١٦٠ - (١) أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي (^١) جَعْفَرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَجْرَؤُكُمْ عَلَى الْفُتْيَا أَجْرَؤُكُمْ عَلَى النَّارِ» (^٢).
رجال السند:
إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، هو الرازي، أبو إسحاق التميمي، كبير في العلم والجلالة، إمام ثقة، وابْنُ الْمُبَارَكِ، هو عبد الله بن المبارك بن واضح المروزي، شيخ الإسلام، تناقل فضائله العلماء، إمام فقيه ثقة، وسَعِيدُ ابْنُ أَبِي أَيُّوبَ، هو الخزاعي أبو يحيى المصري، إمام ثقة، وعُبَيْدُ اللَّهِ ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، هو الأموي فقيه محدث جليل، أبو بكر إمام ثقة.
الشرح:
هذا مرسل تفرد به الدارمي، وعبيد الله هذا من صغار التابعين، ولم يذكر الواسطة بينه وبين رسول الله -ﷺ-، ومعناه صحيح، فإن من يتساهل في الفتوى قد يوقعه ذلك في القول على الله -﷿- بغير علم، وهذا طريق إلى النار والعياذ بالله من ذلك.
قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٦١ - (٢) أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، ثنا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ عَبْدَةَ بْنِ أَبِى لُبابةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: " مَنْ أَحْدَثَ
_________________
(١) كتبت لحقا في هامش (ت).
(٢) رجاله ثقات، وهو مرسل عبيد الله من صغار التابعين، وانظر: القطوف رقم (١٠٢/ ١٥٨).
[ ١ / ٣٠٨ ]
رَأْيًا لَيْسَ في كِتَابِ اللَّهِ، وَلَمْ يَمْضِ بِهِ سُنَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، لَمْ يَدْرِ عَلَى مَا هُوَ مِنْهُ إِذَا لَقِيَ اللَّهَ -﷿- " (^١).
رجال السند:
أَبُو الْمُغِيرَةِ، هو عبد القدوس بن الحجاج، والأَوْزَاعِيُّ، هو عبد الرحمن ابن عمرو، هما إمامان ثقتان تقدما، وعَبْدَةُ بْنُ أَبِى لُبابةَ، هو الأسدي، أبو القاسم تابعي فقيه، ثقة إمام.
الشرح:
قوله: «مَنْ أَحْدَثَ رَأْيًا لَيْسَ في كِتَابِ اللَّهِ، وَلَمْ يَمْضِ بِهِ سُنَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، لَمْ يَدْرِ عَلَى مَا هُوَ مِنْهُ إِذَا لَقِيَ اللَّهَ -﷿-».
هذا كلام نفيس مستنده قول رسول الله -ﷺ-: «من أحدث في أمرنا هذا ما
ليس فيه، فهو رد» (^٢)، والمراد أنه عمل فاسد مردود على صاحبه غير مقبول، ومن لا يقبل عمله مصيره النار؛ لأنه أحدث أمرا ليس عليه حكم الله -﷿- ورسوله -ﷺ-، وكذلك قوله -ﷺ-: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (^٣)، صريحة في رد كل محدثة أيا كان فاعلها.
ما يستفاد:
* هذان الحديثان من أعظم قواعد الدين.
* وجوب محاربة البدع والمحدثات.
* أن كل قول لا يتفق مع الكتاب والسنة فهو باطل مردود.
_________________
(١) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (١٠٣/ ١٦٠).
(٢) البخاري حديث (٢٦٩٧).
(٣) البخاري ما بعد حديث (٢١٤١) ومسلم حديث (١٧١٨).
[ ١ / ٣٠٩ ]
* أن كل عمل لا يتفق مع الكتاب والسنة فهو فاسد مردود.
* أن من خالف الكتاب والسنة بارتكاب البدع والمحدثات مصيره النار.
* دعوة أهل البدع إلى التوبة وعدم تجاوز ما شرع الله -﷿- ورسوله -ﷺ-.
* وجوب إشاعة السنة وإبطال البدع.
* أن ما يقوم به العلماء والفقها من تفريع المسائل، واستنباطها من الكتاب والسنة ليس من المحدثات.
* جواز الاجتهاد من ذي القدرة العلمية فيما لا نص فيه، وليس هو من المحدثات.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٦٢ - (٣) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى أَيُّوبَ، حَدَّثَنِى
بَكْرُ بْنُ عُمَرَ الْمُعَافِرِيُّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «مَنْ أُفْتِيَ بِفُتْيَا مِنْ غَيْرِ ثَبْتٍ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ» (^١).
رجال السند:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، هو المقرئ ثقة تقدم، وسَعِيدُ بْنُ أَبِى أَيُّوبَ، هوالخزاعي إمام ثقة تقدم، وبَكْرُ بْنُ عُمَرَ الْمُعَافِرِيُّ، هو إمام جامع الفسطاط بمصر، إمام ثقة، وأَبِو عُثْمَانَ مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ، هو الطنبذي، رضع مع الخليفة عبد الملك بن مروان، قليل الحديث، من رجال مسلم، يعتبر به.
الشرح:
_________________
(١) فيه مسلم بن يسار الطنبذي: مقبول، وانظر: القطوف رقم (١٠٤/ ١٦١).
[ ١ / ٣١٠ ]
قوله: «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: مَنْ أُفْتِيَ بِفُتْيَا مِنْ غَيْرِ ثَبْتٍ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ».
أبو هريرة -﵁-، هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي الزهراني، أعلى المكثرين من الرواية عن رسول الله -ﷺ-، قدم مع من قدم من قومه في السنة السابعة من الهجرة، ورسول الله -ﷺ- في خيبر، فلحقو به هناك، وقسم لهم رسول الله -ﷺ-، من غنائم خيبر ولم يدركوا قتالا معه.
قوله: «مَنْ أُفْتِيَ بِفُتْيَا مِنْ غَيْرِ ثَبْتٍ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ».
لأنه أضل من أفتى بجهله، فعليه وزر من أفتى، إذ قاده إلى عمل غير صحيح.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٦٣ - (٤) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، ثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ،
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: " مَنْ أَفْتَي بِفُتْيَا يُعَمَّى عَنْهَا فَإِثْمُهَا عَلَيْهِ (^١).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، هو ابن أبي خلف ثقة تقدم، وسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، ثقة إمام تقدم، وأَبِو سِنَانٍ، هو ضرار بن مرة الكوفي، روى عن التابعين، ثقة إمام، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، هو شهيد الحجاج.
الشرح: انظر السابق.
_________________
(١) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (١٠٥/ ١٥٢).
[ ١ / ٣١١ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٦٤ - (٥) (^١) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ، ثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ، ثَنَا مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ قَالَ: " كَانَ أَبُو بَكْرٍ -﵁- إِذَا وَرَدَ عَلَيْهِ الْخَصْمُ نَظَرَ في كِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ وَجَدَ فِيهِ مَا يَقْضِي بَيْنَهُمْ قَضَى بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ في الْكِتَابِ، وَعَلِمَ مِنْ (^٢) رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- في ذَلِكَ الأَمْرِ (^٣) سُنَّةً قَضَى بِهِ، فَإِنْ أَعْيَاهُ خَرَجَ فَسَأَلَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: أَتَانِي كَذَا وَكَذَا، فَهَلْ عَلِمْتُمْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَضَى في ذَلِكَ بِقَضَاءٍ؟ فَرُبَّمَا اجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّفَرُ كُلُّهُمْ يَذْكُرُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِيهِ قَضَاءً، فَيَقُولُ أَبُو بَكْر رِضْوَانْ الله عَلَيْهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى جَعَلَ فِينَا مَنْ يَحْفَظُ عَنْ (^٤) نَبِيِّنَا -ﷺ-، فَإِنْ أَعْيَاهُ أَنْ يَجِدَ فِيهِ سُنَّةً مِنَ النبي -ﷺ- جَمَعَ رُءُوسَ النَّاسِ وَخِيَارَهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ، فَإِنْ أَجْمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَمْرٍ قَضَى بِهِ " (^٥).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ، هو ابن الحجاج أبو جعفر الكوفي، لقبه الأصم، إمام ثقة من رجال البخاري، وزُهَيْرٌ، هو ابن معاوية إمام ثقة تقدم، وجَعْفَرُ ابْنُ بُرْقَانَ، هو أبو عبد الله الجزري الرقي، إمام ثقة في غير الزهري، ومَيْمُونُ ابْنُ مِهْرَانَ، هو الجزري ثقة فقيه تقدم.
_________________
(١) كتب قبالته في (ك: انظر الصفحة التي قبل هذه) وهويريد التنبيه إلى شأن الأحاديث الأربعة (انظر التعليق على حديث ١٥٤).
(٢) كتبت لحقا في (ك).
(٣) كتبت لحقا في هامش (ت).
(٤) في (ت) علي، بالياء.
(٥) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (١٠٦/ ١٦٣).
[ ١ / ٣١٢ ]
الشرح:
هذا هو المنهج الرصين، والصراط المستقيم، أن يبدأ بالنظر في حكم المسألة بكتاب الله -﷿- المصدر الأول للتشريع، ثم السنة النبوية المصدر الثاني، ثم سؤال من عنده علم فقد يكون عند غيره من علم الكتاب والسنة ما ليس عنده، ثم اجهاد وجوه العلماء والفقهاء لبحث ما لم يدل عليه كتاب ولاسنة، فما أجمعوا عليه فهو المصدر الثالث من التشريع، وما لم يجمع عليه، فالقياس مصيره، بالنظر في الأشباه والنظائر واستنتاج الحكم المناسب، صلى الله على نبينا محمد وآله، ورضي الله عن أبي بكر والصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٦٥ - (٦) أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، وَعَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ
ابْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ قَالَ: " كَانَ عَلَى امْرَأَتِي اعْتِكَافُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ في الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَسَأَلْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعِنْدَهُ ابْنُ شِهَابٍ قَالَ: قُلْتُ: عَلَيْهَا صِيَامٌ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: لَا يَكُونُ اعْتِكَافٌ إِلاَّ بِصِيَامٍ (^١)، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَعَنِ النبي -ﷺ-؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَعَنْ أَبِي بَكْرٍ رِضْوَانَ الله عَلَيْهِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَعَنْ عُمَرَ -﵁-؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَعَنْ عُثْمَانَ -﵁-؟ قَالَ: لَا، قَالَ عُمَرُ ﵀: مَا أَرَى عَلَيْهَا صِيَامًا، فَخَرَجْتُ فَوَجَدْتُ طَاوُسًا، وَعَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ فَسَأَلْتُهُمَا، فَقَالَ طَاوُسٌ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي
_________________
(١) هذا رأي الزهري، والراجح ما ذهب إليه عمر بن عبد العزيز، وإن جمع بينهما فمن باب الاستحباب لا الوجوب.
[ ١ / ٣١٣ ]
الله عنهما لَا يَرَى عَلَيْهَا صِيَامًا إِلاَّ أَنْ تَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهَا، قَالَ: وَقَالَ عَطَاءٌ: ذَلِكَ رَأْيِي" (^١).
رجال السند:
إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، هو أبو إسحاق التميمي إمام ثقة تقدم، وَعَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، هو الكلابي أبو محمد النيسابوري، إمام مجاب الدعوة ثقة، وعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، هو الدراوردي، إمام ثقة تقدم، وأَبِو سُهَيْلٍ، هو مالك ابن نافع الأصبحي، عم الإمام مالك، إمام ثقة.
الشرح:
قول: «كَانَ عَلَى امْرَأَتِي اعْتِكَافُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ في الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَسَأَلْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعِنْدَهُ ابْنُ شِهَابٍ قَالَ: قُلْتُ: عَلَيْهَا صِيَامٌ، قَالَ ابْنُ
شِهَابٍ: لَا يَكُونُ اعْتِكَافٌ إِلاَّ بِصِيَامٍ».
هذا رأي الزهري ﵀، والصحيح أن الاعتكاف جائز بغير صيام، إلا أن يطوع المعتكف فيصوم من غير وجوب، قال: طاوس ﵀: " كان ابن عباس لا يرى على المعتكف صياما إلا أن يجعله على نفسه "، وقال عطاء ﵀: " وذلك رأيي فكان من حجتنا عليه - يعني الزهري- أن ابن عباس قد روينا عنه في هذا خلاف ذلك مما يحدثه عنه عطاء، ثم وجدنا عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: " الاعتكاف لا يكون إلا بصيام"، والصحيح عدم وجوب الصوم مع الاعتكاف يؤيد هذا ما يلي:
_________________
(١) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (١٠٧/ ١٦٤).
[ ١ / ٣١٤ ]
قوله: «فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَعَنِ النبي -ﷺ-؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَعَنْ أَبِي بَكْرٍ رِضْوَانَ الله عَلَيْهِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَعَنْ عُمَرَ -﵁-؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَعَنْ عُثْمَانَ -﵁-؟ قَالَ: لَا، قَالَ».
هذا القول من عمر بن عبد العزيز رحمه فيه اتباع للمنهج الصحيح الذي تقدم ذكره عن أبي بكر، فسأل عمر ﵀ الزهري ﵀ عن مستنده فيما قال، أهو عن رسوا الله -ﷺ- فقال الزهري: لا، ثم سأله أهو قول عن عمر -﵁- الله عنه، فيؤخذ به؛ لأنه الخليفة الراشد المهدي، عملا بقول رسول الله -ﷺ-: «فإنه من يعش منكم يرى اختلافا كثيرا، وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ» (^١)، وكذلك أبو بكر وعثمان ﵄.
قوله: «قَالَ عُمَرُ ﵀: مَا أَرَى عَلَيْهَا صِيَامًا».
هذا هو الصحيح مادامت المسألة ليس فيها شيء عن النبي -ﷺ-، ولا عن الخلفاء الراشدين فمن أين هذا للزهري ﵀، ومن أين هو لابن عباس ﵄، في رواية عنه، إذن المسألة اجتهادية، تبقى على البراءة الأصلية إلا من اعتكف وتطوع بصوم فلا حرج.
قوله: «فَخَرَجْتُ فَوَجَدْتُ طَاوُسًا، وَعَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ فَسَأَلْتُهُمَا، فَقَالَ طَاوُسٌ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ لَا يَرَى عَلَيْهَا صِيَامًا إِلاَّ أَنْ تَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهَا، قَالَ: وَقَالَ عَطَاءٌ: ذَلِكَ رَأْيِي».
_________________
(١) الترمذي حديث (٢٦٧٦).
[ ١ / ٣١٥ ]
هذا قول أبي سهيل ليستدل به على الصحيح، وللرد على الزهري ﵀ فيما ذكر.
ما يستفاد:
* عدم جواز الاجتهاد مع النص، ولذلك سأل عمر بن عبد العزيز ﵀ عن ذلك.
* جواز الاجتهاد فيما لا نص فيه، ولذلك اجتهد الزهري رأيه، وخالفه طاوس وعطاء رحمهما الله برواية عن ابن عباس ﵄.
* الصحيح عدم ربط الاعتكاف بالصيام، وأنه يجوز بدونه.
* جواز التطوع بالصيام مع الاعتكاف.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٦٦ - (٧) حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثنَا أَبُو عَقِيلٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِى نَضْرَةَ قَالَ: " لَمَّا قَدِمَ أَبُو سَلَمَةَ الْبَصْرَةَ أَتَيْتُهُ أَنَا وَالْحَسَنُ، فَقَالَ لِلْحَسَنِ: أَنْتَ الْحَسَنُ؟، مَا كَانَ أَحَدٌ بِالْبَصْرَةِ أَحَبَّ إِلَيَّ لِقَاءً مِنْكَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُفْتِي بِرَأْيِكَ، فَلَا تُفْتِ بِرَأْيِكَ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ سُنَّةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَوْ كِتَابٌ مُنَزَّلٌ " (^١).
رجال السند:
مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، هو الفراهيدي، إمام ثقة تقدم، أَبُو عَقِيلٍ، هو بشير ابن عقبة الناجي، إمام ثقة من رجال الصحيحين، وسَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ، هو ابن
_________________
(١) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (١٠٨/ ١٦٥).
[ ١ / ٣١٦ ]
إياس محدث البصرة، إمام ثقة، تغير قبل موته، وأَبِو نَضْرَةَ، هو المنذر ابن مالك البصري، تابعي ثقة، ولا حجة لمن ضعفه.
الشرح:
قوله: «لَمَّا قَدِمَ أَبُو سَلَمَةَ الْبَصْرَةَ أَتَيْتُهُ أَنَا وَالْحَسَنُ، فَقَالَ لِلْحَسَنِ: أَنْتَ الْحَسَنُ؟، مَا كَانَ أَحَدٌ بِالْبَصْرَةِ أَحَبَّ إِلَيَّ لِقَاءً مِنْكَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُفْتِي بِرَأْيِكَ، فَلَا تُفْتِ بِرَأْيِكَ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ سُنَّةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَوْ كِتَابٌ مُنَزَّلٌ».
القائل أبو نضرة، وأبو سلمة، هو ابن عبد الرحمن بن عوف الصحابي، وهو إمام ثقة تقدم، هو البصري من سادات التابعين ﵀، قال له أبو سلمة، لكونه من الفقهاء المقصودين من الناس، مع أن الحسن ﵀ صاحب سنة والتزام، فوجهه إلى الاعتماد على الكتاب والسنة في الفتيا، ومعلوم أنه لا محيد عنهما لصاحب سنة كالحسن، ولكن إذا لم يكن في المسألة كتاب ولا سنة، فباب الاجتهاد مفتوح لمن تأهل كالحسن وأضرابه
من التابعين ﵏﷿-، وانظر السابق.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٦٧ - (٨) أَخْبَرَنَا عِصْمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، ثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُباب، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عُقْبَةَ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ: " أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَقِيَهُ فِي الطَّوَافِ
[ ١ / ٣١٧ ]
فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا الشَّعْثَاءِ إِنَّكَ مِنْ فُقَهَاءِ الْبَصْرَةِ فَلَا تُفْتِ إِلاَّ بِقُرْآنٍ نَاطِقٍ أَوْ سُنَّةٍ مَاضِيَةٍ، فَإِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ غَيْرَ ذَلِكَ هَلَكْتَ وَأَهْلَكْتَ " (^١).
رجال السند:
عِصْمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، هو النميري، أبو الفضل النيسابوري، لا يروي إلا عن ثقة، وهو إمام ثقة، وزَيْدُ بْنُ الْحُباب، هو العكلي الكوفي، وثقه العجلي وابن حبان وقال مرة: يخطئ ويعتبر بحديثه تقدم، ويَزِيدُ بْنُ عُقْبَةَ، هو أبو محمد العتكي، من أفراد الدارمي، سكت عنه الإمامان، وثقة ابن حبان، فلابأس به، والضَّحَّاكُ، هو الضبي، من أفراد الدارمي، سكت عنه البخاري، وجهّله أبو حاتم، وجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، هو الأزدي اليحمدي الزهراني، أبو الشعثاء مفتي البصرة، من تلاميذ ابن عباس الكبار، أثني عليه ابن عباس ﵄ فقال: " لو نزل أهل البصرة عند قول جابر بن زيد لأوسعهم عما في كتاب الله علما".
الشرح:
قوله: «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَقِيَهُ فِي الطَّوَافِ فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا الشَّعْثَاءِ إِنَّكَ مِنْ فُقَهَاءِ
الْبَصْرَةِ فَلَا تُفْتِ إِلاَّ بِقُرْآنٍ نَاطِقٍ أَوْ سُنَّةٍ مَاضِيَةٍ، فَإِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ غَيْرَ ذَلِكَ هَلَكْتَ وَأَهْلَكْتَ».
ابن عمر، هو الصحابي الجليل عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، أسدى نصيحة لجابر بن زيد أبي الشعثاء ألا يفتي إلا معتمدا على
_________________
(١) فيه يزيد بن عقبة الموزي: سكت عنه البخاري وأبو حاتم (التاريخ ٨/ ٤٤، والجرح والتعديل ٩/ ٢٨٣) وذكره ابن حبان في (الثقات ٧/ ٦٢٦) وانظر: القطوف رقم (١٠٩/ ١٦٦).
[ ١ / ٣١٨ ]
الدليل من الكتاب أو السنة، ونها عن الرأي، خوفا من الزلل وهذا غاية في الورع مع جواز الاجتهاد فيما لا نص فيه، فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر الاجتهاد، وخطأه مغفور، والاحتياط أولى، وانظر ما تقدم.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٦٨ - (٩) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ حُرَيْثِ بْنِ ظُهَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: " أَتَى عَلَيْنَا زَمَانٌ لَسْنَا نَقْضِي وَلَسْنَا هُنَالِكَ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ قَدَّرَ مِنَ الأَمْرِ أَنْ قَدْ بَلَغْنَا مَا تَرَوْنَ، فَمَنْ عَرَضَ لَهُ قَضَاءٌ بَعْدَ الْيَوْمِ فَلْيَقْضِ فِيهِ بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ -﷿-، فَإِنْ جَاءَهُ مَا لَيْسَ في كِتَابِ اللَّهِ فَلْيَقْضِ بِمَا قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَإِنْ جَاءَهُ مَا لَيْسَ في كِتَابِ اللَّهِ وَلَمْ يَقْضِ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَلْيَقْضِ بِمَا قَضَى بِهِ الصَّالِحُونَ، وَلَا يَقُلْ: إِنِّي أَخَافُ وَإِنِّي أُرَى، فَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ وَالْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَ ذَلِكَ أُمُورٌ مُشْتَبِهَةٌ، فَدَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ " (^١).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُف، هو الفريابي، وسُفْيَانُ، هو ابن عيينة، والأَعْمَشُ، أئمة ثقات تقدموا، وعُمَارَةُ بْنُ عُمَيْرٍ، هو التيمي من صغار التابعين، ثقة، أخرج له الستة، وحُرَيْثُ بْنُ ظُهَيْرٍ، هو كوفي تابعي، تفرد عمارة بالرواية عنه، تابعه عبد الرحمن بن يزيد عند الدارمي حديث ١٧٣ الآتي، وعبد الله ابن مسعود -﵁-.
_________________
(١) فيه حريث: تابعي مجهول، وقد جاء عند المصنف من طريقين، رجال كل منهما ثقات، انظر رقم (١٧٢، ١٧٣).
[ ١ / ٣١٩ ]
الشرح:
قوله: «أَتَى عَلَيْنَا زَمَانٌ لَسْنَا نَقْضِي وَلَسْنَا هُنَالِكَ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ قَدَّرَ مِنَ الأَمْرِ أَنْ قَدْ بَلَغْنَا مَا تَرَوْنَ».
المراد أنه في زمن الرسول -ﷺ- لم يكن أحد من الصحابة -﵃- يفتي غيره -ﷺ- لارتباط ذلك بالوحي، فلما توفي رسول الله -ﷺ- احتاج الناس الفتيا فكانت مقصورة على الكتاب والسنة، وبحذر شديد من القول بالرأي، فلما كثر الناس وجدت أمور طلب فيها القول بما يتمشى من الشرع.
قوله: «فَمَنْ عَرَضَ لَهُ قَضَاءٌ بَعْدَ الْيَوْمِ فَلْيَقْضِ فِيهِ بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ -﷿-، فَإِنْ جَاءَهُ مَا لَيْسَ في كِتَابِ اللَّهِ فَلْيَقْضِ بِمَا قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَإِنْ جَاءَهُ مَا لَيْسَ في كِتَابِ اللَّهِ وَلَمْ يَقْضِ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَلْيَقْضِ بِمَا قَضَى بِهِ الصَّالِحُونَ، وَلَا يَقُلْ: إِنِّي أَخَافُ وَإِنِّي أُرَى، فَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ وَالْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَ ذَلِكَ أُمُورٌ مُشْتَبِهَةٌ، فَدَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ».
قال هذا ابن مسعود -﵁-، وهو المنهج الذي تقدم ذكره عن أبي بكر -﵁-، على الترتيب الكتاب أولا، ثم السنة ثانيا، ثم ما رأى الصالحون وهو الإجماع، ثم حث على عدم التهيب مما كان في أول الأمر من التحذير من القول بالرأي، ففتح باب الاجتهاد، والنظر في المسائل، من ذوي العلم والتقوى، ثم اقتبس من قول رسول الله -ﷺ- " أن الحلال بين والحرام بين" لا يلتبس على الفهم العاقل، " وبينهما مشتبهات" قد تلتبس على الناظر، فإذا حصل الشك: " فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك" المراد أترك ما تشك فيه واعمل بما لا تشك فيه، والحمد لله على اليسر، تقدم برقم ١٦٣ - (٥)، وانظر ما سبق.
[ ١ / ٣٢٠ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٦٩ - (١٠) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ابْنِ أَبِي يَزِيدَ قَالَ: " كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِذَا سُئِلَ عَنِ الأَمْرِ فَكَانَ فِي الْقُرْآنِ أَخْبَرَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْقُرْآنِ وَكَانَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَخْبَرَ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَنْ أَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَالَ فِيهِ بِرَأْيِهِ " (^١).
رجال السند:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، هو ابن أبي شيبة، وابْنُ عُيَيْنَةَ، هو سفيان، هما إمامان ثقتان تقدما، وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ، هو مكي تابعي ثقة، خرج حديثه أصحاب الستة.
الشرح:
قوله: «كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِذَا سُئِلَ عَنِ الأَمْرِ فَكَانَ فِي الْقُرْآنِ أَخْبَرَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْقُرْآنِ وَكَانَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَخْبَرَ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَنْ أَبِى
بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَالَ فِيهِ بِرَأْيِهِ».
ابن عباس، هو عبد الله ﵄، وتقدم البيان أكثر من مرة أن هذا هو المنهج الصحيح، وعليه أهل السنة قاطبة، وانظر ما تقدم.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٧٠ - (١١) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ شُرَيْحٍ: " أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إِلَيْهِ: إِنْ جَاءَكَ شَيْءٌ في كِتَابِ اللَّهِ فَاقْضِ بِهِ وَلَا تَلْتَفِتْكَ عَنْهُ الرِّجَالُ، فَإِنْ جَاءَكَ مَا
_________________
(١) رحاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (١١٠/ ١٦٨).
[ ١ / ٣٢١ ]
لَيْسَ في كِتَابِ اللَّهِ فَانْظُرْ سُنَّةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَاقْضِ بِهَا، فَإِنْ جَاءَكَ مَا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ سُنَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّه -ﷺ- فَانْظُرْ مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ فَخُذْ بِهِ، فَإِنْ جَاءَكَ مَا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَمْ يَكُنْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ أَحَدٌ قَبْلَكَ فَاخْتَرْ أَيَّ الأَمْرَيْنِ شِئْتَ: إِنْ شِئْتَ أَنْ تَجْتَهِدَ رَأْيَكَ ثُمَّ تَقَدَّمَ فَتَقَدَّمْ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَأَخَّرَ فَتَأَخَّرْ، وَلَا أَرَى التَّأَخُّرَ إِلاَّ خَيْرًا لَكَ " (^١).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ عُيَيْنَةَ، هو أخو سفيان لابأس به، وعَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ، ثقة تقدما، وأَبِو إِسْحَاق، هو سليمان بن أبي سليمان، من صغار التابعين، من أصحاب الشعبي، إمام ثقة، والشَّعْبِيُّ، هو عامر، إمام ثقة تقدم، وشُرَيْحٌ، هو ابن الحارث بن قيس القاضي مفتي الكوفة، أبو مية قاضي عمر -﵁-،
أقام على قضاء الكوفة ستين سنة، إمام ثقة.
الشرح:
قوله: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إِلَيْهِ: إِنْ جَاءَكَ شَيْءٌ في كِتَابِ اللَّهِ فَاقْضِ بِهِ وَلَا تَلْتَفِتْكَ عَنْهُ الرِّجَالُ، فَإِنْ جَاءَكَ مَا لَيْسَ في كِتَابِ اللَّهِ فَانْظُرْ سُنَّةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَاقْضِ بِهَا، فَإِنْ جَاءَكَ مَا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ سُنَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّه -ﷺ- فَانْظُرْ مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ فَخُذْ بِهِ، فَإِنْ جَاءَكَ مَا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَمْ يَكُنْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ أَحَدٌ قَبْلَكَ فَاخْتَرْ
_________________
(١) في سنده محمد بن عيينة المصيصي: لابأس به، وانظر: القطوف رقم (١١١/ ١٦٩).
[ ١ / ٣٢٢ ]
أَيَّ الأَمْرَيْنِ شِئْتَ: إِنْ شِئْتَ أَنْ تَجْتَهِدَ رَأْيَكَ ثُمَّ تَقَدَّمَ فَتَقَدَّمْ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَأَخَّرَ فَتَأَخَّرْ، وَلَا أَرَى التَّأَخُّرَ إِلاَّ خَيْرًا لَكَ».
تقدم برقم ١٦٤، أن هذا هو المنهج الذي سار عليه أبو بكر -﵁-، ومن بعده من الصحابة -﵃-، والتابعين ﵏، فانظر ما سبق.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٧١ - (١٢) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ (^١)، ابْنِ أَخِي الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنْ نَاسٍ مِنْ أَهْلِ حِمْصَ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذٍ عَنْ مُعَاذٍ: " أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: «أَرَأَيْتَ إِنْ عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ كَيْفَ تَقْضِي؟» قَالَ: أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ. قَالَ: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟» قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. قَالَ: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ في سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ؟» قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي لَا آلُو (^٢)، قَالَ: فَضَرَبَ صَدْرَهُ ثُمَّ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِى رَسُولَ اللَّهِ» (^٣).
رجال السند:
يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، هو أبو محمد الشيباني، صهر أبي عوانة وراويته، إمام ثقة، وشُعْبَةُ، هو ابن الحجاج، إمام ثقة، ومُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ،
_________________
(١) هكذا في جميع النسخ والصواب الحارث بن عمرو، كما في الرواية التالية.
(٢) أي لا أقصر في اجتهادي.
(٣) فيه مجهولون، أخرجه الترمذي حديث (١٣٢٧) وقال: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده عندي بمتصل. وأخرجه وأبو داود حديث (٣٥٩٢) وأحمد بسند ضعيف حديث (٢٢٠٦٠).
[ ١ / ٣٢٣ ]
هو أبو عون الكوفي، ثقة، روايته في الستة عدا ابن ماجه، والْحَارِثُ ابْنُ عَمْرِو بْنِ أَخِي الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، هو الحارث وليس عمرو حصل قلب في اسمه، صححته الرواية التالية، والحارث لا يعرف بغير هذا الحديث، تفرد به عنه محمد بن عبيد الله، فهو مجهول.
الشرح:
قوله: «عَنْ نَاسٍ مِنْ أَهْلِ حِمْصَ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذٍ عَنْ مُعَاذٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ كَيْفَ تَقْضِي؟، قَالَ: أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟، قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ في سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ؟، قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي لَا آلُو».
هذه الرواية فيها مجاهيل، لكن ما تقدم يفيد بأنه المنهج الصحيح في مصادر الاستدلال، حسب ما ذكر عن معاذ بن جبل ﵁، وهو منهج أبي بكر الصديق ومن بعده -﵃-، وانظر ما تقدم.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٧٢ - (١٣) أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُمَارَةَ ابْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ حُرَيْثِ بْنِ ظُهَيْرٍ قَالَ أَحْسَبُهُ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَالَ: " قَدْ أَتَى عَلَيْنَا زَمَانٌ وَمَا نُسْأَلُ وَمَا نَحْنُ هُنَاكَ (^١)، وَإِنَّ اللَّهَ قَدَّرَ أَنْ بَلَغْتُ مَا تَرَوْنَ، فَإِذَا سُئِلْتُمْ عَنْ شَيْءٍ فَانْظُرُوا فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَفِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَإِنْ لَمْ تَجِدُوهُ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فَاجْتَهِدْ رَأْيَكَ، وَلَا تَقُلْ:
_________________
(١) أي من كثرة العلم، يفسرها قوله بعد: أن بلغت ما ترون.
[ ١ / ٣٢٤ ]
إِنِّي أَخَافُ وَأَخْشَى، فَإِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ وَالْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَ ذَلِكَ أُمُورٌ مُشْتَبِهَةٌ، فَدَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ " (^١).
رجال السند:
يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، وشُعْبَةُ، وسُلَيْمَانُ، هو الأعمش، وعُمَارَةُ بْنُ عُمَيْرٍ، هم أئمة ثقات تقدموا، وحُرَيْثُ بْنُ ظُهَيْر، تابعي، تفرد عمارة بالرواية عنه تقدم.
الشرح: تقدم برقم ١٦٨، فأغنى عن الإعادة.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٧٣ - (١٤) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، عَنْ أَبِى عَوَانَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ
عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ نَحْوَهُ (^٢).
رجال السند:
يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، وأَبو عَوَانَةَ، وسُلَيْمَانَ، وعُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، ثقات تقدموا، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ، هو ابن قيس النخعي، أبو بكر الكوفي، من أصحاب ابن مسعود -﵁-، إمام ثقة، تابع حريث بن ظهير في روايته السابقة، وعَبْدُ اللَّهِ، هو ابن مسعود -﵁-.
قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٧٤ - (١٥) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ
_________________
(١) تقدم برقم (١٦٧).
(٢) رجاله ثقات، وانظر سابقه.
[ ١ / ٣٢٥ ]
بِنَحْوِهِ (^١).
رجال السند:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، هو ابن أبي شيبة، وجَرِيرٌ، هو ابن عبد الحميد، والأَعْمَشِ، هو سليمان، هم أئمة ثقات تقدموا، والْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، هو ابن عبد الله بن مسعود -﵁-، أبو عبد الرحمن قاضي الكوفة، تابعي روى عن بعض الصحابة -﵃-، إمام ثقة، روى له الستة غير مسلم، أَبِوهِ، هو عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود -﵁-، ثقة غير مكثر، تابع حريثا وعبد الرحمن ابن يزيد فيما تقدم عنهما، وعَبْدُ اللَّهِ، هو ابن مسعود -﵁-.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٧٥ - (١٦) حَدَّثَنَا هُارُونُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ
قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: " أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ سَتُحْدِثُونَ وَيُحْدَثُ لَكُمْ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مُحْدَثَةً فَعَلَيْكُمْ بِالأَمْرِ الأَوَّلِ" قَالَ حَفْصٌ: كُنْتُ أُسْنِدُ عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ثُمَّ دَخَلَنِي فِيهِ (^٢) شَكٌّ (^٣).
رجال السند:
هُارُونُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، هو الأشعري، صدوق، وحَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، إمام ثقة، والأَعْمَشُ إمام ثقة تقدموا.
_________________
(١) في (ك) كتب هذا السند لحقا في الهامش، وفيه عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود سمع من أبيه شيئا.
(٢) هكذا في الأصول الخطية، عدا (ت) منه، وصوبت في المتن (ك) في الهامش.
(٣) رجاله ثقات، وفيه انقطاع، بين الأعمش، وعبد الله بن مسعود -﵁-، وانظر: القطوف رقم (١١٢/ ١٧٤).
[ ١ / ٣٢٦ ]
الشرح:
قوله: «قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: " أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ سَتُحْدِثُونَ وَيُحْدَثُ لَكُمْ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مُحْدَثَةً فَعَلَيْكُمْ بِالأَمْرِ الأَوَّلِ" قَالَ حَفْصٌ: كُنْتُ أُسْنِدُ عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ثُمَّ دَخَلَنِي فِيهِ شَكٌّ».
عبد الله هو ابن مسعود -﵁-، أخبر بأن الناس سيحدثون أمورا في حياتهم الدينية، مما ليس له حكم في كتاب الله -﷿-، ولا في السنة رسول الله -ﷺ-، ولا من أقوال الخلفاء الراشدين -﵃-، فيحدث لهم العلماء بالاجتهاد أحكاما. قوله: «قَالَ حَفْصٌ: كُنْتُ أُسْنِدُ عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ثُمَّ دَخَلَنِي فِيهِ شَكٌّ».
حبيب هو ابن أبي ثلبت، أبو يحيى الكوفي، تابعي، إمام ثقة، وقول حفص هذا وهو ابن غياث توضحه رواية ابن أبي شيبة قال: حدثتا حفص، عن الأعمش، عن حبيب، عن أبي عبد الرحمن، قال: قال عبد الله: " إذا رأيتم المحدث فعليكم بالأمر الأول " (^١)، والمراد بالأمر الأول ما كان عليه النبي -ﷺ-، والصحابة من بعده -﵃-، وانظر ما تقدم عن ابن مسعود -﵁- برقم ١٤٦.
قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٧٦ - (١٥) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ قَالَ: ثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ: عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ (^٢) قَالَ: قَالَ عُمَرُ لأبْي (^٣) مَسْعُودٍ:
_________________
(١) المصنف حديث (٣٦٠٢٤).
(٢) كتب لحقا في (ت).
(٣) في (ك، ف، و) لابن، وخطأ صوابه المثبت من (الأصل) و(ت) وهو أبو مسعود البدري -﵁- وقد نبه عليه أبو عاصم أيضا.
[ ١ / ٣٢٧ ]
أَلَمْ أُنْبَأْ (^١) - أَوْ أُنْبِئْتُ (^٢) - أَنَّكَ تُفْتِي وَلَسْتَ بِأَمِيرٍ؟، وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قَارَّهَا (^٣).
[أي احمل ثقلك على من انتفع بك] (^٤).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ، هو الأصم، إمام ثقة، وابْنُ الْمُبَارَكِ، هو عبدالله شيخ الإسلام إمام ثقة، ابْنِ عَوْنٍ، هو عبدالله إمام ثقة، مُحَمَّدٍ، هو ابن سيرين، من سادات التابعين تقدموا.
الشرح:
قوله: «قَالَ عُمَرُ لأبْي مَسْعُودٍ: أَلَمْ أُنْبَأْ - أَوْ أُنْبِئْتُ - أَنَّكَ تُفْتِي وَلَسْتَ بِأَمِيرٍ؟».
_________________
(١) هذا النص: في (ك) كتب في الهامش (في الأصل أنبئنا).
(٢) في (ك) كتب في الهامش (في الأصل أنبئنا).
(٣) رجاله ثقات، وفيه انقطاع بين ابن سيرين وعمر -﵁-، وأخرجه مسلم من طريق الحسن حديث (١٧٠٦) وأبو داود حديث (٤٤٨٠)، وانظر: القطوف رقم (١١٣/ ١٧٥).
(٤) هكذا في الأصول الخطية، وحذفها صاحب فتح المنان من المتن، ونبه بقوله: وقع في نسخة (ل) و(ك) تفسير لمعنى قول عمر، فجاء فيها (أي: احمل. الخ) وما أظنه من قول المصنف، فإنه عادة ما يعقب الحديث بقوله: قال أبو محمد، أو قال عبد الله، لذلك لم أثبته عقب الحديث. (فتح المنان ٢/ ١٨٨ تنبيه) ولم أر هذا مناسبا فالاعتماد على ما في الأصول أولى مع التنبيه في الهامش.
[ ١ / ٣٢٨ ]
اسمه: عقبة بن عمرو بن ثعلبة بن أسيرة بن عسيرة الأنصاري البدري -﵁-، ولم يشهد وقعة بدر على الصحيح، وإنما نزل ماء ببدر، فشهر بذلك، وكان ممن شهد بيعة العقبة، وكان شابا من أقران جابر في السن، سكن الكوفة، ولذلك حصل الاشتباه في خطاب عمر -﵁-، له بابن مسعود -﵁-، لورود كلمة" مسعود" فالبدري أبو مسعود، وعبد الله بن مسعود، هذا من وجه، ومن وجه آخر أنهما في الكوفة، ولكن أبا مسعود -﵁- ليس له عمل في الكوفة من جهة عمر -﵁-، وابن مسعود وولي بيت المال بالكوفة لعمر وعثمان ﵄، ونقب بيت المال بالكوفة وعلى بيت المال ابن مسعود -﵁-، وولي القضاء بالكوفة، وثبت بأنها لعمر وصدرًا من خلافة عثمان، ثم صار في المدينة فمات بها ودفن بالبقيع -﵁-، فهذا يرجح أن المنهي عن الفتوى هو أبو مسعود البدري، وليس ابن مسعود رضي الله
عنهما؛ لأن ابن مسعود ممكن من الفتوى لولايته القضاء.
قوله: «وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قَارَّهَا».
المراد اجعل شدة الفتيا وخطورتها على من تولى شدة بردها، فالعبار فيها تحذير للطرفين من تولي شدة حرها المكنى به عن شرها، ومن تولى شدة بردها لمن تولاها بأمر وتكليف على ما فيها من الخطورة والعناء، وكان ابن عمر ﵄ إذا سئل عن شيء فقال: لا أدري، ثم قال: أتريدون أن تجعلوا ظهورنا جسورا لكم في نار جهنم أن تقولوا أفتانا ابن عمر بهذا! (^١).
_________________
(١) المعرفة والتاريخ (١/ ٤٩٣.
[ ١ / ٣٢٩ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى: