٢٠٨ - (١) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ - هُوَ ابْنُ مِغْوَلٍ - قَالَ: قَالَ لِيَ الشَّعْبِىُّ: " مَا حَدَّثُوكَ هَؤُلَاءِ عَنْ النبي -ﷺ- فَخُذْ بِهِ، وَمَا قَالُوهُ بِرَأْيِهِمْ فَأَلْقِهِ فِي الْحُشِّ " (^١).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُف، الفريابي إمام ثقة، ومَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، هو البجلي، أبو عبد الله الكوفي إمام ثقة، روى حديثه الستة، الشَّعْبِىُّ، إمام ثقة.
الشرح:
قول: «مَا حَدَّثُوكَ هَؤُلَاءِ عَنْ النبي -ﷺ- فَخُذْ بِهِ، وَمَا قَالُوهُ بِرَأْيِهِمْ فَأَلْقِهِ فِي الْحُشِّ».
المراد أهل الرأي، وهذا على غرار ما سبق من الحذير من الرأي، وعدم التماس الأحكام من غير الكتب والسنة، ولا ينظر لما خالفهما.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢٠٩ - (٢) قال: أَخْبَرَنَي الْعَبَّاسُ بْنَ سُفْيَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ حُباب قَالَ: " أَخْبَرَنَي رَجَاءُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَةَ بْنَ أَبِي لُبابةَ يَقُولُ: قَدْ رَضِيتُ
_________________
(١) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (١٤٣/ ٢٠٧) والحش: جمعه حشوش قال ابن الأثير: يعني الكنف ومواضع قضاء الحاجة، الواحد حش بالفتح (النهاية ١/ ٣٩٠).
[ ١ / ٣٥٧ ]
مِنْ أَهْلِ زَمَانِي هَؤُلَاءِ أَنْ لَا يَسْأَلُونِي وَلَا أَسْأَلَهُمْ، إِنَّمَا يَقُولُ أَحَدُهُمْ: أَرَأَيْتَ أَرَأَيْتَ " (^١).
رجال السند:
الْعَبَّاسُ بْنَ سُفْيَانَ، هو الدبوسي، لابأس به تقدم، وزَيْدُ بْنُ حُباب، هو العكلي أبو الحسن، ثقة تقدم، ورَجَاءُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، هو الفلسطيني، إمام ثقة تقدم، وعَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبابةَ، هو الأسدي ثقة إمام تقدم.
الشرح:
تقدم القول في هذا برقم ٢٠٠، فأغني عن الإعادة، والمدار على عدم القول بالرأي.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢١٠ - (٣) قال: أَخْبَرَنَي الْعَبَّاسُ، بْنَ سُفْيَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ حُباب قَالَ: " أَخْبَرَنَي رَجَاءُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَةَ بْنَ أَبِي لُبابةَ يَقُولُ: قَدْ رَضِيتُ مِنْ أَهْلِ زَمَانِي هَؤُلَاءِ أَنْ لَا يَسْأَلُونِي وَلَا أَسْأَلَهُمْ، إِنَّمَا يَقُولُ أَحَدُهُمْ: أَرَأَيْتَ أَرَأَيْتَ " (^٢).
الْعَبَّاسُ بْنُ سُفْيَان، وزَيْدُ بْنُ حُباب ورَجَاءُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ وعَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبابةَ،
تقدموا آنفا.
الشرح: انظر السابق، فهو نسخة منه.
_________________
(١) فيه العباس بن سفيان الدبوسي: ذكره ابن حبان في (الثقات ٨/ ٥١٣).
(٢) فيه العباس بن سفيان الدبوسي: ذكره ابن حبان في (الثقات ٨/ ٥١٣).
[ ١ / ٣٥٨ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢١١ - (٤) أَخْبَرَنَا عَفَّانُ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، ثَنَا عَاصِمُ بْنُ بَهْدَلَةَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمًا خَطًّا ثُمَّ قَالَ: «هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ». ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ قَالَ: «هَذِهِ سُبُلٌ، عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ»، ثُمَّ تَلَا ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ من الآية (١٥٣) من سورة الأنعام، والحديث سنده حسن، واخرجه أحمد حديث (٤١٤٢) ومن حديث جابر، ابن ماجه المقدمة حديث (١١) وصححه الألباني.
رجال السند:
عَفَّانُ، هو ابن مسلم وحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، هما إمامان ثقتان تقدما، وعَاصِمُ ابْنُ بَهْدَلَةَ، هو ابن أبي النجود، أبو بكر المقرئ، حجة في القراءة، صالح ثقة، وأَبو وَائِلٍ، هو شقيق، إمام ثقة تقدم، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ -﵁-.
الشرح:
في الآية الوصية العاشرة من الوصايا العشر في سورة الأنعام فقوله -ﷻ- ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ يدخل فيه كل ما أمر الله -﷿- به، وما نهى عنه، والشريعة جملة وتفصيلا هي الطريق المستقيم، ويجوز في إضافة الصراط أمران: إن كانت الإضافة إلى الرب -﷿- فباعتباره الشارع الحكيم فيما أمر وما نهى، فهو الآمر الكريم والنهي الحكيم.
[ ١ / ٣٥٩ ]
وإن كانت الإضافة إلى النبي -ﷺ- فباعتباره سالك المنهج القويم، الداعي إلى النعيم المقيم، وهو منهج النبيين وغيرهم من الصالحين، قال تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (^١).
أما قوله: ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أمر تعالى باتباع صراطه وهو التزام ما شرع فعلا وتركا، وهذا هو الصراط المستقيم الذي لا يضل سالكه، ولا يهتدي تاركه، فالمطلوب إتباعه وحده، وترك ما سواه؛ لأنها طرق تنتهي بسالكيها إلى الهلكة والضياع، ولو ترك الناس الصراط المستقيم وأتوا من كل طريق سواه، واستفتحوا من كل باب فالطرق عليهم مسدودة، والأبواب دونهم مغلقة، إلا من ذلك الطريق الواحد فإنه متصل بالله موصل إليه تعالى، قال جابر ابن عبد الله ﵄: كنا عند النبي -ﷺ- فخط خطا، وخط خطين عن يمينه، وخط خطين عن يساره، ثم وضع يده في الخط الأوسط، فقال: «هذا سبيل الله» ثم تلا هذه الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ (^٢)، وهذا فعله ابن مسعود -﵁- لتتضح الصورة للمشاهدين له -﵁- وقد فصلت القول في هذه الوصية في " أطيب النشر في تفسير الوصايا العشر " وباختصار في كتابي " رياض الأذهان في تفسير القرآن ".
_________________
(١) من الآية (٧) من سورة الفاتحة.
(٢) ابن ماجه حديث (١١).
[ ١ / ٣٦٠ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢١٢ - (٥) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، ثَنَا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ قَالَ: الْبِدَعَ وَالشُّبُهَاتِ (^١).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُف، هو الفريابي، إمام فقيه تقدم، ووَرْقَاءُ، هو ابن عمر اليشكري، أبو بشر الكوفي، وعن شيخه هذا أخذ تفسير مجاهد، أمام ثقة، وابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، هو عبد الله بن أبي نجيح يسار المكي، أبو يسار الثقفي مولاهم، ثقة رمي بالقدر ربما دلس، وهو من أخص أصحاب مجاهد، إمام ثقة، ومُجَاهِدٌ، هو ابن جبر، إمام فقيه تقدم.
الشرح:
قوله: «﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ قَالَ: الْبِدَعَ وَالشُّبُهَاتِ».
هذا تحذير من البدع والشبهات، وانظر السابق ففيه بيان.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢١٣ - (٦) أَخْبَرَنَا الْحَكَمُ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَنْبَأَ عَمْرُو بْنُ يَحْيَى قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: " كُنَّا نَجْلِسُ عَلَى باب عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَبْلَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَإِذَا خَرَجَ مَشَيْنَا مَعَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَجَاءَنَا أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ فَقَالَ: أَخَرَجَ إِلَيْكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بَعْدُ؟ قُلْنَا: لَا، فَجَلَسَ مَعَنَا حَتَّى خَرَجَ، فَلَمَّا خَرَجَ قُمْنَا إِلَيْهِ جَمِيعًا، فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنِّي رَأَيْتُ فِي الْمَسْجِدِ آنِفًا أَمْرًا أَنْكَرْتُهُ، وَلَمْ أَرَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ إِلاَّ خَيْرًا، قَالَ: فَمَا هُوَ؟
_________________
(١) سنده حسن وانظر: القطوف رقم (١٤٥/ ٢١٠).
[ ١ / ٣٦١ ]
فَقَالَ: إِنْ عِشْتَ فَسَتَرَاهُ، قَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَسْجِدِ قَوْمًا حِلَقًا جُلُوسًا يَنْتَظِرُونَ الصَّلَاةَ، فِي كُلِّ حَلْقَةٍ رَجُلٌ، وَفي أَيْدِيهِمْ " حَصًى" (^١) فَيَقُولُ: كَبِّرُوا مِائَةً، فَيُكَبِّرُونَ مِائَةً، فَيَقُولُ: هَلِّلُوا مِائَةً، فَيُهَلِّلُونَ مِائَةً، وَيَقُولُ: سَبِّحُوا مِائَةً فَيُسَبِّحُونَ مِائَةً، قَالَ: فَمَاذَا قُلْتَ لَهُمْ؟ قَالَ: مَا قُلْتُ لَهُمْ شَيْئًا انْتِظَارَ رَأْيِكَ أَوِ انْتِظَارَ أَمْرِكَ، قَالَ: أَفَلَا أَمَرْتَهُمْ أَنْ يَعُدُّوا سَيِّئَاتِهِمْ، وَضَمِنْتَ لَهُمْ أَنْ لَا يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ، ثُمَّ مَضَى وَمَضَيْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَى حَلْقَةً مِنْ تِلْكَ الْحِلَقِ، فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: مَا هَذَا الَّذِى أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالُوا: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَصًى نَعُدُّ بِهِ التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ وَالتَّسْبِيحَ، قَالَ: فَعُدُّوا سَيِّئَاتِكُمْ فَأَنَا ضَامِنٌ أَنْ لَا يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِكُمْ شَيْءٌ (^٢)، وَيْحَكُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ مَا أَسْرَعَ هَلَكَتَكُمْ، هَؤُلَاءِ صَحَابَةُ نَبِيِّكُمْ -﵃- مُتَوَافِرُونَ، وَهَذِهِ ثِيَابُهُ لَمْ تَبْلَ وَآنِيَتُهُ لَمْ تُكْسَرْ، وَالَّذِي نَفْسِي فِي يَدِهِ إِنَّكُمْ لَعَلَى مِلَّةٍ هِيَ أَهْدَى مِنْ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ، أَوْ مُفْتَتِحِوا (^٣) باب ضَلَالَةٍ، قَالُوا: وَاللَّهِ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَا أَرَدْنَا إِلاَّ الْخَيْرَ، قَالَ: وَكَمْ مِنْ مُرِيدٍ لِلْخَيْرِ لَنْ يُصِيبَهُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- حَدَّثَنَا: أَنَّ قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، وَايْمُ اللَّهِ مَا أَدْرِى لَعَلَّ أَكْثَرَهُمْ مِنْكُمْ، ثُمَّ تَوَلَّى عَنْهُمْ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ سَلِمَةَ: رَأَيْنَا عَامَّةَ أُولَئِكَ الْحِلَقِ يُطَاعِنُونَا يَوْمَ النَّهْرَوَانِ مَعَ الْخَوَارِجِ " (^٤).
_________________
(١) في (ت) حصاة.
(٢) علق في هامش (ك) شيئا، وهو خطأ.
(٣) في الأصول الخطية (مفتتحي) وهو خطأ.
(٤) فيه عمرو بن يحي بن عمرو بن سلمة الهمداني: ذكره ابن حبان في (الثقات). ٨/ ٤٨٠) وانظر: القطوف رقم (١٤٦/ ٢١١).
[ ١ / ٣٦٢ ]
رجال السند:
الْحَكَمُ بْنُ الْمُبَارَكِ، هو البلخي ثقة تقدم، وعَمْرُو بْنُ يَحْيَى، هو ابن عمرو بن سلمة بن الحارث الهمداني المازني، من أفراد الدارمي، وثقه ابن حبان، وأَبوه، هو يحيى بن عمرو من أفراد الدارمي، روى عنه شعبة والثوري، وهما لا يرويان إلا عن ثقة، وأَبوهِ، عمرو بن سلمة، كوفي تابعي، كان فصيح اللسان، أعجب بفصاحته معاوية -﵁-، وثقة ابن حبان وابن حجر.
الشرح:
قوله: «كُنَّا نَجْلِسُ عَلَى باب عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَبْلَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَإِذَا خَرَجَ مَشَيْنَا مَعَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَجَاءَنَا أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ فَقَالَ: أَخَرَجَ إِلَيْكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بَعْدُ؟ قُلْنَا: لَا، فَجَلَسَ مَعَنَا حَتَّى خَرَجَ، فَلَمَّا خَرَجَ قُمْنَا إِلَيْهِ جَمِيعًا».
فعلوا هذا لمكانة عبد الله بن مسعود -﵁-، صحابي جليل، من السابقين فضائله مدونة في مصادر السنة، وكان انتظارهم له قبيل صلاة الظهر، فلما نهضوا معه جاء الصحابي أبو موسى الأشعري، عبد الله بن قيس -﵁-، وسألهم عن ابن مسعود أخرج للصلاة أم لا؟ قالوا: لا، فجلس معهم ينتظر خروجه، وهذا أيضا يظهر مكانة ابين مسعود -﵁-.
قوله: «فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنِّي رَأَيْتُ فِي الْمَسْجِدِ آنِفًا أَمْرًا أَنْكَرْتُهُ، وَلَمْ أَرَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ إِلاَّ خَيْرًا، قَالَ: فَمَا هُوَ؟ فَقَالَ: إِنْ عِشْتَ فَسَتَرَاهُ، قَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَسْجِدِ قَوْمًا حِلَقًا جُلُوسًا يَنْتَظِرُونَ الصَّلَاةَ، فِي كُلِّ حَلْقَةٍ رَجُلٌ، وَفي أَيْدِيهِمْ " حَصًى" فَيَقُولُ: كَبِّرُوا مِائَةً، فَيُكَبِّرُونَ مِائَةً، فَيَقُولُ: هَلِّلُوا مِائَةً، فَيُهَلِّلُونَ مِائَةً، وَيَقُولُ: سَبِّحُوا مِائَةً فَيُسَبِّحُونَ مِائَةً».
[ ١ / ٣٦٣ ]
في هذا استفتاء فيما رأى أبو موسى وقد أنكره لحداثته، إذ لم يكن معهودا من قبل، وأقر بخيرية ما رأى، فيما ظهر له.
قوله: «قَالَ: فَمَاذَا قُلْتَ لَهُمْ؟ قَالَ: مَا قُلْتُ لَهُمْ شَيْئًا انْتِظَارَ رَأْيِكَ أَوِ انْتِظَارَ أَمْرِكَ، قَالَ: أَفَلَا أَمَرْتَهُمْ أَنْ يَعُدُّوا سَيِّئَاتِهِمْ، وَضَمِنْتَ لَهُمْ أَنْ لَا يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ».
المراد أن ابن مسعود فهم أنه عمل محدث يجب إنكاره والتنبيه على عدم شرعيته، ولم يقل لهم أبو موسى -﵁- رغم أنه أنكر صفته، ليسمع رأي فقيه الصحابة -﵁-، فقال: لو أمرتهم أن يحصوا سيئاتهم، لعلهم يتداركون نها أو شيئا منه، وبينت لهم أن حسناتهم محفوظة؛ لأن الله -﷿- قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (^١)، والمراد بالإيمان جميع الطاعات، ومنه ما صنع هؤلاء من الذكر، المحدثة طريقته، بل وحتى السيئات محصية على أصحابها قال -﷿-: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (^٢).
قوله: «ثُمَّ مَضَى وَمَضَيْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَى حَلْقَةً مِنْ تِلْكَ الْحِلَقِ، فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: مَا هَذَا الَّذِى أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالُوا: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَصًى نَعُدُّ بِهِ التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ وَالتَّسْبِيحَ، قَالَ: فَعُدُّوا سَيِّئَاتِكُمْ فَأَنَا ضَامِنٌ أَنْ لَا يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِكُمْ شَيْءٌ».
_________________
(١) من الآية (١٤٣) من سورة البقرة.
(٢) الآية (٨) من سورة الزلزلة.
[ ١ / ٣٦٤ ]
المراد أن الحلقات أكثر من واحدة، مضى إليها ابن مسعود ومن معه، فأنكر عليهم ما أحدثوا، فذكروا له أن يعدون الذكر بالحصى، لإحصاء عدد ما ذكرو الله -﷿-.
ولا ريب أن ما صنعوا لم يكن معهودا وأنه رأي جد في طريقة الذكر، ليس له أساس من كتاب ولا سنة.
قوله: «وَيْحَكُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ مَا أَسْرَعَ هَلَكَتَكُمْ، هَؤُلَاءِ صَحَابَةُ نَبِيِّكُمْ -﵃- مُتَوَافِرُونَ، وَهَذِهِ ثِيَابُهُ لَمْ تَبْلَ وَآنِيَتُهُ لَمْ تُكْسَرْ، وَالَّذِي نَفْسِي فِي يَدِهِ إِنَّكُمْ لَعَلَى مِلَّةٍ هِيَ أَهْدَى مِنْ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ، أَوْ مُفْتَتِحِوا باب ضَلَالَةٍ».
بين لهم ابن مسعود -﵁- أنهم أسرعوا إلى المحدثات، فأسرعوا إلى الهلاك بمخالفتهم الهدي النبوي فيما صنعوا، وذلل على سرعة الانحراف عن الجادة مع وجود الكثرة من أصحاب رسول الله -ﷺ- فلم يسترشدوهم فيما فعلوا، وليس موت رسول الله -ﷺ- منهم ببعيد، ولا زالت ثيابه لم تخلق، وآنيته سالمة من العطب، ثم وبخهم فقال: إما أنكم على طريقة هي أحسن من طريقة محمد -ﷺ-، وأصحابه -﵃-، وحاشا أن يكونوا كذلك، أنهم افتتحوا بفعلهم باب ضلالة وهو الحق.
قوله: «قَالُوا: وَاللَّهِ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَا أَرَدْنَا إِلاَّ الْخَيْرَ، قَالَ: وَكَمْ مِنْ مُرِيدٍ لِلْخَيْرِ لَنْ يُصِيبَهُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- حَدَّثَنَا: أَنَّ قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، وَايْمُ اللَّهِ مَا أَدْرِى لَعَلَّ أَكْثَرَهُمْ مِنْكُمْ، ثُمَّ تَوَلَّى عَنْهُمْ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ سَلِمَةَ: رَأَيْنَا عَامَّةَ أُولَئِكَ الْحِلَقِ يُطَاعِنُونَا يَوْمَ النَّهْرَوَانِ مَعَ الْخَوَارِجِ».
هذا يؤكد ما ذكر ابن مسعود من أنهم أسرعوا إلى الهلكة، وافتتحوا باب ضلالة، ولا ريب أنهم أرادوا الخير فلم يعرفوا طريقه المرسوم، فكانو من
[ ١ / ٣٦٥ ]
الخوارج الذين مع الصحابة وغير من أهل السنة يوم وقعة النهروان وكان الذين خرجوا على علي بالنهروان أربعة آلاف في الحديد، فركبهم المسلمون فقتلوهم ولم يقتل من المسلمين الا تسعة رهط، وقال علي -﵁-: " إن الله قد نصركم على المارقين " وكانت الوقعة سنة ثمان وثلاثين من الهجرة.
وقد أخبر رسو الله عن هذه الفئة المارقة فما روى سعيد الخدري -﵁-، قال: " بينما نحن عند رسول الله -ﷺ- وهو يقسِم قسْما، أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من بني تميم، فقال: يا رسول الله اعدل، فقال: «ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل، قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل" فقال عمر: يا رسول الله، ائذن لي فيه فأضرب عنقه؟ فقال: «دعه، فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه فما يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه، - وهو قدحه -، فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تدردر، ويخرجون على حين فرقة من الناس» قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله -ﷺ-، وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل فالتمس فأتي به، حتى نظرت إليه على نعت النبي -ﷺ- الذي نعته " (^١).
_________________
(١) البخاري حديث (٣٦١٠) ومسلم حديث (١٠٦٤)
[ ١ / ٣٦٦ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢١٤ - (٧) أَخْبَرَنَا يَعْلَى، ثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ -﵁-: " اتَّبِعُوا وَلَا تَبْتَدِعُوا فَقَدْ كُفِيتُمْ " (^١).
رجال السند:
يَعْلَى، هو الطنافسي، والأَعْمَشُ، وحَبِيبٌ، هو ابن أبي ثابت، وأَبو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، هو عبد الله بن حبيب السلمي، هم أئمة ثقات تقدموا، وعَبْدُ اللَّهِ، هو ابن مسود -﵁-.
الشرح:
قوله: «اتَّبِعُوا وَلَا تَبْتَدِعُوا فَقَدْ كُفِيتُمْ».
تقدم التحذير من البدع في روايات كثيرة، لشناعتها، وقبح مآلها، فاتباع الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة -﵃-، فيه كفاية لمن بعدهم.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢١٥ - (٨) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ أَفْضَلَ الْهَدْىِ
هَدْىُ مُحَمَّدٍ -ﷺ- وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (^٢).
_________________
(١) رجاله ثقات، وانظر: (أحاديث باب ١٩) وانظر: القطوف رقم (١٤٧/ ٢١٢).
(٢) سنده حسن، وأخرجه مسلم ضمن حديث طويل (٨٦٧) وهذا طرف منه.
[ ١ / ٣٦٧ ]
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، هو السلمي إمام ثقة تقدم، ويَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ، هو الطائفي الحذاء، محله الصدق، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، هو ابن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب ﵄، المعروف بالصادق، فقيه آل البيت إمام ثقة، وأَبوهِ، هو الباقر محمد بن علي بن الحسن، أبو جعفر إمام ثقة، لم يسمع من عائشة، والحسن، والحسين وجابر بن سمرة -﵃-، وجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيِّ -﵁-.
الشرح:
قوله: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ أَفْضَلَ الْهَدْىِ هَدْىُ مُحَمَّدٍ -ﷺ-».
السنة في هذا أن تبدأ الخطبة بالثناء على الله -﷿- بما هو أهله، ثم الصلاة على رسول الله -ﷺ-، وعلى آله وأصحابه -﵃-، ولاريب أن أفضل الهدى هدى النبي -ﷺ-، قال الله -﷿-: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (^١)، المراد يهدي بالقرآن والسنة والدعوة إليهما إلى طريف الفوز والفلاح.
قوله: «وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ».
المراد المحدث باسم الدين، فقد كمل الدين وتأسست الشريعة قبل وفاة رسول الله -ﷺ-، قال الله -﷿-: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (^٢)، فمن زعم من الدين ما ليس في كتاب الله
_________________
(١) من الآية (٢٥) من سورة الشورى.
(٢) من الآية (٣) من سورة المائدة.
[ ١ / ٣٦٨ ]
-﷿-، ولا في سنة رسول الله -ﷺ-، وفي منهج الخلفاء الراشدين -﵃- فقد كذب الله -﷿-، ورسوله -ﷺ-، وزعم أن رسول الله -ﷺ- خان الأمة ولم يبلغ الرسالة كما أمره الله -﷿-، وتقدم المنهج في هذا من قول أبي بكر -﵁- برقم ١٦٣، فانظره وما بعده.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢١٦ - (٩) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ، عَنْ أَسْلَمَ الْمِنْقَرِيِّ، عَنْ بِلَادِ (^١) بْنِ عِصْمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ - وَكَانَ إِذَا كَانَ عَشِيَّةُ الْخَمِيسِ لِلَيْلَةِ الْجُمُعَةِ قَامَ فَقَالَ -: «إِنَّ أَصْدَقَ الْقَوْلِ قَوْلُ اللَّهِ، وَإِنَّ أَحْسَنَ الْهَدْىِ هَدْىُ مُحَمَّدٍ، وَالشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَإِنَّ شَرَّ الرَّوَايَا رَوَايَا الْكَذِبِ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ» (^٢).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ عُيَيْنَةَ، هو أخو سفيان لابأس به، وأَبو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ، هو
إبراهيم بن محمد، شديد على أهل البدع، إمام ثقة، وأَسْلَمُ الْمِنْقَرِيِّ، هو أبو سعيد، لم يرو عنه الدارمي سوى هذا، ولابأس به فيه، وبِلَادُ بْنِ
_________________
(١) هكذا في الأصول الخطية، وقد ضبط في حاشية (ت) بلاز: بالزاي، وعلق عليه في بعض النسخ الخطية " بصار" وهو خطأ، صوابه ما أثبت، وأنظر (التقريب رقم ٧٧٥).
(٢) فيه بلاز: مقبول، والخبرأخرجه البخاري من طريق أخرى، عن عبد الله بن مسعود -﵁- حديث (٧٢٧٧، طرفه: ٦٠٩٨) وابن ماجه حديث (٤٦) وفي إسناد عبيد ابن ميمون: مستور.
[ ١ / ٣٦٩ ]
عِصْمَةَ، ويقال: بلاز بالزاي، وهو كوفي مقل، تفرد عنه المنقري بهذا، ولا يعرف له سواه. وعَبْدُ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ -﵁-.
الشرح:
قوله: «إِنَّ أَصْدَقَ الْقَوْلِ قَوْلُ اللَّهِ».
لا ريب في ذلك فالقرآن ما أنزل الله من الكتب السماوية هي القول: والقرآن كلام الله -﷿- منزل على محمد -ﷺ- غير مخلوق، قال الله -﷿-: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ (^١)، وقال -﷿-: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ (^٢).
قوله: «وَإِنَّ أَحْسَنَ الْهَدْىِ هَدْىُ مُحَمَّدٍ» أنظر ما تقدم آنفا فقد أغنى عن الإعادة.
قوله: «وَالشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ».
المراد أن الله -﷿- كتب أنه من الأشقياء وهو في بطن أمه، «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله، ورزقه، وأجله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع، فيسبق عليه كتابه، فيعمل بعمل أهل النار، ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة» (^٣).
_________________
(١) من الآية (٨٧) من سورة النساء.
(٢) من الآية (١٢٢) من سورة النساء.
(٣) البخاري حديث (٣٢٠٨) ومسلم حديث (٢٦٤٦).
[ ١ / ٣٧٠ ]
قوله: «وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ».
انظر ما تقدم آنفا فقد أغنى عن الإعادة، ولا ريب أن كل ما قدر الله -﷿- اتيانه فلن يتأخر ولا يتقدم عما أجّل الله -﷿- له، قال الله -﷿-: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ (^١)، وقال -﷿-: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ (^٢)، ومما هو آت البعث والنشور والقيامة والحساب، وكل إلى مصيره الجنة أو النار، نعوذ بالله من النار، ونسأله -ﷻ- أن يجعل خير أيامنا يوم القدوم عليه، وأن يجعل ما بعده رحمة ومغفرة وفوزا بالجنة، ونجاة من النار، بفضله ورحمته وهو أرحم الراحمين.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢١٧ - (١٠) أَخْبَرَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: " مَا أَخَذَ رَجُلٌ بِبِدْعَةٍ فَرَاجَعَ سُنَّةً" (^٣).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ عُيَيْنَةَ، هو أخو سفيان، وأَبو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ، تقما آنفا، ولَيْثٌ، هو ابن أبي سليم، كثير الغلط، ويحتمل منه هذا، واختلفوا في تحسن حديثه، وأَيُّوبُ، هو السختياني، وابْنُ سِيرِينَ، هو محمد، وهم أئمة ثقات تقدموا.
_________________
(١) الآية (٥) من سورة الحجر، والآية (٤٣) من سورة المؤمنون.
(٢) من الآية (١١) من سورة المنافقون.
(٣) فيه محمد بن عيينة: مقبول وانظر: القطوف رقم (١٤٨/ ٢١٢).
[ ١ / ٣٧١ ]
الشرح:
قوله: «مَا أَخَذَ رَجُلٌ بِبِدْعَةٍ فَرَاجَعَ سُنَّةً».
لأن البدعة ترسخ في القلوب، لكونها نبعت من هوى، فتذهب السنة، وتبقى البدعة حية في نفس المبتدع، ولذلك كانت البدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢١٨ - (١١) أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ» (^١).
رجال السند:
سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، وحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وأَيُّوبُ، هو السختياني، وأَبو قِلَابَةَ، عبد الله الجرمي، هم أئمة ثقات، وأَبو أَسْمَاءَ، هو عمرو بن مرثد الرحبي، تابعي إمام ثقة، وثَوْبَانَ -﵁-، هو مولى رسول الله -ﷺ-.
الشرح:
قوله: «إِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ».
هم أصحاب الأهواء؛ لأنهم يهجرون السنة، وينشرون البدعة باسم الدين؛ ولأنهم بها يستحلون السيف، والقتال ذودا عنها.
_________________
(١) رجاله ثقات تكرر عند المصنف رقم (٢٧٥٦) وأخرجه والترمذي حديث (٢٢٢٩) وقال: حسن صحيح، وأبو داود ضمن حديث طويل (٤٢٥٢) وابن ماجه حديث (٣٩٥٢) وصححه الألباني عندهما.
[ ١ / ٣٧٢ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢١٩ - (١٢) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو الْوَلِيدِ الْهَرَوِيُ، ثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو ابْنِ جَرِيرٍ، عَنْ حَيَّةَ بِنْتِ أَبِى حَيَّةَ، قَالَتْ: " دَخَلَ عَلَيْنَا رَجُلٌ بِالظَّهِيرَةِ فَقُلْتُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟، قَالَ: أَقْبَلْتُ أَنَا وَصَاحِبٌ لِى في بُغَاءٍ (^١) لَنَا، فَانْطَلَقَ صَاحِبِى يَبْغِى وَدَخَلْتُ أَنَا أَسْتَظِلُّ بِالظِّلِّ، وَأَشْرَبُ مِنَ الشَّرَابِ. فَقُمْتُ إِلَى لُبَيْنَةٍ حَامِضَةٍ - وَرُبَّمَا قَالَ - فَقُمْتُ إِلَى ضَيْحَةٍ (^٢) حَامِضَةٍ فَسَقَيْتُهُ مِنْهَا فَشَرِبَ وَشَرِب (^٣)، قَالَتْ: وَتَوَسَّمْتُهُ فَقُلْتُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ مَنْ أَنْتَ؟، قَالَ: أَنَا أَبُو بَكْرٍ. [قُلْتُ: أَنْتَ أَبُو بَكْرٍ] (^٤) صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الَّذِى سَمِعْتُ بِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: فَذَكَرْتُ غَزْوَنَا خَثْعَمًا وَغَزْوَةَ بَعْضِنَا بَعْضًا في الْجَاهِلِيَّةِ وَمَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الأُلْفَةِ وَأَطْنَابِ الْفَسَاطِيطِ - وَشَبَّكَ ابْنُ عَوْنٍ أَصَابِعَهُ، وَوَصَفَهُ لَنَا مُعَاذٌ، وَشَبَّكَ أَحْمَدُ - فَقُلْتُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ حَتَّى مَتَى تَرَى أَمْرَ النَّاسِ هَذَا؟ قَالَ: مَا اسْتَقَامَتِ الأَئِمَّةُ. قُلْتُ: مَا الأَئِمَّةُ؟، قَالَ: أَمَا رَأَيْتِ السَّيِّدَ يَكُونُ فِي الْحِوَاءِ فَيَتَّبِعُونَهُ وَيُطِيعُونَهُ، فَمَا اسْتَقَامَ أُولَئِكَ " (^٥).
_________________
(١) أي: طلب، قال ابن الأثير: ومنه حديث أبي بكر، أنه خرج في بُغاء إبل (النهاية ١/ ١٤٣).
(٢) اللبن الخاثر يصب فيه الماء ثم يخلط (النهاية ٣/ ١٠٦).
(٣) هكذا في الأصول الخطية، وفي المطبوع (وشربت) ويمكن صحة ما في الأصول على إرادة أنه كرر الشرب، وهو الأولى في نظري.
(٤) استدركت في هامش (ت).
(٥) رجاله ثقات.
[ ١ / ٣٧٣ ]
رجال السند:
أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو الْوَلِيدِ الْهَرَوِيُ، لم أقف على ترجمته وربما أنه الجويباري، جرحه النقاد، لم يرو له الدارمي سوى هذا، ومُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، هو العنبري، وابْنُ عَوْنٍ، هو عبدالله، إمام ثقة تقدم، وعَمْرُو بْنِ سَعِيدٍ، هو الثقفي أبو سعيد البصري، ثقة من رجال مسلم، وأَبو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو ابْنِ جَرِيرٍ، هو البجلي إمام ثقة، روى له الستة، وحَيَّةُ بِنْتِ أَبِى حَيَّةَ، هي معدودة في الصحابة ﵂.
الشرح:
قوله: «أَقْبَلْتُ أَنَا وَصَاحِبٌ لِى في بُغَاءٍ لَنَا، فَانْطَلَقَ صَاحِبِى يَبْغِى وَدَخَلْتُ أَنَا أَسْتَظِلُّ بِالظِّلِّ».
أقبلا في البحث عن حاجة يبونها، وابتغاء الشيء طلبه والبحث عنه، وليس المراد البغاء من البغي، أو الفاحشة، وبقي أبو بكر -﵁- في ظل شجرة حتى يعود صاحبه الذي ذهب يبحث حاجتهما.
قوله: «مَتَى تَرَى أَمْرَ النَّاسِ هَذَا؟ قَالَ: مَا اسْتَقَامَتِ الأَئِمَّةُ».
المراد ذهاب الجاهلية، واجتمع الناس على الخير، ونبذ الفرقة والعدوان، فسألت المرأة أبا بكر عن بقاء الناس على هذا الخير الذي جاء محمد -ﷺ-، فقال ما دامت الأئمة قائمة بالعدل، والمراد بالأئمة العلماء والأمراء، لأنهم إذا استقاموا على الحق، فالناس تبع لهم، وحادوا عن الحق فإن الطريق لا يستقيم بهم فيدخلون في طريق ذات عوج والناس تبع لهم، ولا ريب أن استقامة الناس لها تأثير أيضا في استقامة العلماء والأمراء، قال علي -﵁-: " قلنا: يا رسول الله استخلف علينا فقال: إن يعلم الله فيكم خيرا يول عليكم خياركم، قال علي -﵁-:
[ ١ / ٣٧٤ ]
فعلم الله فينا خيرا فولى علينا أبا بكر -﵁- (^١).
قوله: «قُلْتُ: مَا الأَئِمَّةُ؟، قَالَ: أَمَا رَأَيْتِ السَّيِّدَ يَكُونُ فِي الْحِوَاءِ فَيَتَّبِعُونَهُ وَيُطِيعُونَهُ، فَمَا اسْتَقَامَ أُولَئِكَ».
المراد أأن المرأة سألت أبا بكر -﵁- عن الأئمة؛ لأن هذا لا يعرفه العامة في الناس، فضرب لها مثلا بسيد القوم في مجتمع قومه كيف يتبعون قوله، ويطيعون أمره، فما استقام العلماء والأمر إلا تبعهم الناس، كان الوليد ابن عبد الملك صاحب بناء، واتخاذ للمصانع والضياع، وكان الناس يلتقون في زمانه، فإنما يسأل بعضهم بعضا عن البناء والمصانع، فولي سُلَيْمَان، فكان صاحب نكاح وطعام، فكان الناس يسال بعضهم بعضا عن التزويج والجواري، فلما ولي عمر بن عبد العزيز كانوا يلتقون فيقول الرجل للرجل: ما وردك الليلة؟، وكم تحفظ من القرآن؟، ومتى تختم؟، ومتى ختمت؟، وما تصوم من الشهر؟ (^٢).
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢٢٠ - (١٣) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ،
_________________
(١) الحاكم حديث (٤٦٩٨).
(٢) تاريخ الطبري (٦/ ٤٩٧.
[ ١ / ٣٧٥ ]
عَنْ أَخٍ لِعَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «إِنَّ أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الأَئِمَّةَ الْمُضِلِّين» (^١).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ، هو الأصم إمام ثقة، وإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، هو ابن إبراهيم ابن عبد الرحمن بن عوف -﵁-، أبو إسحاق إمام ثقة، روى له الشيخان، وأَبوه، هو سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف -﵁-، قاضي المدينة من صغار التابعين، إمام ثقة، وأَخٌ لِعَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ، هو زيد بن أرطاة، لم يلق أبا الدرداء، والواسطة بينهما جبير بن نفير، وأَبو الدَّرْدَاءِ، هو عويمر بن قيس الأنصاري -﵁-.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢٢١ - (١٤) أَخْبَرَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ بَيَانِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: " دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ رِضْوَانُ الله عَلَيْهِ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ أَحْمَسَ يُقَالُ لَهَا زَيْنَبُ، قَالَ: فَرَآهَا لَا تَتَكَلَّمُ، فَقَالَ: مَا لَهَا لَا تَتَكَلَّمُ؟ قَالُوا: نَوَتْ (^٢) حَجَّةً مُصْمِتَةً، فَقَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي، فَإِنَّ هَذَا لَا يَحِلُّ، هَذَا مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ، قَالَ: فَتَكَلَّمَتْ فَقَالَتْ: مَنْ أَنْتَ؟، قَالَ: أَنَا امْرُؤٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، قَالَتْ: مِنْ أَيِّ الْمُهَاجِرِينَ؟، قَالَ: مِنْ قُرَيْشٍ؟ قَالَتْ: فَمِنْ أَيِّ قُرَيْشٍ أَنْتَ؟، قَالَ: إِنَّكِ لَسَئُولٌ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ، قَالَتْ: مَا بَقَاؤُنَا عَلَى هَذَا الأَمْرِ الصَّالِحِ الَّذِي جَاءَ اللَّهُ
_________________
(١) رجاله ثقات، وفيه انقطاع بين زيد بن أرطاة أخي عدي وبين أبي الدرداء -﵁- بينهما جبير بن نفير، والخبرأخرجه أحمد حديث (٢٧٥٢٥) وفيه: حدثني أخ لعدي ابن أرطاة، عن رجل، عن أبي الدرداء.
(٢) كتبت لحقا في هامش (ت).
[ ١ / ٣٧٦ ]
بِهِ بَعْدَ الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: بَقَاؤُكُمْ عَلَيْهِ مَا اسْتَقَامَتْ بِكُمْ أَئِمَّتُكُمْ. قَالَتْ: وَمَا الأَئِمَّةُ؟ قَالَ: أَمَا كَانَ لِقَوْمِكِ رُؤَسَاءُ (^١) وَأَشْرَافٌ يَأْمُرُونَهُمْ فَيُطِيعُونَهُمْ؟ قَالَتْ: بَلَى. قَالَ: فَهُمْ مِثْلُ أُولَئِكَ عَلَى النَّاسِ" (^٢).
رجال السند:
أَبُو النُّعْمَانِ، محمد بن الفضل عام، وأَبُو عَوَانَةَ، هو الوضاح، هما إما مان ثقتان تقدما، وبَيَانُ بْنُ بِشْرٍ، هو الأحمسي، أبو بشر إمام ثقة، روى له الستة، وقَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، هو أبو عبد الله الكوفي، تابعي مخضرم، روي عن العشرة المبشرين بالجنة، إمام ثقة.
الشرح:
تقدمت رواية بالقصة ذاتها برقم ٢١٨، عن حية بنت أبي حية، وهنا سميت زينت، وقدر فرق بينهما البعض، ولكن القصة واحدة لا تحتمل التفريق، وإنما ذكر المرأة كل من روى القصة بما عنده في التسمية، وربما حصل الوهم لأحد الرواة، وما تقدم قريبا أغنى عن الإعادة فلينظر.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢٢٢ - (١٥) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنِ امْرَأَةٍ يُقَالُ لَهَا عَائِذَةُ قَالَتْ: " رَأَيْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ -﵁- يُوصِي الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ وَيَقُولُ: مَنْ أَدْرَكَ مِنْكُنَّ مِنِ امْرَأَةٍ أَوْ رَجُلٍ فَالسَّمْتَ
_________________
(١) في (ت) رئيسا، صوبت فوقها، ونبه في الحاشية إلى أنه في أخرى (رئيسا).
(٢) رجاله ثقات، أخرجه البخاري سندا ومتنا حديث (٣٨٣٤).
[ ١ / ٣٧٧ ]
الأَوَّلَ، فَإِنَّا عَلَى الْفِطْرَةِ" (^١).
[قال عبد الله: السمت الطريق] (^٢).
رجال السند:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، هو ابن أبي شيبة، إمام ثقة تقدم وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، هو العنبري أبو سعيد البصري، انتهي إليه علم العلل والجرح والتعديل، إمام ثقة، وسُفْيَانُ، هو ابن عيينة إمام ثقة تقدم، ووَاصِلٌ، هو الأحدب، روايته في الستة إمام ثقة، وعَائِذَةُ، هي امرأة من بني أسد.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢٢٣ - (١٦) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُيَيْنَةَ، أَنبأ عَلِيٌّ - هُوَ ابْنُ مُسْهِرٍ -، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ (^٣) قَالَ: قَالَ لِي عُمَرُ: " هَلْ تَعْرِفُ مَا يَهْدِمُ الإِسْلَامَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: يَهْدِمُهُ زَلَّةُ الْعَالِمِ، وَجِدَالُ الْمُنَافِقِ بِالْكِتَابِ، وَحُكْمُ الأَئِمَّةِ الْمُضِلِّينَ " (^٤).
رجال السند:
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُيَيْنَةَ، أخو سفيان، لابأس به، زعَلِيُّ ابْنُ مُسْهِرٍ، ثقة، وأَبو إِسْحَاقَ، هو سليمان ثقة إمام، والشَّعْبِيُّ، هو عامر، إمام ثقة، وزِيَادُ
_________________
(١) في سنده عائذة، أخرج ابن سعد حديثها، وذكر أنها من بني أسد، من طريق واصل وأثنى عليها خيرا (الطبقات ٨/ ٢٦٨) وانظر: القطوف رقم (١٥٠/ ٢٢٠).
(٢) ما بين المعقوفين ليست في الأصول الخطية، وكتبت لحقا في حاشية (ت).
(٣) في (ك) علق في الهامش (في الأصل جبير).
(٤) فيه محمد بن عيينة، قال ابن حجر: مقبول، قلت: الصحيح أنه لابأس به، وهو في روايته هنا لم يخالف الثقات وانظر: القطوف رقم (١٥١/ ٢٢١).
[ ١ / ٣٧٨ ]
ابْنُ حُدَيْر، هو الأسدي، أبو المغيرة، أو عبد الرحمن، أخوه زيد، كاتب عمر بن الخطاب -﵁-.
الشرح:
قوله: «هَلْ تَعْرِفُ مَا يَهْدِمُ الإِسْلَامَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: يَهْدِمُهُ زَلَّةُ الْعَالِمِ، وَجِدَالُ الْمُنَافِقِ بِالْكِتَابِ، وَحُكْمُ الأَئِمَّةِ الْمُضِلِّينَ».
الحقيقة أنها ثلاثة معاول تهدم الدين، فزلة العالم المعول الأول، فالعالم في ظاهر الأمر قدوة الناس، فإذا ضل الحق أضل معه أمة من الناس، وهذا من أخوف ما خافة الرسول -ﷺ- على الأمة انظر ما تقدم برقم ٢١٨، ومن أسباب زلة العلم الغلو، واتباع الهوى، ولذلك خاطب الله أهل الكتاب فقال: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (^١)، والمعول الثاني الجدال بالباطل، وهذا لا يفعله إلا المنافقون للتشكيك في الكتاب والسنة كما قال عمر -﵁- فيما تقدم برقم ١٢١ - (٢١) فانظره، والمعول الثالث: حكم العلماء والأمراء المضلين، فكل من لم يحكم بما أنزل فهو من الأئمة المضلين.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢٢٤ - (١٧) أَخْبَرَنَا هَارُونُ، عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ عَلِىٍّ قَالَ: " لَا تُجَالِسُوا أَصْحَابَ الْخُصُومَاتِ، فَإِنَّهُمْ
_________________
(١) الآية (٧٧) من سورة المائدة.
[ ١ / ٣٧٩ ]
يَخُوضُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ " (^١).
رجال السند:
هَارُونُ، هو الأشعري، صدوق، وحَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، إمام ثقة، ولَيْثٌ، هو ابن أبي سليم، كثير الخطأ، ويحمل منه هذا، والْحَكَمُ، هو ابن عتيبة، أبو محمد مفتي الكوفة، من كبار أصحاب إبراهيم النخعي، إمام ثقة يدلس، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِىٍّ الباقر، من ولدعلي بن أبي طالب -﵁-، إمام تقدم.
الشرح:
قوله: «لَا تُجَالِسُوا أَصْحَابَ الْخُصُومَاتِ، فَإِنَّهُمْ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ». سبحان الله العظيم، هذا منطبق على الرافضة، في كل زمان، ولاسيما في هذا الزمان، فمن يشاهد ويسمع أئمة الضلال منهم عبر الفضائيات لا يشك في أنهم يخضون في آيات الله -﷿-، وينشرون عمدا كذبا على الله -﷿- وعلى رسوله -ﷺ-.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢٢٥ - (١٨) أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ، ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ مُبَارَكٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: " سُنَّتُكُمْ وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَا هُوَ بَيْنَهُمَا: بَيْنَ الْغَالِي وَالْجَافِي، فَاصْبِرُوا عَلَيْهَا رَحِمَكُمُ اللَّهُ، فَإِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ كَانُوا أَقَلَّ النَّاسِ فِيمَا مَضَى، وَهُمْ أَقَلُّ النَّاسِ فِيمَا بَقِىَ، الَّذِينَ لَمْ يَذْهَبُوا مَعَ أَهْلِ الإِتْرَافِ فِي إِتْرَافِهِمْ، وَلَا مَعَ أَهْلِ الْبِدَعِ في بِدَعِهِمْ، وَصَبَرُوا عَلَى سُنَّتِهِمْ حَتَّى لَقُوا رَبَّهُمْ، فَكَذَلِكُمْ
_________________
(١) فيه ليث بن أبي سليم: صدوق اختلط جدا، وهنا يتقوى بغيره الأثر رقم (٤٠٩) وانظر: القطوف رقم (١٥٢/ ٢٢٢).
[ ١ / ٣٨٠ ]
إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَكُونُوا " (^١).
رجال السند:
الْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ، لابأس به، وأَبُو أُسَامَةَ (^٢)، حماد بن أسامة إمام ثقة، ومُبَارَكٌ، هو ابن فضالة البصري، أبو فضالة مولى عمر -﵁-، كثير التدليس، ثقة إذا صرح بالسماع، استشهد به البخاري، والْحَسَنُ، هو ابن علي -﵁-.
الشرح:
قوله: «سُنَّتُكُمْ وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَا هُوَ بَيْنَهُمَا: بَيْنَ الْغَالِي وَالْجَافِي، فَاصْبِرُوا عَلَيْهَا رَحِمَكُمُ اللَّهُ، فَإِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ كَانُوا أَقَلَّ النَّاسِ فِيمَا مَضَى، وَهُمْ أَقَلُّ النَّاسِ فِيمَا بَقِىَ، الَّذِينَ لَمْ يَذْهَبُوا مَعَ أَهْلِ الإِتْرَافِ فِي إِتْرَافِهِمْ، وَلَا مَعَ أَهْلِ الْبِدَعِ في بِدَعِهِمْ، وَصَبَرُوا عَلَى سُنَّتِهِمْ حَتَّى لَقُوا رَبَّهُمْ، فَكَذَلِكُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَكُونُوا».
هذه وصية من الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄، مبينا أن أمرين أحلاهما مر لا يستساغ، بين قوم غلاة كالخوارج وغيرهم، وأناس مجافين للعمل بها، والدعوة إليها، والقليلون الذين يحافظون عليها، ويتمسكون بوصية الرسول -ﷺ- «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ
الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْمُحْدَثَاتِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ»، حث الحسن -﵁- على التمسك بوصية رسول الله -ﷺ-، والبعد عن
_________________
(١) فيه المبارك بن فضالة: صدوق يدلس، قال الذهبي: قال مبارك: جالست الحسن ثلاث عشرة سنة، وقال ابن معين: قد رأى - يعني الرسول -ﷺ- (الميزان ٤/ ٣٥١) وانظر: القطوف رقم (١٥٣/ ٢٢٣).
(٢) في المطبوع (عن شريك عن المبارك).
[ ١ / ٣٨١ ]
الغلو والمجافاة، والحديث في إسناد عبد الرحمن بن عمرو بن عبسة السلمي، مقبول. والخبرأخرجه الترمذي حديث (٢٦٧٦) وقال: حسن صحيح، وأبو داود حديث (٤٦٠٧) وابن ماجه حديث (٤٣) وصححه الألباني عندهما.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٢٢٦ - (١٩) أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ خَالِدٍ، ثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ، وَمَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -﵁- قَالَ: " الْقَصْدُ فِي السُّنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الاِجْتِهَادِ فِي الْبِدْعَةِ " (^١).
رجال السند:
مُوسَى بْنُ خَالِدٍ، هو الحلبي، أبو الوليد، صهر محمد بن يوسف الفريابي، أو أبي إسحاق الفزاري، صدوق روى حديثه مسلم في الصحيح، وعِيسَى ابْنُ يُونُسَ، هو ابن أبي إسحاق السبيعي، أبو عمرو، وهو أخو إسرائيل، إمام ثقة، روى له الستة، والأَعْمَشِ، هو سليمان إمام ثقة تقدم، وعُمَارَةَ، هو ابن عمير التيمي ثقة، وَمَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ، هو السلمي، تابعي ثقة، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، هو النخعي من أصحاب ابن مسعود -﵁-، إمام ثقة تقدم، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، هو ابن مسعود -﵁-.
الشرح:
قوله: «الْقَصْدُ فِي السُّنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الاِجْتِهَادِ فِي الْبِدْعَةِ».
_________________
(١) سنده حسن، موسى بن خالد أبو الوليد الحلبي قال ابن حجر: مقبول، قلت: هو أفضل من ذلك، روى له مسلم.
[ ١ / ٣٨٢ ]
الخير كل الخير في التمسك بالسنة لثبوتها عن المعصوم -ﷺ-، ولو عد الله -﷿- بحب من اتبعه -ﷺ-، قال -﷿-: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (^١)، بين الله -﷿- أن اتباع الرسول -ﷺ- من أبواب محبة الله للعبد، وليس المهم أن تحب الله -﷿- المهم أن يحبك الله؛ لأن الله -﷿- غني عن محبة العباد، والعباد هم المحتاجون لمحبة الله -﷿-، والبدعة في الدين ليس فيها خير، على الإطلاق، ولكن لعله أراد ما يسمى بالبدعة الحسنة، والبدعة الحسنة يجب أن يكون لها أصل في الشرع، كقول عمر -﵁- لما جمع الصحابة على إمام في التراويح: " نعمت البدعة هذه؛ يعني أنها محدثة لم تكن"، وأصلها صلاة رسول الله -ﷺ-، توقف عنها حتى لا تفرض على الأمة، فهذه ليست بدعة، وليست مذمومة؛ لأن البدعة ما أحدث مخالفا لكتاب الله -﷿- أو سنة رسول الله -ﷺ-، أو إجماع الأمة، فهذه البدعة ضلالة، والاجتهاد فيها يؤدي إلى النار.
قال الدارمي رحمه الله تعالى: