قال النووي (^١): قال العلماء: الحديث ثلاثة أقسام: صحيح، وحسن، وضعيف، ولكل قسم أنواع:
فأما الصحيح: فهو ما اتصل سنده بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة، فهذا متفق على أنه صحيح، وإن اختلّ بعض هذه الشروط ففيه خلاف وتفصيل.
وقال أحمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب الخطابي الفقيه الشافعي المتقن (^٢): الحديث عند أهله ثلاثه أقسام: صحيح، وحسن، وسقيم.
فالصحيح: ما اتصل سنده وعُدِّلت نَقَلَتُهُ.
والحسن: ما عُرف مخرجه واشتهر رجاله، وعليه مدار أكثر الحديث، وهو الذي نقله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء.
والسقيم: على طبقات: شرُّها الموضوع، ثم المقلوب، ثم المجهول.
وقال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري في كتابه "المدخل إلى كتاب الإكليل":
_________________
(١) مقدمة "شرح صحيح مسلم" (١/ ٤٩ - ٥٣).
(٢) وفي مقدمة النووي: "المتفنن".
[ ١ / ١٣٥ ]
الصحيح من الحديث عشرة أقسام: خمسة متفق عليها، وخمسة مختلف فيها.
فالأول - من المتفق عليه -: اختيار البُخاري ومسلم، وهو الدرجة الأولى من الصحيح، وهو: أن لا يذكر إلَّا ما رواه صحابي مشهور عن رسول الله - ﷺ -، له راويان ثقتان فأكثر، ثم يرويه عنه تابعي مشهور بالرواية عن الصحابة، له أيضًا راويان ثقتان فأكثر، ثم يرويه عنه من أتباع الأتباع الحافظ المتقن المشهور على ذلك الشرط، ثم كذلك، قال الحاكم: والأحاديث المروية بهذه الشريطة لا يبلغ عددها عشرة آلاف حديث.
القسم الثاني: مثل الأول، لكن ليس لروايته من الصحابي إلَّا راوٍ واحد.
القسم الثالث: مثل الأول إلَّا أن روايته من التابعين ليس له إلَّا راوٍ واحد.
القسم الرابع: الأحاديث الأفراد والغرائب التي رواها الثقات العدول.
القسم الخامس: أحاديث جماعة من الأئمة عن آبائهم عن أجدادهم، ولم تتواتر الرواية عن آبائهم عن أجدادهم بها إلَّا عنهم، كصحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وإياس بن معاوية بن قرة عن أبيه عن جده، وأجدادهم صحابيون وأحفادهم ثقات.
قال الحاكم: فهذه الأقسام الخمسة مخرجة في كتب الأئمة يُحتَجّ بها، وإن لم يخرج منها في "الصحيحين" حديث، يعني غير القسم الأول.
قال: والخمسة المختلف فيها: المرسل، وأحاديث المدلِّسين إذا لم يذكروا سماعهم، وما أسنده ثقة وأرسله جماعة من الثقات، وروايات الثقات غير الحفاظ العارفين، وروايات المبتدعة إذا كانوا صادقين. فهذا
[ ١ / ١٣٦ ]
آخر كلام الحاكم (^١).
وقال أبو علي الغساني الجياني: الناقلون سبع طبقات: ثلاث مقبولة، وثلاث متروكة، والسابعة مختلف فيها.
فالأولى: أئمة الحديث وحفاظه، وهم الحجة على من خالفهم، ويقبل انفرادهم.
الثانية: دونهم في الحفظ والضبط، لحقهم في بعض روايتهم وهم وغلط، والغالب على حديثهم الصحة، ويصحح ما وهموا فيه من رواية الأولى، وهم لاحقون بهم.
الثالثة: جنحت إلى مذاهب من الأهواء غير غالية ولا داعية، وصح حديثها وثبت صدقها وقلّ وهمها.
فهذه الطبقات احتمل أهل الحديث الرواية عنهم، وعلى هذه الطبقات يدور نقل الحديث.
وثلاث طبقات أسقطهم أهل المعرفة:
الأولى: من وُسِم بالكذب، ووضعِ الحديث.
الثانية: من غلب عليهم الوهم والغلط.
الثالثة: طائفة غلت في البدعة ودعت إليها، وحرّفت الروايات وزادت فيها ليحتجُّوا بها.
والرابعة: قوم مجهولون انفردوا بروايات لم يتابعوا عليها، فقبلهم قوم ووقفهم آخرون. هذا كلام الغسّاني.
فأما قوله: "إن أهل البدع والأهواء الذين لا يَدْعُون إليها ولا يَغلُون
_________________
(١) انظر: "توجيه النظر" للجزائري (١/ ٨٢ - ٨٣).
[ ١ / ١٣٧ ]
فيها يُقبلون بلا خلاف"، فليس كما قال، بل فيهم خلاف، وكذلك في الدُّعاة خلاف مشهور.
وأما قوله: "في المجهولين خلاف"، فهو كما قال، وقد أخلَّ الحاكم بهذا النوع من المختلف فيه.
ثم المجهول أقسام: مجهول العدالة ظاهرًا وباطنًا، ومجهولها باطنًا مع وجودها ظاهرًا وهو المستور، ومجهول العين، فأما الأول فالجمهور على أنه لا يُحتجّ به، وأما الآخران فاحتجّ بهما كثيرون من المحققين.
وأما قول الحاكم: "إن من لم يرو عنه إلَّا راوٍ واحد فليس هو من شرط البُخاري ومسلم" فمردودٌ، غلَّطه الأئمة فيه بإخراجهما حديث المسيّب بن حَزْن والد سعيد بن المسيب في وفاة أبي طالب، لم يرو عنه غير ابنه سعيد، وبإخراج البُخاري حديث عمرو بن تغلب: "إني لأعطي الرجل والذي أدع أحبّ إلي (^١) "، لم يرو عنه غير الحسن. وحديث قيس بن أبي حازم عن مرداس الأسلمي: "يذهب الصالحون" (^٢)، لم يرو عنه غير قيس. وبإخراج مسلم حديث رافع بن عمرو الغفاري، لم يرو عنه غير عبد الله بن الصامت. وحديث ربيعة بن كعب الأسلمي، لم يرو عنه غير أبي سَلَمة. والنظائر في "الصحيحين" لهذا كثيرة، والله أعلم، هذا ما يتعلق بالصحيح.
وأما الحسن فقد تقدم قول الخطابي - رحمه الله تعالى -: "إنه ما عرف مخرجه واشتهر رجاله"، وقال أبو عيسى الترمذي: الحسن ما ليس في إسناده من يُتَّهم وليس بشاذٍّ، ورُوي من غير وجه.
_________________
(١) "صحيح البخاري" (ح: ٩٢٣).
(٢) "صحيح البخاري" (ح: ٦٤٣٤).
[ ١ / ١٣٨ ]
وضبط الشيخ أبو عمرو بن الصلاح الحسن، فقال: هو قسمان:
أحدهما: الذي لا يخلو إسناده من مستور لم تتحقق أهليته، وليس كثير الخطأ فيما يرويه، ولا ظهر منه تعمد الكذب، ولا سبب آخر مُفَسِّق، ويكون متن الحديث قد عرف بأن يروى (^١) مثله أو نحوه من وجه آخر.
القسم الثاني: أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة، ولم يبلغ درجة رجال "الصحيح" لقصوره عنهم في الحفظ والإتقان إلَّا أنه مرتفع عن حال من يُعَدُّ تفرده منكرًا.
قال: وعلى القسم الأول ينزل كلام الترمذي، وعلى الثاني كلام الخطابي، فاقتصر كل واحد منهما على قسم رآه خفيًّا، ولا بد في القسمين من سلامتهما من الشذوذ والعلة. ثم الحسن وإن كان دون الصحيح فهو كالصحيح في جواز الاحتجاج به، والله أعلم.
وأما الضعيف: "فهو ما لم يوجد فيه شروط الصحة ولا شروط الحسن".
وأما أنواعه فكثيرة، منها: الموضوع، والشاذّ، والمنكر، والمعلل، والمضطرب، وغير ذلك.
ولهذه الأنواع حدود وأحكام وتفريعات معروفة عند أهل هذه الصنعة.
* * *
_________________
(١) وفي مقدمة "شرح النووي" (١/ ٥٢): "روي".
[ ١ / ١٣٩ ]