٣١٦ - (١) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ قَالَ: " قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵀: إِذَا رَأَيْتَ قَوْمًا يَنْتَجُوْنَ بِأَمْرٍ دُونَ عَامَّتِهِمْ فَهُمْ عَلَى تَأْسِيسِ الضَّلَالَةِ " (^١).
وقوله " ينتجون " من النجوى، ومنه لا ينتجى اثنان دون صاحبهما، أي لا يتشاوران منفردين عنه من النجوى، ومنه لا ينتجى اثنان دون صاحبهما،
أي لا يتشاوران منفردين عنه (^٢).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، هو ابن أبي عطاء صدوق يخطئ تقدم، والأَوْزَاعِيُّ إمام ثقة تقدم، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، هو الخليفة ﵀.
الشرح:
قوله: «إِذَا رَأَيْتَ قَوْمًا يَنْتَجُوْنَ بِأَمْرٍ دُونَ عَامَّتِهِمْ».
من النجوى وهي التشاور والتباحث بسر عن الآخرين، وليس المراد عامةالناس، بل المراد عامة العلماء والعقلاء أهل الحل والعقد، فمن ينفرد عنهم من أفراد أو جماعة فهم فيأمر مريب لمفارقتهم علماء القوم وعقلائهم، والتناجي دونهم، وفي ذلك ريبة، ولذلك قال رسول الله -ﷺ-: «لا يتناجى
اثنان دون واحد» (^٣).
_________________
(١) فيه محمد بن كثير الثقفي، صدوق كثير الغلط، وهو هنا محمول على عدم الغلط، وانظر: القطوف رقم (٢٠٦/ ٣١٠).
(٢) (النهاية ٥/ ٢٥).
(٣) أحمد حديث (٥٤٢٥).
[ ١ / ٥٠٣ ]
قوله: «فَهُمْ عَلَى تَأْسِيسِ الضَّلَالَةِ».
وهذا موطن الريبة؛ لأنهم لو كانوا يتناجون في خير ونفع للأمة لما انخنسوا وتناجوا سرا، ولأعلنوا ذلك، ومثال هذا في هذا الزمان، الأحزاب التي تتصارع على الحكم، وقد سمعت أن دولة عربية في ما يزيد على (١٥٠) حزبا رسميا، فرقتهم الأهواء، والاتجاهات الفكرية والسياسية.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣١٧ - (٢) أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ قَالَ: قَالَ إِبْلِيسُ لأَوْلِيَائِهِ: " مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَأْتُونَ بَنِى آدَمَ؟، فَقَالُوا: مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، قَالَ: فَهَلْ تَأْتُونَهُمْ مِنْ قِبَلِ الاِسْتِغْفَارِ؟، فَقَالُوا: هَيْهَاتَ ذَاكَ شَيْءٌ قُرِنَ بِالتَّوْحِيدِ، قَالَ: لأَبُثَّنَّ فِيهِمْ شَيْئًا لَا يَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ مِنْهُ، قَالَ: فَبَثَّ فِيهِمُ الأَهْوَاءَ " (^١).
رجال السند:
إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ، هو البناني أبو إسحاق، ثقة إلا عن ابن المبارك فقد روى عنه غرائب، وابْنُ الْمُبَارَكِ، هو عبد الله إمام ثقة من شيوخ الإسلام تقدم، والأَوْزَاعِيُّ إمام ثقة تقدم.
الشرح:
قوله: «قَالَ إِبْلِيسُ لأَوْلِيَائِهِ: " مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَأْتُونَ بَنِى آدَمَ؟، فَقَالُوا: مِنْ
كُلِّ شَيْءٍ».
_________________
(١) سنده حسن إلى الأوزاعي، وانظر: القطوف رقم (٢٠٧/ ٣١١).
[ ١ / ٥٠٤ ]
يؤيد هذا ما حكى الله -﷿- من قوله: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ (^١)، فهو وأعوانه يسلكون كل سبيل لإضلال بني آدم -﵇-.
قوله: «قَالَ: فَهَلْ تَأْتُونَهُمْ مِنْ قِبَلِ الاِسْتِغْفَارِ؟، فَقَالُوا: هَيْهَاتَ ذَاكَ شَيْءٌ قُرِنَ بِالتَّوْحِيدِ».
هذا باب لا يدخل منه الشيطان؛ لأن الموحدين هم من قال الله -﷿- عنهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (^٢) من قوله: «قَالَ: لأَبُثَّنَّ فِيهِمْ شَيْئًا لَا يَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ مِنْهُ، قَالَ: فَبَثَّ فِيهِمُ الأَهْوَاءَ». وهذا ما تحقق لإبليس اللعين فقد كثرت الفرق الضالة بسبب الأهواء، واستحل الحرام بسبب الأهواء، وسفكت الدماء بسبب الأهواء، وأصحابها لا يستغفرون الله منها، بل يرون في ذلك الفوز بالجنة والنجاة من النار.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣١٨ - (٣) أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الْمُحَارِبِيِّ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: " مَا أَدْرِي أيَّ النِّعْمَتَيْنِ عَلَىَّ أَعْظَمُ؟، أَنْ هَدَانِي لِلإِسْلَامِ، أَوْ عَافَانِي مِنْ هَذِهِ الأَهْوَاءِ " (^٣).
_________________
(١) الآية (١٧) من سورة الأعراف.
(٢) الآية (٤٢) من سورةالحجر.
(٣) رجاله ثقات.
[ ١ / ٥٠٥ ]
رجال السند:
إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ، هو البناني ثقة تقدم آنفا، والْمُحَارِبِيُّ، هو عبد الرحمن ابن محمد ثقة مدلس تقدم، الأَعْمَشُ، هو سليمان بن مهران إمام ثقة تقدم، ومُجَاهِدٌ، هو ابن جبر إمام ثقة تقدم.
الشرح:
قوله: «مَا أَدْرِي أيَّ النِّعْمَتَيْنِ عَلَىَّ أَعْظَمُ؟، أَنْ هَدَانِي لِلإِسْلَامِ، أَوْ عَافَانِي مِنْ هَذِهِ الأَهْوَاءِ».
قول مجاهد ﵀ اعتراف بنعمتين عظيمتين: نعمة الهداية للإسلام، والسلامة من نواقضه، ونعمة المعافاة من الأهواء والآراء الضالة، ولعظم النعمتين لم يتسن له ترجيح احاهما على الأخرى، وفي نظري أن الهداية للإسلام أعظم؛ لأنها السبب في المعافاة من الأهواء، ولذلك قال رسول الله -ﷺ-: «من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له …» (^١).
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣١٩ - (٤) أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ خَالِدٍ، ثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ الأَعْوَرِ، عَنْ حَبَّةَ بْنِ جُوَيْنٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا - أَوْ قَالَ: - قَالَ عَلِيٌ -﵁-: " لَوْ أَنَّ رَجُلًا صَامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ وَقَامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ، ثُمَّ قُتِلَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ لَحَشَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ مَنْ يُرَى أَنَّهُ كَانَ عَلَى هُدًى " (^٢).
_________________
(١) مسلم حديث (٨٦٧).
(٢) فيه مسلم بن كيسان الأعور: ضعيف يقوى بما بعده، وقوله (مع من يرى أنه كان على هدى) أي مع صاحبه الذي اقتدى به في عمله وسيرته.
[ ١ / ٥٠٦ ]
رجال السند:
مُوسَى بْنُ خَالِدٍ، هو أبو الوليد الحلبي صدوق تقدم، وعِيسَى بْنُ يُونُسَ، هو ابن أبي إسحاق السبيعي إمام ثقة تقدم، والأَعْمَشُ، هو سليمان إمام ثقة تقدم، ومُسْلِمُ الأَعْوَرِ، هو ابن كيسان الضبي، تابعي ضعيف، ليس له عند الدارمي سوى هذا، وحَبَّةُ بْنُ جُوَيْنٍ، هو أبو قدامة العرني، من شيعة علي -﵁-، مختلف في توثيقه وتضعيفه، وعَلِيٌ، هو ابن أبي طالب -﵁-، وتقدم هذا السند برقم ٢٢٤،.
الشرح:
مراد علي بن أبي طالب -﵁- الرجل مع من ساير وعاشر، ولذلك كلف المسلم أن يقول في كل ركعة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (^١)، وقال رسول الله -ﷺ-: «الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» (^٢)، وقال عبد الله بن مسعود -﵁-: " اعتبروا الرجل بمن يصاحب، وإنما يصاحب الرجل من هو مثله " (^٣).
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٢٠ - (٥) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ هَارُونَ - هُوَ ابْنُ الْمُغِيرَةِ - عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِى صَادِقٍ قَالَ: قَالَ سَلْمَانُ -﵁-:
_________________
(١) الآيتان (٦، ٧) من سورة الفاتحة.
(٢) أبو داود حديث (٨٣٣).
(٣) شعب الإيمان حديث (٨٩٩٣).
[ ١ / ٥٠٧ ]
" لَوْ وَضَعَ رَجُلٌ رَأْسَهُ عَلَى الْحَجَرِ الأَسْوَدِ فَصَامَ النَّهَارَ، وَقَامَ اللَّيْلَ لَبَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ هَوَاهُ " (^١).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، هو الرازي وثقه يحيى بن معين، وتكلم فيه آخرون، وهَارُونُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، هو البجلي أبو حمزة الرازي، وثقه النسائي، وشُعَيْبٌ، هو ابن خالد البجلي الرازي، لابأس به، وسَلَمَةُ بْنٌ كُهَيْلٍ، أبو يحيى الحضرمي، تابعي ثقة روى له الستة، وأَبو صَادِقٍ، هو عبد الله ابن ناجذ، تابعي صدوق، وسَلْمَانُ، هو الفارسي -﵁-، ولم يلقه عبد الله.
الشرح: انظر قول علي بن أبي طالب -﵁-، تقدم آنفا.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٢١ - (٦) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ - هُوَ ابْنُ أَبِى الأَسْوَدِ - عَنِ الْحَارِثِ بْنِ حَصِيرَةَ، عَنْ أَبِي صَادِقٍ الأَزْدِيِّ، عَنْ رَبِيعَةَ ابْنِ نَاجِدٍ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ (^٢). كرم الله وجهه: " كُونُوا فِي النَّاسِ كَالنَّحْلَةِ فِي الطَّيْرِ، إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الطَّيْرِ شَيْءٌ إِلاَّ وَهُوَ يَسْتَضْعِفُهَا، وَلَوْ يَعْلَمُ الطَّيْرُ مَا فِي أَجْوَافِهَا مِنَ الْبَرَكَةِ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ بِهَا، خَالِطُوا النَّاسَ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَأَجْسَادِكُمْ، وَزَايِلُوهُمْ
_________________
(١) فيه محمد بن حميد الرازي: ضعيف يقويه ما تقدم.
(٢) كتبت لحقا في (ك).
[ ١ / ٥٠٨ ]
بِأَعْمَالِكُمْ وَقُلُوبِكُمْ، فَإِنَّ لِلْمَرْءِ مَا اكْتَسَبَ، وَهُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ مَنْ أَحَبَّ " (^١).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ، هو الأصم، إمام ثقة تقدم، ومَنْصُور بْنُ أَبِى الأَسْوَدِ، هو شيعي كبير، قال ابن معين: لابأس به تقدم، والْحَارِثُ بْنُ حَصِيرَةَ، هو أبو النعمان الأزدي، قيل: شيعي محترق، روى له البخاري في الأدب المرد، وفي الخصائص النسائي، وقال ابن معين: لابأس به، وأَبو صَادِقٍ الأَزْدِيِّ، هو تابعي صدوق تقدم آنفا، ورَبِيعَةُ بْنُ نَاجِدٍ، هو أخو أبي صادق، وثقه العجلي، وعَلِيٌّ، هو أبي طالب -﵁-.
الشرح:
لم يرد علي -﵁- مجالسة أهل الأهواء، وإنما أراد عامة الناس الذين يمكن وعظهم وتعليمهم الخير، فمخالطتهم بالألسنة المراد به دعوتهم إلى الخير وتعليمهم الهدى، وبالأجساد التواضع لهم فإنه أدعى لقبول الدعوة، وفي قوله: «فَإِنَّ لِلْمَرْءِ مَا اكْتَسَبَ» المراد ما اكتسب من خير أو شر يحاسب عليه، قال -﷿-: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (^٢)، وفي قول: «وَهُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ
_________________
(١) فيه الحارث بن حصيرة الأزدي: قال أبو حاتم: لولا أن الثوري روى عن الحارث ابن حصيرة لترك حديثه (الجرح والتعديل ٣/ ٧٢ - ٧٣) وقال ابن عدي: وهو من المحترقين بالكوفة بالتشيع (الكامل ٢/ ٦٠٧).
(٢) الآيتان (٧، ٨) من سورة الزلزلة.
[ ١ / ٥٠٩ ]
مَنْ أَحَبَّ» تحذير العوام من مجالسة أهل الأهواء حتى لا يصيبهم ما هم فيه من الضلال، ولعل المراد بقوله: «وَزَايِلُوهُمْ بِأَعْمَالِكُمْ وَقُلُوبِكُمْ» من كان قادرا على دفع شبهاتهم، ورد باطلهم، وقد ناظر ابن عباس ﵄ الخوارج بأمر علي -﵁- فرجع نحو نصفهم، ثم قاتل من بقي وغلبهم.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٢٢ - (٧) أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ قَالَ: حَدَّثَنِي بَقِيَّةُ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: " نِعْمَ وَزِيرُ الْعِلْمِ (^١) الرَّأْيُ الْحَسَنُ " (^٢).
رجال السند:
الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ، هو أبو همام الكوفي، من رجال مسلم في الصحيح، لابأس به حفظ حديثا كثيرا، وبَقِيَّةُ، هو ابن الوليد التميمي، مدلس معروف بالراية عن الضعفاء والمجاهيل، تقبل روايته بشرط أن يصرح بالسماع، فهو ثقة إذا حدث عن الثقات، وقال حدثنا أو أخبرنا، والأَوْزَاعِيُّ، والزُّهْرِيُّ، إمامان ثقتان تقدما.
الشرح:
قوله: «نِعْمَ وَزِيرُ الْعِلْمِ الرَّأْيُ الْحَسَنُ».
وصف الرأي الحسن بأنه وزير العلم إشادة وتعظيما، والمراد بالرأي الحسن المستند إلى الكتاب والسنة، المنبثق منهما، الموافق لمنهجهما، وما خالف
_________________
(١) كتبت لحقا في (ت).
(٢) سنده حسن، ولا يضر تدليس بقية هنا، وانظر: القطوف رقم (٢١٢/ ٣١٦).
[ ١ / ٥١٠ ]
الكتاب أو خالف السنة، أو خالفهما معا فلا خير فيه، بل هو مردود على قائله.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٢٣ - (٨) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ثَنَا زَائِدَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: " كَفي بِالْمَرْءِ عِلْمًا أَنْ يَخْشَى اللَّهَ، وَكَفي بِالْمَرْءِ جَهْلًا أَنْ يُعْجَبَ بِعِلْمِهِ " (^١).
قَالَ: وَقَالَ مَسْرُوقٌ: " الْمَرْءُ حَقِيقٌ أَنْ تَكُونَ لَهُ مَجَالِسُ يَخْلُو (^٢) فِيهَا، فَيَذْكُرُ ذُنُوبَهُ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ " (^٣).
رجال السند:
أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، هو ابن يونس التميمي، ثقة متقن، وزَائِدَةُ، هو ابن قدامة الثقفي، إمام ثقة، والأَعْمَشُ، إمام ثقة، ومُسْلِمٌ، هو ابن صبيح ثقة، ومَسْرُوق، هو ابن سعيد إمام ثقة، والجميع تقدموا.
الشرح:
قوله: «كَفي بِالْمَرْءِ عِلْمًا أَنْ يَخْشَى اللَّهَ» لأن الله -﷿- قال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (^٤).
_________________
(١) من الآية (٢٨) من سورة فاطر.
(٢) في (ك) علق في الهامش (في الأصل خلوا) هكذا بواو الجماعة، ولعله أراد (يخلو) أي بنفسه.
(٣) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٢١٤).
(٤) رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٢١٣/ ٣١٧).
[ ١ / ٥١١ ]
قوله: «وَكَفي بِالْمَرْءِ جَهْلًا أَنْ يُعْجَبَ بِعِلْمِهِ».
لأنه جهل نعمة الله -﷿- عليه، واغتر بعلمه، وجهل أن سبب هلاك قارون إنكاره نعمة الله عليه فقال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ (^١).
قوله: «الْمَرْءُ حَقِيقٌ أَنْ تَكُونَ لَهُ مَجَالِسُ يَخْلُو فِيهَا، فَيَذْكُرُ ذُنُوبَهُ فَيَسْتَغْفِرُ
اللَّهَ».
منها ما أرشد إليه الرسول -ﷺ- بقوله: «خصلتان لا يحصيهما عبد إلا دخل الجنة، وهما يسير ومن يعمل بهما قليل، يسبح الله أحدكم في دبر كل صلاة عشرا، ويحمده عشرا، ويكبره عشرا، فتلك خمسون ومائة باللسان، وألف وخمسمائة في الميزان، وإذا أوى إلى فراشه يسبح ثلاثا وثلاثين، ويحمد ثلاثا وثلاثين، ويكبر أربعا وثلاثين، فتلك مائة باللسان، وألف في الميزان "، قال رسول الله -ﷺ-: «فأيكم يعمل في يوم وليلة ألفين وخمسمائة سيئة؟ " (^٢)، وعن أبي هريرة؛ أنه قال: " من سبح دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وكبر ثلاثا وثلاثين، وحمد ثلاثا وثلاثين، وختمالمائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر" (^٣)، وهذا له حكم الرفع؛ لأنه ليس مما يقال بالرأي.
_________________
(١) من الآية (٧٨) من سورة القصص.
(٢) ابن حبان حديث (٢٠١٨).
(٣) الموطأ حديث (٧١٤/ ٢٣١).
[ ١ / ٥١٢ ]
قال الدارمي رحمه الله تعالى: