البقيه بشارة خير لهم، ولكل صالح من عباد الله يدفن فيه.
* مشروعية الدعاء والاستغفار لأهل البقيه.
* بيان محبة أصحاب رسول الله للنبي محمد -ﷺ-.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٨١ - (٥) أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ الْعَوَّامِ، عَنْ هِلَالِ بْنِ خَباب، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " لَمَّا نَزَلَتْ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَاطِمَةَ فَقَالَ: «قَدْ نُعِيَتْ إِلَيَّ نَفْسي» فَبَكَتْ فَقَالَ: «لَا تَبْكِى، فَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِي لَاحِقٌ (^١) بِي» فَضَحِكَتْ فَرَآهَا بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ -ﷺ- فَقُلْنَ: يَا فَاطِمَةُ، رَأَيْنَاكِ بَكَيْتِ ثُمَّ ضَحِكْتِ، قَالَتْ: إِنَّهُ أَخْبَرَنِي أَنَّهُ قَدْ نُعِيَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ فَبَكَيْتُ، فَقَالَ لِي: «لَا تَبْكِى، فَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِي لَاحِقٌ بِي» فَضَحِكْتُ " (^٢).
_________________
(١) في هامش الأصل (لحاقا) وكتب عليه الرمز (خ).
(٢) الحديث صحيح، انظر: القطوف رقم (٣٣/ ٨٠).
[ ١ / ١٧٦ ]
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَجَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً، وَالإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ» (^١).
رجال السند:
سعيد بن سليمان سعدويه، ثقة تقدم، وعباد بن العوام الكلابي، أبو سهل البصري ثقة، وهلال بن خباب العبدي، أبو العلاء المصري، ثقة مأمون،
وعكرمة راوية ابن عباس ثقة تقدم.
الشرح:
قوله: لما نزلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾.
سورة النصر آخر سورة نزلت كاملة بالمدينة، والمراد بالنصر نصر الله -﷿- لنبيه -ﷺ- على الكفار والمشركين كافة، والفتح المراد به فتح مكة.
قوله: «دعا رسول الله -ﷺ- فاطمة فقال: قد نُعُيت إلي نفسي».
أخبرها -ﷺ- لأنها بضعة منه ﵂، وهي آخر من بقي من بناته ﵅، ويشق عليه فراقها، لو لم تكن الآخرة خيرته.
قوله: «فبكت».
حق لها ذلك ولو لم تكن ابنته، ومن الذي لا يحزن ويبكي على فراق من أرسله الله -﷿- رحمة للعالمين.
قوله -ﷺ-: «لا تبك فإنك أول أهلي لاحق بي».
_________________
(١) هذا الجزء الثاني من الحديث، أخرجه الإمام البخاري حديث (٤٣٨٨) من حديث أبي هريرة -﵁- وأخرجه مسلم حديث (٥٢) وانظر: (اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان حديث ٣٢).
[ ١ / ١٧٧ ]
هذه بشارة طال ما عدت فاطمة ﵂ لتلحق بابيها في الفردوس الأعلى وحيثما كان في الجنة، ولذلك ضحكت واستبشرت، ويا ليتني كنت معها فأفوز فوزا عظيما، وأسأل الله ألا يحرمني رؤيتهما في الجنة.
وقال رسول الله -ﷺ-: «إذا جاء نصر الله والفتح» تقدم المراد بالنصر الموعود، والفتح كذلك.
قوله: «وجاء أهل اليمن».
أخبر -ﷺ- بمجيء أهل اليمن، ليعلنوا إيمانهم بالنبوة والرسالة، واتباع محمد -ﷺ- في المنشط والمكره، ثم وصف أهل اليمن بما يدل على قوة إيمانهم، وأطلق على الإيمان أنه يماني لذلك، فهذا الوصف عام في كل مؤمن ممن سكن جهة اليمن مما يقع جنوب مكة المكرمة إذ منها تُحدد الجهات الأربع، والمراد من كان منهم في ذلك الوقت وليس كل فرد من أهل اليمن ولا يعم كل زمان، ويتأكد لك ذلك إذا تأملت قدوم أبي موسى الأشعري وقومه -﵃- فقد قدم الأشعريون على رسول الله -ﷺ- وهم خمسون رجلا فيهم أبو موسى -﵁-، قدموا في سفن، وخرجوا بجدة، فلما دنوا من المدينة جعلوا يقولون: غدا نلقى الأحبة محمدا وحزبه -ﷺ- و-﵃-، فلما وصلوا المدينة وجدوا رسول الله في سفره إلى خيبر، فأسلموا فقال رسول الله -ﷺ- «الأشعريون في الناس كصرة فيها مسك» وقدم الدوسيون بقيادة الطفيل بن عمرو الدوسي الزهراني -﵃-، فإنه لما أسلم دعا قومه فأسلموا، وقدم معه منهم المدينة سبعون أو ثمانون أهل بيت، وفيهم: أبو هريرة الزهراني -﵁-، وعبد الله ابن أزيهر الدوسي، ورسول الله بخيبر، فساروا إليه فلقوه هناك، ثم قدموا معه المدينة، فقال أبو هريرة في هجرته حين خرج من دار قومه:
[ ١ / ١٧٨ ]
يا طولها من ليلة وعنائها … * * * … على أنها من بلدة الكفر نجت (^١).
قوله: «هم أرق أفئدة».
المراد أن قلوبهم ذات خشية، واستكانة اللحق، تقبل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولذلك أقبلوا -﵃- من ديارهم سيرا إلى خيبر لملاقاة رسول الله -ﷺ- والانضواء تحت لوائه.
وانظر قول ابن بطوطة عن غامد وزهران وهم من أهل اليمن في ذلك الوقت فذكر بعض صفات قبائل بني مالك" بجيلة "، وزهران، وغامد، وهو شاهد عيان، فقال: وبلاد السروات التي يسكنها بجيلة، وزهران، وغامد، وسواهم من القبائل مُخْصِبة، كثيرة الأعناب، وافرة الغلات، وأهلها فصحاء الألسن، لهم صدق نية، وحسن اعتقاد، وهم إذا طافوا بالكعبة يتطارحون عليها، لائذين بجوارها، متعلقين بأستارها، داعين بأدعية تتصدع لرقتها القلوب، وتدمع العيون الجامدة، فترى الناس حولهم باسطي أيديهم، مؤمنين على أدعيتهم، ولا يتمكن لغيرهم الطواف معهم، ولا استلام الحجر لتزاحمهم على ذلك، وهم شجعان أنجاد.
فهذا يشير إلى مجيء أهل اليمن، والتحاقهم برسول الله -ﷺ- ومن معه من المهاجرين والأنصار -﵃-، ثم جاء النصر والفتح بعد ذلك، ونقول لمن يعمم قوله -ﷺ-: «الإيمان يمان» على كل من سكن اليمن أن التعميم خطأ؛ لأن
_________________
(١) انظر: المصباح المضي في كتاب النبي الأمي ورسله إلى ملوك الأرض من عربي وعجمي (١/ ٢٢٧) والمنتظم في تاريخ الملوك والأمم (٣/ ٣٠٤).
[ ١ / ١٧٩ ]
المراد بالإيمان ما وافق الكتاب والسنة، فأين الفرق التي ظهرة في اليمن في الزمن القديم ودان أتباعها بما تدعي، أينهم «من الإيمان يمان» وأين الحوثيون وغيرهم اليوم من هذا؟ بأي إيمان يلتزمون؟، وكذلك «الحكمة يمانية» لا يجوز فيها التعميم وإن وجدت في أفراد؛ لأن المراد بالحكمة قبول الحق، والعمل بالكتاب والسنة، وتطبيق الأحكام الشرعية، على بصيرة وهدى، وتربية النفس على ذلك، وحال اليمن اليوم تناقض هذا، وهي شاهد لنا على عدم التعميم؛ لأن منهم أناس يعاهدون في الليل ويخونون في الصباح.
ما يستفاد:
* بيان أن الله -﷿- أنجز لرسوله -ﷺ- ما وعده نصره على من عاده من اليهود والنصارى وكفار قريش، وأنجز له فتح مكة.
* أن مجيء أهل اليمن وبعده النصر والفتح كان من علامات دنو أجل النبي -ﷺ-.
* بيان فضل الرعيل الأول من أهل اليمن، ومن نهج نهجهم.
*بيان فضل الأشعريين والدوسيين على غيرهم من أهل اليمن.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٨٢ - (٦) أَخْبَرَنَا الْحَكَمُ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ ابْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " رَجَعَ إِلَيَّ النَّبِيُّ -ﷺ- ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ جَنَازَةٍ مِنَ الْبَقِيعِ، فَوَجَدَنِي وَأَنَا أَجِدُ صُدَاعًا، وَأَنَا أَقُولُ: وَارَأْسَاهُ. قَالَ: «بَلْ أَنَا يَا عَائِشَةُ وَارَأْسَاهُ، قَالَ: وَمَا ضَرَّكِ لَوْ مُتِّ قَبْلِي فَغَسَّلْتُكِ وَكَفَّنْتُكِ، وَصَلَّيْتُ
[ ١ / ١٨٠ ]
عَلَيْكِ وَدَفَنْتُكِ» فَقُلْتُ: لَكَأَنِّي بِكَ وَاللَّهِ لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ لَرَجَعْتَ إِلَى بَيْتِي فَعَرَّسْتَ فِيهِ بِبَعْضِ نِسَائِكَ، قَالَتْ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ثُمَّ بُدِئَ (^١) فِي وَجَعِهِ الَّذِى مَاتَ فِيهِ " (^٢).
رجال السند:
الحكم بن المبارك، هو البلخي، ثقة أثنى عليه الإمام أحمد، ومحمد بن سلمة الحراني، أبو عبد الله الباهلي، ثقة من رجال مسلم، ومحمد بن إسحاق، تقدم وحديث حسن، وقد صرح بالحديث عن الزهري، وهو عالي السند، فلا تضر روايته هنا بالعنعنة، ويعقوب بن عتبة بن المغيرة الثقفي، ثقة من العلماء بالسيرة، وابن شهاب محمد بن مسلم الزهري، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة المدني، أبو عبد الله من ولد عبد الله بن مسعود -﵁-، من فقهاء المدينة ثقة له فضائل.
الشرح:
قول أم المؤمنين ﵂: «فوجدني وأنا أجد صداعا وأنا أقول وارأساه».
إشعار لرسول الله -ﷺ- أنها تجد ألما، وليس ذلك من التضجر والشكوى المنهي عنها.
قوله -ﷺ-: «بل أنا يا عائشة وارأساه».
_________________
(١) هكذا ضبطت في الأصل (بُدِئَ) وفي نظري أن الصواب (بدء) فيكون الضمير العائد عليه -ﷺ- فاعل.
(٢) فيه الحكم بن المبارك أبو صالح الباهلي: صدوق ربما وهم، أخرجه البخاري حديث (٥٦٦٦).
[ ١ / ١٨١ ]
فيه مواساة لعائشة ﵂، فكأنه يعني أن ما يؤلمها يؤلمه -ﷺ- لشدة حبه لها، فإنه لما سئل من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة (^١)، ولما بدأ به المرض قالت عائشة ﵂: لما ثقل رسول الله -ﷺ- في مرضه الذي مات فيه استأذن نساءه، وقال: «إني قد ثقلت، فأريد أن أطوف بينكم، فأذن لي أن أكون في بيت امرأة منكن» قالت عائشة: فكنت أول من أذن له، فقالت سودة: وكانت تضحكه أحيانا، قد علمنا أنك تريد بيت عائشة، فقال: «نعم فاحملوني» فحمله القوم، فغشي عليه حين حملوه فذهبت أهرول أو أكاد أن أهرول حتى ألقيت له فراشا حشوه ليف، ووضعه القوم عليه عرضا حتى غشي عليه، فلما أفاق قال: «أقيمت الصلاة؟» قالوا: لا، قال: «فمروا بلالا فليقم الصلاة ومروا أبا بكر فليصل بالناس» (^٢)، فمرض في بيت عائشة، وتوفي -ﷺ- بين سحرها ونحرها (^٣).
قوله: «وما ضرك لو مت قبلي فغسلتك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك؟». هذه مداعبة منه -ﷺ- لعائشة ﵂، فذكر لها ما فيه خير وبركة أن قدر الله -﷿- أن تموت من ذلك الصداع، فتلمسها يد خير خلق الله -ﷺ- فيغسلها، ويكفنها، ويصلي عليها، فصلاته -ﷺ- ليست كصلاة غيره، فلم ترد برفض ذلك بل داعبت حبيبها كما داعبها فقالت: «لكأني بك والله لو فعلت ذلك لرجعت إلى بيتي فعرّست فيه ببعض نسائك».
_________________
(١) الترمذي حديث (٣٨٨٦).
(٢) ابن بشران حديث (٨٩٩).
(٣) انظر البخاري حديث (١٣٨٩) ومسلم حديث (٢٤٤٣).
[ ١ / ١٨٢ ]
فكأنها تقول: لن تحزن عليّ؛ لأن لديك غيري، وستفعل هذا، ثم ذكرت أن رسول الله -ﷺ- تبسم لقولها، وقالت: " ثم بدئ، في وجعه الذي مات فيه" وهذا يتفق مع ما سبق من أن وجعه -ﷺ- بدأ به قبل وفاته بخمس ليال.
ما يستفاد:
* استحباب اتباع الجنائز، وحضور الدفن.
* جواز أن يخبر الإنسان بما يجد لقريب أو لطبيب.
* استحباب مواساة المتألم بما يفيد مشاركته في التألم لأمه.
* جواز المداعبة بين الأخلاء بما هو حق.
* كانت هذه المداعبة بين الحبين قبل الفراق بخمس ليال.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٨٣ - (٧) أَخْبَرَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِى الْمَغْرَاءِ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُخْتَارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- فِي مَرَضِهِ: «صُبُّوا عَلَىَّ سَبْعَ قِرَبٍ مِنْ سَبْعِ آبَارٍ شَتَّى حَتَّى أَخْرُجَ إِلَى النَّاسِ فَأَعْهَدَ إِلَيْهِمْ». قَالَتْ: فَأَقْعَدْنَاهُ فِي مِخْضَبٍ (^١) لِحَفْصَةَ فَصَبَبْنَا عَلَيْهِ الْمَاءَ صَبًّا أَوْ شَنَنَّا (^٢) عَلَيْهِ شَنًّا - الشَّكُ مِنْ قِبَلِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ - فَوَجَدَ رَاحَةً فَخَرَجَ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَاسْتَغْفَرَ لِلشُّهَدَاءِ مِنْ أَصْحَابِ أُحُدٍ وَدَعَا لَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الأَنْصَارَ عَيْبَتِي الَّتِي أَوَيْتُ إِلَيْهَا، فَأَكْرِمُوا كَرِيمَهُمْ وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ إِلاَّ فِي حَدٍّ، أَلَا إِنَّ عَبْدًا مِنْ
_________________
(١) هو الطست أو الصحن، قال في (النهاية ١/ ٣٩) شبه المركن وهي إجّانة، تغسل فيها الثياب. وانظر (الصحاح ١/ ٢٥١).
(٢) أي صببناه متفرقا على سائر بدنه. انظر (الصحاح ١/ ٦٨٩).
[ ١ / ١٨٣ ]
عِبَادِ اللَّهِ قَدْ خُيِّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَ اللَّهِ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ» فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ، وَظَنَّ أَنَّهُ يَعْنِى نَفْسَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «عَلَى رِسْلِكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، سُدُّوا هَذِهِ الأَبْوَابَ الشَّوَارِعَ إِلَى الْمَسْجِدِ إِلاَّ باب أَبِي بَكْرٍ، فَإِنِّي لَا أَعْلَمُ امْرَأً أَفْضَلَ عِنْدِي يَدًا فِي الصُّحْبَةِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ» (^١).
رجال السند:
فروة بن أبي المغراء، صدوق تقدم، وإبراهيم بن مختار الرازي، أبو إسماعيل، فيه كلام، والذي يظهر أنه لابأس به، ومحمد بن إسحاق، تقدم وحديثه حسن، ومحمد بن كعب القرضي، أبو عبد الله المدني، إمام ثقة ويرسل، وعروة بن عبد الله بن الزبير، إمام فقيه ثقة.
الشرح:
قول: «صبّوا علي سبع قرب من سبع آبار شتى».
هذه من خصائص رسول الله -ﷺ-، وليست عامة، وإن كان من العلماء من قال غيرها، كأن تكون للراحة والتبرد من حرارة الحمى، ولا أرى فيها العموم. قوله: «حتى أخرج إلى الناس فأعهد إليهم».
بين -ﷺ- سبب طلب الماء ليجد به راحة وقدرة على الخروج ليعهد ببعض الوصايا؛ لأنه أحس بدنو أجله، فأراد أن يحتاط لأصحابه -﵃-، وبعد أن صب عليه الماء وجد راحة، فخرج فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه واستغفر للشهداء من أصحاب أحد ودعا لهم، وهذا من رحمته بأصحابه -﵃-
_________________
(١) فيه ابن إسحاق: تكلم فيه، وهو صدوق إنشاء الله، وانظر: رقم (٧٨).
[ ١ / ١٨٤ ]
ووفائه لهم -ﷺ-، ثم قال: «أما بعد فإن الأنصار عيبتي التي أويت إليها، فأكرموا كريمهم وتجاوزا عن مسيئهم إلا في حد».
بين -ﷺ- فضل الأنصار -﵃-، وأنهم خاصته من أصحابه، فهم جماعته الذين آووه ونصروه، ووقفوا معه في أموره الظاهرة والباطنة، ولم يخالفوه في شيء -﵃-، وقال: «قد قضوا الذي عليهم، وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم» (^١).
قوله: «ألا إن عبدا من عباد الله قد خير بين الدنيا وبين ما عند الله فاختار ما عند الله».
تقدم بيان هذا فيما مضى من الروايات المماثلة، وأنه أراد نفسه -ﷺ-.
قوله -ﷺ-: «على رسلك يا أبا بكر» أي: تمهل واصبر ولا تحزن، قال هذا -ﷺ-: لما بكى أبو بكر لفهمه أنه نعى نفسه.
قوله: «سدوا هذه لأبواب الشوارع إلى المسجد إلا باب أبي بكر، فإني لا أعلم أمرا أفضل عندي يدا في الصحبة من أبي بكر».
هذا إشادة بابي بكر -﵁- رفيق دربه من البعثة إلى الوفاة، آمن به وصده فيما يقول، وصحبه في المنشط والمكره، وبذل نفسه وماله لنصرته -ﷺ-، فاستحق -﵁- لقب الصديق، وأنه أفضل هذه الأمة بعد النبي -ﷺ-، ولا زال باب أبي بكر في المسجد مشرعا إلى يومنا هذا، وهو في الجهة الغربية من مسجد رسول الله -ﷺ-، وقد ثبت أنه قال: «يا أبا بكر لا تبك، إن أمن
_________________
(١) انظر: البخاري حديث (٣٧٩٩).
[ ١ / ١٨٥ ]
الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذا خليلا من أمتي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته» (^١).
ما يستفاد:
* علاوة على ما سبق لم يثن المرض رسول الله -ﷺ- عن البلاغ الأخير
لأصحابه -﵃-.
* بيان مكانة شهداء أحد -﵃- عند رسول الله -ﷺ- إذ خصهم بعد الثناء على الله -﷿- بالاستغفار والدعاء.
* الثناء على الأنصار -﵃-، وبيان مكانتهم عند رسول الله -ﷺ-، والوصية بهم.
* إشهار فضل أبي بكر، وسد جميع الأبواب المؤدية إلى داخل المسجد إلا باب أبي بكر -﵁-.
* أنه -ﷺ- لولا أنه خليل الله -﷿-، لاتخذ أبا بكر خليلا.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٨٤ - (٨) أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، ثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ سُلَيْمَانَ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُوذِنَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالصَّلَاةِ فِي مَرَضِهِ، فَقَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ» ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا سُرِّىَ عَنْهُ قَالَ: «هَلْ أَمَرْتُنَّ أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ» فَقُلْتُ: إِنَّ
_________________
(١) انظر: البخاري حديث (٤٦٦) وانظر: مسلم حديث (٢٣٨٣).
[ ١ / ١٨٦ ]
أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيقٌ، فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ؟ فَقَالَ: «أَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَرُبَّ قَائِلٍ مُتَمَنٍّ، وَيَأْبَي اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ» (^١).
رجال السند:
سعيد بن منصور الخراساني، أبو عثمان المروزي، صاحب السنن إمام ثقة، وفليح بن سليمان الخزاعي، أبو يحيى المدني، إمام ثقة اتفق عليه الشيخان، وسليمان بن عبد الرحمن بن خباب، لابأس به من أفراد الدارمي بهذا الحديث، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصدق، أبو محمد ثقة أحد فقهاء المدينة.
الشرح:
قوله: «أُوْذِن رسول الله -ﷺ- بالصلاة في مرضه».
تذكر أم المؤمنين عائشة ﵂ أن رسول الله -ﷺ- أخبر بحلول وقت الصلاة وهو في مرضه.
فقال: «مروا أبا بكر يصلي بالناس» ثم أغمي عليه.
هذا يوحي بشدة مرضه -ﷺ-، ولو كانت لديه أدني قدرة لما تخلف عن إمامة أصحابه -﵃-.
قوله: «فلما سري عنه قال: هل أمرتنّ أبا بكر يصلي بالناس؟».
_________________
(١) فيه فليح بن سليمان: صدوق كثير الخطأ، والخبرأصله في الصحيحين من طرق عن عائشة: البخاري حديث (١٩٨) وانظر أطرافه (٦٦٤، ٦٦٥، ٦٧٩، ٦٨٣، ٦٨٧، ٧١٢، ٧١٣، ٧١٦، ٢٥٨٨، ٣٣٨٤، ٣٠٩٩، ٤٤٤٤٢، ٤٤٤٥، ٥٧١٤، ٧٣٠٣) مسلم حديث (٩٠ - ٩٥، ٩٧، ١٠١، ٤١٨، ٤١٩) وانظر: (اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان حديث ٢٣٨، ٢٣٩).
[ ١ / ١٨٧ ]
هذا من حرصه -ﷺ- على أن يؤم الناس أب بكر -﵃-، لأنه أفضل أصحاب رسول الله -ﷺ-، بشهادته -ﷺ- فيما تقدم، وفي هذا إلى إشارة ألى أنه -﵁- المقدم في الخلافة كما قُدّم في الصلاة، ولذلك اشتد عضبه -ﷺ- من أم المؤمنين ﵂ لما راجعته في ذلك بالتبرير لرأيها حين قالت: «إن أبا بكر رجل رقيق، فلو أمرت عمر» ولم يقبل ذلك من أم المؤمنين، فقال -ﷺ-: «أنتن صواحب يوسف» وليس هذا تهمة لعائشة ﵂، ولكنه ضرب مثل في الاحتيال، ظن أن عائشة تريد ابعاد والدها أبي بكر -﵁- عن موقف لا يحتمل الصبر فيه عن البكاء، ولأهمية أن يكون أبو بكر المقدم في ولاية الصلاة، والإشارة بذلك إلى تقديمه في الخلافة، كرر -ﷺ- وقال: «مروا أبا بكر يصلي بالناس، فرب قائل متمن، ويأبى الله والمؤمنون».
المراد أن في تقديم أبي بكر -﵁- في الصلاة يقطع الاحتجاج على من لا يرى أحقية أبي بكر في الخلافة، فيزعم أن الرسول -ﷺ- لم يقدمه في الصلاة وقدم عمر -﵁-، ولا ريب أنه كان في الصحابة -﵃- من تمنى أن يكون علي -﵁- هو الخليفة من بعد رسول الله -ﷺ-، لما له من قرابة النسب والمصاهرة، ولذلك قيل لعلي -﵁-: " يا أمير المؤمنين أخبرنا عن أبي بكر فقال: ذاك امرؤ سماه الله الصديق على لسان محمد -ﷺ-؛ لأنه خليفة رسول الله -ﷺ- رضيه لديننا فرضيناه لدنيان" (^١).
ما يستفاد:
* من السنة أن يخبر الإمام بوقت الصلاة إذا شغله شاغل.
_________________
(١) الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة ١/ ٢٠١.
[ ١ / ١٨٨ ]
* يجوز للإمام أن يستخلف غيره من الصالحين عند الضرورة.
* يجوز للإمام التأكد من إبلاغ المستخلف للإمامة.
* توكيد ما تقدم ذكره من فضل أبي بكر -﵁- على الأمة.
* الإشارة إلى أنه الخليفة بعد رسول الله -ﷺ- يؤيد هذا قوله: «فرب قائل متمن، ويأبى الله والمؤمنون» وقد قالت عائشة رضي الله
عنها: قال لي رسول الله -ﷺ-: في مرضه «ادعي لي أبا بكر، أباك، وأخاك، حتى أكتب كتابا، فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» فقد عهد بالكتابة الصريحة لأبي بكر -﵁- بالخلافة، ثم عدل عن ذلك لثقته بالله -﷿- ثم بالعقلاء من المؤمنين بأنهم لن يختلفوا على أبي بكر، وهذا ما كان ولو أراد الله -﷿- غير ذلك لما مضى قول رسوله -ﷺ- (^١).
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٨٥ - (٩) أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: " تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ الاِثْنَيْنِ، فَحُبِسَ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ وَالْغَدَ حَتَّى دُفِنَ لَيْلَةَ الأَرْبِعَاءِ، وَقَالُوا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَمْ يَمُتْ وَلَكِنْه عُرِجَ بِرُوحِهِ كَمَا عُرِجَ بِرُوحِ مُوسَى، فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَمْ يَمُتْ، وَلَكِنْ عُرِجَ بِرُوحِهِ كَمَا عُرِجَ بِرُوحِ مُوسَى، وَاللَّهِ لَا يَمُوتُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى يَقْطَعَ أَيْدِيَ أَقْوَامٍ وَأَلْسِنَتَهُمْ.
_________________
(١) مسلم حديث (٢٣٨٧).
[ ١ / ١٨٩ ]
فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يَتَكَلَّمُ حَتَّى أَزْبَدَ شِدْقَاهُ مِمَّا يُوعِدُ وَيَقُولُ، فَقَامَ الْعَبَّاسُ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ مَاتَ، وَإِنَّهُ لَبَشَرٌ، وَإِنَّهُ يَأْسُنُ كَمَا يَأْسُنُ الْبَشَرُ، أَيْ قَوْمِ، فَادْفِنُوا صَاحِبَكُمْ، فَإِنَّهُ [أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ أَنْ يُمِيتَهُ إِمَاتَتَيْنِ] (^١) أَيُمِيتُ أَحَدَكُمْ إِمَاتَةً وَيُمِيتُهُ إِمَاتَتَيْنِ، وَهُوَ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ؟ أَيْ قَوْمِ فَادْفِنُوا صَاحِبَكُمْ، فَإِنْ يَكُ كَمَا تَقُولُونَ فَلَيْسَ بِعَزِيزٍ عَلَى اللَّهِ أَنْ يَبْحَثَ عَنْهُ التُّرَابَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَاللَّهِ مَا مَاتَ حَتَّى تَرَكَ السَّبِيلَ نَهْجًا وَاضِحًا، فَأَحَلَّ الْحَلَالَ وَحَرَّمَ الْحَرَامَ، وَنَكَحَ وَطَلَّقَ وَحَارَبَ وَسَالَمَ، مَا كَانَ رَاعِي غَنَمٍ يَتْبَعُ بِهَا صَاحِبُهَا رُؤُوسَ الْجِبَالِ، يَخْبِطُ عَلَيْهَا الْعِضَاهَ (^٢) بِمِخْبَطِهِ، وَيَمْدُرُ (^٣) حَوْضَهَا بِيَدِهِ بِأَنْصَبَ (^٤) وَلَا أَدْأَبَ (^٥) مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ فِيكُمْ، أَيْ قَوْمِ فَادْفِنُوا صَاحِبَكُمْ، قَالَ: وَجَعَلَتْ أُمُّ أَيْمَنَ تَبْكِى، فَقِيلَ لَهَا: يَا أُمَّ أَيْمَنَ تَبْكِين (^٦) عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟، قَالَتْ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا أَبْكِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ لَا أَكُونَ أَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ إِلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الدُّنْيَا، وَلَكِنِّي (^٧) أَبْكِي عَلَى خَبَرِ السَّمَاءِ انْقَطَعَ ".
_________________
(١) كتب لحقا في (ك)
(٢) كل شجر يعظم وله شوك. واحدة (عضاة) فالجمع بالهاء، والمفرد بالتاء، وفي حاشية الأصل: شجر الشوك. انظر (الصحاح ٢/ ١٢٧).
(٣) يصلحه بالمدر: وهو التراب الجيد. انظر (الصحاح ٢/ ٤٨٣).
(٤) أي بأكثر تعبا، نصب الرجل: تعب. انظر (الصحاح ٢/ ٥٧١).
(٥) أي أكثر جدا ومواصلة للعمل. انظر (الصحاح ١/ ٢٨٤).
(٦) في (ت، ك) تبكي، وهو خطأ.
(٧) علق في هامش (ك) ولكن، وكلاهما يصح.
[ ١ / ١٩٠ ]
قَالَ حَمَّادٌ: خَنَقَتِ (^١) الْعَبْرَةُ أَيُّوبَ حِينَ بَلَغَ هَهُنَا (^٢).
رجال السند:
سليمان بن حرب، وحماد بن زيد، وأيوب، وعكرمة، تقدموا جميعا وهم ثقات.
الشرح:
قوله: «توفي رسول الله -ﷺ- يوم الاثنين».
هذا هو الصحيح ولا خلاف فيه، ومعلوم في السير أنه -ﷺ- توفي في اليوم الثاني عشر من ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، بعد أدى فريضة الحج وودع الأمة في عرفات.
قوله: «فحبس بقية يومه وليلته والغد حتى دفن ليلة الأربعاء».
وقع الخلاف في ساعة ووقت وفاته -ﷺ-، ووقت دفنه كذلك (^٣).
قوله: «وقالوا: إن رسول الله -ﷺ- لم يمت، ولكنه عرج بروحه كما عرج بروح موسى، فقام عمر فقال: إن رسول الله -ﷺ- لم يمت، ولكنه عرج بروحه كما عرج بروح موسى، والله لا يموت رسول الله -ﷺ- حتى يقطع أيدي أقوام وألسنتهم، فلم يزل عمر يتكلم حتى أزبد شدقاه مما يوعد ويقول».
لاريب أن القائلين تملكهم حب رسول الله -ﷺ-، ولاسيما وللمنافقين شوكة، ولازال كثير من العرب حدثاء الإسلام، وهذا ما دفع عمر أن يقول ما قال،
_________________
(١) في (ت) حنقته، وهي تسبب ركة في السياق.
(٢) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٣٤/ ٨٤).
(٣) فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ٤/ ٣١٩.
[ ١ / ١٩١ ]
وهذه فرصة العدو الأكبر الشيطان، فربما نزغ في قلوب القائلين لإثارة الفتنة بين أصحاب رسول الله -﵃-، يؤيد هذا قول عمر -﵁- سمع الآية من أبي بكر -﵁-: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (^١)، وقوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (^٢)، أو إنها لفي كتاب الله ما شعرت أنها في كتاب الله (^٣).
قوله: «فقام العباس فقال: إن رسول الله -ﷺ- قد مات وإنه لبشر، وإنه يأسَن (^٤)، كما يأسن البشر، أي قوم فادفنوا صاحبكم».
العباس -﵁- عم رسول الله -ﷺ-، أكد موت رسول الله -ﷺ-، وأمر بدفن رسول الله -ﷺ- مؤيدا قول أبي بكر -﵁-، وبين أنه في هذا الحدث كغيره من البشر، ففضله ونبوته والرسالة التي كلف بها وأداها -ﷺ- لا يمنعه ذلك كله من الموت واللحاق بالرفيق الأعلى، ثم أكد بشرية الرسول -ﷺ- أن جثته تتغير بعد الموت، كغيره من الناس سواء بسواء، هذا في حال البقاء في الدنيا وقتا لم يدفن، أما كونه لا يتغير بعد دفنه، فقد حدث لجابر -﵁- لما أجرى معاوية -﵁- العين فمرت على شهداء أحد، فأخرجهم طرايا تنثني أطرافهم، وجدوا والد جابر ﵄ ويده على جرحه، فأميطت يده عن جرحه، فانبعث الدم،
_________________
(١) الآية (٣) من سورة الزمر.
(٢) الآية (١٤٤) من سورة آل عمران.
(٣) أحمد حديث (٢٥٨٤١).
(٤) أي تتغير رائحته. انظر (الصحاح ١/ ٢٩).
[ ١ / ١٩٢ ]
فردت إلى مكانها، فسكن الدم، قال جابر -﵁-: " فرأيت أبي في حفرته كأنه نائم، والنمرة التي كفن فيها كما هي "، وكان ذلك بعد أحد بست وأربعين سنة، وأصابت المسحاة رِجْل رجل منهم وهو حمزة، فانبعث الدم، فقال أبو سعيد الخدري -﵁-: " لا ينكر بعد هذا منكِر"، وكانوا وهم يحفرون يفيح عليهم من القبور ريح المسك (^١)، وقال طلحة بن عبيد الله -﵁- قال: أردت مالي بالغابة فأدركني الليل فأويت إلى قبر عبد الله ابن حرام، فسمعت قراءة من القبر ما سمعت أحسن منها، فجئت إلى رسول الله -ﷺ- فذكرت ذلك له، فقال: «ذاك عبد الله ألم تعلم أن الله تعالى قبض أرواحهم فجعلها في قناديل من زبرجد وياقوت، ثم علّقها وسط الجنة، فإذا كان الليل ردت إليهم أرواحهم، فلا تزال كذلك، حتى إذا طلع الفجر ردّت أرواحهم إلى مكانها الذي كانت فيه!» (^٢)، هذه كرامة من الله -﷿- للشهداء، وكرامة سيدهم -ﷺ- أعظم وقد قال الصحابة -﵃-: " يا رسول الله، وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت؟ " (^٣)، قال: (إن الله -﷿- حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء صلوات الله عليهم) (^٤). قول: «فإنه أكرم على الله من أن يميته إماتتين، أيميت أحدكم إماتة ويميته إماتتين».
هذا رد العباس -﵁- على من زعم أن رسول الله -ﷺ- ذهب إلى ربه بهذه
الصورة، والصحيح أن الله -﷿- أماته ميتة واحدة كغيره من الناس.
_________________
(١) لوامع الأنوار البهية ٢/ ٣٦٨.
(٢) سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد ٤/ ٢٥٣، وغيره وفي بعض طرقه كلام.
(٣) أي: بَليت.
(٤) أحمد حديث (١٦١٦٢).
[ ١ / ١٩٣ ]
قوله: «وهو أكرم على الله من ذاك».
أي: وهو أعز على الله وأكرم من تأتيه سكرات الموت مرتين.
قوله: «قوموا فادفنوا صاحبكم فإن يك كما تقولون: فليس بعزيز على الله أن يبحث عنه التراب».
فيه حث لهم على الاقتناع بأنه -ﷺ- بشر كغيره من الناس، وإن كان كما تظنون أنه ذهب إلى ربه فليس صعبا على الله -﷿- أن يزيح عنه التراب، ويخرجه من قبره، ولكن لن يحدث هذا، لأن ما تظنون غير صحيح. قوله: «إن رسول الله -ﷺ- والله ما مات حتى ترك السبيل نهجا واضحا، فأحل الحلال وحرم الحرام ونكح وطلق، وحارب وسالم، ما كان راعي غنم يتبع بها صاحبها رؤوس الجبال يخبط عليها العضاه، بمخبطه، ويمدر، حوضها بيده بأنصب (^١)، ولا أدأب من رسول الله -ﷺ- كان فيكم، أي قوم فادفنوا صاحبكم».
هذا رد على عمر -﵁- حين قال: " والله لا يموت رسول الله -ﷺ- حتى يقطع أيدي أقوام وألسنتهم " ويفهم منه أن مهمته -ﷺ- لم تنته بعد فبين ذلك العباس -﵁- أحسن بيان وأنه -ﷺ- بلغ الرسالة أكمل بلاغ، وترك الأمة على بيضاء ليلها كنهارها، لا يخرج عنها إلا هالك، لأنه بين الحلال والحرام، فلم يبق لأحد عذر، ثم أشار إلى بشرية محمد -ﷺ- فقال: «ونكح وطلق، وحارب وسالم» كغيره من البشر -ﷺ- نكح النساء، وطلق من شاء منهن، وحارب المشركين، فانتصر كما في بدر، وهزم كما في أحد، فجرى عليه من ما
_________________
(١) أي بأكثر تعبا، نصب الرجل: تعب. انظر (الصحاح ٢/ ٥٧١).
[ ١ / ١٩٤ ]
يجري على البشر، حتى كسرت رباعيته -ﷺ-، وبشره الله -ﷺ- بالنصر والفتح، ثم صرب العباس -﵁- مثلا لحرص النبي -ﷺ- على الأمة وصبره على أعباء الرسالة، ودعوة الأمة، فقال: «ما كان راعي غنم يتبع بها صاحبها رؤوس الجبال يخبط عليها العضاه، بمخبطه، ويمدر، حوضها بيده بأنصب ولا أدأب».
أي: لم يكن تعَبُ مثابرة رسول الله -ﷺ- على أمته وطلب السعادة لها في الدارين أقل من تعب ومثابرة ذلك الراعي على رعيته، إذ ينطلق بها في الأودية ورؤوس الجبال طلب للماء والكلأ، ولا يكتفي بذلك بل يضرب لها الشجر بعصاه حتى يستنزل الورق لها، وإذا عادت إلى مراحها نظفه بيده، ورش فيه التراب لتجفيف أرضه، فتجد راحة في مبيتها، لقد أبلغ العباس -﵁- القول وأوجز وصدق -﵁-.
قوله: «وجعلت أم أيمن تبكي».
اسمها بركة كانت لأبي رسول الله -ﷺ- فورثها رسول الله -ﷺ- فأعتقها، كان عبيد الخزرجي قد تزوجها بمكة فولدت أيمن (^١).
قوله: «فقيل لها: يا أم أيمن تبكين على رسول الله
_________________
(١) الطبقات الكبرى ط العلمية ١/ ٣٨٦.
[ ١ / ١٩٥ ]
-ﷺ-؟».
قالوا ذلك عجبا؛ لأن الله -﷿- غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ولأنه -﷿- خيره بين البقاء في الدنيا أو الآخرة ونعيمها فاختار الآخرة، ولكنها أدركت إنكارهم البكاء على رسول الله -ﷺ- فقالت: «إني والله ما أبكي على رسول الله -ﷺ- أن لا أكون أعلم أنه قد ذهب إلى ما هو خير له من الدنيا، ولكني أبكي على خبر السماء انقطع».
كانت أبعد نظرا ﵂.
ما يستفاد:
* بيان أن رسول الله -ﷺ- توفي يوم الاثنين، ولما سئل -ﷺ- عن صوم يوم الاثنين؟ قال: «ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت، أو أنزل علي فيه» (^١). * بيان أنه -ﷺ- دفن ليلة الأربعاء.
* بيان اختلاف الصحابة في التصديق بموته -ﷺ- لفرط حبهم إياه.
* جميع من روى موقف عمر -﵁-، قالوا: عرج بروحه كما عرج بروح موسى، هكذا، ولكن روى ابن سعد ﵀ عن عكرمة قالوا: عرج بروحه كما عرج بروح عيسى، ولم يقل: موسى.
* ظن عمر -﵁- أن رسول الله -ﷺ- لا يموت حتى يقضي على المنافقين.
* بيان قوة أبي بكر -﵁- وثباته عند نزول المصائب، وشواهد هذا كثيرة في تصديقه الرسول -ﷺ- وتكذيبه الكفار.
* بيان ثبات العباس -﵁- وبيانه الحق، في بشرية الرسول -ﷺ-.
* بيان كمال الشرع وأن الرسول -ﷺ- بلغ ما أمر به، ولم يمت إلا بعد كمال الشريعة، يؤيد هذا قوله -﷿-: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (^٢).
_________________
(١) الطبقات الكبرى ط العلمية ١/ ٣٨٦.
(٢) من الآية (٣) من سورة المائدة.
[ ١ / ١٩٦ ]
* بيان أن الرسول -ﷺ- بلغ الكمال في الإخلاص لأمته، وأنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ولم يقصر في شيء من ذلك -ﷺ-.
* بيان أن البشر إذا تركت جثثهم ولم تدفن على عجل تغيرت وأسنت.
* بيان أن الأرض إذا دفن فيها الأنبياء والشهداء فإن أجسادهم لا تأسن ولا تتغير، وذلك من تكريم الله لهم دون سواهم.
* بيان فقه أم أيمن وأن بكاءها كان لانقطاع الوحي، وهي تعلم فضل رسول الله -ﷺ-، وما سيلقى من نعيم الجنة.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٨٦ - (١٠) أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ سَعِيدٍ الدِّمَشْقِىُّ، ثَنَا شُعَيْبٌ - هُوَ ابْنُ إِسْحَاقَ - ثنا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَعِيشُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنِي مَكْحُولٌ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: «إِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمْ مُصِيبَةٌ فَلْيَذْكُرْ مُصِيبَتَهُ (^١) بِي، فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ» (^٢).
رجال السند:
عبد الوهاب بن سعيد الدمشقي، أبو محمد السلمي صدوق، وشعيب بن إسحاق بن عبد الرحمن، أبو شعيب الدمشقي، فقيه من ثقات أهل الرأي، والأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو، ثقة تقدم، يعيش بن الوليد المعيطي ثقة، ومكحول أبو عبد الله أو أيوب، فقيه الشام من أقران ابن شهاب الزهري.
_________________
(١) في (ك) مصابه، وكلاهما يصح.
(٢) ما بين المعقوفين ليس في (ت) بهذا السياق، وانظر التالي، والخبرسنده حسن، عبد الوهاب بن سعيد الدمشقي، صدوق لكنه مرسل. والخبرأخرجه ابن ماجة موصولا حديث (١٥٩٩) من حديث عائشة ﵂، وصححه الألباني.
[ ١ / ١٩٧ ]
الشرح:
هذا مرسل وصله ابن ما جه.
قوله: «إذا أصاب أحدكم مصيبة».
فيه إشارة إلى عدم سلامة أحد من مصائب الدنيا قلت أو كثرة.
قوله: «فليذكر مصيبته، بي فإنها من أعظم المصائب».
المراد لتكون مصيبته هينة عليه عند المقارنة؛ لأن موت الرسول -ﷺ- مصيبة على الأمة في دينها، وفي جماعتها؛ لأنه -ﷺ- رحمة للعالمين في حياته، وهو كذلك بعد موته وبعثه يوم القيامة، وقد جله الله -﷿- في حياته حجابا للأمة من الأخذ بعذاب؛ لأن الله -﷿- قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (^١)، فلما توفي رسول الله -ﷺ- عظمت مصائب الأمة بانفتاح الدنيا وكثرة شهواتها التي حذر منها، وكثرت الفتن، وهي تتوالى على الأمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولذلك قال رسول الله -ﷺ-: «بدأ الإسلام غريبا، وسيعود كما بدأ غريبا، فطوبى للغرباء» (^٢)، وقال رسول الله -ﷺ-: «يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر» (^٣).
ما يستفاد:
* بيان أنه لا يسلم من مصائب الدنيا أحد.
_________________
(١) من الآية (٣٣) من سورة الأنفال.
(٢) مسلم حديث (٢٣٢).
(٣) مسلم حديث (٢٢٦٠).
[ ١ / ١٩٨ ]
* بيان أعظم مصيبة وقعت على المسلمين وفاة رسول الله -ﷺ-.
* إرشاد المسلم إذا حلت به مصيبة أن يذكر المصيبة العظمى وفاة رسول الله -ﷺ-.
* أن تذكر ذلك فيه عزاء وتسلية لكل مصاب، لأن وفاة الرسول -ﷺ- أعظم مصائب الأمة.
* فيه إشارة إلى أن المصيبة في الدين أعظم المصائب.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٨٧ - (١١) [أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، ثَنَا فِطْرٌ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (^١): «إِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمْ مُصِيبَةٌ فَلْيَذْكُرْ مُصَابَهُ بِى فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ» (^٢).
رجال السند:
أبو نعيم الفضل بن دكين ثقة تقدم، وتصحف في المطبوع: أبو النعمان، وهو غلط، وفطر بن خليفة ثقة متشيع، وعطاء بن أبي رباح ثقة تقدم.
الشرح: مرسل وصله ابن ماجه، وانظر السابق.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٨٨ - (١٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِى خَلَفٍ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرَ
ابْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: مَا سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَذْكُرُ النَّبيِّ قَطُّ إِلاَّ بَكَى (^٣).
_________________
(١) ما بين المعقوفين ليس في (ك) والمتن ملحق بالسابق.
(٢) سنده إلى عطاء حسن، والخبرمرسل تقدم آنفا، وقد وصله ابن ماجة.
(٣) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٣٦/ ٨٧).
[ ١ / ١٩٩ ]
رجال السند:
محمد بن أحمد بن أبي خلف، أبو عبد الله ثقة تقدم، وسفيان بن عيينة، إمام ثقة، وعمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، إمام ثقة، تصحف في المطبوع: عمرو وهو غلط، وأبوه محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، تابعي إمام ثقة.
الشرح:
قوله: «ما سمعت ابن عمر يذكر النبي قط إلا بكى».
نعم البكاء على رسول الله -ﷺ-، ولا ريب أن سبب بكاء ابن عمر ﵄، عيشه مع رسول الله -ﷺ- ورؤيته وسماع حديثه وصحبته، فكيف لا يبكي من كان هذا حاله مع المصطفى -ﷺ-.
ما يستفاد:
* بيان حب الصحابة -﵃- لرسول الله -ﷺ-، وهو الذروة في الود والتقدير.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٨٩ - (١٣) أَخْبَرَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ ابْنِ مَالِكٍ، أَنَّ فَاطِمَةَ، قَالَتْ: " يَا أَنَسُ كَيْفَ طَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- (^١) التُّرَابَ؟ وَقَالَتْ: يَا أَبَتَاهُ مِنْ رَبِّهِ مَا أَدْنَاهُ (^٢)، وَا أَبَتَاهُ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُ، وَا أَبَتَاهُ إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهُ، وَا أَبَتَاهُ أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ". قَالَ
حَمَّادٌ: حِينَ حَدَّثَ ثَابِتٌ بَكَى. وَقَالَ ثَابِتٌ: حِينَ حَدَّثَ بِهِ أَنَسٌ بَكَى (^٣).
_________________
(١) ليس في (ت) وكتب لحقا الهامش (على رسوله).
(٢) هكذا (ما أدنا) أي: ما أقربه.
(٣) رجاله ثقات، والخبرأخرجه البخاري حديث (٤٤٦٢) وهذا طرف منه.
[ ١ / ٢٠٠ ]
رجال السند:
أبو النعمان محمد بن الفضل عارم، ثقة تقدم، وحماد بن زيد، ثقة تقدم وثابت البناني ثقة تقدم.
الشرح:
فاطمة بنت رسول الله ﵂، أم الحسن والحسين، أمها خديجة بنت خويلد، وفاطمة تزوجها علي بن أبي طالب في السنة الثانية من الهجرة، تقدم أن أباها -ﷺ- قال لها: «إنك أول أهل بيتي لحوقا بي» فكانت أول من مات من أهل بيته، بعد ستة أشهر من وفاته -ﷺ-.
قوله: «كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله -ﷺ-، التراب؟». خاطبت أنس خادم رسول الله -ﷺ-، وأرادت عموم الصحابة -﵃-، لما تعلم من حبهم الشديد لنبيهم -ﷺ-، ولم يجبها أنس -﵁-، تجاوبا مع مصابها، ولكن سنته -ﷺ- في الموتى أن يدفنوا، وقد حضر دفن الشهداء وغيرهم من الصحابة -﵃-، امتثالا لقول الله -﷿-: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ (^١).
قوله: «وقالت: يا أبتاه من ربه ما أدناه، وا أبتاه جنة الفردوس مأواه، وا أبتاه إلى جبريل ننعاه، وا أبتاه أجاب ربا دعاه».
هذا من النعي الجائز؛ ليس فيه تسخط، وألفاظه لائقة برسول الله -ﷺ-،
فهو قريب من ربه -﷿-، وجنة الفردوس نزله ومقره -ﷺ-، وجبريل -﵇- الوسيط بينه وبين ربه في نزول الوحي، وغيره مما يأمر الله -﷿- به أو ينهى عنه،
_________________
(١) الآية (٥٥) من سورة طه.
[ ١ / ٢٠١ ]
وقد أجاب ربه -﷿- لما خيّره فاختار الآخرة، فنعي فاطمة ﵂ حق.
ما يستفاد:
* جواز أن تخاطب المرأة من له علاقة بمحرمها من غير المحارم.
* خاطبت فاطمة ﵂ أنسأ -﵁- دون غيره وهو أجنبي؛ لأنه خادم رسول الله -ﷺ-.
* جواز عتاب المحبين على فعلهم ولو كان فعلا صحيحا.
* جواز نعي الميت، وذكر صفاته الحسنة، من غير نياحة ولا تسخط.
قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٩٠ - (١٤) حَدَّثَنَا عَفَّانُ (^١)، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، وَذَكَرَ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: " شَهِدْتُهُ يَوْمَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ، فَمَا رَأَيْتُ يَوْمًا قَطُّ كَانَ أَحْسَنَ وَلَا أَضْوَأَ مِنْ يَوْمٍ دَخَلَ عَلَيْنَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَشَهِدْتُهُ يَوْمَ مَوْتِهِ، فَمَا رَأَيْتُ يَوْمًا كَانَ أَقْبَحَ وَلَا أَظْلَمَ مِنْ يَوْمٍ مَاتَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- " (^٢).
رجال السند:
عفان بن مسلم بن عبد الله البصري، أبو عثمان من شيوخ الإمام أحمد،
إمام ثقة، وحماد ابن سلمة، وثابت البناني، تقتان تقدما.
الشرح:
لا مزيد على ما قال أنس بن مالك -﵁- خادم رسول الله -ﷺ-.
_________________
(١) كتب قبالته في هامش (ت) بلغ العرض والسماع أول، أحمد بن محمد بن عبد الرحيم.
(٢) رجاله ثقات، وأخرجه ابن ماجة حديث (١٦٣١) بنحوه، وصححه الألباني.
[ ١ / ٢٠٢ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٩١ - (١٥) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطِيعٍ، ثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الْجَلِيلِ، عَنْ أَبِي حَرِيزٍ الأَزْدِيِّ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ لِلنَّبيِّ -ﷺ-: " [يَا رَسُولَ اللَّهِ (^١) إِنَّا نَجِدُكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَائِمًا عِنْدَ رَبِّكَ وَأَنْتَ مُحْمَارَّةٌ وَجْنَتَاكَ مُسْتَحْي مِنْ رَبِّكَ مِمَّا أَحْدَثَتْ أُمَّتُكَ مِنْ بَعْدِكَ ".
رجال السند:
عبد الله بن مطيع البكري، أبو محمد البغدادي، لابأس به، وهشيم بن بشير الواسطي، أبو معاوية السلمي، إمام ثقة، وأبو عبد الجليل عبد الله ابن ميسرة الحارثي، أبو ليلى الكوفي، يدلسه هشيم بالكنى؛ لأنه شيعي ضعيف، وأبو حريز عبد الله بن حسين الأزدي البصري، شيعي ضعيف.
الشرح:
الرواية في سندها ضعيفان، وعبد الله بن سلام -﵁- من كبار علما أهل الكتاب، شهد له النبي -﷿- بالجنة، أخبر بما علم من ذكره في كتبهم، ولا ريب أن رسول الله -ﷺ- يستحيي من ربه رغم أنه -﷿- قال: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ (^٢)، فيرضيه في ذاته وفي مصير أمته -ﷺ-، ولا يسوؤه ربه -﷿- مما أحدثت أمته من بعده.
قوله: «مما أحدثت أمتك من بعدك» ليس رسول الله -ﷺ- مسئولا عما أحدث أمته لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأنه -ﷺ- مكلف بالبلاغ وليس بالهداية، وقد
_________________
(١) ما بين المعقوفين كتب لحقا في (ت) وليس في (ك).
(٢) الآية (٥) من سورة الضحى.
[ ١ / ٢٠٣ ]
بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ولذلك يقول لمن يذادون ويمنعون من أمته عن الحوض بعد أن بين له أنهم أحدثوا بعده: «سحقا سحقا لمن غيّر بعدي» (^١)، ولكن الله -﷿- كرمه وأمته بالشفاعة العظمى -ﷺ-، والخبر في سنده أبو عبد الجليل ضعيف يدلسه هشيم؛ وأبو حريز، صدوق يخطئ، ولم يدرك الصحابة، ففي الإسناد انقطاع، ولو صح فمراد ابن سلام -﵁- أنه وجد مذكورا في التوراة هذا الوصف.
ما يستفاد:
* علم عبد الله بن سلام -﵁- بما ورد في كتب أهل الكتاب في شأن نبينا محمد -ﷺ-.
* أنه -﵁- لم يخبر بغيب بل بما علم من كتب أهل الكتاب.
* حياء رسول الله -﷿- لا حدود له مع الناس، فكيف به مع ربه ورب الناس -ﷻ-، وقد استحى من مراجعة ربه في تخفيف الصلاة عن أمته، وقد فرضت خمسين صلاة في اليوم والليلة، فلما فرضت خمس صلوات، لم يراجع ربه رغم نصح موسى -﵇- بذلك.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٩٢ - (١٦) أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ كَثِيرٍ، قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ شُرَيْحٍ،
_________________
(١) البخاري حديث (٦٥٨٤) ومسلم حديث (٢٤٩).
[ ١ / ٢٠٤ ]
يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ الْقُرَشِيِّ، عَنْ أَبِي فَرْوَةَ (^١) مَوْلَى أَبِي جَهْلٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- إِنَّ هَذِهِ السُّورَةَ لَمَّا أُنْزِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ (^٢) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَيَخْرُجُنَّ مِنْهُ أَفْوَاجًا كَمَا دَخَلُوهُ أَفْوَاجًا (^٣).
رجال السند:
القاسم بن كثير شيخ القراء، أبو العباس القرشي، صدوق، وعبد الرحمن ابن شريح المعافري، أبو شريح لابأس به، وأبو الأسود محمد بن عبدالرحمن القرشي، يتيم عروة ثقة، من صغار التابعين، إمام ثقة، وأبو فروة، مولى أبي جهل.
الشرح:
تقدم أن المراد" بنصر الله" نصره لرسوله -ﷺ- وأصحابه -﵃- على الكفار، و" الفتح " فتح مكة.
قوله: «ليخرجنّ منه أفواجا كما دخلوه أفواجا».
من أسباب الخروج من الدين كثرة الفتن، وعدم الاعتصام منها بكتاب الله
_________________
(١) في الأصل (قرة) وهو خطأ وأبو قرة هو نوفل بن فروة الأشجعي، لم يرد في ترجمته أنه مولى. انظر (أسد الغابة ٥/ ٤٦، والإصابة ١٠/ ١٩٦).
(٢) الآيتان (١، ٢) من سورة النصر.
(٣) سنده حسن، وأبو الأسود هو يتيم عروة، والخبرمن رواية صحابي عن صحابي، وانظر: القطوف رقم (٣٨/ ٩١).
[ ١ / ٢٠٥ ]
-﷿- وسنة رسوله -ﷺ-، فتعود الغربة في الدين «بدأ الإسلام غريبا، وسيعود كما بدأ غريبا، فطوبى للغرباء» (^١)، وقال رسول الله -ﷺ-: «يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر» (^٢)، ويموت المؤمنون، ويبقى شرار الناس وهذا معنى" لا تقوم الساعة وفي الأرض من يقول: الله، الله " أي: من يذكر بطاعة الله -﷿-؛ لأنه إذا كان فيها من يذكر بتقوى الله وطاعته، فالحياة يبقى فيها الصلاح، فإذا خلت الأرض من الصالحين لم يبق إلا الأشرار فتقوم الساعة، قال النبي -ﷺ-: «لا تقوم الساعة، إلا على شرار الناس» (^٣).
ما يستفاد:
* فيه بشارة الرسول -ﷺ- وأصحابه -﵃- بالنصر على الكفار، وبفتح مكة، وكان ما وعد الله -﷿-.
* فيه بشارة الرسول -ﷺ- وأصحابه -﵃- بدخول العرب وغيرهم الدين الذي جاء به محمد -ﷺ-.
* فيه الحدث على التمسك بالإسلام عقيدة ومنهجا.
* فيه إخبار الرسول -ﷺ- بخرج أناس كثيرون من دين الإسلام، وقد خلوا فيه، وهم شرار الناس الذين ستقوم عليهم القيامة.
* بيان أن بقاء المؤمنين في الأمة فيه صلاح دنيا وآخرتهم، وبذهابهم
يذهب الخير والبركة ولا يبقى إلا شرار الناس الذين خرجوا من الدين أفواجا.
_________________
(١) مسلم حديث (٢٣٢).
(٢) مسلم حديث (٢٢٦٠).
(٣) مسلم حديث (٢٩٤٩).
[ ١ / ٢٠٦ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٩٣ - (١٧) ثم قال: (^١) أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ الْمِصْرِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ أَبِى أَيُّوبَ الْخُزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأُمَوِيِّ، عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ قَالَ: دَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الأَهْتَمِ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَعَ الْعَامَّةِ، فَلَمْ يُفْجَأْ عُمَرُ إِلاَّ وَهُوَ بَيْنَ يَدَيْهِ يَتَكَلَّمُ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: " أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ غَنِيًّا عَنْ طَاعَتِهِمْ، آمِنًا لِمَعْصِيَتِهِمْ، وَالنَّاسُ يَوْمَئِذٍ فِي الْمَنَازِلِ وَالرَّأْىِ مُخْتَلِفُونَ، فَالْعَرَبُ بِشَرِّ تِلْكَ الْمَنَازِلِ: أَهْلُ الْحَجَرِ وَأَهْلُ الْوَبَرِ وَأَهْلُ الدَّبَرِ يُحْتَازُ دُونَهُمْ طَيِّبَاتُ الدُّنْيَا وَرَخَاءُ عَيْشِهَا، لَا يَسْأَلُونَ اللَّهَ جَمَاعَةً، وَلَا يَتْلُونَ لَهُ كِتَابًا، مَيِّتُهُمْ فِي النَّارِ، وَحَيُّهُمْ أَعْمَى نَجِسٌ، مَعَ مَا لَا يُحْصَى مِنَ الْمَرْغُوبِ عَنْهُ، وَالْمَزْهُودِ فِيهِ، فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَنْشُرَ عَلَيْهِمْ رَحْمَتَهُ بَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ، حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ، (^٢) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَلَمْ يَمْنَعْهُمْ ذَلِكَ أَنْ جَرَحُوهُ فِي جِسْمِهِ (^٣) وَلَقَّبُوهُ في اسْمِهِ، وَمَعَهُ كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ نَاطِقٌ، لَا يُقَدَّمُ إِلاَّ بِأَمْرِهِ، وَلَا يُرْحَلُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ، فَلَمَّا أُمِرَ بِالْعَزْمَةِ، وَحُمِلَ عَلَى الْجِهَادِ، انْبَسَطَ لأَمْرِ اللَّهِ لَوَثُهُ (^٤)، فَأَفْلَجَ (^٥) اللَّهُ
_________________
(١) ليست في (ك) والمراد الدارمي.
(٢) مقتبس من الآية (١٢٨) من سورة التوبة.
(٣) علق في هامش (ك) نفسه، وكتب صح.
(٤) أي ما كان ملتفا مطويا. قال في (الصحاح ٢/ ٤٦١) لاث العمامة على رأسه، يلوثها لوثا، أي عصبها وانظر (النهاية ٤/ ٢٧٥).
(٥) أي قومها وأظهرها، انظر: (الصحاح ٢/ ٢٥٦).
[ ١ / ٢٠٧ ]
حُجَّتَهُ، وَأَجَازَ كَلِمَتَهُ، وَأَظْهَرَ دَعْوَتَهُ، وَفَارَقَ الدُّنْيَا تَقِيًّا نَقِيًّا، ثُمَّ قَامَ بَعْدَهُ أَبُو بَكْرٍ فَسَلَكَ سُنَّتَهُ وَأَخَذَ سَبِيلَهُ، وَارْتَدَّتِ الْعَرَبُ أَوْ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ
سبحان الله وبحمده
سبحان الله العظيممِنْهُمْ، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُمْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلاَّ الَّذِي كَانَ قَابِلًا، انْتَزَعَ السُّيُوفَ مِنْ أَغْمَادِهَا، وَأَوْقَدَ النِّيرَانَ فِي شُعُلِهَا، ثُمَّ رَكِبَ بِأَهْلِ الْحَقِّ أَهْلَ الْبَاطِلِ، فَلَمْ يَبْرَحْ يُقَطِّعُ أَوْصَالَهُمْ، وَيَسْقِى الأَرْضَ دِمَاءَهُمْ، حَتَّى أَدْخَلَهُمْ فِي الَّذِي خَرَجُوا مِنْهُ، وَقَرَّرَهُمْ بِالَّذِي نَفَرُوا عَنْهُ، وَقَدْ كَانَ أَصَابَ مِنْ مَالِ اللَّهِ بَكْرًا يَرْتَوِي عَلَيْهِ وَحَبَشِيَّةً أَرْضَعَتْ وَلَدًا لَهُ، فَرَأَى ذَلِكَ عِنْدَ مَوْتِهِ غُصَّةً فِي حَلْقِهِ فَأَدَّى ذَلِكَ إِلَى الْخَلِيفَةِ مِنْ بَعْدِهِ، وَفَارَقَ الدُّنْيَا تَقِيًّا نَقِيًّا عَلَى مِنْهَاجِ صَاحِبِهِ، ثُمَّ قَامَ بَعْدَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَمَصَّرَ الأَمْصَارَ، وَخَلَطَ الشِّدَّةَ بِاللِّينِ، وَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ وَشَمَّرَ عَنْ سَاقَيْهِ، وَأَعَدَّ (^١) لِلأُمُورِ أَقْرَانَهَا وَلِلْحَرْبِ آلَتَهَا، فَلَمَّا أَصَابَهُ قَيْنُ (^٢) الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَمَرَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَسْأَلُ النَّاسَ هَلْ يُثْبِتُونَ قَاتِلَهُ؟ فَلَمَّا قِيلَ: قَيْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ اسْتَهَلَّ يَحْمَدُ رَبَّهُ أَنْ لَا يَكُونَ أَصَابَهُ ذُو حَقٍّ فِي الْفَيْءِ، فَيَحْتَجَّ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ إِنَّمَا اسْتَحَلَّ دَمَهُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ حَقِّهِ، وَقَدْ كَانَ أَصَابَ مِنْ مَالِ اللَّهِ بِضْعَةً وَثَمَانِينَ أَلْفًا فَكَسَرَ لَهَا رِبَاعَهُ (^٣) وَكَرِهَ بِهَا كَفَالَةَ أَوْلَادِهِ، فَأَدَّاهَا إِلَى الْخَلِيفَةِ مِنْ بَعْدِهِ، وَفَارَقَ الدُّنْيَا تَقِيًّا نَقِيًّا عَلَى مِنْهَاجِ صَاحِبَيْهِ، ثُمَّ يَا عُمَرُ إِنَّكَ بَنيَّ الدُّنْيَا وَلَدَتْكَ مُلُوكُهَا، وَأَلْقَمَتْكَ ثَدْيَيْهَا وَنَبَتَّ فِيهَا تَلْتَمِسُهَا مَظَانَّهَا، فَلَمَّا وُلِّيتَهَا أَلْقَيْتَهَا حَيْثُ أَلْقَاهَا اللَّهُ، هَجَرْتَهَا وَجَفَوْتَهَا، وَقَذَرْتَهَا إِلاَّ مَا تَزَوَّدْتَ مِنْهَا، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَلَا بِكَ حَوْبَتَنَا وَكَشَفَ بِكَ
_________________
(١) العبد، والأمة: قينة.
(٢) العبد، والأمة: قينة.
(٣) جمع: رَبْع، وهو دار الإقامة. (الفائق ٢/ ٣٢) أي باعها بثمن بخس.
[ ١ / ٢٠٨ ]
كُرْبَتَنَا، فَامْضِ وَلَا تَلْتَفِتْ، فَإِنَّهُ لَا يَعِزُّ عَلَى الْحَقِّ شَيْءٌ، وَلَا يَذِلُّ عَلَى الْبَاطِلِ شَيْءٌ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ. قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: فَكَانَ عُمُرُ بْنُ عَبْدِالْعَزِيزِ يَقُولُ فِي الشَّيْءِ قَالَ لِيَ ابْنُ الأَهْتَمِ: امْضِ وَلَا تَلْتَفِتْ (^١).
رجال السند:
أبو بكر المصري، لم يتميز من هو شيخ الدارمي ممن يكنون بابي بكر، وسليمان بن الحكم أبو أيوب الخزاعي، ويحيى بن سعيد بن أبان الأموي، أبو أيوب ثقة، ومعروف بن خربوذ المكي، مولى عثمان، لابأس به، وخالد ابن معدان إمام ثقة تقدم، وعبد الله بن الأهتم: لقب، واسمه سمي ابن سنان التميمي، أبو معمر المنقري، لم يكن راويا، كان خطيبا واعظا، وعمر بن عبد العزيز الخليفة الرشد الخامس.
الشرح:
قوله: " بنيّ الدنيا " أي دنياك مبنية، باعتباره سليل الخلافة العباسية، ولا مزيد على هذه البلاغة والبيان، إنها موعظة تقرع قلوب المؤمنين.
_________________
(١) في سنده يحي بن سعيد بن العاص، صدوق يغرب، ومعروف، صدوق ربما وهم، وهي موعظة عظيمة حسنة مقبولة، وانظر: القطوف رقم (٣٩/ ٩٢).
[ ١ / ٢٠٩ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى: