تقدم الكلام على الكتاب وأنه في اللغة مأخوذ من الكتب وهو الضم، يقال: تكتبت بنو فلان إذا تجمعوا، ومنه قيل لجماعة الخيل كتيبة، وللكتابة بالقلم كتابة لاجتماع الحبر، والباب في اللغة: ما يتوصل به إلى المقصود، وفي الاصطلاح: ما افتتح به أحكام مندرجة تحت اسم خاص، وقد يدرج في الباب ما لا يصدق عليه اسم الترجمة لتعلقه بها (^١). والله أعلم.
قوله: الترغيب في العلم وطلبه وتعلمه، قد تظاهرت الآيات والأخبار والآثار وتواترت وتطابقت الدلائل الصريحة وتوافقت على فضيلة العلم والحث على تحصيله والاجتهاد في أسبابه وتعليمه، فأما الآيات: قال الله تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) (^٢)، وقال تعالى: (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) (^٣)، وقال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء) (^٤) وقال تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
_________________
(١) كفاية النبيه (١/ ١٠٦)، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام (١/ ٤١٩).
(٢) سورة الزمر، الآية: ٩.
(٣) سورة طه، الآية: ١١٤.
(٤) سورة فاطر، الآية: ٢٨.
[ ١ / ٦٢٤ ]
مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (^١)؛ وأما الأحاديث فسنذكر الأحاديث والآثار في ذلك أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر، فالعلم: معرفة المعلوم على ما هو عليه، فإذا قلت: عرفت زيدًا فالمراد: شخصه، وإذا قلت: علمت زيدًا، أردت العلم بأحواله من فضل ونقص، انتهى (^٢).
١٠٠ - عَن مُعَاوِيَة - ﵁ -: قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: "من يرد الله بِهِ خيرا يفقهه فِي الدِّين" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَابْن مَاجَه (^٣) وَرَوَاهُ أَبُو يعلى وَزَاد فِيهِ وَمن لم يفقهه لم يبال بِهِ (^٤). وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^٥) وَلَفظه سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول يَا أَيهَا النَّاس إِنَّمَا الْعلم بالتعلم وَالْفِقْه بالتفقه وَمن يرد الله بِهِ خيرا يفقهه فِي الدّين و(إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (^٦) وَفِي إِسْنَاده راو لم يسم.
_________________
(١) سورة المجادلة، الآية: ١١.
(٢) تفسير القرطبي (١/ ٤٣٩)
(٣) أخرجه البخاري (٧١) و(٣١١٦) و(٧٣١٢)، ومسلم (٩٨ - ١٠٣٧) و(١٠٠ - ١٠٣٧) و(١٧٥ - ١٠٣٧)، وابن ماجه (٢٢١).
(٤) أخرجه أبو يعلى (٧٣٨١)، والطبراني في الشاميين (٤٢٨). قال الهيثمى في المجمع ١/ ١٨٣: رواه أبو يعلى - وفي الصحيح منه: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" - وفيه الوليد بن محمد الموقري، وهو ضعيف. وضعفه الألباني جدا في الضعيفة (٦٧٠٨).
(٥) أخرجه الطبراني في الكبير (١٩/ ٣٩٥ رقم ٩٢٩) والشاميين (٧٥٨)، والبيهقي في المدخل (٣٥٢). قال الهيثمى في المجمع ١/ ١٢٨: رواه الطبراني في الكبير، وفيه رجل لم يسم، وعتبة بن أبي حكيم وثقه أبو حاتم، وأبو زرعة، وابن حبان، وضعفه جماعة. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٤٢)، وصحيح الترغيب (٦٧).
(٦) سورة فاطر، الآية: ٢٨.
[ ١ / ٦٢٥ ]
قوله: عن معاوية؛ هو: معاوية بن أبي سفيان، فيمن نزل الشام من الصحابة، وهو من الموصوفين بالدهاء والحلم، وذكروا أن عمر بن الخطاب لما دخل الشام ورأى معاوية قال: هذا كسرى العرب، ولما حضرته الوفاة أوصى أن يكفن في قميص كان رسول الله - ﷺ - كساه إياه، وأن يجعل مما يلي جسده، وكان عنده قلامة أظفار رسول الله - ﷺ - فأوصى أن تسحق وتجعل في عينيه وفمه، وقال: افعلوا ذلك بي وخلوا بيني وبين أرحم الراحمين (^١)، وقال ابن قتيبة في المعارف (^٢): لم يولد لمعاوية في خلافته ولد، وكان معاوية صاحبه (وصهره - ﷺ -) وكاتبه وأمينه على وحي الله تعالى (^٣)، وتقدم الكلام على مناقبه مبسوطًا، والله أعلم.
قوله - ﷺ -: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" الحديث، فيه: فضيلة العلم والفقه في الدين والحث عليه، وسببه: أنه قائد إلى الله تعالى (^٤).
وأقيم قوله - ﷺ -: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" مقتضاه: أن من لم يفقهه في الدين لا يراد به خيرًا، وكفى بذلك حسرة وشقاوة (^٥).
_________________
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٠١ - ١٠٢ الترجمة ٥٨٨).
(٢) المعارف (ص ٢٥٠).
(٣) تاريخ بغداد (١/ ٥٧٧).
(٤) انظر شرح النووي على مسلم (٧/ ١٢٨)، وفى الديباجة (جزء من رسالة علمية ص ١٤٥) قال: وسببه أنه قائد إلى التقوى والتقوى قائد إلى الجنة.
(٥) مفتاح دار السعادة (١/ ٦٠).
[ ١ / ٦٢٦ ]
وقوله: "من يرد الله به خيرًا" مشتق من الإرادة وهي عند الجمهور صفة مخصصة لأحد طرفي المقدور بالوقوع، وقيل: اعتقاد النفع أو الضر، وقيل: ميل يتبعه الاعتقاد، وهذا لا يصح في الإرادة القديمة، وقوله: "خيرًا" أي: منفعة وهي اللذة (^١)، فالمعنى: من يرد الله به جميع الخيرات (^٢)، و"يفقهه في الدين" أي: يفهمه، إذ الفقه الفهم، وفي بعض الروايات: "من يرد الله به خيرًا يفهمه في الدين "وكلاهما صحيح المعنى (^٣)، فأصل الفقه في اللغة: الفهم، والتفقه: أخذ الفقه شيئًا فشيئًا، وقيل: فهم الأشياء الدقيقة، وفي الاصطلاح: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية (^٤).
فالفقه: الفهم، كما تقدم والتبصر بكلام الله وكلام رسوله - ﷺ -، فرب سامع لم يفهم ورب سامع فهم، ورب فاهم وغيره أفهم منه، قيل: استفتى الحسن البصري في مسألة فأجاب، فقيل له: إن فقهاءنا لا يقولون مثل هذا فقال: وهل رأيت فقيها قط، الفقيه القائم ليله الصائم نهاره الزاهد في الدنيا الذي لا يداري ولا يماري، ينشر حكمة الله فإن قبلت منه حمد الله تعالى وإن ردت عليه حمد الله تعالى (^٥)، وفقه عن الله أمره ونهيه وعلم من صفاته ما يحبه ويكرهه، فذلك هو العالم الذي قيل فيه: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين"،
_________________
(١) الكواكب الدراري (٢/ ٣٧).
(٢) عمدة القارى (٢/ ٥١)، وإرشاد السارى (٥/ ٢٠٤).
(٣) مشارق الأنوار (٢/ ١٦٢).
(٤) النجم الوهاج (١/ ١٩١).
(٥) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٠).
[ ١ / ٦٢٧ ]
فإذا لم يكن بهذه الصفة فهو من المغرورين (^١)، انتهى، قاله في الديباجة.
قوله: في رواية أبي يعلى: "ومن لم يفقهه لم يبل به" معناه: أنه لا يبالي به، المراد به عدم الالتفات له (والقبول بنفي السبب وإرادة المسبب).
١٠١ - وَعَن عبد الله يَعْنِى ابْن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: "إِذا أَرَادَ الله بِعَبْد خيرا فقهه فِي الدّين وألهمه رشده" رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد لا بَأْس بِهِ (^٢).
قوله: عن عبد الله بن مسعود (^٣)، تقدم الكلام على مناقبه.
_________________
(١) الديباجة (ص ١٣٩ - ١٤٠)، والنجم الوهاج (٦/ ٢٨٢).
(٢) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد (٨٩١)، والبزار (١٧٠٠)، والطبراني في الكبير (١٠/ ١٩٧ رقم ١٠٤٤٥)، وابن عدى في الكامل (١/ ٤٠٠)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٠٧)، والبيهقي في القضاء والقدر (١٦٤) والمدخل (٣٥٤). قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى، عن عبد الله إلا من هذا الوجه، ولا نعلم رواه عن أبي بكر بن عياش إلا أحمد بن محمد بن أيوب. وقال أبو نعيم: غريب من حديث الأعمش. تفرد به عنه أبو بكر بن عياش، واختلف في اسمه، فقيل: اسمه كنيته، وقيل: اسمه شعبة. قال الهيثمى في المجمع ١/ ١٢١: رواه البزار والطبراني في الكبير، ورجاله موثقون. وقال الألباني في الضعيفة (٥٠٣٢) وضعيف الترغيب (٤٤): منكر بهذا التمام.
(٣) زاد في المخطوطة المغربية: عبد الله بن مسعود بن غافل بالغين المعجمة والفاء، الهذلي، حليف بني زهرة الكوفي، كنيته: أبو عبد الرحمن، وأمه: أم عبد بنت عبد ود، أسلمت وهاجرت، فهو صحابي بن صحابية، وكان كثير الولوج على رسول الله - ﷺ - والخدمة له، وكان من كبار الصحابة وساداتهم وفقهائهم ومقرئيهم في القرآن والفقه والفتاوي، وفي الحديث قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: "إذنك على أن ترفع الحجاب، وأن ترفع سوادي =
[ ١ / ٦٢٨ ]
قوله - ﷺ -: "إذا أراد به خيرًا فقهه في الدين وألهمه رشده" تقدم الكلام على معنى الخيرية في الحديث قبله، وقيل: فهم الأشياء الدقيقة، يقال: فقه الرجل بالكسر يفقه فقها إذا فهم وعلم، وفقه بالضم إذا صار عالمًا ويفقهه في الدين أي: يجعله فقيها عالما بالأحكام الشرعية ذا بصيرة فيه، فيصير قلبه ينبوع العلم يستخرج بفهمه المعاني الكثيرة من اللفظ الموجز (^١).
قال الإمام أبو عبد الله الحكيم الترمذي (^٢): الفقه هو انكشاف الغطاء عن الأمور، فإذا عبد الله بما أمر ونهى بعد أن فهمه وعدله وانكشف له الغطاء عن تدبيره فيما أمر ونهى فهي العبادة الخالصة، وذلك أن الذي يؤمر بالشيء زين ما أمر وشين ما نهى عنه عمل على بصيرة وعلى عليه أقوى ونفسه بها أسخى وحمد على ذلك وشكر، والذي يعمى عن ذلك فهو حامد القلب كسلان الجوارح، ثم إن الإنسان إذا أخذ حظًا وافرًا من الفقه ينبغي أن
_________________
(١) = حتى أنهاك "رواه مسلم، السواد بكسر السين المهملة وبالدال، واتفق العلماء على أن المراد به السرار بكسر السين وبالراء المكررة وهو السر والمساررة، يقال: ساودت الرجل مساودة إذا ساررته، وفيه (دليل) لجواز اعتماد العلامة في الإذن في الدخول، فإذا جعل الأمير والقاضي أو غيرهما رفع الستر الذي على بابه علامة في الإذن في الدخول عليه (اللناس عامة) أو لطائفة خاصة أو لشخص أو جعل علامة غير ذلك جاز (اعتمادها) والدخول إذا وجدت بغير استئذان، وكذا إذا جعل الرجل ذلك علامة بينه وبين خدمه (ومماليكه) وكبار أولاده وأهله فمتى أرخى حجابه لا يجوز (الدخول عليه إلا باستئذان فإذا رفعه جاز) جاز بلا استئذان، والله أعلم، قاله في الديباجة، وتقدم الكلام على ترجمته مبسوطًا. قلت: وهذا كله كلام النووي في شرح مسلم (١٤/ ١٥٠).
(٢) الميسر (١/ ٩٧).
(٣) نوادر الأصول (١/ ١٧١ - ١٧٢).
[ ١ / ٦٢٩ ]
لا يقتصر عليه ويكن ينظر في علم الزهد وفي كلام الحكماء وشمائل الصالحين، فإن الإنسان إذ تعلم الفقه ولم ينظر في الزهد والحكمة قسى قلبه وساء خلقه والقلب القاسي بعيد من الله تعالى، انتهى، قاله في شرح مشارق الأنوار. والمراد بقوله: "يفقهه في الدين" ما شرعه الله لعباده من الأحكام؛ والعباد: جمع عبد، وقيل المراد بالفقه: فهم الأشياء كما تقدم، قال ابن بطال (^١): التفهم للعلم هو الفقه فيه، ولا يتم العلم إلا بالتفهيم ولذلك قال علي - ﵁ -: والله ما عندنا إلا كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مؤمن، فجعل الفهم درجة أخرى بعد حفظ كتاب الله تعالى، لأن بالفهم له تتبين معانيه وأحكامه، وقد نفى ﵊ العلم عمن لا فهم له فقال: "رب حامل فقه لا فقه له"، وقال مالك: ليس العلم بكثرة الرواية وإنما هو نور يضعه الله في القلوب يدرك فهم المعاني، فمن أراد الفهم فليحضر خاطره ويفرغ ذهنه وينظر إلى بساط الكلام ومخرج الخطاب ويتدبر اتصاله بما قبله وانفصاله منه، ثم يسأل ربه ﵎ أن يلهمه إلى إصابة المعنى، ولا يتم ذلك إلا لمن علم كلام العرب ووقف على أغراضها في تخاطبها وله عودة قريحة وثاقب ذهن، ألا ترى أن ابن عمر - ﵁ - فهم من بساط الحديث ونفس القصة أن الشجرة هي النخلة لسؤاله - ﷺ - لهم عنها حين أتى الجمار وقوي ذلك عنده بقوله ﷿: ﴿ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة﴾ قال: هي النخلة، شبهها الله تعالى بالمؤمن، انتهى.
_________________
(١) شرح الصحيح (١/ ١٥٧).
[ ١ / ٦٣٠ ]
١٠٢ - وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ - أفضل الْعِبَادَة الْفِقْه وَأفضل الدّين الْوَرع رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي معاجيمه الثَّلَاثَة وَفِي إِسْنَاده مُحَمَّد بن أبي ليلى (^١).
قوله: عن ابن عمر، تقدم الكلام على ابن عمر مبسوطا في أول هذا التعليق.
قوله - ﷺ -: "أفضل العبادة الفقه"، الفقه: التوصل إلى علم غائب بعلم حاضر، أي: يجعله عالما بالأحكام الشرعية فقيها ذا بصيرة فيبصر قلبه ينبوع الحكمة (^٢)، قال الشافعي: الْعِلمُ زَيْنٌ وَتَشْرِيفٌ لِصَاحِبِهِ (^٣).
قوله: "وأفضل الدين الورع"، تقدم الكلام على الدين في الحديث قبله، والورع في الأصل: الكف عن المحارم والتحرج منه، يقال: ورع الرجل يرع بالكسر فيهما ورعا ورعة فهو ورع، وورع من كذا ثم استعير للكف عن
_________________
(١) أخرجه الحكيم الترمذى في نوادر الأصول (١١١) و(١٤٠٦)، والطبراني في الصغير (٢/ ٢٥١ رقم ١١١٤) والأوسط (٩/ ١٤٠٧ رقم ٩٢٦٤) والكبير (١٣/ ٧٣ رقم ١٣٧٠٦) و(١٣/ ٢٠٥ رقم ١٣٩٢٢)، والقضاعى في مسند الشهاب (١٢٩٠)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (١/ ١١٣ - ١١٤ رقم ٧١ و٧٢). وقال الطبراني في الأوسط: "لم يرو هذا الحديث عن الشعبي إلا ابن أبي ليلى، ولا عن ابن أبي ليلى إلا خالد؛ تفرد به سليمان". قال الهيثمى في المجمع ١/ ١٢٠: رواه الطبراني في الثلاثة، وفيه محمد بن أبي ليلى، ضعفوه لسوء حفظه. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٤٥).
(٢) الميسر (١/ ٩٧).
(٣) هو صدر من بيت ينسب لأبى الأسود الدؤلى عجزه: * فَاطْلُبْ - هُدِيتَ - فُنُونَ الْعِلْمِ وَالأدباء، انظر: المجموع شرح المهذب (١/ ٢٢)، الفقيه والمتفقه (١/ ١٨٧).
[ ١ / ٦٣١ ]
المباح والحلال، قاله في النهاية (^١)، وسيأتي الكلام على الورع في باب منفرد يبسط في الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى.
قوله: في إسناده محمد بن أبي ليلى، وأما ابن أبي ليلى الفقيه المكرر في كتب الفقه الذي له مذهب معروف فاسمه: محمد بن عبد الرحمن الأنصاري القاضي الكوفي، يروي عن شعبة وغيره وخلق، سيء الحفظ، وتوفي سنة ثمان وأربعين ومائة، روي له الأربعة (^٢).
وأما: عبد الرحمن بن أبي ليلى فهو من أجلّ التابعين، قال عبد الرحمن بن الحارث: ما شعرت أن النساء ولدت مثله، قال عبد الملك بن عمير: رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى. في حلقه فيها نفر من أصحاب النبي - ﷺ - يستمعون لحديثه وينصتون له فيهم البراء بن عازب، مات سنة ثلاث وثمانين، واسم أبي ليلى: يسار، وقيل: بلال، وقيل: داود، وقيل: لا يعرف اسمه، وأبو ليلى صحابي، قتل مع علي بصفين، وعبد الرحمن ثقة إمام، ذكره العقيلي في كتابه لأنه كان يصحب الأمراء مع أنه كان يقول: أدركت عشرين ومائة من أصحاب النبي - ﷺ - كلهم من الأنصار إذا سئل عن شيء أحدهم أحب أن يكتبه صاحبه، وقال ابن سيرين: جلست إلى ابن أبي ليلى وأصحابه يعظمونه كأنه أمير (^٣).
_________________
(١) النهاية (٥/ ١٧٤).
(٢) تهذيب الكمال (٢٥/ الترجمة ٥٤٠٦)، وتذهيب تهذيب الكمال (٨/ الترجمة ٦١٣٨).
(٣) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٠٣ - ٣٠٤ الترجمة ٣٦١).
[ ١ / ٦٣٢ ]
١٠٣ - وَعَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - فضل الْعلم خير من فضل الْعِبَادَة وَخير دينكُمْ الْوَرع رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأوْسَط وَالْبَزَّار بِإِسْنَاد حسن (^١).
قوله: عن حذيفة بن اليماني، تقدم.
قوله - ﷺ -: "فضل العلم خير من فضل العبادة، وخير دينكم الورع"، يريد ﵊ أن العالم وإن كان فيه تقصير في عبادته أفضل من جاهل مجتهد في العبادة لأن العالم يعرف ما يأتي به وما يجتنب، والعابد الجاهل
_________________
(١) أخرجه البزار (٢٩٦٩)، والطبراني في الأوسط (٤/ ١٩٦ - ١٩٧ رقم ٣٩٦٠)، وابن عدى في الكامل (٦/ ٥٤٠)، والحاكم (١/ ٩٢)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٢١١ - ٢١٢)، والبيهقي في المدخل (٤٥٥). قال البزار: وهذا الكلام لا نعلمه يروى عن النبي - ﷺ - إلا من هذا الوجه، وإنما يعرف هذا الكلام من كلام مطرف، ولا نعلم رواه، عن الأعمش إلا عبد الله بن عبد القدوس، ولم نسمعه إلا من عباد بن يعقوب. قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن الأعمش إلا عبد الله بن عبد القدوس. قال ابن عدى: وهذا لا أعرفه إلا من حديث عبد الله بن عبد القدوس عن الأعمش، وعبد الله بن عبد القدوس له غير ما ذكرت من الحديث، وعامة ما يرويه في فضائل أهل البيت. قال أبو نعيم: لم يروه متصلا عن الأعمش، إلا عبد الله بن عبد القدوس ورواه جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن مطرف، عن النبي - ﷺ - من دون حذيفة ورواه قتادة وحميد بن هلال، عن مطرف من قوله. قال البيهقي: هذا الحديث يروى مرفوعا بأسانيد ضعيفة وهو صحيح من قول مطرف بن عبد الله بن الشخير. وقال الهيثمى في المجمع ١/ ١٢٠: رواه الطبراني في الأوسط والبزار، وفيه عبد الله بن عبد القدوس، وثقه البخاري وابن حبان، وضعفه ابن معين وجماعة. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٦٨) و(١٧٤٠).
[ ١ / ٦٣٣ ]
منهوك فربما أتى بالشيء وهو يظن أنه صواب وهو خطأ، وتقدم الكلام على الورع في الحديث قبله.
١٠٤ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ عَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ قَلِيل الْعلم خير من كثير الْعِبَادَة وَكفى بِالْمَرْءِ فقها إِذا عبد الله وَكفى بِالْمَرْءِ جهلا إِذا أعجب بِرَأْيهِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط (^١) وَفِي إِسْنَاده إِسْحَاق بن أسيد وَفِيه تَوْثيق لين وَرفع هَذَا الحَدِيث غَرِيب قَالَ الْبَيْهَقِيّ ورويناه صَحِيحا من قَول مطرف بن عبد الله بن الشخير ثمَّ ذكره وَالله أعلم.
قوله: عن عبد الله بن عمرو، يعني: ابن العاص، تقدم.
قوله - ﷺ -: "قليل العلم خير من كثير العبادة" الحديث، اعلم: أن العلم أنواع، وكل ذلك بحمد الله تعالى حسنٌ، وليس كالفقه، وينبغي أن يكون تعلم الفقه أهم إليه من غيره، لأن من تعلم الفقه تيسر عليه سائر العلوم، والفقه هو قوام الدين، ففرض على كل إنسان أن يتعلم قدر ما يحتاج إليه لأمر دينه مما لابد له منه من أحكام الوضوء والصلاة وسائر شرائع الإسلام
_________________
(١) أخرجه الدولابى في الكنى (١٤٨٨)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٣٠١ - ٣٠٢ رقم ٨٦٩٨) والكبير (٣١/ ٦١٩ - ٦٢٠ رقم ١٤٥٤١) ومسند الشاميين (٢٠٩٨)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ١٧٣ - ١٧٤)، والبيهقي في المدخل (٤٥٣) وابن عبد البر في جامع بيان العلم (٩٥)، والخطيب في الموضح (١/ ٤٢٥ - ٤٢١)، وفي الفقيه والمتفقه (٩٠). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن رجاء بن حيوة إلا إسحاق أبو عبد الرحمن، تفرد به: الليث. وقال الهيثمى ١/ ١٢٠: رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وفيه إسحاق بن أسيد، قال أبو حاتم: لا يشتغل به. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٤٦).
[ ١ / ٦٣٤ ]
ولأمور معاشه وما وراء ذلك ليس بفرض خاص، فإن تعلم الزيادة فهو أفضل وإن ترك فلا إثم عليه، انتهى، قاله أبو الليث السمرقندي (^١).
قوله: "وكفى بالمرء فقها إذا عبد الله"، تقدم الكلام على الفقه في الأحاديث قبله.
قوله: وفي إسناده إسحاق بن أسيد، هو: إسحاق بن أسيد (الخراساني: نزيل مصر قال أبو حاتم لا يشتغل به ومشاه غيره).
قوله: قال البيهقي: ورويناه من قول مطرف بن عبد الله بن الشخير، بكسر الشين وتشديد الخاء المعجمتين، الحرشي بفتح الحاء المهملة والراء وشين معجمة، العامري أبو عبد الله البصري، أخو يزيد وهانئ، وكان من سادات التابعين، وكان ثقة، له فضل وورع وأدب، وكان بينه وبين رجل كلام فكذب عليه، وقال: اللهم إن كان كاذبا فأمته فخر مكانه ميتا فرفع ذلك إلى زياد، فقال: قتلت الرجل؟ فقال: لا، ولكن دعوة وافقمت أجلًا، وكان - ﵁ - يلبس المطارف والبرانس ويركب الخيل ويغشى السلطان، وهو مع ذلك قرة عين، مات سنة خمس وتسعين، وله كرامات، وربما (أضاء) سوطه وغيره، ورأى الأموات يقظة على قبورهم، وكلم بعضهم، ومناقبه كثيرة مذكور في الحلية وطبقات ابن سعد (^٢)، انتهى.
_________________
(١) بستان العارفين (ص ٣١٢).
(٢) طبقات ابن سعد (٧/ ١٤١ - ١٤٦)، وحلية الأولياء (٢/ ١٩٨ - ٢١١).
[ ١ / ٦٣٥ ]