قال البخاري:
وقول الله ﷿ ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ إلى قوله ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] وأمور الإيمان: خصاله وشعبه المتعددة.
واستدل البخاري بقوله تعالى ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى (^٢) الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] .
وقد سأل أبو ذر النبي صلي الله عليه وسلم عن الإيمان، فتلا عليه هذه الآية (^٣) .
وهذا يدل على أن الخصال المذكورة فيها هي خصال الإيمان المطلق، فإذا أطلق الإيمان دخل فيه كل ما ذكر في هذه الآية، كما سأل السائل عن الإيمان، فتلا عليه النبي صلي الله عليه وسلم هذه الآية.
وإذا قرن الإيمان بالعمل فقد يكون من باب عطف الخاص على
_________________
(١) كلمة " في " ليست في " اليونينية ".
(٢) في " ف ": " أنا ".
(٣) تق دم إعلاله (ص ١٧) .
[ ٢٩ ]
العام، وقد يكون المراد بالإيمان - حينئذ -: التصديق بالقلب، وبالعمل: عمل الجوارح كما ذكر في هذه الآية الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين، ثم عطف عليه أعمال الجوارح.
وخرج البخاري من حديث:
[ ٣٠ ]
٩ - سليمان بن بلال، عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة (^١)، عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: " الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان ".
وخرجه مسلم من هذا الوجه، ولفظه: " بضع وسبعون " (^٢) وخرجه مسلم - أيضا - من رواية جرير، عن سهيل، عن عبد الله بن دينار (١٨٠ - ب / ف)، وبه قال في حديثه: " بضع وسبعون - أو بضع وستون " (^٣) - بالشك -، وهذا الشك من سهيل، كذا جاء مصرحا به في " صحيح ابن حبان " (^٤) وغيره. وخرجه مسلم - أيضا - من حديث ابن الهاد، عن عبد الله بن دينار، به وقال في حديثه: " الإيمان سبعون - أو اثنان وسبعون - بابا" (^٥) .
_________________
(١) زاد في " اليونينية ": " ﵁ ".
(٢) مسلم (٣٥/٥٧) . وراجع الاختلاف في ألفاظه في " صيانة صحيح مسلم " لابن الصلاح (ص: ١٩٦) .
(٣) مسلم (٣٥ / ٥٨) .
(٤) (الإحسان: ١ /٤٠٧) .
(٥) بهذا الطريق أخرجه ابن منده في " الإيمان " (١/٢٩٦)، ولم نجده في مسلم من المطبوع، ولا عزاه في " التحفة " إليه من هذا الطريق، فإن لم يكن في بعض نسخ " صحيح مسلم " فلعله وهم من المصنف - رحمه الله تعالى
[ ٣٠ ]
ورواه ابن عجلان، عن عبد الله بن دينار وقال: " ستون ٠ أو سبعون ". وروي عنه أنه قال في حديثه: " ستون أو سبعون " أو بضع واحد من العددين (^١) . وروي عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه بهذا اللفظ - أيضا (^٢) .
وروي عنه بلفظ آخر وهو: " الإيمان تسعة - أو سبعة - وسبعون شعبة ". وخرجه الترمذي من رواية عمارة بن غزية وقال فيه: " الإيمان أربعة وسبعون بابا " (^٣) . وقد روي عن عمارة بن غزية، عن سهيل عن أبيه (^٤) . وسهيل لم يسمع من أبيه، وإنما رواه عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح (^٥) . فمدار الحديث على عبد الله بن دينار، لا يصح عن غيره.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في " الإيمان " - تحقيق الشيخ الألباني - برقم (٦٧)، ومن طريق ابن ماجة (٥٧) .
(٢) أخرجه ابن منده في " الإيمان " (١/٢٩٦) ورواه صفوان بن سليم، عن ابن دينار، به. انظر " أطراف الغرائب " (٥٨١٦) لابن طاهر بتحقيقنا.
(٣) الترمذي (٢٦١٤) .
(٤) ذكره الدارقطني في " العلل " (٨/ ١٩٧) .
(٥) قال ابن منده في " الإيمان " (١/ ٢٩٨): " وسهيل سمعه من عبد الله بن دينار، عن أبي صالح " ا. هـ.
[ ٣١ ]
وقد ذكر العقيلي أن أصحاب عبد الله بن دينار على ثلاث طبقات: أثبات: كمالك وشعبة وسفيان بن عيينه ومشايخ: كسهيل ويزيد بن الهاد وابن عجلان، قال: وفي رواياتهم عن عبد الله بن دينار اضطراب، وقال: إن هذا الحديث لم يتابع هؤلاء المشايخ عليه أحد من الأثبات عن عبد الله بن دينار، ولا تابع عبد الله بن دينار، عن أبي صالح عليه أحد، والطبقة الثالثة: الضعفاء، فيرون عن عبد الله بن دينار المناكير، إلا أن الحمل فيها عليهم (^١) .
قلت: فد رواه عن عبد الله بن دينار: سليمان بن بلال، وهو ثقة ثبت، وقد خرج حديثه في " الصحيحين ". وأما الاختلاف في لفظ الحديث: فالأظهر أنه من الرواة كما جاء التصريح في بعضه بأنه شك من سهيل بن أبي صالح. وزعم بعض الناس أن النبي صلي الله عليه وسلم كان يذكر هذا العدد بحسب ما ينزل من خصال الإيمان، فكلما نزلت خصلة منها ضمها إلى ما تقدم وزادها عليها. وفي ذلك نظر.
_________________
(١) العقيلي (٢/ ٦٦٨ - ٦٦٩) . هذا وقد نقل المصنف - ﵀ - كلام العقيلي هذا في كتابه " شرح العلل " (٢/٦٦٩ - ٦٧٠)، وقال لبعده: " وقول العقيلي: لم يتابع عليه يشبه كلام القطان وأحمد والبرديجي الذي سبق ذكره في أن الحديث إذا لم يتابع روايه عليه فإنه يتوقف فيه، أو يكون منكرا " أ. هـ وللكلام تتمة، فراجعه، فإنه مهم.
[ ٣٢ ]
وقد ورد في بعض روايات " صحيح مسلم " عد بعض هذه الخصال، ولفظه: " أعلاها: قول لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان " (^١) . فأشار إلى أن خصال الإيمان منها قول باللسان، ومنها ما هو عمل بالجوارح ومنها ما هو قائم بالقلب، ولم يزد في شيء من هذه الروايات على هذه الخصال.
وقد انتدب لعدها طائفة من العلماء كالحليمي (^٢) والبيهقي وابن شاهين وغيرهم، فذكروا أن كل ما ورد تسميته إيمانا في الكتاب والسنة من الأقوال والأعمال وبلغ بها بعضهم سبع وسبعين، وبعضهم تسعا وسبعين. وفي القطع على أن ذلك هو مراد الرسول ﷺ من هذه الخصال عسر (^٣) كذا قاله ابن الصلاح وهو كما قال.
_________________
(١) مسلم (٣٥ /٥٨) .
(٢) هو أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم البخاري الشافعي، ولد في سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة ومات في شهر ربيع الأول، سنة ثلاث وأربعمائة له كتاب في شعب الإيمان سماه " المنهاج " وهو مطبوع في ثلاث مجلدات وقال الذهبي: وللحافظ أبي بكر البيهقي اعتناء بكلام الحليمي ولا سيما في كتاب " شعب الإيمان ". وقال ابن الصلاح في " صيانة صحيح مسلم " (ص: ١٩٦): " وقد صنفت في ذلك مصنفات من أغزرها فوائد " كتاب المنهاج " لأبي عبد الله الحليمي إمام الشافعيين ببخارى. وكان من رفعاء أئمة المسلمين " انتهى، وله ترجمة حافلة في " طبقات الشافعية " للسبكي (٤/٣٣٣ - ٣٤٣) . وله ترجمة في " السير " (١٧/٢٣١ - ٢٣٣) .
(٣) في " ف ": " عشر " بالشين المعجمة، والصواب ما أثبتناه، وهو الموافق لما في " صيانة صحيح مسلم " لابن الصلاح (ص: ١٩٦) .
[ ٣٣ ]
وتبويب البخاري على خصال الإيمان والإسلام والدين من أوله إلى آخره وما خرج فيه من الأحاديث وما (١٨١ - أ/ف) استشهد به من الآيات والآثار الموقوفة إذا عدت خصاله وأضيف إليه أضداد ما ذكره في أبواب خصال النفاق والكفر بلغ ذلك فوق السبعين - أيضا - والله أعلم. وقد تكلم الراغب في كتاب " الذريعة " (^١) له على حصرها في هذا العدد ذكره ابن عبد البر (^٢) وغيره.
فإن قيل: فأهل الحديث والسنة عندهم أن كل طاعة فهي داخلة في الإيمان، سواء كانت من أعمال الجوارح أو القلوب أو من الأقوال، وسواء في ذلك الفرائض والنوافل، هذا قول الجمهور الأعظم منهم وحينئذ فهذا لا ينحصر في بضع وسبعين، بل يزيد على ذلك زيادة كثيرة، بل هي غير منحصرة. قيل: يمكن أن يجاب عن هذا بأجوبة:
أحدها: أن يقال: إن عد خصال الإيمان عند قول النبي ﷺ كان منحصرا في هذا العدد ثم حدثت زيادة فيه بعد ذلك حتى كملت خصال الإيمان في آخر حياة النبي صلي الله عليه وسلم.
_________________
(١) (ص: ٢١٧ - ٢٢٠) .
(٢) " التمهيد " (٦/ ٤٢) وما بعده.
[ ٣٤ ]
والثاني: أن تكون خصال الإيمان كلها تنحصر في بضع وسبعين نوعا، وإن كان أفراد كل نوع تتعد كثيرا، وربما كان بعضها لا ينحصر. وهذا أشبه. وإن كان الموقوف على ذلك يعسر أو يتعذر.
والثالث: أن ذكر السبعين على وجه التكثير للعدد، لا على وجه الحصر كما في قوله تعالى ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] والمراد تكثير التعداد من غير حصوله هذا في العدد (^١)، ويكون ذكره للبضع يشعر بذلك كأنه يقول: هو يزيد على السبعين المقتضية لتكثير العدد وتضعيفه. وهذا ذكره أهل الحديث من المتقدمين، وفيه نظر.
والرابع: أن هذه البضع وسبعين هي أشرف خصال الإيمان وأعلاها وهو الذي تدعو إليه الحاجة منها. قال ابن حامد من أصحابنا. والبضع في اللغة: من الثلاث إلى التسع، هذا هو المشهور، ومن قال: ما بين اثنين إلى عشر فالظاهر إنما أراد ذلك ولم يدخل الاثنين والعشر في العدد. وقيل من أربع إلى تسع. وقيل: مابين الثلاث والعشر. والظاهر أنه هو الذي قبله باعتبار إخراج الثلاث والعشر منه. وكذا قال بعضهم: ما بين الثلاث إلى ما دون العشرة، وعلى هذا فلا يستعمل في الثلاث ولا في العشر، والله أعلم. (^٢) .
_________________
(١) " مشارق الأنوار " (٢/٢٠٥) .
(٢) وقد ذكر نحو هذا الكلام (٧/٢٠٢) تحت الحديث (٧٩٩) .
[ ٣٥ ]
٣ - فصل (^١)
خرج البخاري من حديث:
_________________
(١) لم يذكر اسم الباب وهو " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ".
[ ٣٦ ]
١٠ - الشعبي، عن عبد الله بن عمرو (^١) عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر: من هجر ما نهى الله عنه "
خرجه من رواية شعبة، عن عبد الله بن أبي السفر وإسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي عن عبد الله. ثم قال: وقال معاوية: حدثنا داود، عن عامر قال: سمعت عبد الله بن عمرو، عن النبي صلي الله عليه وسلم وقال عبد الأعلى، عن (١٨١ - ب/ف) داود، عن عامر، عن عبد الله (^٢) .
مقصود البخاري بهذا: أن شعبة روى الحديث معنعنا إسناده كله. وداود بن أبي هند عن الشعبي واختلف عليه فيه، فقال عبد الأعلى: عن داود كذلك، وقال أبو معاوية: عن داود، عن عامر قال: سمعت عبد الله، فذكر في حديثه تصريح الشعبي بالسماع له من عبد الله بن عمرو.
_________________
(١) زاد في اليونينية ": " ﵄ ".
(٢) زاد في اليونينية ": " عن النبي ﷺ.
[ ٣٦ ]
وإنما احتاج إلى هذا، لأن البخاري لا يرى أن الإسناد يتصل بدون ثبوت لقي الرواة بعضهم لبعض وخصوصا إذا روى بعض أهل بلد عن بعض أهل بلد ناء عنه، فإن أئمة أهل الحديث مازالوا يستدلون على عدم السماع بتباعد الرواة، كما قالوا في رواية سعيد بن المسيب عن أبي الدرداء وما أشبه ذلك (^١) . وهذا الحديث قد رواه الشعبي - وهو من أهل الكوفة -، عن عبد الله بن عمرو - وهو حجازي - نزل مصر ولم يسكن العراق، فاحتاج أن يذكر ما يدل على سماعه منه، وقد كان عبد الله بن عمرو قدم مع معاوية الكوفة عام الجماعة فسمع أهل الكوفة كأبي وائل، وزر بن حبيش، والشعبي. وإنما خرج مسلم هذا الحديث من رواية المصريين، عن عبد الله بن عمرو: من رواية يزيد بن حبيب، عن أبي الخير سمع عبد الله بن عمرو يقول: أن رجلا سأل النبي صلي الله عليه وسلم: أي المسلمين خير؟ قال: " من سلم المسلمون من لسانه ويده " (^٢) . وهذا اللفظ يخالف لفظ رواية البخاري.
وأما رواية " المسلم " فيقتضي حصر المسلم فيمن سلم المسلمون من لسانه ويده، والمراد بذلك المسلم الكامل الإسلام، فمن لم يسلم المسلمون من لسانه ويده فإنه ينتفي عنه كمال الإسلام الواجب، فإن سلامة المسلمين من لسان العبد ويده واجبة، فإن أذى المسلم حرام باللسان
_________________
(١) واقرأ ما سطره المصنف - عليه رحمة الله - في كتابه الحافل " " شرح علل الترمذي " (٢/٥٩٢ - ٥٩٦) في هذه المسألة. وقد أجاد كعادته، ولا عجب.
(٢) مسلم (٤٠) .
[ ٣٧ ]
وباليد، فأذى اليد: الفعل، وأذى اللسان القول.
والظاهر: أن النبي ﷺ إنما وصف بهذا في هذا الحديث لأن السائل كان مسلما قد أتى بأركان الإسلام الواجبة لله ﷿، وإنما يجهل دخول هذا القدر الواجب من حقوق العباد في الإسلام، فبين له النبي صلي الله عليه وسلم ما جهله.
ويشبه هذا: أن النبي صلي الله عليه وسلم لما خطب في حجة الوداع وبين للناس حرمة دمائهم وأموالهم وأعراضهم وأتبع ذلك بقوله: " سأخبركم من المسلم: من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن: من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم ". خرجه ابن حبان في " صحيحه " من حديث فضالة بن عبيد (^١) .
وكان النبي ﷺ أحيانا يجمع لنم قدم عليه يريد الإسلام بين ذكر حق الله وحق العباد، كما في " مسند الإمام أحمد " عن عمرو بن عبسة قال: قال رجل: يا رسول الله! ما الإسلام؟ قال: " أن تسلم قلبك لله، وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك " (^٢) .
وفيه - أيضا -، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده أنه أتى النبي ﷺ ليسلم فقال له: أسألك بوجه الله بم بعثك الله ربنا إلينا؟ قال: " بالإسلام قال قلت: وما آية الإسلام؟ (١٢٨ - أ / ف) قال: " أن تقول: أسلمت وجهي لله وتخليت وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وكل مسلم على مسلم محرم "، وذكر الحديث وقال فيه: قلت: يا رسول الله!
_________________
(١) ابن حبان (الإحسان: ١١/٢٠٣ - ٢٠٤) باختلاف اللفظ.
(٢) " المسند " (٤/١١٤) .
[ ٣٨ ]
هذا ديننا؟ قال: " هذا دينكم " (^١) . وخرجه النسائي بمعناه (^٢) . وقوله" والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه ". فأصل الهجرة: هجران الشر ومباعدته لطلب (^٣) الخير ومحبته والرغبة (^٤) فيه.
والهجرة عند الإطلاق في كتاب السنة إنما تنصرف إلى هجران بلد الشرك إلى دار الإسلام رغبة في تعلم الإسلام والعمل به، وإذا كان كذلك فأصل الهجرة: أن يهجر ما نهاه الله عنه من المعاصي، فيدخل في ذلك هجران بلد الشرك رغبة في دار الإسلام، وإلا فمجرد هجرة بلد الشرك مع الإصرار على المعاصي ليس بهجرة تامة كاملة، بل الهجرة التامة الكاملة: هجران ما نهى الله عنه، ومن جملة ذلك: هجران بلد الشرك مع القدرة عليه.
_________________
(١) " المسند " (٥/٥) .
(٢) النسائي (٥/ ٤ - ٥، ٨٢ - ٨٣) .
(٣) في " ف " تشتبه بـ " طالب " والصواب ما اثبتناه.
(٤) في " ف ": " والزغبة " - بالزاي.
[ ٣٩ ]
٤ - فصل (^١)
خرج البخاري من حديث:
_________________
(١) لم يذكر اسم الباب وهو: " أي الإسلام أفضل؟ ".
[ ٤٠ ]
١١ - بريد بن عبد الله بن أبي بردة عن جده (^١) أبي بردة عن أبيه أبي موسى (^٢) قالوا: يا رسول الله! أي الإسلام أفضل؟ قال: " من سلم المسلمون من لسانه ويده ".
وخرجه مسلم (^٣) - أيضا -، وخرج - أيضا - من حديث عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ سئل: أي المسلمين خير؟ قال: " من سلم المسلمون من لسانه ويده " - كما تقدم ذكره (^٤) . فعلى هذه الرواية: أي المسلمين خير؟ وفي رواية أبي موسى: أي الإسلام أفضل؟ . قال ابن رجب: والذي ظهر لي في الفرق بين " خير " أن لفظ " أفضل " إنما تستعمل في شيئين اشتركا في غير فضل، وامتاز أحدهما عن الآخر بفضل اختص به، فهذا الممتاز قد شارك ذاك في الفضل واختص عنه بفضل زائد فهو ذاك. وأما لفظه " خير " فتستعمل في شيئين: في كل منهما نوع من الخير أرجح مما في الآخر سواء كان لزيادة عليه في ذاته أو في نفعه أو غير
_________________
(١) " جده " ليست في " اليونينية ".
(٢) في " اليونينية ": " عن أبي موسى ﵁ "
(٣) مسلم (٤٠) .
(٤) الحديث الماضي.
[ ٤٠ ]
ذلك، وإن اختلف جنساهما فترجيح أحدهما على الآخر يكون بلفظة خير، فيقال مثلا: النفع المتعدي خير من النفع القاصر، وإن كان جنسهما مختلفا ويقال: زيد أفضل من عمرو، إذا اشتركوا في علم أو دين ونحو ذلك، وامتاز أحدهما على الآخر بزيادة. وإن استعمل في النوع الأول لفظة " أفضل " مع اختلاف الجنسين، فقد يكون المراد: أن ثواب أحدهما أفضل من ثواب الآخر وأزيد منه، فقد وقع الاشتراك في الثواب وامتاز أحدهما بزيادة منه - وحينئذ - فمن سلم المسلمون من لسانه ويده إسلامه أفضل من إسلام غيره ممن ليس كذلك، لاشتراكهما في الإتيان بحقوق الله في الإسلام من الشهادتين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ونحو ذلك، وامتاز أحدهما بالقيام بحقوق المسلمين، فصار هذا الإسلام أفضل من ذاك. وأما المسلم: فيقال: هذا أفضل من ذاك لأن إسلامه أفضل من إسلامه ويقال: هو خير من ذاك لترجيح خيره على خير غيره وزيادته عليه.
[ ٤١ ]
٦ - فصل (^١)
خرج البخاري ومسلم من حديث:
_________________
(١) باب " إطعام الطعام من الإسلام " وقد عزا إليه تحت شرحه الحديث رقم: (٢٨) .
[ ٤٢ ]
١٢ - يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عبد الله بن عمرو أن رجلا سأل النبي ﷺ: أي الإسلام خير؟ قال: (١٨٢ - ب /ف) " تطعم (^١) الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف ".
وخرجه مسلم أيضا (^٢) . جعل النبي ﷺ في هذا الحديث خير الإسلام: إطعام الطعام وإفشاء السلام. وفي " المسند " (^٣) عن عمرو بن عبسة أنه سأل النبي ﷺ: ما الإسلام؟ قال: " لين الكلام وإطعام الطعام ".
ومراده: الإسلام التام الكامل. وهذه الدرجة في الإسلام فضل، وليست واجبة، إنما هي إحسان. وأما سلامة المسلمين من اللسان واليد فواجبة إذا كانت من غير حق، فإن كانت السلامة من حق كان - أيضا - فضلا.
وقد جمع الله تعالى بين الأفضال بالنداء وترك الأذى في وصف المتقين في قوله: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] فهذا
_________________
(١) في " ف " تحرفت الضمة التي على كلمة " تطعم " كأمها "واو ".
(٢) برقم (٣٩) .
(٣) (٤/٣٨٥) بمعناه.
[ ٤٢ ]
إحسان وفضل وهو بذل النداء واحتمال الأذى.
وجمع في الحديث بين إطعام الطعام وإفشاء السلام، لأنه به يجتمع الإحسان بالقول والفعل وهو أكمل الإحسان، وإنما كان هذا خير الإسلام بعد الإتيان بفرائض الإسلام وواجباته، فمن أتى بفرائض الإسلام ثم ارتقى إلى درجة الإحسان إلى الناس كان خيرا ممن لم يرتق إلى هذه الدرجة وأفضل - أيضا -، وليس المراد أن من اقتصر على هذه الدرجة فهو خير من غيره مطلقا ولا أن إطعام الطعام ولين الكلام خير من أركان الإسلام ومبانيه الخمس، فإن إطعام الطعام والسلام لا يكونان من الإسلام إلا بالنسبة إلى من آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.
وقد زعم الحكيمي (^١) وغيره أنه قال: خير الأشياء كذا، والمراد تفضيله من وجه دون وجه وفي وقت دون وقت أو لشخص دون شخص، ولا يراد تفضيله على الأشياء كلها، أو أن يكون المراد: إنه من خير الأشياء، لا خير مطلقا. وهذا فيه نظر، وهو مخالف للظاهر، ولو كان هذا حقا لما احتيج إلى تأويل قول النبي ﷺ لمن قال له: يا خير البرية، فقال: " ذاك إبراهيم " (^٢) . وقد تأوله الأئمة، فقال الإمام أحمد: هو على وجه التواضع.
_________________
(١) كذا في " ف "، ولعل صوابها " الحليمى " صاحب كتاب " المنهاج في شعب الإيمان " وقد مرت ترجمته (ص ٣٣) . تحت حديث (٩) .
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١١/٥١٨)، وعنه مسلم (٢٣٦٩) وغيره، وانظر " أطراف الغرائب " (٩٦٩) بتحقيقنا.
[ ٤٣ ]
ولكن هذا يقرب من قول من تأول " أفضل " بمعنى " فاضل " وقال: إن " أفعل " لا تقتضي المشاركة. وهذا غير مطرد عند البصريين، ويتأول ما ورد منه وحكى عن الكوفيين أنه مطرد لا يحتاج إلى تأويل. وقوله " وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف " هذا أفضل أنواع إفشاء السلام. وفي " المسند " عن ابن مسعود مرفوعا: " إن من أشراط الساعة " السلام بالمعرفة " (^١) .
ويخرج من عموم ذلك: من لا يجوز بداءته بالسلام كأهل الكتاب عند جمهور العلماء.
_________________
(١) " المسند " (١/٤٠٥ - ٤٠٦) .
[ ٤٤ ]
٧ - فصل (^١)
خرج البخاري ومسلم (^٢) من حديث:
_________________
(١) باب " من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه ".
(٢) برقم (٤٥) .
[ ٤٥ ]
١٣ - قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " (^١)
لما نفى النبي ﷺ الإيمان عمن لم يحب لأخيه ما يحب لنفسه دل على أن ذلك من خصال الإيمان، بل من واجباته، فإن الإيمان لا ينفي إلا بانتفاء بعض واجباته، كما قال: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" (^٢) . الحديث
وإنما يحب الرجل لأخيه ما يحب لنفسه إذا سلم من الحسد والغل والغش والحقد، وذلك واجب كما قال النبي (١٨٣ - أ/ ف) ﷺ: " لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا " (^٣)، فالمؤمن أخو المؤمن يحب له ما يحب لنفسه ويحزنه ما يحزنه كما قال ﷺ:
" مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى سائر الجسد بالحمى والسهر " (^٤) فإذا أحب المؤمن لنفسه فضيلة من دين أو غيره أحب أن يكون لأخيه نظيرها من غير أن تزول عنه كما
_________________
(١) راجع شرح هذا الحديث في " جامع العلوم والحكم " (١/٣٠٢) - طبعتنا - فقد أوعب هناك - رحمه الله تعالى.
(٢) البخاري (فتح: ٢٤٧٥)، ومسلم (٥٧)، من حديث أبي هريرة، وراجع " علل الدارقطني " (٩/٣٤٢) .
(٣) مسلم (٥٤) وفي الرواية " لا تدخلون ".
(٤) البخاري (فتح: ٦٠١١)، ومسلم (٢٥٨٦)، من حديث النعمان بن بشير.
[ ٤٥ ]
قال ابن عباس: إني لأمر بالآية من القرآن فأفهمها فأود أن الناس كلهم فهموا منها ما أفهم. وقال الشافعي: وددت أن الناس كلهم تعلموا هذا العلم ولم ينسب إلي منه شيء. فأما حب التفرد عن الناس بفعل ديني أو دنيوي: فهو مذموم، قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا﴾ (القصص: ٨٣)، وقد قال علي وغيره: هو أن لا يحب أن يكون نعله خيرا من نعل غيره ولا ثوبه خيرا من ثوبه (^١) وفي الحديث المشهور في " السنن ": " من تعلم العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء أو يصرف به وجوه الناس إليه فليتبوأ مقعده من النار (^٢) . وأما الحديث الذي فيه أن رجلا سأل النبي ﷺ فقال: إني أحب الجمال، وما أحب أن يفوقني أحد بشراك أو بشسع نعلي، فقال له النبي ﷺ " ليس ذلك من الكبر" (^٣)،
فإنما فيه أنه أحب أن لا يعلو عليه أحد، وليس فيه محبة أن يعلو هو على الناس، بل يصدق هذا أن يكون مساويا لأعلاهم فما حصل بذلك محبة العلو عليه والانفراد عنهم، فإن حصل لأحد فضيلة خصصه الله بها عن غيره فأخبر بها على وجه
_________________
(١) راجع ابن جرير في " تفسير هـ " (٢٠ /٧٩) .
(٢) أخرجه أبو داود (٣٦٦٤) عن أبي هريرة، والنسائي في " الكبرى " (٣/٤٥٧)، والترمذي أ. هـ " الضعفاء " (٣/ ٤٦٧)، وراجع " جامع بيان العلم وفضله " (١/٦٦٩) .
(٣) مسلم (٩١) ..
[ ٤٦ ]
الشكر، لا على وجه الفخر كان حسنا كما كان النبي ﷺ يقول: " أنا سيد ولد آدم ولا فخر، وأنا أول شافع ولا فخر " (^١) . وقال ابن مسعود: لو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لأتيته.
_________________
(١) مسلم (٢٢٧٨) بهذا اللفظ. وهو عند البخاري بغير هذا اللفظ.
[ ٤٧ ]
٨ - فصل (^١)
خرج البخاري ومسلم (^٢) من حديث:
_________________
(١) باب " حب الرسول من الإيمان.
(٢) هذا الحديث من أفراد البخاري. (الفتح: ١/٥٨) .
[ ٤٨ ]
١٤ - أبي هريرة (^١) عن النبي ﷺ قال: " والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده ".
وخرج البخاري ومسلم (^٢) - أيضا - من حديث:
_________________
(١) زاد في " اليونينية ": " ﵁ ".
(٢) مسلم (٤٤) .
[ ٤٨ ]
١٥ - أنس قال: قال رسول الله ﷺ: " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين ".
محبة النبي ﷺ من أصول الإيمان وهي مقارنة لمحبة الله ﷿، وقد قرنها الله بها، وتوعد من قدم عليها شيء من الأمور المحبوبة طبعا من الأقارب والأموال والأوطان وغير ذلك، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] .
ولما قال عمر للنبي ﷺ: أنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي فقال: " لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك " فقال عمر: والله أنت الآن أحب إلي من نفسي، قال: " الآن يا عمر ". (^١)
_________________
(١) (الفتح: ٦٦٣٢) .
[ ٤٨ ]
فيجب تقديم محبة الرسول ﷺ (١٨٣ - ب /ف) على النفوس والأولاد والأقارب والأهلين والأموال والمساكين، وغير ذلك مما يحبه الناس غاية المحبة، وإنما تتم المحبة بالطاعة كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل عمران: ٣١] وسئل بعضهم عن المحبة، فقال: الموافقة في جميع الأحوال. فعلامة تقديم محبة الرسول على محبة كل مخلوق: أنه إذا تعارض طاعة الرسول ﷺ في أوامره وداع آخر يدعو إلى غيرها من هذه الأشياء المحبوبة، فإن قدم المرء طاعة الرسول وامتثال أوامره على ذلك الداعي: كان دليلا على صحة محبته للرسول وتقديمها على كل شيء، وإن قدم على طاعته وامتثال أوامره شيئا من هذه الأشياء المحبوبة طبعا: دل ذلك على عدم إتيانه بالإيمان التام الواجب عليه. وكذلك القول في تعارض محبة الله ومحبة داعي الهوى والنفس، فإن محبة الرسول تبع لمحبة مرسله ﷿. هذا كله في امتثال الواجبات وترك المحرمات. فإن تعارض داعي النفس ومندوبات الشريعة، فإن بلغت المحبة على تقديم المندوبات على دواعي النفس كان ذلك علامة كمال الإيمان وبلوغه إلى درجة المقربين والمحبوبين المتقربين بالنوافل بعد الفرائض، وإن لم تبلغ هذه المحبة إلى الدرجة فهي درجة المقتصدين أصحاب اليمين الذين كملت محبتهم ولم يزيدوا عليها
[ ٤٩ ]
٩ - فصل (^١)
خرج البخاري ومسلم (^٢) من حديث:
_________________
(١) باب " حلاوة الإيمان ".
(٢) برقم (٤٣ / ٦٧) .
[ ٥٠ ]
١٦ - أبي قلابة، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار ". وقد خرجه مسلم وعنده في رواية: " فقد وجد طعم الإيمان (^١)، وجاء في رواية: " وجد طعم الإيمان وحلاوته ".
فهذه الثلاث خصال من أعلى خصال الإيمان، فمن كملها فقد وجد حلاوة الإيمان وطعم طعمه، فالإيمان له حلاوة وطعم يذاق بالقلوب كما يذاق حلاوة الطعام والشراب بالفم، فإن الإيمان هو غذاء القلوب وقوتها كما أن الطعام والشراب غذاء الأبدان وقوتها، وكما أن الجسد لا يجد حلاوة الطعام والشراب إلا عند صحته فإذا سقم لم يجد حلاوة ما ينفعه من ذلك، بل قد يستحلي ما يضره وما ليس فيه حلاوة لغلبة السقم عليه، فكذلك القلب إنما يجد حلاوة الإيمان من أسقامه وآفاته، فإذا سلم من مرض الأهواء المضلة والشهوات المحرمة وجد حلاوة الإيمان حينئذ، ومتى مرض وسقم لم يجد حلاوة الإيمان، بل يستحلي ما فيه هلاكه من الأهواء والمعاصي.
_________________
(١) مسلم _٤٣ / ٦٨) .
[ ٥٠ ]
ومن هنا قال ﷺ: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " (^١)، لأنه لو كمل إيمانه لوجد حلاوة الإيمان فاستغنى بها عن استحلاء المعاصي.
سئل وهيب بن الورد: هل يجد طعم الإيمان من يعصي الله؟ قال: لا، ولا من هم بالمعصية. وقال ذو النون: كما لا يجد الجسد لذة الطعام عند سقمه كذلك لا يجد القلب حلاوة العبادة مع الذنوب. فمن جمع هذه الخصال الثلاثة المذكورة في هذا الحديث (١٨٤ - أ /ف) فقد وجد حلاوة الإيمان وطعم طعمه:
أحدها: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. ومحبة الله تنشأ تارة من معرفته، وكمال معرفته: تحصل من معرفة أسمائه وصفاته وأفعاله الباهرة والتفكير في مصنوعاته وما فيها من الإتقان والحكم والعجائب، فإن ذلك كله يدل على كماله وقدرته وحكمته وعلمه ورحمته.
وتارة ينشأ (^٢) من مطالعة النعم، وفي حديث ابن عباس المرفوع: " أحبوا الله لما يغدوكم (^٣) من نعمه وأحبوني لحب الله ". خرجه الترمذي في بعض نسخ كتابه (^٤) . وقال بعض السلف: من عرف الله أحبه، ومن أحبه أطاعه فإن
_________________
(١) ر البخاري (فتح: ٢٤٧٥)، ومسلم (٥٧) من حديث أبي هريرة. وسبق (ص ٤٥) .
(٢) كذا في " ف " ولعل الصواب " تنشأ " بالمثناة الفوقية.
(٣) كذا في الترمذي، وفي " التحفة " و" العارضة ": يغدوكم " بالذال المعجمة.
(٤) الترمذي (٣٧٨٩)، وانظر " التحفة " (٥ /١٤٨) .
[ ٥١ ]
المحبة تقتضي الطاعة كما قال بعض العارفين: الموافقة في جميع الأحوال، ثم أنشد: ولو قلت لي مت مت سمعا وطاعة وقلت لداعي الموت أهلا ومرحبا
ومحبة الله على درجتين:
إحداهما: فرض، وهي المحبة المقتضية لفعل أوامره الواجبة والانتهاء عن زواجره المحرمة والصبر على مقدوراته المؤلمة، فهذا القدر لابد منه في محبة الله، ومن لم تكن محبته على هذا الوجه فهو كاذب في دعوى محبة الله، كما قال بعض العارفين: من ادعى محبة الله ولم يحفظ حدوده فهو كاذب، فمن وقع في ارتكاب شيء من المحرمات أو أخل بشيء من فعل الواجبات فلتقصره في محبة الله حيث قدم محبة نفسه وهواه على محبة الله، فإن محبة الله لو كملت لمنعت من الوقوع فيما يكرهه. وإنما يحصل الوقوع فيما يكرهه لنقص محبته الواجبة في القلوب وتقديم هوى النفس على محبته وبذلك ينقص الإيمان كما قال ﷺ: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " (^١) الحديث.
والدرجة الثانية من المحبة - وهي فضل مستحب -: أن ترتقي المحبة من ذلك إلى التقرب بنوافل الطاعات والانكفاف عن دقائق الشبهات والمكروهات، والرضى بالأقضية المؤلمات، كما قال عامر بن عبد قيس:
_________________
(١) البخاري (فتح: ٢٤٧٥)، ومسلم (٥٧) من حديث أبي هريرة.
[ ٥٢ ]
أحببت الله حبا هون علي كل مصيبة ورضاني بكل بلية، فما أبالي مع حبي إياه على ما أصبحت، ولا على ما أمسيت (^١) . وقال عمر بن عبد العزيز أصبحت ومالي سرور إلا في مواقع القضاء والقدر، ولما مات ولده الصالح قال: إن الله أحب قبضه، وأعوذ بالله أن تكون لي محبة تخالف محبة الله. وقال بعض التابعين في مرضه: أحبه إلي أحبه إليه. وأما محبة الرسول: فتنشأ عن معرفته ومعرفة كماله وأوصافه وعظم ما جاء به، وينشأ ذلك في معرفة مرسله وعظمته - كما سبق -، فإن محبة الله لا تتم إلا بطاعته، ولا سبيل إلى طاعته إلا بمتابعة رسوله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل عمران: ٣١] ومحبة الرسول على درجتين - أيضا: إحداهما: فرض، وهي ما اقتضى طاعته في امتثال ما أمر به من الواجبات والانتهاء عما نهى عنه من المحرمات والرضى بذلك، وأن لا يجد في نفسه حرجا مما جاء به ويسلم له تسليما، وأن لا يتلقى الهدى من غير مشكاته ولا يطلب شيئا من الخير إلا مما جاء به.
الدرجة الثانية: فضل مندوب إليه، وهي: ما ارتقى بعد ذلك إلى اتباع سنته وآدابه وأخلاقه والاقتداء به في هديه وسمته وحسن معاشرته
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في " الحلية " (٢ / ٨٩ - ٩٠) بنحوه.
[ ٥٣ ]
لأهله وإخوانه وفي التخلق بأخلاقه الظاهرة في الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة وفي جوده وإيثاره وصفحه وحلمه واحتماله وتواضعه، وفي أخلاقه الباطنة من كمال خشيته لله ومحبته له وشوقه إلى لقائه ورضاه بقضائه وتعلق قلبه به دائما وصدق الالتجاء إليه والتوكل والاعتماد عليه، وقطع تعلق القلب بالأسباب كلها ودوام لهج القلب واللسان بذكره والأنس به والتنعم بالخلوة بمناجاته ودعائه وتلاوة كتابه بالتدبر والتفكر.
وفي الجملة: فكان خلقه ﷺ القرآن، يرضى لرضاه ويسخط لسخطه، فأكمل الخلق من حقق متابعته وتصديقه قولا وعملا وحالا وهم الصديقون من أمته الذين رأسهم: أبو بكر - خليفته بعده - وهم أعلى أهل الجنة درجة بعد النبيين كما قال ﷺ: " إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون (^١) الكوكب الدري الغابر من الأفق من المشرق إلى المغرب لتفاضل ما بينهم " قالوا ": يا رسول الله! تلك منازل الأنبياء ما يبلغها غيرهم، قال: " إي والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين ". خرجاه في " الصحيحين " من حديث أبي سعيد (^٢) .
الخصلة الثانية: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله. والحب في الله من أصول الإيمان وأعلى درجاته.
_________________
(١) في "ف ": يتراءون " وما أثبتناه هو الموافق للرواية.
(٢) (فتح: ٦٥٥٥)، ومسلم (٢٨٣١/١١) .
[ ٥٤ ]
وفي " المسند " (^١) عن معاذ بن أنس الجهني أن النبي ﷺ سئل عن أفضل الإيمان، فقال: أن تحب لله وتبغض لله وتعمل لسانك في ذكر الله ". وفيه - أيضا - عن عمرو بن الجموح، عن النبي ﷺ: لا يحق العبد حق صريح الإيمان حتى يحب لله ويبغض لله، فإذا أحب لله، وأبغض لله فقد استحق الولاية من الله " (^٢) وفيه: عن البراء عن النبي ﷺ قال: " أوثق عرى الإيمان: أن تحب في الله وتبغض في الله (^٣) وخرج الإمام أحمد، وأبو داود عن أبي ذر، عن النبي ﷺ قال: " أفضل الأعمال: الحب في الله والبغض في الله" (^٤) . ومن حديث أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: " من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان " (^٥) . وخرجه أحمد، والترمذي من حديث معاذ بن أنس، عن النبي ﷺ وزاد أحمد في رواية " وأنكح لله " (^٦) .
_________________
(١) (٥/٢٤٧)، " ووقع الحديث في المطبوع في مسند معاذ بن جبل، من رواية سهل بن معاذ، عن أبيه - وهو معاذ بن أنس الجهني -، عن معاذ بن جبل، فجعله من مسند معاذ ابن جبل، وهو وهم، والصواب أنه من مسند معاذ بن أنس الجهني " قاله زهير بن ناصر الناصر محقق " أطراف المسند " (٥/٢٨٤) فجزاه الله خيرا..
(٢) " المسند " (٣٣/٤٣٠) .
(٣) " المسند " (١ /٢٨٦) ..
(٤) أحمد (٥/١٤٦)، وأبو داود (٤٥٩٩) .
(٥) أبو داود (٤٦٨١) .
(٦) أحمد (٣ / ٤٣٧، ٤٤٠)، والترمذي (٢٥٢١) .
[ ٥٥ ]
وإنما كانت هذه الخصلة تالية لما قبلها، لأن من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما فقد صار حبه كله له، ويلزم من ذلك أن يكون بغضه لله وموالاته له ومعاداته له، وأن لا تبقى له بقية من نفسه وهواه، وذلك يستلزم محبة ما يحبه الله من الأقوال والأعمال، وكراهة ما يكرهه من ذلك، وكذلك من الأشخاص، ويلزم من ذلك معاملتهم بمقتضى الحب والبغض، فمن أحبه الله أكرمه وعامله بالعدل والفضل، ومن أبغضه لله أهانه بالعدل، ولهذا وصف الله المحبين له بأنهم ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٨٥ - أ /ف) أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤] . وكان من دعاء النبي ﷺ: " أسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يبلغني إلى حبك " (^١) فلا تتم محبة الله ورسوله إلا بمحبة أوليائه وموالاتهم وبغض أعدائه ومعاداتهم. وسئل بعض العارفين: بما تنال المحبة؟ قال: بموالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه، وأصله الموافقة.
الخصلة الثالثة: أن يكره الرجوع إلى الكفر كما يكره الرجوع إلى النار. فإن علامة محبة الله ورسوله: محبة ما يحبه الله ورسوله وكراهة ما يكرهه الله ورسوله - كما سبق - فإذا رسخ الإيمان في القلب وتحقق به ووجد حلاوته وطعمه أحبه وأحب ثباته ودوامه والزيادة منه وكره مفارقته وكان كراهته لمفارقته أعظم عنده من كراهة الإلقاء في النار، قال الله تعالى ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧] . والمؤمن يحب الإيمان أشد من حب الماء البارد في شدة الحر للظمآن،
_________________
(١) أخرجه ابو نعيم في " الحلية " (١/٢٢٦) وفيه عبد الله بن ربيعة الدمشقي، وهومجهول، وأخرجه الترمذي (٣٤٩٠) من طريقه - أيضا - فجعله من قول داود ﵇. ورواه أحمد في " الزهد " (ص ٨٩) من طريق مالك قال: قال داود. وقال المصنف في " جامع العلوم " (٢ /٣٦٧): ويروى أن داود ﵇ كا يقول … " فذكره.
[ ٥٦ ]
ويكره الخروج منه أشد من كراهة التحريق بالنيران، كما في " المسند " عن أبي رزين العقيلي أنه سأل النبي ﷺ عن الإيمان فقال: " أن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن يكون الله ورسوله أحب إليك مما سواهما، وأن تحرق في النار أحب إليك من أن تشرك بالله، وأن تحب غير ذي نسب لا تحبه إلا لله فإذا كنت كذلك فقد دخل حب الإيمان في قلبك كما دخل حب الماء للظمآن في اليوم القائظ (^١)
وفي " المسند " - أيضا - أن النبي ﷺ وصى معاذ بن جبل فقال له فيما وصاه به: " لا تشرك بالله شيئا وإن قطعت وحرقت " (^٢) .
وفي " سنن ابن ماجة " (^٣) أن النبي ﷺ وصي أبا الدرداء وغيره - أيضا. وقد أخبر الله عن أصحاب الأخدود بما أخبر به وقد كانوا فتنوا المؤمنين والمؤمنات وحرقوهم بالنار ليرتدوا عن الإيمان، فاختاروا الإيمان على النار. وفي " الصحيح " عن النبي ﷺ " أن امرأة منهم أتى به ومعها صبي لها يرضع فكأنها تقاعست أن تلقي نفسها في النار من أجل الصبي فقال لها الصبي: يا أمه! اصبري فإنك على الحق " (^٤) . وألقي أبو مسلم الخولاني في النار على امتناعه أن يشهد للأسود بالنبوة فصارت عليه بردا وسلاما. وعرض على عبد الله بن حذافة أن يتنصر فأمر ملك الروم
_________________
(١) " المسند " (٤/ ١١ - ١٢) .
(٢) " المسند " (٥/٢٣٨) .
(٣) برقم (٤٠٣٤) .
(٤) مسلم (٣٠٠٥) .
[ ٥٧ ]
بإلقائه في قدر عظيمة مملوءة ماء تغلي عليه فبكى وقال: لم أبك جزعا من الموت، لكن أبكي أنه ليس لي إلا نفس واحدة يفعل بها هذا في الله، لوددت أنه كان لي مكان كل شعرة مني نفسا يفعل بها ذلك في الله ﷿. هذا مع أن التقية في ذلك باللسان جائزة مع طمأنينة القلب بالإيمان كما قال تعالى ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] . ولكن الأفضل الصبر وعدم التقية في ذلك. فإذا وجد القلب حلاوة الإيمان أحس بمرارة الكفر والفسوق والعصيان ولهذا قال يوسف ﵇: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف " ٣٣] . سئل ذو النون: متى أحب ربي؟ قال: إذا كان ما يكرهه أمر عندك من الصبر. وقال (١٨٥ - ب /ف) بشر بن السري: ليس من أعلام المحبة أن تحب ما يبغضه حبيبك. واعلم أن القدر الواجب من كراهة الكفر والفسوق والعصيان هو أن ينفر من ذلك ويتباعد منه جهده ويعزم على أن لا يلابس شيئا من جهده لعلمه بسخط الله له وغضبه على أهله.
فأما ميل الطبع إلى ما يميل من ذلك - خصوصا لمن اعتاده ثم تاب منه - فلا يؤاخذ به إذا لم يقدر على إزالته، ولهذا مدح الله من نهى النفس عن الهوى، وذلك يدل على أن الهوى يميل إلى ما هو ممنوع منه وأن من عصى هواه كان محمودا عند الله ﷿.
[ ٥٨ ]
وسئل عمر عن قوم يشتهون المعاصي ولا يعملون بها، قال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (^١) [الحجرات: ٣] . وقد ترتاض النفس بعد ذلك وتألف التقوى حتى تتبدل طبيعتها وتكره ما كانت مائلة إليه وتصير (^٢) التقوى لها طبيعة ثابتة. وهل هذا أفضل من الأول أم الأول أفضل؟
هذا وقد يخرج على اختلاف العلماء فيمن عمل طاعة ونفسه تأباها وهو يجاهدها، وآخر عملها ونفسه طائعة مختارة لها أيهما أفضل؟ وفيه قولان مشهوران للعلماء والصوفية. والأظهر: أن الثاني أفضل. وفي كلام الإمام أحمد ما يدل على خلافه. وفي " مسند الإمام أحمد ": حدثنا يحي بن سعيد، عن حميد عن أنس أن النبي ﷺ قال لرجل: " أسلم " قال: أجدني كارها قال: "، إن كنت كارها " (^٣) وهذا يدل على صحة الإسلام مع نفور القلب عنه وكراهته له، لكن إذا دخل في الإسلام واعتاده وألفه: دخل حبه قلبه ووجد حلاوته. وخرج مسلم حديث أنس المتقدم، ولفظه: " ومن كان أن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه " (^٤) .
_________________
(١) "مسند الفاروق " لابن كثير (٢/٦٠٥) من طريق مجاهد قال: كتب إلى عمر. ومجاهد لم يدرك عمر وانظر " المراسيل " (ص: ٢٠٤) وقال ابن كثير: فيه انقطاع، وعزاه لأحمد في " الزهد ".
(٢) في " ف " بالمثناة التحتانية والصواب بالفوقية كما اثبتناه.
(٣) المسند (٣ /١٨١) .
(٤) مسلم (٤٣/٦٨) .
[ ٥٩ ]
ويستشكل من هذا اللفظ أنه يقتضي (^١) وجود محبة الأمرين - أعني: الإلقاء في النار والرجوع إلى الكفر -، وترجع محبة الأول على الثاني، ووقع مثله في القرآن في قوله تعالى حاكيا عن يوسف ﵇ - ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣] ومثله قول علي ﵁: إذا حدثتكم عن رسول الله ﷺ فلأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أكذب عليه (^٢) . ويجاب عن ذلك: بأن من خير بين أمرين مكروهين فاختار أحدهما على الآخر لشدة كراهته لما رغب عنه فإنه يقال: إنه محب لما اختاره مريد له وإن كان لا يحبه ولا يختاره لنفسه، بل لدفع ما عنده أشد كراهة وأعظم ضررا. ومن هنا ورد ما ورد من حب الموت في الفتنة والتخلص منها. وقيل لعطاء السليمي: لو أججت نار وقيل: من دخلها نجا من جهنم هل كنت تدخله؟ فقال: بل كنت أخشى أن تخرج نفسي فرحا بها قبل وصولي إليها (^٣) ويشبه هذا حال المكره على فعل بضرب أو سجن أو تهديد أو بقتل ونحو ذلك إذا فعله افتداء لنفسه مما أكره عليه هل هو مختار له أم لا؟ وفيه اختلاف مشهور بين الأصوليين.
والتحقيق: أنه مختار له، لا لنفسه، بل للافتداء به من المكروه
_________________
(١) في " ف " بالفوقية والصواب ما أثبتناه.
(٢) البخاري (فتح: ٣٦١١)، ومسلم (١٠٦٦ / ١٥٤) .
(٣) أخرجه أبو نعيم في " الحلية " (٦ / ٢١٥)، وذكره الذهبي في " السير " (٦/ ٨٧) .
[ ٦٠ ]
الأعظم، فهو مختار له من وجه دون وجه، وهذا بخلاف فعل المؤمن الطاعات خوفا من الله، فإنه ليس فعله كفعل (١٨٦ - أ / ف) المكره، لأن المؤمن يجب عليه أن يأتي بالطاعة خوفا من عقاب الله ورجاء لثوابه وحبا له، فبذلك يفارق حال المكره. ومن هنا تظهر المسألة التي تفر منها الفقهاء وهي: إذا قال رجل لامرأته: إن كنت تحبيني (^١) أن يعذبك الله بالنار فأنت طالق، فقالت: أنا أحبه، فقال كثير منهم من أصحابنا وغيرهم: إنها تطلق لأنها قد تختار ذلك وتحبه افتداء به من معاشرة زوجها لشدة بغضها له وجهلا منها بتصور عذاب جهنم فتكون صادقة فيما أخبرت به. ومن هذا: الحديث الذي فيه أن الكافر يقول من شدة ما يجد في الموقف يوم القيامة: رب أرحني حتى ولو إلى النار. فظهر بهذا: أن من خير بين مكروهين فاختار أخفهما دفعا لأعظمهما أنه يكون محبا لما اختاره مختارا له من وجه دون وجه. وأما ما يقتضيه لفظ الحديث من كونه محبا للآخر: فهذا - أولا - غير لازم على قول الكوفيين الذين لا يرون أن " أفعل " التفضيل يلزم منه المشاركة مطلقا، فيجوز عندهم أن يقال: الثلج أبرد من النار، وأما على قول البصريين فإنه قد ورد في كثير من نصوص الكتاب والسنة ما تمتنع فيه المشاركة وتأولوا فيه " أفعل " بـ " فاعل " فكذلك تتأول هنا. ومما بقي مما يتعلق بلفظ هذا الحديث: أن قوله ﷺ: " أن يكون الله
_________________
(١) كذا، والصواب الموافق للسياق " تحبي ".
[ ٦١ ]
ورسوله أحب إليه مما سواهما " يدل على أنه يجوز الجمع بين اسم الله واسم غيره من المخلوقين في كلمة واحدة. وفي " سنن أبي داود " عن ابن مسعود أن النبي ﷺ كان يقول في خطبته: " من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئا (^١) .
وقال ابن مسعود - لما قضي في بروع (^٢) -: إن يكون صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان من الخطأ. وقد اختلف الناس في جواز مثل هذا التركيب في الكلام على أقوال:
أحدهما: أنه لا يجوز. والثاني: أنه لا يجوز في كلام الله ﷿ دون غيره. والثالث: أنه ممتنع مطلقا. واحتجوا بحديث عدي بن حاتم أن رجلا خطب عند النبي ﷺ فقال: ومن يعصهما فقد غوى، فقال النبي ﷺ " بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله ". خرجه مسلم. وقد قيل: إن قوله: " قل: ومن يعص الله ورسوله " مدرجة في
_________________
(١) أبو داود (١٠٩٧) .
(٢) بروع بنت واشق: مترجمة في أسد الغابة (٧/ ٣٧) وغيره وذكرها الأمير - بحق - ابن ماكولا في " إكماله " (١/٢٤٣) غير أنه لم يجودها - على غير عادته. وقال الهندي في " المغني " (ص: ٣٦) " بكسر موحدة عند أهل الحديث، وفتحها عند أهل اللغة، وسكون راء، وفتح واو، وإهمال عين " أ. هـ. وراجع " لسان العرب "، و" المنتخب من علل الخلال " لابن قدامة (٢٢٠) .
[ ٦٢ ]
الحديث (^١) وإنما أنكر عليه وقفه في قوله: " ومن يعصهما". وقد ذكر هذا الاختلاف ابن عطية في " تفسيره " وغيره.
وفيه قول آخر: أنه يمتنع في واو الجمع أو ألف التثنية المتصلين بالأفعال نحو: يفعلون، وتفعلان، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ (الأحزاب: ٥٦)، وهذا هو الذي ذكره القاضي أبو يعلي في كتابه " أحكام القرآن " (^٢) . ومن منع ذلك: أجاب بأن في الكلام حذفا تقديره: إن الله يصلي وملائكته يصلون، والله أعلم.
_________________
(١) مسلم (٨٧٠) من طريق وكيع، عن سفيان، وخالفه القطان عند أبي داود (٤٩٨١) وابن مهد عند أحمد (٤/ ٣٩٧)، وغيرهما، عن سفيان، فلم يذكروا: " قل: ومن يعص الله ورسوله " في آخر الحديث ولم يختلفوا في تقديم القطان في سفيان. ويقول أحمد: " وكيع أكثر خطأ من عبد الرحمن " راجع " شرح العلل " للمصنف (٢ / ٧٢٢) .
(٢) ذكره ابن أبي يعلي في ترجمة أبي يعلي من " طبقات الحنابلة " (٢/ ٢٠٥) .
[ ٦٣ ]
١٠ - فصل (^١)
خرج البخاري ومسلم (^٢) من حديث:
_________________
(١) باب " علامة الإيمان حب الأنصار ".
(٢) (٧٦) .
[ ٦٤ ]
١٧ - أنس، عن النبي ﷺ قال: " آية الإيمان: حب الأنصار، وآية النفاق: بغض الأنصار ".
هذا المعنى يرجع إلى ما تقدم من حب المرء لا يحبه إلا لله (^١) من علامات وجود حلاوة الإيمان وأن الحب في الله من أوثق عرى الإيمان، وأنه أفضل (١٨٦ - ب / ف) الإيمان، فالأنصار نصروا الله ورسوله فمحبتهم من تمام حب الله ورسوله. وخرج الإمام أحمد من حديث سعيد بن زيد، عن النبي ﷺ قال: " لا يؤمن بالله من لا يؤمن بي، ولا يؤمن بي من لا يحب الأنصار " (^٢) وخرج الطبراني وغيره من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " من أحب الأنصار فبحبي أحبهم، ومن أبغض الأنصار فببغضي أبغضهم " (^٣) وفي صحيح مسلم " عن أبي سعيد وأبي هريرة، عن النبي ﷺ
_________________
(١) في " ف ": " الله ".
(٢) " المسند " (٦/ ٣٨٢) وهو في " المسند " ليس في مسند سعيد بن زيد، بل في مسند جدة رباح بن عبد الرحمن واسمها " أسماء " وهي بنت سعيد بن زيد، وروت هذا الحديث عنه، فلينتبه لذلك.
(٣) الطبراني في " الأوسط " (٩٩٩) .
[ ٦٤ ]
قال: " لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر " (^١) وفي " المسند " عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: " حب الأنصار إيمان وبغضهم نفاق ". (^٢) وكذلك حب المهاجرين - الذين هم أفضل من الأنصار - من الإيمان. وفي " صحيح مسلم "، عن علي قال: إنه لعهد النبي ﷺ إلي: لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق (^٣) وفي " المسند " والترمذي، عن عبد الله بن مغفل، عن النبي ﷺ قال: الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم " (^٤)
وفي بعض نسخ كتاب الترمذي، عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: " أحبوا الله لما يغدوكم به من نعمه، وأحبوني لحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي " (^٥) .
وفي " المسند " وكتاب النسائي، وابن ماجه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال في الحسن والحسين: " من أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني " (^٦) .
_________________
(١) مسلم عن أبي سعيد (٧٧)، وعن أبي هريرة (٧٦) .
(٢) " المسند " (٣/٧٠) .
(٣) مسلم (٧٨) .
(٤) المسند " (٥/٥٤، ٥٥، ٥٧) ..
(٥) الترمذي في " جامعه " (٣٧٨٩) .
(٦) " المسند " (٢/٢٨٨، ٤٤٠، ٥٣١)، والنسائي في " الكبرى " (٥ / ٤٩)، وابن ماجه (١٤٣) .
[ ٦٥ ]
فمحبة أولياء الله وأحبابه عموما من الإيمان، وهي من أعلى مراتبه، وبغضهم محرم فهو من خصال النفاق، لأنه مما لا يتظاهر به غالبا، ومن تظاهر به فقد تظاهر بنفاقه فهو شر ممن كتمه وأخفاه.
ومن كان له مزية في الدين لصحبته النبي ﷺ أو لقرابته أو نصرته فله مزيد خصوصية في محبته وبغضه. ومن كان من أهل السوابق في الإسلام كالمهاجرين الأولين فهو أعظم حقا مثل علي ﵁. وقد روي أن المنافقين إنما كانوا يعرفون ببغض علي ﵁، ومن هو أفضل من علي كأبي بكر وعمر، فهو (^١) أولى بذلك، ولذلك قيل: إن حبهما من فرائض الدين، وقيل: إنه يرجى على حبهما ما يرجى على التوحيد من الأجر.
_________________
(١) كذا في " ف "، والصواب: " فهما ": يعني: أبو بكر وعمر ﵄.
[ ٦٦ ]
١١ - فصل (^١)
قال البخاري:
_________________
(١) وهو بدون ترجمة، وكذا قال الحافظ في " الفتح " (١/٦٤) .
[ ٦٧ ]
١٨ - حدثنا أبو اليمان: أنا شعيب عن الزهري: أخبرني أبو إدريس عائذ الله بن عبد الله أن عبادة بن الصامت (^١) - وكان شهد بدرا، وهو أحد النقباء ليلة العقبة - أن رسول الله ﷺ قال - وحوله عصابة من أصحابه -: " بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف، فمن وفي منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب [به] (^٢) في الدنيا فهو كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه " فبايعناه على ذلك.
هذا الحديث سمعه أبو إدريس، عن عقبة بن عامر، عن عبادة، وزيادة عقبة في إسناده: وهم. وقد خرج البخاري الحديث في " ذكر بيعة العقبة " (^٣) وفي " تفسير سورة الممتحنة " (^٤) من كتابه هذا، وفيه التصريح بأن أبا إدريس أخبره به عبادة وسمعه منه (١٨٧ - أ/ ف) .
_________________
(١) زاد في " اليونينية ": " ﵁ ".
(٢) ما بين المعقوفين ليس في " اليونينية ". وقال القسطلاني إثر كلمة: " فعوقب ": " أي: به - كما رواه أحمد - أي: بسببه " أ. هـ.
(٣) (فتح: ٣٨٩٢) .
(٤) (فتح: ٤٨٩٤) .
[ ٦٧ ]
وكان عبادة قد شهد بدرا وهو أحد النقباء ليلة العقبة حيث بايعت الأنصار النبي ﷺ قبل الهجرة، لكن هذه البيعة المذكورة في هذا الحديث كانت ليلة العقبة أم لا؟ هذا وقع فيه تردد، فرواه ابن إسحاق، عن الزهري وذكر في روايته أن هذه البيعة كانت ليلة العقبة. وروى ابن إسحاق - أيضا -، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير مرثد بن عبد الله، عن الصنابحي، عن عبادة بن الصامت قال: كنت فيمن حضر العقبة الأولى وكنا اثني عشر رجلا، فبايعنا رسول الله ﷺ على بيعة النساء وذلك قبل أن تفرض الحرب على أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق ولا نزني، الحديث (^١) . خرجه الإمام أحمد من رواية ابن إسحاق هكذا (^٢) . وكذا رواه الواقدي عن يزيد بن حبيب. وخرجاه في " الصحيحين " من حديث الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن الصنابحي، عن عبادة قال: إني من النقباء الذين بايعوا رسول الله ﷺ، بايعنا على أن لا نشرك بالله شيئا فذكر الحديث (^٣) . وليس هذا بالصريح في أن هذه البيعة كانت ليلة العقبة.
_________________
(١) ابن هشام (٢/٤١) وذكر إسناد ابن إسحاق، ووقع في الإسناد هناك: " عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي مرثد بن عبد الله " خطأ.
(٢) في " المسند " (٥ / ٣٢٣) .
(٣) (فتح: ٣٨٩٣)، ومسلم (١٧٠٩ / ٤٤) .
[ ٦٨ ]
ولفظ مسلم بهذه الرواية (^١): عن عبادة بن الصامت قال: إني من النقباء الذين بايعوا رسول الله ﷺ وقال: بايعناه على أن لا نشرك، الحديث. وهذا اللفظ قد يشعر بأن هذه البيعة غير (^٢) بيعة النقباء.
وخرجه مسلم، من وجه آخر من رواية أبي قلابة، عن أبي الأشعث، عن عبادة قال: أخذ علينا رسول الله ﷺ كما أخذ على النساء أن لا نشرك بالله شيئا (^٣) .
هذا قد يشعر بتقدم أخذه على النساء على أخذه عليهم. وخرج مسلم حديث عبادة من رواية أبي إدريس، عنه وقال في حديثه: فتلا علينا آية النساء أن لا نشرك بالله شيئا، الآية (^٤) . وخرجه البخاري في " تفسير الممتحنة " من رواية ابن عيينه، عن الزهري وقال فيه: وقرأ آية النساء، وأكثر لفظ سفيان: وقرأ الآية، ثم قال: تابعه عبد الرزاق، عن معمر في الآية (^٥) . وكذا خرجه الإمام أحمد والترمذي وعندهما: فقرأ عليهم الآية، زاد الإمام أحمد: التي أخذت على النساء ﴿إذا جاءك المؤمنات﴾ (^٦) [الممتحنة: ١٢] . وهذا تصريح بأن هذه البيعة كانت بالمدينة، لأن بيعة النساء مدنية.
_________________
(١) مسلم (١٧٠٩/ ٤٤) وراجع " علل " ابن عمار الشهيد (ص / ١٠٢) .
(٢) في " ف ": " عن " والصواب ما أثبتناه.
(٣) مسلم (١٧٠٩ / ٤٣) .
(٤) مسلم (١٧٠٩ /٤٢) .
(٥) (فتح: ٤٨٩٤) .
(٦) أحمد (٥ / ٣١٤)، والترمذي (١٤٣٩) .
[ ٦٩ ]
وروى هذا الحديث سفيان بن حسين، عن الزهري، وقال في حديثه: إن النبي ﷺ قال لهم: " أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث؟ ثم تلا هذه الآية﴾ قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١] حتى فرغ من الثلاث آيات. خرجه الهيثم بن كليب في " مسنده " وسفيان بن حسين ليس بقوي، خصوصا في حديث الزهري، وقد خالف سائر الثقات من أصحابه في هذا (^١) .
وقد روى عبادة بن الصامت أنهم بايعوا النبي ﷺ على السمع والطاعة في المنشط والمكره وأن لا ينازعوا الأمر أهله، أن يقولوا بالحق (^٢) . فهذه صفة أخرى غير صفة البيعة المذكورة في الأحاديث المتقدمة.
وهذه البيعة الثانية مخرجة في " الصحيحين " من غير وجه عن عبادة. وقد خرجها الإمام أحمد (^٣) من رواية ابن إسحاق: حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن أبيه عن جده عبادة – وكان أحد النقباء – قال: بايعنا رسول الله ﷺ بيعة الحرب. وكان عبادة من الاثنى عشر (١٨٧ - ب / ف) نقيبا الذين بايعوا النبي ﷺ في العقبة الأولى على بيعة النساء على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا، وذكر الحديث. وهذه الرواية تدل على أن هذه البيعة هي بيعة الحرب وأن بيعة النساء
_________________
(١) راجع " شرح العلل " للمصنف (٢ / ٨٠٨) و" التمهيد " (٣/٣١١) فقد ذكر نحوه.
(٢) البخاري (فتح: ٧١٩٩)، ومسلم (١٧٠٩ / ٤١)، وراجع " أطراف الغرائب " (٤١٨١) بتحقيقنا.
(٣) المسند (٥ / ٣٢٣) .
[ ٧٠ ]
كانت في العقبة الأولى قبل أن يفرض (^١) الحرب، فهذا قد يشعر بأن هذه البيعة كانت بالمدينة بعد فرض الحرب. وفي هذا نظر. وقد خرجه الهيثم بن كليب في " مسنده " من رواية ابن إدريس، عن ابن إسحاق ويحي بن سعيد وعبيد الله بن عمر، عن عبادة بن الوليد أن أباه حدثه، عن جده قال: بايعنا رسول الله ﷺ في العقبة الآخرة على السمع والطاعة، فذكره.
وخرجه ابن سعد من وجه آخر، عن عبادة بن الوليد مرسلا (^٢) . وخرج الإمام أحمد من وجه آخر، عن عبادة أنهم بايعوا النبي ﷺ هذه البيعة على السمع والطاعة، الحديث وقال فيه: وعلى أن ننصر النبي ﷺ إذا قدم علينا يثرب، فنمنعه مما نمنع منه أنفسنا (^٣) . وهذا يدل على أن هذه البيعة كانت قبل الهجرة وذلك ليلة العقبة.
وخرج – أيضا (^٤) – هذا المعنى من حديث جابر بن عبد الله أن هذه البيعة كانت للسبعين بشعب العقبة وهي البيعة الثانية، وتكون سميت هذه البيعة الثانية، بيعة الحرب، لأن فيها البيعة على منع النبي ﷺ وذلك يقتضي القتال دونه، فهذا هو المراد بالحرب وقد شهد عبادة البيعتين معا. ويحتمل أن النبي ﷺ كان يبايع أصحابه على بيعة النساء قبل نزول أية مبايعتهن، ثم نزلت الآية بموافقة ذلك.
_________________
(١) كذا في " ف " والصواب بالفوقية.
(٢) ابن سعد في " طبقاته " (١ / ٢٢١) .
(٣) " المسند " (٥ / ٣٢٥) .
(٤) " المسند " (٣ / ٣٢٢ – ٣٢٣، ٣٣٩ – ٣٤٠) .
[ ٧١ ]
وفي المسند (^١) عن أم عطية أن النبي ﷺ لما قدم المدينة جمع النساء فبايعهن على هذه الآية إلى قوله ﴿ولا يعصينك في معروف﴾ [الممتحنة: ١٢] .
وهذا قبل نزول سورة الممتحنة، فإنها إنما أنزلت قبل الفتح بيسير والله أعلم بحقيقة ذلك كله. وأما ما بايعهم عليه: فقد اتفقت روايات حديث عبادة من طرقه الثلاث عن أنهم بايعوه على أن لا يشركوا بالله ولا يسرقوا ولا يزنوا ولا يقتلوا. وفي بعض الروايات: لا يقتلوا أولادهم – كما في لفظ الآية -، وفي بعضها: لا يقتلوا النفس التي حرم الله. وهذه رواية الصنابحي، عن عبادة. ثم إن من الرواة من اقتصر علي هذه الأربع ولم يزد عليها. ومنهم من ذكر خصلة خامسة بعد الأربع، ولكن لم يذكرها باللفظ الذي في الآية، ثم اختلفوا في لفظها: فمنهم من قال: " ولا تنتهب " – وهي رواية الصنابحي، عن عبادة المخرجة في " الصحيحين " ومنهم من قال " ولا يعضه – بعضنا بعضا " وهي رواية أبي الأشعث عن عبادة -، خرجها مسلم.
_________________
(١) (٥/ ٨٥)، (٦ / ٤٠٨ – ٤٠٩) .
[ ٧٢ ]
ومنهم من قال: " ولا يغتب بعضنا بعضا " – وهي رواية الإمام أحمد (^١) . وأما الخصلة السادسة: فمنهم من لم يذكرها بالكلية – وهي رواية أبي الأشعث التي خرجها مسلم. ومنهم من ذكرها وسماها المعصية فقال: " ولا نعصي " – كما في رواية الصنابحي – وفي رواية أبي إدريس: " ولا تعصوا في معروف ". فأما الشرك والسرقة (^٢) والزنا والقتل: فواضح، وتخصيص قتل الأولاد بالذكر في بعض الروايات موافق لما ورد في القرآن في مواضع (١٨٨ - أ / ف) وليس له مفهوم، وإنما خصص بالذكر للحاجة إليه، فإن ذلك كان معتادا بين أهل الجاهلية.
وأما الإتيان ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم - على ما جاء في رواية البخاري -: فهذا يدل على أن هذا البهتان ليس مما يختص به النساء. وقد اختلف المفسرون في البهتان المذكور في آية بيعة النساء: فأكثرهم فسروه بإلحاق المرأة بزوجها ولدا من غيره، رواه علي بن أبي طلحة (^٣)، عن ابن عباس، وقاله مقاتل بن حيان (^٤) وغيره.
_________________
(١) سبق تخريج كل هذه الروايات تحت نفس الحديث.
(٢) في " ف " تشتبه بـ " فالسرقة ".
(٣) في " صحيفته " عن ابن عباس (٤٨٨) . وسيأتي الكلام على هذه الصحيفة فيما بعد.
(٤) ذكره ابن كثير في " تفسيره " (٨ / ١٢٦) .
[ ٧٣ ]
واختلفوا في معنى قوله: " بين أيديهم وأرجلهن ": فقيل لأن الولد إذا ولدته أمه سقط بين يديها ورجليها. وقيل: بل أراد بما تفتريه بين يديها: أن تأخذ لقيطا فتلحقه بزوجها، وبما تفتريه بين رجليها: أن تلده من زنا ثم تلحقه بزوجها.
ومن المفسرين من فسر البهتان المفترى بالسحر، ومنهم من فسره بالمشي بالنميمة والسعي في الفساد، ومنهم من فسره بالقذف والرمي بالباطل. وقيل: البهتان المفترى يشمل ذلك كله وما كان في معناه، ورجحه ابن عطية (^١) وغيره. وهو الأظهر، فيدخل فيه كذب المرأة فيما اؤتمنت عليه من حمل وحي وغير ذلك. ومن هؤلاء من قال: أراد بما بين يديها: حفظ لسانها وفمها ووجهها عما لا يحل لها، وبما بين رجليها: حفظ فرجها، فيحرم عليها الافتراء ببهتان في ذلك كله. ولو قيل: إن من الافتراء ببهتان بين يديها خيانة الزوج في ماله الذي في بيتها لم يبعد ذلك.
وقد دل مبايعة النبي ﷺ الرجال على أن لا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم: أن ذلك لا يختص بالنساء، وجميع ما فسر به البهتان في حق النساء يدخل فيه الرجال – أيضا -، فيدخل فيه استلحاق الرجل ولد غيره سواء كان لاحقا غيره أو غير لاحق كولد الزنا، ويدخل فيه
_________________
(١) في تفسيره " المحرر الوجيز " (١٥ / ٤٩٧) .
[ ٧٤ ]
الكذب والغيبة، وقد قال النبي ﷺ: " إن كان في أخيك ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته " خرجه مسلم (^١) وكذلك القذف، وقد سمى الله قذف عائشة بهتانا عظيما. وكذلك النميمة من البهتان. وفي رواية أبي الأشعث، عن عبادة: " ولا يعضه بعضكم بعضا " (^٢)، فالعضيهة: النميمة. وفي " صحيح مسلم " عن ابن مسعود مرفوعا: " ألا أنبئكم ما العضيهة (^٣)؟ هي النميمة القالة بين الناس " (^٤) .
وروى إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود قال: كنا نسمي العضيهة: السحر، وهو اليوم: قيل وقال. وفسر إسحاق بن راهويه العضيهة في حديث عبادة بن الصامت قال: " لا يبهت بعضكم بعضا "، نقله عنه محمد بن نصر (^٥) . وذكر أهل اللغة أن العضيهة: الشتيمة، والعضيهة: البهتان، والعاضهة، والمستعضهة: الساحرة المستسحرة (^٦) .
_________________
(١) مسلم (٢٥٨٩) .
(٢) مسلم (١٧٠٩ / ٤٣)
(٣) في الرواية " العضة ".
(٤) مسلم (٢٦٠٦) . .
(٥) في " تعظيم قدر الصلاة " (٢ / ٦١٣) .
(٦) انظر " غريب أبي عبيد " (٣ / ١٨١)، " الفائق " (٢ / ٤٤٥)، وغريب ابن الجوزي " (٢ / ١٠٤) .
[ ٧٥ ]
وفي رواية الصنابحي: " ولا ننتهب " والنهبة من البهتان، فإن المنتهب يبهت الناس بانتهابه منه ما يرفعون عليه أبصارهم فيه. فكل ما بهت صاحبه وحيره وأدهشه من قول أو فعل لم يكن في حسابه فهو بهتان، فأخذ المال بالنهيى أو بالدعاوى الكاذبة: بهتان، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينا﴾ [النساء ٢٠] .
وفي المسند، والترمذي (١٨٨ - ب / ف)، والنسائي، عن صفوان ابن عسال أن اليهود سألوا النبي ﷺ عن التسع آيات البينات التي أوتيها موسى فقال: لا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تسرقوا ولا تسحروا ولا تمشوا ببريء إلى سلطان فيقتله ولا تأكلوا الربا ولا تقذفوا محصنة ولا تفروا من الزحف، وعليكم اليهود خاصة أن لا تعدوا في السبت (^١) .
فلم يذكر في هذا الحديث البهتان المفترى بلفظه، ولكن ذكر مما فسر به البهتان المذكور في القرآن عدة خصال: السحر، والمشي ببريء على السلطان، وقذف المحصنات. وهذا يشعر بدخول ذلك كله في اسم البهتان. وكذلك الأحاديث التي ذكر فيها عدد الكبائر ذكر في بعضها القذف، وفي بعضها قول الزور أو شهادة الزور، وفي بعضها اليمين الغموس والسحر، وهذا كله من البهتان المفترى.
_________________
(١) " المسند " (٤/ ٢٣٩)، والترمذي (٢٧٣٣)، والنسائي في " الكبرى " (٢/ ٣٠٦) .
[ ٧٦ ]
وأما الخصلة السادسة: فهي المعصية، وتشمل جميع أنواع المعاصي، فهو من باب ذكر العام بعد الخاص، وهو قريب من معنى قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور: ٥٦]، وقوله تعالى ﴿ولا يعصينك في معروف﴾ [الممتحنة: ١٢] . وفي بعض ألفاظ حديث عبادة: " ولا تعصوا في معروف "، وفي بعضها " ولا تعصوني في معروف "، وقد خرجها البخاري في موضع آخر (^١) . وكل هذا إشارة إلى أن الطاعة لا تكون إلا في معروف، فلا يطاع مخلوق إلا في معروف ولا يطاع في معصية الخالق.
وقد استنبط هذا المعنى من هذه الآية طائفة من السلف، فلو كان لأحد من البشر أن يطاع بكل حال لكان ذلك للرسول ﷺ، فلما خصت طاعته بالمعروف – مع أنه لا يأمر إلا بما هو معروف – دل على أن الطاعة في الأصل لله وحده، والرسول مبلغ عنه وواسطة بينه وبين عباده، ولهذا قال تعالى: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله﴾ [النساء: ٨٠] . فدخل في هذه الخصلة السادسة الانتهاء عن جميع المعاصي. ويدخل فيها – أيضا – القيام بجميع الطاعات على رأي من يرى أن النهي عن شيء أمر بضده.
فلما تمت هذه البيعة على هذه الخصال ذكر لهم النبي ﷺ حكم من
_________________
(١) وقد سبق هذا كله في أول شرحه على الحديث.
[ ٧٧ ]
وفى بها وحكم من لم يف بها عند الله ﷿. فأما من وفى بها فأخبر أن أجره على الله – كذا رواية أبي إدريس وأبي الأشعث، عن عبادة، وفي رواية الصنابحي، عنه: فالجنة إن فعلنا ذلك. وقد قال الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠] . وفسر الأجر العظيم بالجنة، كذا قاله قتادة (^١) . وغيره من السلف. ولا ريب أن من اجتنب الشرك والكبائر والمعاصي كلها فله الجنة، وعلى ذلك وقعت هذه البيعة، وإن اختصر ذلك بعض الرواة فأسقط بعض هذه الخصال. وأما من لم يوف بها، بل نكث بعض ما التزم بالبيعة تركه لله ﷿. والمراد: ما عدا الشرك من الكبائر، فقسمه إلى قسمين:
أحدهما: أن يعاقب في الدنيا، فأخبر (١٨٩ - أ/ف) أن ذلك كفارة له، وفي رواية: " فهو طهور له "، وفي رواية " طهور له أو كفارة " – بالشك -، ورواه بعضهم: " طهور وكفارة " – بالجمع. وقد خرجها البخاري في موضع آخر في " صحيحه " (^٢) .
_________________
(١) انظر " تفسير الطبري " (٢٦ / ٤٨) .
(٢) (٦٨٠١ و٧٤٦٨ – فتح) .
[ ٧٨ ]
وروى ابن اسحاق، عن الزهري حديث أبي إدريس، عن عبادة وقال فيه: " فأقيم عليه الحد فهو كفارة له" (^١) . وفي رواية أبي الأشعث، عن عبادة: " ومن أتى منكم حدا فأقيم عليه فهو كفارة " خرجه مسلم (^٢) . وهذا صريح في أن إقامة الحدود كفارات لأهلها. وقد صرح بذلك سفيان الثوري، ونص على ذلك أحمد في رواية عبدوس بن مالك العطار، عنه (^٣) . وقال الشافعي: لم أسمع في هذا الباب أن الحد كفارة أحسن من حديث عبادة (^٤) . وإنما قال هذا، لأنه قد روى هذا المعنى عن النبي ﷺ من وجوه متعددة، عن علي، وجرير، وخزيمة بن ثابت، وعبد الله بن عمرو، وغيرهم، وفي أسانيد كلها مقال، وحديث عبادة صحيح وثابت. وقد روى عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: " ما أدري ما الحدود طهارة لأهلها أم لا؟ " وذكر كلاما آخر. خرجه الحاكم. وخرج أبو داود بعض الحديث (^٥) .
_________________
(١) مسلم (١٧٠٩ / ٤١) .
(٢) ١٧٠٩/ ٤٣) .
(٣) " طبقات الحنابلة " (١ / ٢٤٥) .
(٤) " الأم " (٦ / ١٣٨) .
(٥) الحاكم (١ / ٣٦)، وأبو داود (٤٦٧٤) .
[ ٧٩ ]
وقد رواه هشام بن يوسف، عن معمر، عن الزهري مرسلا. قال البخاري في " تاريخه ": المرسل أصح، قال: ولا يثبت هذا عن النبي ﷺ وقد ثبت عنه أن الحدود كفارة (^١) . انتهى. وقد خرجه البيهقي من رواية آدم بن أبي أياس، عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة مرفوعا - أيضا (^٢) .
وخرجه البزار من وجه آخر فيه ضعف، عن المقبري، عن أبي هريرة مرفوعا - أيضا (^٣) . وعلى تقدير صحته، فيحتمل أن يكون النبي ﷺ قال ذلك قبل أن يعلمه ثم علمه فأخبر به جزما. فإن كان الأمر كذلك، فحديث عبادة إذن - لم يكن ليلة العقبة بلا تردد، لأن حديث أبي هريرة متأخر عن الهجرة، ولم يكن النبي ﷺ علم - حينئذ - أن الحدود كفارة، فلا يجوز أن يكون قد أخبر قبل الهجرة بخلاف ذلك. وقد اختلف العلماء: هل إقامة الحد بمجرده كفارة للذنب من غير توبة أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن إقامة الحد كفارة للذنب بمجرده كفارة (^٤) . وهو مروي عن علي بن أبي طالب، وابنه الحسن، وعن مجاهد،
_________________
(١) " التاريخ الكبير " (١ / ١٥٣) وقال المصنف في " جامع العلوم " (١ / ٤٤٨) أعله البخاري وقال: لا يثبت، وإنما هو من مراسيل الزهري - وهي ضعيفة - وغلط عبد الرزاق فوصله " وانظر " أطراف الغرائب " (٥٢٠٤) بتحقيقنا.
(٢) السنن الكبرى " (٨ / ٣٢٩) .
(٣) البزار (كشف: ٢ / ٢١٢ - ٢١٣) .
(٤) كأن كلمة " كفارة " الثانية زائدة، والجملة بغيرها مستقيمة، ويظهر ذلك من السياق بعده ولعله انتقال نظر. .
[ ٨٠ ]
وزيد بن أسلم، وهو قول الثوري والشافعي وأحمد، واختيار ابن جرير وغيره من المفسرين (^١) .
والثاني: أنه ليس بكفارة بمجرده، فلابد من توبة. وهو مروي عن صفوان بن سليم وغيره، ورجحه ابن حزم (^٢) . وطائفة من متأخري المفسرين كالبغوي وأبي عبد الله بن تيمية وغيرهما. واستدلوا بقوله تعالى في المحاربين: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ﴾ [المائدة: ٣٣] .
وقد يجاب عن هذا: بأن عقوبة الدنيا والآخرة لا يلزم اجتماعها، فقد دل الدليل على أن عقوبة الدنيا تسقط عقوبة الآخرة. وأما استثناء الذين تابوا فإنما استثناهم من عقوبة الدنيا خاصة، ولهذا خصهم بما قبل القدرة، وعقوبة الآخرة تندفع بالتوبة قبل القدرة وبعدها. ويدل على أن الحد يطهر الذنب: قول ماعز للنبي ﷺ: إني أصبت حدا فطهرني. وكذلك قالت له الغامدية (^٣) ولم ينكر عليها النبي ﷺ ذلك، فدل على أن الحد طهارة لصاحبه. ويدخل (١٨٩ – ب / ف) في قول النبي ﷺ: " من أصاب شيئا من ذلك فعوقب به في الدنيا فهو كفارته ": العقوبتان القدرية من الأمراض والأسقام. والأحاديث في تكفير الذنوب بالمصائب كثيرة جدا.
_________________
(١) ابن جرير في " تفسيره " (٦ / ١٦٩ - ١٧٠) .
(٢) راجع " المحلي " (١١ / ١٢٤) .
(٣) انظر (الفتح: ٦٨٢٤)، ومسلم (١٦٩٥) .
[ ٨١ ]
وهذه المصائب يحصل بها للنفوس من الألم نظير الألم الحاصل بإقامة الحد وربما زاد على ذلك كثيرا. وقد يقال في دخول هذه العقوبات القدرية في لفظ حديث عبادة نظر، لأنه قابل من عوقب في الدنيا ستر الله عليه، وهذه المصائب لا تنافي الستر، والله أعلم.
والقسم الثاني: أن لا يعاقب في الدنيا بذنبه، بل ستر عليه ذنبه ويعافى من عقوبته. فهذا أمره إلى الله في الآخرة إن شاء عفا عنه، وهذا موافق لقول الله ﷿ ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨] . وفي ذلك رد على الخوارج والمعتزلة في قوله: إن الله يخلده في النار إذا لم يتب. وهذا المستور في الدنيا له حالتان:
إحداهما: أن يموت غير تائب، فهذا في مشيئة الله - كما ذكرنا.
والثانية: أن يتوب من ذنبه.
فقال طائفة: إنه تحت المشيئة - أيضا -، واستدلوا بالآية المذكورة وحديث عبادة. والأكثرون على أن التائب من الذنب مغفور له وأنه كمن لا ذنب له كما قال تعالى ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] وقال: ﴿أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن
[ ٨٢ ]
رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [آل عمران: ١٣٦] . فيكون التائب – حينئذ – ممن شاء الله أن يغفر له. واستدل بعضهم – وهو ابن حزم (^١) - بحديث عبادة هذا: على أن من أذنب ذنبا فإن الأفضل له أن يأتي الإمام فيعترف عنده ليقيم عليه الحد حتى يكفر عنه ولا يبقى تحت المشيئة في الخطر، وهذا مبني على قوله: إن التائب في المشيئة. والصحيح: أن التائب توبة نصوحا مغفور له جزما، لكن المؤمن يتهم توبتة ولا يجزم بصحتها ولا بقبولها، فلا يزال خائفا من ذنبه وجلا. ثم إن هذا القائل لا يرى أن الحد بمجرده كفارة، وإنما الكفارة التوبة، فكيف لا يقتصر على الكفارة؟ بل يكشف ستر الله عليه ليقام عليه ما لا يكفر عنه.
وجمهور العلماء على أن من تاب من ذنب فالأصل أن يستر على نفسه ولا يقر به عند أحد، بل يتوب منه فيما بينه وبين الله ﷿. روي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وابن مسعود، وغيرهم، ونص عليه الشافعي (^٢) . ومن أصحابه وأصحابنا من قال: إن كان غير معروف بين الناس بالفجور فكذلك، وإن كان معلنا بالفجور مشتهرا به فالأولى أن يقر بذنبه عند الإمام ليطهره منه.
_________________
(١) " المحلي " (١١ / ١٤٩ - ١٥١) .
(٢) " الأم " (٦ / ١٣٨) .
[ ٨٣ ]
وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال لمعاذ: " إذا أحدثت ذنبا فأحدث عنده توبة إن سرا فسرا وإن علانية فعلانية " (^١) . وفي إسناده مقال. وهو إنما هو يدل (^٢) على إظهار التوبة، وذلك لا يلزم منه طلب إقامة الحد. وقد وردت أحاديث تدل على أن من ستر الله عليه في الدنيا فإن الله يستر عليه في الآخرة، كحديث ابن عمر في النجوى، وقد خرجه البخاري في " التفسير " (^٣) . وخرج الترمذي، وابن ماجه عن علي مرفوعا: " من أذنب ذنبا في الدنيا فستره الله عليه فالله أكرم (١٩٠ – أ / ف) أن يعود في شيء قد عفا عنه " (^٤) .
وفي " المسند " (^٥) عن عائشة مرفوعا: " لا يستر الله على عبد ذنبا في الدنيا إلا ستره عليه في الآخرة " وروي مثله ذلك عن علي، وابن مسعود من قولهما. وقد يحمل ذلك كله على التائب من ذنبه جمعا بين هذه النصوص وبين حديث عبادة هذا. وأصح هذه الأحاديث المذكورة ها هنا: حديث بن عمرو النجوي،
_________________
(١) يراجع " الكنز " (٤ / ٢٢٠) .
(٢) في " ف " بالمثناة بالفوقية والصواب ما أثبتناه. .
(٣) (فتح: ٤٦٨٥) .
(٤) الترمذي (٢٦٢٦)، وابن ماجه (٢٦٠٤) .
(٥) (٦ / ١٤٥، ١٦٠) .
[ ٨٤ ]
وليس فيه تصريح بأن ذلك عام لكل من ستر عليه ذنبه، والله تعالى أعلم. وقد قيل: إن البيعة سميت بيعة لأن صاحبها باع نفسه لله.
والتحقيق: أن البيع والمبايعة مأخوذان من مد الباع لأن المتبايعين (^١) للسلعة كل منهما يمد باعه للآخر ويعاقده عليها، وكذلك من بايع الإمام ونحوه فإنه يمد باعه إليه ويعاهده ويعاقده على ما يبايعه عليه. وكان النبي ﷺ يبايع أصحابه عند دخولهم في الإسلام على التزام أحكامه، وكان أحيانا يبايعهم على ذلك بعد إسلامهم تجديدا للعهد وتذكيرا بالمقام عليه. وفي " الصحيحين " عن ابن عباس أن النبي ﷺ أتى النساء في يوم عيد وتلا عليهن هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ الآية [الممتحنة: ١٢] وقال: " أنتن على ذلك؟ " فقالت امرأة منهن: نعم (^٢) . وفي صحيح مسلم " عن عوف بن مالك قال: كنا عند النبي ﷺ تسعة أو ثمانية أو سبعة فقال: " ألا تبايعون رسول الله ﷺ؟ " – ومنا حديث عهد ببيعة – فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، فقال: " ألا تبايعون رسول الله ﷺ؟ " قلنا: قد بايعناك يا رسول الله، ثم قال: " ألا تبايعون رسول الله؟ " فبسطنا أيدينا وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، فعلى ما نبايعك؟ فقال: " أن تعبدوا الله لا تشركوا به شيئا والصلوات الخمس
_________________
(١) في " ف " " المتبابعين " بالموحدة والصواب ما أثبتناه.
(٢) البخاري (٩٧٩)، ومسلم (٨٨٤) .
[ ٨٥ ]
وتطيعوا " – وأسر كلمة خفية -: " ولا تسألوا الناس شيئا " (^١) . وحديث عبادة المذكور هاهنا في البيعة: قد سبق أنه كان ليلة العقبة الأولى فيكون بيعة لهم على الإسلام والتزام أحكامه وشرائعه.
وقد ذكر طائفة من العلماء – منهم القاضي أبو يعلي في كتاب " أحكام القرآن " من أصحابنا – أن البيعة على الإسلام كانت من خصائص النبي ﷺ واستدلوا بأن الأمر بالبيعة في القرآن يخص الرسول بالخطاب بها وحده كما قال تعالى " ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] . ولما كان الامتحان وجه الخطاب إلى المؤمنين عموما فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] فدل على أنه يعم المؤمنين، وكذلك قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]، وهذا أمر يخص به الرسول ﷺ لا يشركه فيه غيره. ولكن قد روى عثمان أنه كان بايع على الإسلام. قال الإمام أحمد: حدثنا مسكين بن بكير قال: ثنا ثابت بن عجلان، عن سليم أبي (^٢) عامر أن وفد الحمراء أتوا عثمان بن عفان يبايعونه على الإسلام وعلى من ورائهم فبايعهم على أن لا يشركوا بالله شيئا وأن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويصوموا رمضان ويدعوا عيد المجوس فلما
_________________
(١) مسلم (١٠٤٣) .
(٢) كذا " ف "، والصواب: " سليم بن عامر " من رجال التهذيب.
[ ٨٦ ]
قالوا بايعهم. وقد بايع عبد الله بن حنظلة الناس يوم الحرة (١٩٠ - ب / ف) على الموت، فذكر ذلك لعبد الله بن زيد الأنصاري فقال: لا أبايع على هذا أحدا بعد رسول الله ﷺ. خرجه البخاري في الجهاد (^١) وإنما أنكر البيعة على الموت لا أصل المبايعة. وقال أبو إسحاق الفزاري: قلت للأوزاعي: لو أن إمامنا أتاه عدو كثير فخاف على من معه فقال لأصحابه: تعالوا نتبايع على أن لا نفر، فبايعوا على ذلك؟ . قال: ما أحسن هذا.
قلت: فلو أن قوما فعلوا ذلك بينهم دون الإمام؟ قال: لو فعلوا ذلك بينهم شبه العقد في غير بيعة (^٢) .
_________________
(١) (فتح: ٢٩٥٩) .
(٢) " السيرة " للفزاري (ص ١٩٩) .
[ ٨٧ ]
فصل
قال البخاري:
[ ٨٨ ]
١٣ - باب (^١)
قول النبي ﷺ: أنا أعلمكم بالله، وأن المعرفة فعل القلب لقوله تعالى ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ . [البقرة: ٢٢٥] .
مراده بهذا التبويب: أن المعرفة بالقلب التي هي أصل الإيمان فعل للعبد وكسب له، واستدل بقوله تعالى ﴿بِمَاكَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] فجعل للقلوب كسبا كما جعل للجوارح الظاهرة (^٢) كسبا.
والمعرفة مركبة من تصور وتصديق، فهي تتضمن علما وعملا وهو تصديق القلب، فإن التصور قد يشترك فيه المؤمن والكافر، والتصديق يختص به المؤمن، فهو عمل قلبه وكسبه.
وأصل هذا: أن المعرفة مكتسبة تدرك بالأدلة، وهذا قول أكثر أهل السنة من أصحابنا وغيرهم ورجحه ابن جرير الطبري، وروى بإسناده عن الفضيل ابن عياض أنه قال: أهل السنة يقولون: الإيمان والقول والعمل. وقالت طائفة: إنها اضطرارية لا كسب فيها. وهو قول بعض أصحابنا وطوائف من المتكلمين والصوفية وغيرهم. وخرج البخاري في هذا الباب: حديث:
_________________
(١) سقط من الترتيب باب (١٢) وسيأتي بعد باب (١٦) .
(٢) في " ف ": " الطاهرة " بالمهملة وما أثبتناه هو الموافق للسياق.
[ ٨٨ ]
٢٠ - هشام عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أمرهم أمرهم من الأعمال بما يطيقون قالوا: إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله، إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فيغضب حتى يعرف الغضب في وجهه ثم يقول: " إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا ".
كان النبي ﷺ يأمر أصحابه بما يطيقون من الأعمال، وكانوا لشدة حرصهم على الطاعات يريدون الاجتهاد في العمل، فربما اعتذروا عن أمر النبي ﷺ بالرفق واستعماله له في نفسه أنه غير محتاج إلى العمل بضمان المغفرة له وهم غير مضمون لهم المغفرة، فهم يحتاجون إلى الاجتهاد ما لا يحتاج هو إلى ذلك، فكان ﷺ يغضب من ذلك ويخبرهم أنه أتقاهم وأعلمهم به. فكونه أتقاهم لله يتضمن شدة اجتهاده في خصال التقوى وهو العمل، وكونه أعلمهم به يتضمن أن علمه بالله أفضل من علمهم بالله وإنما زاد علمه بالله لمعنيين:
أحدهما: زيادة معرفته بتفاصيل أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه وعظمته وكبريائه وما يستحقه من الجلال والإكرام والإعظام.
والثاني: أن علمه بالله مستند إلى عين اليقين، فإنه رآه إما بعين بصره أو بعين بصيرته، كما قال ابن مسعود وابن عباس وغيرهما: رآه بفؤاده مرتين، وعلمهم به مستند إلى علم يقين، وبين المرتين [تباين] (^١)، ولهذا سأل إبراهيم ﵇ ربه أن يرقيه من مرتبة علم اليقين إلى مرتبة عين اليقين بالنسبة إلى رؤية إحياء الموتى – وقد سبق التنبيه على
_________________
(١) ما بين المعقوفين سقط من " ف " بمقدار كلمة ولم يظهر منها سوى " ين " ولعل الصواب ما أثبتناه.
[ ٨٩ ]
ذلك والكلام في تفاصيل المعرفة التامة بالقلب (^١) - فلما زادت معرفة الرسول (١٩١ - أ / ف) بربه زادت خشيته له وتقواه، فإن العلم التام يستلزم الخشية كما قال تعالى ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ [فاطر: ٢٨] فمن كان بالله وبأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه أعلم كان له أخشى وأتقى،، إنما تنقص الخشية والتقوى بحسب نقص المعرفة بالله. وقد خرج البخاري في آخر " صحيحه " عن مسروق قال: قالت عائشة: صنع النبي ﷺ شيئا ترخص فيه وتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي ﷺ فحمد الله ثم قال: " ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه؟ ! فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم خشية " (^٢) .
وفي " صحيح مسلم " عن عائشة أن رجلا قال لرسول الله ﷺ: يا رسول الله! إني أصبح جنبا وأنا أريد الصيام، فقال رسول الله ﷺ: " وأنا أصبح جنبا وأنا أريد الصيام فأغتسل وأصوم " فقال الرجل: يا رسول الله! إنك لست مثلنا، قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فغضب رسول الله ﷺ وقال: " إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي " (^٣) . وفي حديث أنس أن ثلاث رهط جاءوا إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة رسول الله ﷺ فلما أخبروا بها كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر: أصوم الدهر ولا
_________________
(١) عند شرحه تحت ترجمة هذا الباب. وراجع تفصيله عند شرحه لترجمة الباب الأول من " كتاب الإيمان " (ص ١٠ - ١١) عند شرحه لقول البخاري: " ويزيد وينقص ".
(٢) (فتح: (٦١٠١) .
(٣) مسلم (١١١٠) .
[ ٩٠ ]
أفطر، وقال الآخر: أنا أعتزل النساء ولا أتزوج أبدا، فجاء النبي ﷺ إليهم فقال: " أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ ! أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكن أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني ". وقد خرجاه في " الصحيحين " بمعناه (^١) .
ففي هذه الأحاديث كلها الإنكار على من نسب إليه التقصير في العمل للاتكال على المغفرة؛ فإنه كان يجتهد في الشكر أعظم الاجتهاد فإذا عوتب على ذلك وذكرت له المغفرة أخبر أنه يفعل ذلك شكرا؛ كما في " الصحيحين " عن المغيرة أن النبي ﷺ كان يقوم حتى تتفطر قدماه فيقال له: تفعل هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: " أفلا أكون عبدا شكورا " (^٢) . وقد يواصل في الصيام وينهاهم ويقول: " إني لست كهيئتكم؛ إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني " (^٣)، فنسبة التقصير إليه في العمل لاتكاله على المغفرة خطأ فاحش؛ لأنه يقتضي أن هديه ليس هو أكمل الهدى وأفضله، وهذا خطأ عظيم؛ ولهذا كان الرسول ﷺ يقول في خطبته: " خير الهدى هدى محمد " (^٤) . ويقتضي – أيضا – هذا الخطأ: أن الاقتداء به في العمل ليس هو أفضل؛ بل الأفضل الزيادة على هديه في ذلك، وهذا خطأ عظيم جدا؛ فإن الله تعالى قد أمر بمتابعته وحث عليها، قال تعالى ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ
_________________
(١) (فتح: ٥٠٦٣)، ومسلم (١٤٠١) .
(٢) (فتح: ١١٣٠)، ومسلم (٢٨٢٠) .
(٣) (فتح: ١٩٦٤)، ومسلم (١١٠٥) عن عائشة. .
(٤) أخرجه مسلم (٨٦٧) .
[ ٩١ ]
لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١] . فلهذا كان ﷺ يغضب من ذلك غضبا شديدا لما في هذا الظن من القدح في هديه ومتابعته والاقتداء به. وفي رواية للإمام أحمد: " والله إني لأعلمكم بالله وأتقاكم له قلبا " (^١) . وقوله في الرواية التي خرجها البخاري في هذا الباب " إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا " فيه الإتيان بالضمير المنفصل مع تأتي الإتيان بالضمير المتصل، وهو ممنوع عند أكثر النحاة (١٩١ – ب / ف) إلا للضرورة كقول الشاعر: " ضمنت إياهم الأرض في دهر الدهارير ".
وإنما يجوز اختيارا إذا لم يتأت (^٢) الإتيان بالمتصل مثل أن يبتدأ بالضمير قبل عامله نحو: إياك نعبد؛ فإنه لا يبتدأ بضمير متصل أو يقع بعد نحو إلا إياه. فأما قول الشاعر: " أن لا يجاوزنا إلاك "، فشاذ. وأما قوله: " وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي "، فهو عندهم متأول على أن فيه معنى الاستثناء، كأنه قال: ما يدافع عن أحسابهم إلا أنا.
ولكن هذا الذي وقع في هذا الحديث يشهد لجوازه من غير ضرورة، ويكون حينئذ قوله: " إنما يدافع عن أحسابهم أنا ": شاهدا له غير محتاج إلى تأويل، والله أعلم.
_________________
(١) " المسند " (٦ / ٦١) .
(٢) في " ف " بتأت " بالموحدة، والموافق للسياق ما أثبتناه.
[ ٩٢ ]
١٤ - فصل (^١)
تقدم عن أنس، عن النبي ﷺ: ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان "
وقد تقدم من رواية أبي قلابة، عن أنس، وزاد في رواية قتادة: " ومن كره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه ". وقوله " بعد إذ أنقذه الله منه " لا يستلزم أنه كان واقعا فيه فإن كل من أدخل الله الإسلام في قلبه فقد أنقذه الله من الكفر وإن لم يكن قد وقع في الكفر قبل ذلك؛ وهذا كما قال شعيب ﵇ ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا الله﴾ [الأعراف: ٨٩] وقال تعالى ﴿وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا﴾ [آل عمران: ١٠٣] وقال تعالى ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] .
والمراد: أنه ينجيهم من الشرك ويدخلهم في الإيمان؛ وكثير منهم لم يكن داخلا في الشرك قط.
_________________
(١) وهو: باب " من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار من الإيمان " وتقدم الكلام على هذا الباب تحت باب: (٩) حديث: (١٦) " وهي عادة البخاري في التبويب على ما يستفاد من المتن مع أنه غاير الإسناد هنا إلى أنس " قاله ابن حجر (الفتح: ١ / ٧٢) تحت حديث (٢١) .
[ ٩٣ ]
١٥ - فصل (^١)
خرج البخاري ومسلم (^٢) من حديث:
_________________
(١) باب " تفاضل أهل الإيمان في الأعمال ".
(٢) برقم (١٨٤) .
[ ٩٤ ]
٢٢ - عمرو بن يحي المازني، عن أبيه عن أبي سعيد (^١) عن النبي ﷺ قال: " يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ثم يقول الله ﷿: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيخرجون منها قد اسودوا فيلقون في نهر الحيا أو الحياة – شك: مالك – فينبتون كما تنبت الحبة في حميل (^٢) السيل، ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية ". قال البخاري: و(^٣) قال وهيب: حدثنا عمرو " الحياة " وقال: " خردل من خير ". قد قيل: إن الرواية الصحيحة: " الحيا " هو: المطر، قاله الخطابي (^٤) وغيره (^٥) . هذا الحديث نص في أن الإيمان في القلوب يتفاضل، فإن أريد به مجرد التصديق ففي تفاضله خلاف سبق ذكره (^٦)، إن أريد به ما في القلوب من أعمال الإيمان كالخشية والرجاء والحب والتوكل، ونحو ذلك فهو متفاضل بغير نزاع.
_________________
(١) زاد في " اليونينية ": " الخدري ﵁ ".
(٢) في " اليونينية ": " جانب "، وراجع " عمدة القاري " (١ / ١٩٤) .
(٣) " قال البخاري و" ليس في " اليونينية ".
(٤) في " أعلام الحديث " (١ / ١٥٦) .
(٥) الزمخشري في " الفائق " (١ / ٢١١) .
(٦) (ص ١٥) عند شرحه لترجمة الباب الأول.
[ ٩٤ ]
وقد بوب البخاري على هذا الحديث: " باب تفاوت (^١) أهل الإيمان في الأعمال " فقد يكون مراده الأعمال القائمة بالقلب كما بوب على أن المعرفة فعل القلب. وقد يكون مراده أن أعمال الجوارح تتفاوت بحسب تفاوت إيمان القلوب فإنهما متلازمان.
وقد ذكر البخاري أن وهيبا خالف مالكا في هذا الحديث وقال: " مثقال حبة (^٢) من خير ". وفي الباب – أيضا – من حديث أنس بمعنى حديث أبي سعيد، وفي لفظه اختلاف كالاختلاف في حديث أبي سعيد. وقد خرجه البخاري في موضع آخر وفيه زيادة: " من قال لا إله إلا الله " (^٣) . وهذا يستدل به على أن الإيمان يفوق معنى (^٤) كلمة التوحيد والإيمان القلبي وهو التصديق لا تقتسمه (^٥) الغرماء بمظالمهم؛ بل يبقى (١٩٢ - أ / ف) على صاحبه؛ لأن الغرماء لو اقتسموا ذلك لخلد بعض أهل التوحيد وصار مسلوبا ما في قلبه من التصديق وما قاله بلسانه من الشهادة، وإنما يخرج عصاة الموحدين من النار بهذين الشيئين، فدل على بقائهما على جميع من دخل النار منهم وأن الغرماء إنما يقتسمون الإيمان العملي بالجوارح، وقد قال ابن عيينه وغيره: إن الصوم خاصة من أعمال الجوارح لا تقتسمه الغرماء – أيضا. وأما الحبة بكسر الحاء فهي أصول النبات والعشب وقد قيل: أنها
_________________
(١) في " اليونينية ": " تفاضل ".
(٢) في رواية وهيب: " خردل ".
(٣) (فتح ٧٤٣٧) .
(٤) قوله: " يفوق معنى " عسر علينا قراءتها في " ف " ولعلها هكذا.
(٥) غير واضحة في " ف " ولعلها هكذا لما سيأتي بعد.
[ ٩٥ ]
تنزل مع المطر من السماء، كذا قاله كعب غيره. وقد ذكره ابن أبي الدنيا في كتاب " المطر " وذكر فيه آثارا عن الأعراب.
وحميل السيل: محمولة؛ فإن السيل يحمل من الغثاء ونحوه ما ينبت منه العشب، وشبه نبات الخارجين من النار إذا ألقوا في نهر الحيا – أو الحياة – بنبات هذه الحبة لمعنيين: أحدهما: سرعة نباتها. والثاني: أنها صفراء ملتوية ثم تستوي وتحسن، فكذلك ينبت من يخرج من النار بهذا الماء نباتا ضعيفا ثم يقوى ويكمل نباته ويحسن خلقه. وقد جعل الله نبات أجساد بني آدم كنبات الأرض، قال الله تعالى ﴿وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧] وحياتهم من الماء، فنشأتهم الأولى في بطون أمهاتهم من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب، ونشأتهم الثانية من قبورهم (^١) من الماء الذي ينزل من تحت العرش، فينبتون فيه كنبات البقل حتى تتكامل أجسادهم، ونبات من يدخل النار ثم يخرج منها من ماء نهر الحياة – أو الحيا.
وفي " صحيح مسلم " عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: " أما أهل النار الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون؛ ولكن أناس أصابتهم النار بذنوبهم – أو قال: بخطاياهم -، فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا
_________________
(١) في " ف ": " قبورهم " – بالمثناة التحتانية، والمثبت هو الصواب.
[ ٩٦ ]
فحما أذن في الشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة ثم قيل: يا أهل الجنة! أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة في حميل السيل (^١) . وظاهر هذا: أنهم يموتون بمفارقة أرواحهم لأجسادهم [و] (^٢) يحيون بإعادتها، ويكون ذلك قبل ذبح الموت. ويشهد له: ما خرجه البزار في " مسنده " من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: " إن أدنى أهل الجنة منزلة أو نصيبا: قوم يخرجهم الله من النار فيرتاح لهم الرب ﷿ أنهم كانوا لا يشركون بالله شيئا فينبذون بالعراء فينبتون كما ينبت البقل، حتى إذا دخلت الأرواح في أجسادهم قالوا: ربنا! فالذي (^٣) أخرجتنا من النار ورجعت الأرواح إلى أجسادنا فاصرف وجوهنا عن النار، فتصرف وجوههم عن النار (^٤) . ثم خرج البخاري حديث:
_________________
(١) مسلم (١٨٥/ ٣٠٧) .
(٢) ساقط من " ف " والسياق يقتضيه فأثبتناه.
(٣) في الرواية: " كالذي ".
(٤) " البحر الزخار " في مسند أبي هريرة، عنه أبو أمامة بن سهل من المخطوط، " وكشف الأستار " (٤ / ٢١١) .
[ ٩٧ ]
٢٣ - أبي سعيد، عن النبي (^١) ﷺ قال: بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي وعليهم قمص، فمنها (^٢) ما يبلغ الثدي، ومنها مايبلغ (^٣)
_________________
(١) في " اليونينية " عن أبي أمامة بن سهل أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: قال رسول الله "
(٢) في " اليونينية ": " منها "..
(٣) كلمة " يبلغ " ليست في " اليونينية ".
[ ٩٧ ]
دون ذلك، وعرض علي عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره " قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: " الدين "
وهذا الحديث نص في أن الدين يتفاضل؛ وقد استدل عليه بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] وأشار البخاري إلى ذلك في موضع آخر. ويدل عليه – أيضا – قول النبي ﷺ للنساء " ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم (١٩٢ - ب / ف) من إحداكن " (^١) . وفسر نقصان دينها بتركها الصوم والصلاة أيام حيضها؛ فدل على دخول الصوم والصلاة في اسم الدين. وقد صرح بدخول الأعمال في الدين طوائف من العلماء والمتكلمين من أصحابنا وغيرهم.
فمن قال: الإسلام والإيمان واحد فالدين عنده مرادف لهما، وهو اختيار البخاري ومحمد بن نصر المروزي (^٢) وغيرهما من أهل الحديث.
ومن فرق بينهما، فاختلفوا في ذلك؛ فمنهم من قال: إن الدين أعم منهما، فإنه يشمل الإيمان والإسلام والإحسان، كما دل عليه حديث جبريل، وقد أشار البخاري إلى هذا – فيما بعد -؛ لكنه من لا يفرق بين الإسلام والإيمان.
ومن قال: الإيمان: التصديق، والإسلام: الأعمال، فأكثرهم جعل
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٠٤)، ومسلم (٨٠) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٢) في " تعظيم قدر الصلاة " (٢ / ٥٣١) .
[ ٩٨ ]
الدين هو الإسلام وأدخل فيه الأعمال. وإنما أخرج الأعمال من مسمى الدين: بعض المرجئة.
ومن قال: الإسلام: الشهادتان، والإيمان: العمل – كالزهري، وأحمد في رواية وهي التي نصرها القاضي أبو يعلي – جعل الدين هو الإيمان بعينه، وأجاب عن قوله تعالي ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] أن بعض الدين الإسلام. وهذا بعيد.
وأما من قال: إن كلا من الإسلام والإيمان إذا أطلق مجردا دخل الآخر فيه، وإنما يفرق بينهما عند الجمع بينهما، وهو الأظهر؛ فالدين هو مسمى كل واحد منهما عند إطلاقه، وأما عند اقترانه بالآخر: فالدين أخص باسم الإسلام؛ لأن الإسلام هو الاستسلام والخضوع والانقياد وكذلك الدين يقال:: دانه يدينه إذا قهره، ودان له إذا استسلم له وخضع وانقاد؛ ولهذا سمى الله الإسلام دينا فقال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلَامُ﴾ ﴿آل: عمران ١٩]، وقال: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، وقال: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] .
وإنما فسر القمص في المنام: الدين؛ لأن الدين والإسلام والتقوى كل هذه توصف بأنها لباس، قال تعالى ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]، وقال أبو الدرداء: الإيمان كالقميص يلبسه الإنسان تارة وينزعه أخرى، وفي الحديث: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ينزع منه سربال الإيمان " (^١) .
_________________
(١) سبق (ص ٤٥)، وهو متفق عليه دون قوله: " ينزع منه سربال الإيمان. وانظر " تعظيم قدر الصلاة " (١ / ٤٩٢، ٤٩٦) .
[ ٩٩ ]
وقال النابغة:
الحمد لله الذي لم يأتني أجلي حتى اكتسيت من الإسلام سربالا
وقال أبو العتاهية:
إذا المرء لم يلبس ثيابا من التقى تقلب عريانا وإن كان كاسيا
فهذه كلها كسوة الباطن وهو الروح وهو زينة لها، كما في حديث عمار: " اللهم زينا بزينة الإيمان " (^١) . كما أن الرياش زينة للجسد وكسوة له، قال تعالى ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦] . ومن هنا قال مجاهد والشعبي وقتادة والضحاك والنخعي والزهري وغيرهم في قوله تعالى ﴿وثيابك فطهر﴾ [المدثر: ٤] إن المعنى: طهر نفسك من الذنوب.
وقال سعيد بن جبير: وقلبك ونيتك (^٢) فطهر. وقريب منه: قول من قال: وعملك فأصلح (^٣) . روى عن مجاهد وأبي روق والضحاك. وعن الحسن والقرظي (^٤) قالا: خلقك حسنه.
_________________
(١) " المسند " (٤ / ٢٦٤)، والنسائي في " المجتبى " (٣ /٥٤ - ٥٥) .
(٢) في " ف " بدون نقاط تماما والمثبت أولى وهو الموافق لما في " تفسير ابن كثير " (٨ / ٢٨٩) .
(٣) راجع " الدر المنثور " (٦ / ٢٨١) فقد أتى بمعظم هذه التفسيرات.
(٤) في " ف " بدون نقط، والصواب ما أثبتناه، وهو: محمد بن كعب بن سليم، وقال الذهبي في " السير " (٥ / ٦٧) " كان من أئمة التفسير ".
[ ١٠٠ ]
فكنى بالثياب عن الأعمال (١٩٣ - أ / ف) وهي (^١) الدين والتقوى والإيمان والإسلام، وتطهيره: إصلاحه وتخليصه من المفسدات له، وبذلك تحصل طهارة النفس والقلب والنية، وبه يحصل حسن الخلق؛ لأن الدين هو الطاعات التي تصير عادة وديدنا وخلقا، قال تعالى ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم﴾ [القلم: ٤] . وفسره ابن عباس بالدين (^٢) .
_________________
(١) كلمة " هي " مكررة في " ف".
(٢) أخرجه ابن جرير في " تفسيره " (٢٩ / ١٢)، وابن المنذر وابن حاتم وابن مردويه. قاله السيوطي في " الدر المنثور " (٦ / ٢٥١) .
[ ١٠١ ]
١٦ - فصل (^١)
خرج البخاري ومسلم (^٢) من حديث:
_________________
(١) باب " الحياء من الإيمان ".
(٢) مسلم (٣٦) .
[ ١٠٢ ]
٢٣ - ابن عمر أن رسول الله ﷺ مر على رجل (^١) وهو يعظ أخاه في الحياء فقال (^٢): " دعه؛ فإن الحياء من الإيمان ".
هذا المعنى مروي عن النبي ﷺ من وجوه كثيرة، وقد سبق حديث أبي هريرة: " الحياء شعبة من الإيمان " (^٣) . والحياء نوعان:
أحدهما: غريزي، وهو خلق يمنحه الله العبد ويجبله عليه فيكفه عن ارتكاب القبائح والرزائل، ويحثه على فعل الجميل وهو من أعلى مواهب الله للعبد، فهذا من الإيمان باعتبار أنه يؤثر ما يؤثره الإيمان من فعل الجميل والكف عن القبيح، وربما ارتقى صاحبه بعده إلى درجة الإيمان ’ فهو وسيلة إليه كما قال عمر: من استحيى اختفى، ومن اختفى اتقى ومن اتقى وقي.
وقال بعض التابعين تركت الذنوب حياء أربعين سنة، ثم أدركني الورع.
_________________
(١) زاد في " اليونينية ": " من الأنصار ".
(٢) زاد في " اليونينية ": " رسول الله ﷺ.
(٣) حديث رقم (٩)، باب (٣) " أمور الدين ".
[ ١٠٢ ]
وقال ابن سمعون (^١): رأيت المعاصي نذالة؛ فتركتها مروءة فاستحالت ديانة (^٢) .
والنوع الثاني: أن يكون مكتسبا، إما من مقام الإيمان كحياء العبد من مقامه بين يدي الله يوم القيامة فيوجب له ذلك الاستعداد للقائه، أو من مقام الإحسان، كحياء العبد من اطلاع الله عليه وقربه منه، فهذا من أعلى خصال الإيمان.
وفي حديث مرسل: " استحيي من الله كما تستحيي من رجلين من صالحي عشيرتك لا يفارقانك "، وروى موصولا (^٣) . وسئل النبي ﷺ عن كشف العورة خاليا، فقال: " الله أحق أن يستحيي منه (^٤) . وفي حديث ابن مسعود المرفوع: " الاستحياء من الله: أن تحفظ (^٥) الرأس وما وعي والبطن وما حوى وأن تذكر (^٦) الموت والبلى، ومن أراد ترك
_________________
(١) هو محمد بن أحمد بن إسماعيل بن عنبس البغدادي وسمعون: وهو لقب جده إسماعيل. راجع " طبقات الحنابلة " (٢ / ١٥٥ - ١٦٢)،، " تاريخ بغداد " (١ / ٢٧٤ - ٢٧٧)، و" السير " (١٦ / ٥٠٥ - ٥١١) .
(٢) " طبقات الحنابلة " - ٢ / ١٥٦)، ذكر هذا القول.
(٣) أخرجه الطبراني في " الكبير " (٨ / ٢٢٩)، من طريق أبي عبد الملك علي بن يزيد الألهاني، عن القاسم، عن أبي أمامة مرفوعا. وقال ابن معين: علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة: هي ضعاف كلها. وانظر " جامع العلوم " (١ / ١٠٦) .
(٤) علقه البخاري في كتاب " الغسل " باب (٢٠) " من اغتسل عريانا وحده في الخلوة " قبل حديث (٢٧٨)، وأخرجه أبو داود (٤٠١٧) والترمذي (٢٧٩٤)، وأحمد (٥ / ٤) والحاكم في " مستدركه " (٤ / ١٧٩) .
(٥) في " ف " بنقط الفاء فقط، وما أثبتناه من الرواية.
(٦) في الرواية: " ولتذكر ".
[ ١٠٣ ]
الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيى من الله حق الحياء ". خرجه الترمذي وغيره (^١) . وخرج البخاري في " تفسيره " (^٢) عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْه﴾ [هود: ٥] أنها نزلت في قوم كانوا يجامعون نساءهم ويتخلون فيستحيون من الله فنزلت الآية.
وكان الصديق يقول: استحيوا من الله؛ فإني أذهب إلى الغائط فأظل متقنعا بثوبي حياء من ربي ﷿ (^٣) . وكان أبو موسى إذا اغتسل في بيت مظلم لا يقيم صلبه حياء من الله ﷿ (^٤) .
قال بعض السلف: خف الله على قدر قدرته عليك، واستحيي منه على قدر قربه منك. وقد يتولد الحياء من الله من مطالعة النعم فيستحيي العبد من الله أن يستعين بنعمته على معاصيه، فهذا كله من أعلى خصال الإيمان.
_________________
(١) الترمذي (٢٤٥٨)، وأحمد (١ / ٣٨٧) من طريق الصباح بن محمد، عن مرة الهمداني، عن ابن مسعود. والصباح ضعيف، واستنكروا عليه هذا الحديث، وصوبوا وقفه على ابن مسعود وانظر " جامع العلوم " (١ / ٢٨٨) .
(٢) (فتح: ٤٦٨١) .
(٣) " الزهد " لابن المبارك - ص: ١٠٧) وانظره في " علل الدارقطني " (١ / ١٨٦) .
(٤) أخرجه أحمد في " الزهد " (ص: ٢٤٧)، ومن طريقه أبو نعيم في " الحلية " (١ / ٢٦٠) .
[ ١٠٤ ]
فصل
قال البخاري:
[ ١٠٥ ]
١٢ - باب (^١)
من الدين الفرار من الفتن
_________________
(١) هذا الباب لم يأت في ترتيبه فجاء بين الباب (١٦) والباب (١٨) وعليه فيكون سقط من الترتيب والنسخة " ف ": الباب (١٧) وحديثه رقم (٢٥) .
[ ١٠٥ ]