٣٣٧ - عَن أبي أَيُّوب يَعْنِي الْأنْصَارِيّ - ﵁ - قَالَ خرج علينا رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ حبذا المتخللون من أمتِي قَالَ وَمَا المتخللون يَا رَسُول الله قَالَ المتخللون فِي الْوضُوء والمتخللون من الطَّعَام، أما تَخْلِيل الْوضُوء فالمضمضة وَالِاسْتِنْشَاق وَبَين الْأصَابع وَأما تَخْلِيل الطَّعَام فَمن الطَّعَام إِنَّه لَيْسَ شَيْء أَشد على الْملكَيْنِ من أَن يريَا بَين أَسْنَان صَاحبهمَا طَعَاما وَهُوَ قَائِم يُصَلِّي، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَرَوَاهُ أَيْضا هُوَ وَالْإِمَام أَحْمد كِلَاهُمَا مُخْتَصرا عَن أبي أَيُّوب وَعَطَاء قَالَا قَالَ رَسُول الله - ﷺ - حبذا المتخللون من أمتِي فِي الْوضُوء وَالطَّعَام (^١) وَرَوَاهُ فِي الْأَوْسَط من حَدِيث أنس (^٢) ومدار
_________________
(١) أخرجه أحمد ٥/ ٤١٦ (٢٣٥٢٧) وعبد بن حميد (٢١٧)، والطبراني في الكبير (٤/ ١٧٧ رقم ٤٠٦١ و٤٠٦٢)، وابن عدي في الكامل (٨/ ٣٧١)، وأبو نعيم في الطب (٣٣٠ و٣٣٢). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٣٥: وفي إسنادهما واصل الرقاشي، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في الإرواء (١٩٧٥)، وضعيف الترغيب (١٥١). وحسن الألباني شطره الأول فقط وهو قوله: حَبَّذا المُتَخَلِّلُون من أمَّتي صحيح الترغيب (٢١٦).
(٢) أخرجه أبو يعلى في المعجم (٥٩)، والطبراني في الأوسط (٢/ ١٥٩ رقم ١٥٧٣)، والقضاعى في مسند الشهاب (١٣٣٣)، والخطيب في المتفق والمفترق (٣/ ١٨٩١ رقم ١٤٩٠). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن رقبة إلا محمد، ولا عن محمد إلا عفيف. تفرد به: محمد. قال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٣٥: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه =
[ ٢ / ٤٧٥ ]
طرقه كلهَا على وَاصل بن عبد الرَّحْمَن الرقاشِي وَقد وَثَّقَهُ شُعْبَة وَغَيره.
قوله: عن أبي أيوب، تقدم الكلام على مناقبه.
قوله - ﷺ -: "حبذا المتخللون من أمتي" قالوا: وما المتخللون يا رسول الله؟
قال: "المتخللون في الوضوء والمتخللون من الطعام" الحديث، وفي حديث آخر "رحم الله المتخللين من أمتي في الوضوء والطعام" قاله في النهاية (^١): فرحم الله كلمة دعاء، وحبذا فعل مدح، فالمتخللون دعا لهم رسول الله - ﷺ - ومدحهم، وحبذا مثل نعم ولذلك قال ابن مالك في ألفية:
ومثل نعم حبذا الفاعل ذا وإن تردد ما فقل لا حبذا
وروى الترمذي عن ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا توضأت فخلل من أصابع يديك ورجلك" وقال: حديث حسن غريب (^٢)، الحديث الغريب: البعيد عن الصحة، قال أبو داود ولا يحتج بحديث غريب ولو رواه مالك بن أنس ويحيى القطان وغيرهما من الثقات (^٣)، وعن أبي عبد الرحمن الحبلي، واسمه عبد الله بن يزيد المصري ثقة توفي بأفريقية سنة مائة، وكان صالحا
_________________
(١) = محمد بن أبي حفص الأنصاري، لم أجد من ترجمه. وضعفه الألباني بتمامه في ضعيف الترغيب (١٥٢). وحسنه الألباني في الصحيحة (٢٥٦٧) وصحيح الترغيب (٢١٧) شطره الأول فقط.
(٢) النهاية (٢/ ٧٣).
(٣) أخرجه الترمذى (٣٩)، والحاكم (١/ ١٨٢). وقال الترمذى: هذا حديث حسن غريب. وحسنه الألباني في المشكاة (٤٠٦).
(٤) الرسالة (ص ٢٩).
[ ٢ / ٤٧٦ ]
روى له البخاري في الأدب والباقون عن المستورد بن شداد قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضأ فخلل بين أصابع رجليه بالخنصر، رواه أحمد وأبو داود والترمذي (^١)، وقال القاضي أبو بكر بن العربي: الصحيح أنه عام في كل أصبع في الوضوء إلا أنه واجب في اليدين، واختلف في الرجلين فقال به أحمد وإسحاق، وقال مالك في المدونة لا يلزم ذلك لأنها متلاصقة يشق إيصال الماء إليها، والحديث محمول على الاستحباب، وإنما يجب عنده في غسل الجنابة (^٢)، وهذا الذي قاله عكس مذهب الشافعي فيما إذا لم يصل الماء إلا بالتخليل فإنه واجب قطعًا (^٣)، وكيفية التخليل في الرجلين أن يدخل خنصر يده اليسرى من أسافل الأصابع يبدأ بخنصر رجله اليمنى ويختم بخنصر اليسرى، وقيل: يخلل بين كل إصبعين من رجليه بأصبع من يديه ليكون بماء جديد، والأول هو المصحح إذا خلل أصابع اليدين، قال الرافعي: الذي يقرب من الفهم أن يشبك بينهما (^٤)، قاله في مختصر الكفاية، ولذلك قال الشيخ بدر الدين الزركشي: وينبغي أن يخلل باليد اليسرى لإزالة مستقذر، انتهى، قال إمام الحرمين: اليمنى واليسرى في ذلك سواء، واختار
_________________
(١) أخرجه أحمد ٤/ ٢٢٩ (١٨٠١٠) و(١٨٠١٦)، وابن ماجه (٤٤٦)، وأبو داود (١٤٨)، والترمذى (٤٠). وقال الترمذى: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة. وصححه الألباني في صحيح أبي داود (١٣٥)، المشكاة (٤٠٧)، الروض النضير (٤٧٥).
(٢) عارضة الأحوذى (٣/ ٧).
(٣) انظر: العزيز شرح الوجيز (١/ ١٣٠)، والمجموع (١/ ٤٢٥).
(٤) انظر: المجموع (١/ ٤٢٥)، وكفاية النبيه (١/ ٣٠٩ - ٣١٠)، وكفاية الأخيار (ص ٢٩).
[ ٢ / ٤٧٧ ]
النووي هذا، وقال: إنه الراجح دليلا، وإنما يستحب التخليل إذا وصل الماء إليها لا بالتخليل فإن لم يصل إلا به وجب، ويستحب التخليل كما ورد في حديت عثمان (^١)، والله أعلم.
تنبيه: لو كانت أصابع يديه أو رجليه ملتصقة كأرجل الأوز حرم شقها ليصل الماء إليها وإن كانت ملتفة لا يصل الماء إلى باطنها إلا بالتخليل وجب تخليلها، ومذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد كذلك (^٢).
فرع: يستحب تخليل اللحية بالأصابع، وذكر السرخسي في الأمالي أنه يخللها من أسفلها بماء جديد، ويدل قول أنس أن النبي - ﷺ - كان إذا توضأ أخذ كفا من ماء فيدخله تحت حنكه فخلل به لحيته، وقال: "هكذا أمرني ربي" رواه أبو داود ولم يضعفه، فيكون صحيحا أو حسنا، ولم يذكر الجمهور كيفية التخليل (^٣)، ونقل الرافعي عن بعضهم وجوب التخليل (^٤)، قال في الروضة (^٥): ومراد قائله وجوب إيصال الماء إلى المنبت، فأما غسل ظاهر اللحية الكثيفة فواجب بلا خلاف، ولا يجب غسل باطنها ولا البشرة تحتها عند الجمهور من الصحابة والتابعين وغيرهم، وحكى الرافعي قولا
_________________
(١) المجموع (١/ ٤٢٤ - ٤٢٥).
(٢) التهذيب (١/ ٢٦٩)، والبيان (١/ ١٣٣)، والمجموع (١/ ٤٢٤) والروضة (١/ ٦٢).
(٣) المجموع (١/ ٣٧٦).
(٤) قاله المزنى كما في العزيز شرح الوجيز (١/ ١٢٧).
(٥) الروضة (١/ ٦٠).
[ ٢ / ٤٧٨ ]
أنه يجب (^١) قاله في الديباجة.
فائدة: وأما تخليل الأسنان فمستحب قال الفقيه أبو الليث السمرقندي إذا تخلل الإنسان فأخرج من بين أسنانه طعاما فإن ابتلعه جاز وإن ألقاه جاز، وقد جاء في الأثر الإباحة في الوجهين وهو ما روى أبو هريرة عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "من أكل طعاما فليتلفظ وما لاك بلسانه فليبتلع فمن ألقاه فقد أحسن ومن لاك فلا حرج عليه" ويستحب إذا أراد أكل اللحم أن يأكل قبله لقمة أو لقمتين من الخبز يسد الخلال، ويكره الخلال باليابس والريحان وخشب الرمان، ويستحب أن يكون الخلال من الخلاق الأسود، انتهى، قاله في كتابه بستان العارفين (^٢).
قوله: رواه الطبراني في الأوسط من حديث أنس، ومدار طرقه كلها على واصل بن عبد الرحمن الرقاشي، وقد وثقه شعبة، وهو شعبة هو بضم الشين غير منصرف الإمام أمير المؤمنين في الرواية والعلماء مجمعون على إمامته في الحديث وجلالته وإتقانه وعرفانه وورعه، قال الإمام الشافعي لولا شعبة ما حدث الحديث بالعراق، وقال الإمام أحمد: كان شعبة أمة وحده في هذا الشأن يعلم الحديث وأحوال الرواة، وقال الثوري: شعبة أمير المؤمنين في الحديث، وقيل: جف جلده على عظمه ليس بينهما لحم من كثرة عبادة الله تعالى، وكان ألثغ، قال الحافظ أبو نعيم: كان شعبة من أرق الناس قلبا يمر به السائل فيدخل
_________________
(١) المجموع (١/ ٣٧٤).
(٢) بستان العارفين (ص ٣٤٨).
[ ٢ / ٤٧٩ ]
بيته ويعطيه ما يكفيه، وكان كثير الصلاة والصيام، سخي النفس كان إذا حك جسمه انتثر منه التراب، وركب شعبة مرة حمارا له فلقيه سليمان بن المغيرة فشكا إليه الحاجة فقال له شعبة: والله ما أملك إلا هذا الحمار ثم نزل عنه ودفعه إليه، وكان قيمة حماره وسرجه ولجامه سبعة عشر درهما، أدرك شعبة الحسن وابن سيرين، وسمع قتادة ويونس وأيوب وخلق كثير من التابعين وتوفي بالبصرة سنة ستين ومائة وهو ابن سبع وسبعين سنة وكان شعبة مدنيا ثم انتقل إلى البصرة فاستوطنها وهو من تابعي التابعين وروى عنه الأعمش وأيوب السختياني والثوري وابن مهدي ووكيع وابن المبارك وخلائق لا يحصون من كبار الأئمة وقال أحمد بن حنبل لم يكن في زمن شعبة مثله في الحديث ولا أحسن حديثا منه قاله في مجمع الأحباب، وقال أبو بسطام ابن الحجاج بن الورد العتكي الأزدي مولاهم الواسطي ثم البصري من أئمة التابعين وساداتهم ومن أعلام المحدثين وكبار المحققين (^١).
٣٣٨ - وَعَن عبد الله يَعْنِي ابْن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - تخللوا فَإِنَّهُ نظافة والنظافة تَدْعُو إِلَى الْإِيمَان وَالْإِيمَان مَعَ صَاحبه فِي الْجنَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط هَكَذَا مَرْفُوعا وَوَقفه فِي الْكَبِير على ابْن مَسْعُود بِإِسْنَاد حسن وَهُوَ الْأشْبَه (^٢).
_________________
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٤٤ - ٢٤٦ الترجمة ٢٥٣).
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ٢١٥ رقم ٧٣١١)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ٢٢٤)، والخطيب في تلخيص المتشابه (١/ ٢٢٣ - ٢٢٤). وقال الطبراني: لم يرو هذا =
[ ٢ / ٤٨٠ ]
قوله: عن عبد الله بن مسعود تقدم.
قوله - ﷺ -: "تخللوا فإنه نظافة والنظافة تدعو إلى الإيمان والإيمان مع صاحبه في الجنة" الحديث، وفي النهاية "إن الله ﵎ نظيف يحب النظافة" الحديث، النظافة في حق الله تعالى كناية عن تنزيهه عن سمات الحدث وتعاليه في ذاته عن كل نقص وحبه النظافة من غيره كناية عن خلوص العقيدة ودفع الشرك ومجانبة الأهواء ثم نظافة القلب عن الغل والحقد والحسد وأمثالها ثم نظافة المطعم والملبس عن الحرام والشبه ثم نظافة الظاهر لملابسة العبادات (^١)، وفي حديث رواه أبو نعيم قال قال رسول الله - ﷺ - "أنقوا أفواهكم بالخلال فإنها مجلس الملكين الحافظين الكاتبين وأن مدادهما الذكر وقلمهما اللسان وليس شيء أشد عليهما من فضل الطعام في الفم" (^٢) وفي نسخة "من بقايا الطعام بين الأسنان" ولا بأس بالخلال قبل السواك وبعده ولأن الخلال تبلغ ما لا يبلغه السواك مما بين الأسنان المغير للفم فكان أهم من السواك وإذا قلع شيئا من الطعام الذي بين أسنانه بالخلال
_________________
(١) = الحديث عن مغيرة إلا شريك، ولا عن شريك إلا إبراهيم بن حيان، تفرد به: النضر بن هشام. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٣٦: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه إبراهيم بن حيان، قال ابن عدي أحاديثه موضوعة. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٥٢٧٧) وضعيف الترغيب (١٥٣).
(٢) النهاية (٥/ ٧٨ - ٧٩).
(٣) أخرجه أبو الشيخ في طبقات الأصبهانيين (٢/ ٢٥٣)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ٢٣٤). وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٣٢٦٥).
[ ٢ / ٤٨١ ]
كره ابتلاعه بل يطرحه فإن قلعه بلسانه أكله ولم يكره نص عليه الشافعي ﵀، قال في الإحياء: وهو مروي عن أهل البيت (^١)، قاله في مختصر الكفاية.
٣٣٩ - وَرُوِيَ عَن وَاثِلَة - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من لم يخلل أَصَابِعه بِالْمَاءِ خللها الله بالنَّار يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^٢).
قوله: عن واثلة هو بن أسقع بن [بن عبد العزى بن عبد ياليل الكناني الليثي تقدمت ترجمته].
قوله - ﷺ -: "من لم يخلل أصابعه بالماء خللها الله بالنار" تقدم الكلام على تخليل الأصابع في حديث أبي أيوب وغيره.
٣٤٠ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لتنتهكن الْأصَابع بالطهور أَو لتنتهكنها النَّار رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط مَرْفُوعا وَوَقفه فِي الْكَبِير على ابْن مَسْعُود بِإِسْنَاد (^٣) وَالله أعلم.
_________________
(١) آداب الأكل (ص ٤٨).
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٦٤ رقم ١٥٦) والشاميين (١٥٠٩) و(٣٣٨١) و(٣٤٠٥). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٣٦: رواه الطبراني في الكبير، وفيه العلاء بن كثير الليثي، وهو مجمع على ضعفه. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٦٥٥) وضعيف الترغيب (١٥٤).
(٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٣/ ١٢٢ رقم ٢٦٧٤) مرفوعا، والكبير (٩/ ٢٤٦ رقم ٩٢١٢). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أبي عوانة إلا شيبان، وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٣٦: رواه الطبراني في الأوسط، ووقفه في الكبير على ابن مسعود، وإسناده حسن. وقال الألباني: حسن صحيح الصحيحة (٣٤٨٩) وصحيح الترغيب (٢١٨).
[ ٢ / ٤٨٢ ]
٣٤١ - وَفِي رِوَايَة لَهُ فِي الْكَبِير مَوْقُوفَة قَالَ خللوا الأصَابع الْخمس لَا يحشوها الله نَارا (^١).
قَوْله: لتنتهكن أَي لتبالغن فِي غسلهَا أَو لتبالغن النَّار فِي إحراقها والنهك الْمُبَالغَة فِي كل شَيْء.
قوله: عن عبد الله بن مسعود تقدم.
قوله - ﷺ -: "لتنتهكن الأصابع بالطهور أو لتنتهكنها النار" الحديث، أي لتبالغن في غسلها أو لتبالغن النار في إحراقها والنهك المبالغة في كل شيء قاله الحافظ.
٣٤٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - رأى رجلا لم يغسل عَقِبَيْهِ فَقَالَ ويل لِلْأَعْقَابِ من النَّار (^٢).
قوله: عن أبي هريرة تقدم.
قوله: إن النبي - ﷺ - رأى رجلا لم يغسل عقبيه فقال ويل للأعقاب من النار" الحديث، ويل كلمة شتم ودعاء بالهلكة (^٣) يقال لكل واقع في هلكة، والويل الحزن، والهلاك والمشقة وكل من وقع في هلكة دعا بالويل (^٤)، وقيل
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ٢٤٧ رقم ٩٢١٣). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٣٦: رواه الطبراني في الكبير، وفيه راو لم يسم، وبقية رجاله ثقات. وصححه اللبانى في صحيح الترغيب (٢١٨).
(٢) أخرجه مسلم (٢٨ - ٢٤٢)، والبيهقى في الكبرى (١/ ١١٣ - ١١٤ رقم ٣٢٣).
(٣) الفائق (٤/ ٨٥).
(٤) النهاية (٥/ ٢٣٦).
[ ٢ / ٤٨٣ ]
هي كلمة زجر يخاطب بها كل واقع في هلكة أو عذاب (^١) ومعنى ويل لهم هلكة وخيبة (^٢)، وقيل ويل اسم واد في جهنم لو أرسلت فيه جبال الدنيا لماعت من شدة حره قاله ابن مسعود وعطاء قاله القرطبي (^٣)، وحكى صاحب الإكمال في ويل ستة أقوال؛ قيل هي كلمة تقال لمن وقع في الهلاك، وقيل كلمة تقال لمن استحق الهلاك وقيل هو الهلاك نفسه وقيل شدة العذاب وقيل الحزن وقيل واد في جهنم (^٤)، ولعل هذا الأخير هو المراد هنا فحمله من العارفين أن ذلك الويل هو ما يصيبه من نار جهنم انتهى.
قوله: الأعقاب جمع العقب بكسر القاف وهو مؤخر القدم وعقب الشيء آخره (^٥) وخص العقب بالعذاب لأنه العضو الذي لم يغسل وقيل أراد صاحب العقب على حذف المضاف (^٦) وفي هذا الحديث حجة لأهل السنة أن المعذب الأجساد الدنيوية لأنه - ﷺ - قال ويل للأعقاب من النار ولا خلاف في اندراج السبب في العموم الواردة عليه فإنما النزاع فيها سوى السبب فأثبت الوعيد لتلك
_________________
(١) شرح النووى على مسلم (١٨/ ٤٠).
(٢) العدة (١/ ٥٨).
(٣) المفهم (٣/ ١٢٢).
(٤) إكمال المعلم (٢/ ٣٥).
(٥) تهذيب اللغة (١/ ١٨١)، وإكمال المعلم (٢/ ٣٥)، ومشارق الأنوار (٢/ ٩٩)، والاقتضاب (١/ ٤٦).
(٦) مشارق الأنوار (٢/ ٩٩)، وإكمال المعلم (٢/ ٣٤)، والاقتضاب (١/ ٤٦)، والعدة (١/ ٥٨).
[ ٢ / ٤٨٤ ]
الأعقاب المرتبة لذلك فلو كان المعذب غيرها لكان إبطالا لما دل عليه الحديث بنصه وفيه دليل لمن يقول التعذيب على الصغائر لأن ترك بعض العضو غير مغسول ليس من الكبائر (^١) باختلاف الآية في فرض الرجلين فهذا محمد بن جرير الطبري وهو سني يقول بالتخيير ومعلوم إنه إذا مسح لا يستوعب العضو وما كان في مقام الاجتهاد وجواز التقليد فيه لا يصل إلى رتبة الكبائر اللهم إلا أن يصر عليه فيصير كبيرة كما جاء مبينا في السنة انتهى قاله في الديباجة.
وقال محيي السنة: معناه ويل لأصحاب الأعقاب المقصرين في غسلها من العقوبة بالنار وإنما قال ذلك لأنهم كانوا لا يستقصون غسل أرجلهم في الوضوء (^٢).
قال محيي السنة: وفيه دليل على وجوب غسل الرجلين في الوضوء وبيان دلالته على وجوب غسل الرجلين الآية وهو قوله تعالى ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (^٣) فالغسل لنا على قراءة النصب فظاهر، وأما على قراءة الجر وإن كان ظاهرها يقتضي وجوب المسح لكن لا يمكن حملها عليه لأنه لم يرد من فعل النبي - ﷺ - والصحابة إلا الغسل فتعين، ويجاب عن الآية بأن العطف فيها على الجواب وهو جائز وذهب محمد بن جرير الطبري إلى التمييز بين الغسل والمسح جمعًا بين القراءتين، وهذا
_________________
(١) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (١/ ٢٤١).
(٢) شرح السنة (١/ ٤٢٩).
(٣) سورة المائدة، ٦.
[ ٢ / ٤٨٥ ]
المذكور ليس هو محمد بن جرير الإمام إنما هو رجل من الشيعة موافق له في الاسم والنسبة وبه قال بعض أهل الظاهر يجب الجمع بين المسح والغسل ويرد ذلك إجماع من يعتد به (^١) وأن النبي - ﷺ - رأى قوما يتوضئون وأعقابهم تلوح فقال "ويل للأعقاب من النار" رواه الشيخان (^٢)، وفي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب، أن رجلًا توضأ فترك موضع ظفر على قدمه فأبصره النبي - ﷺ - فقال: "ارجع فأحسن وضوءك" (^٣)، فهذا دليل على وجوب الغسل خلافا لمن يقول بالمسح وفي مسند أبي داود وغيره أن رجلًا أتى النبي - ﷺ -، فقال: "يا رسول الله كيف الطهور فدعا بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثًا" فذكر الحديث إلى أن قال: ثم غسل رجليه ثلاثًا ثلاثًا"، ثم قال: "هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم" (^٤) وتقدم هذا.
٣٤٣ - وَفِي رِوَايَة أَن أَبَا هُرَيْرَة رأى قومًا يتوضؤون من المطهرة فَقَالَ أَسْبغُوا الْوضُوء فَإِنِّي سَمِعت أَبَا الْقَاسِم - ﷺ - قَالَ ويل لِلْأَعْقَابِ من النَّار أَو ويل لِلْعَرَاقِيبِ من النَّار" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه مُخْتَصرًا (^٥).
_________________
(١) انظر: شرح السنة (١/ ٤٢٩)، وشرح النووى على مسلم (٣/ ١٢٩) والمجموع (١/ ٤١٧ - ٤١٨).
(٢) أخرجه البخارى (٦٠) و(٩٦) و(١٦٣)، ومسلم (٢٦ و٢٧ - ٢٤١) عن عبد الله بن عمرو ابن العاص.
(٣) أخرجه مسلم (٣١ - ٢٤٣)، وابن ماجه (٦٦٦).
(٤) انظر: المجموع (١/ ٤١٨ - ٤١٩).
(٥) أخرجه البخارى (١٦٥)، ومسلم (٢٩ و٣٠ - ٢٤٢)، وابن ماجه (٤٥٣)، والترمذى (٤١)، والنسائى في المجتبى ١/ ٣١٠ (١١٥).
[ ٢ / ٤٨٦ ]
قوله: أن أبا هريرة، أنه رأى قوما يتوضؤون من المطهرة فقال: أسبغوا الوضوء، قال العلماء المطهرة كل ما يتطهر منه، وهي كالإبريق. والركوة وغيرهما مما يتطهر به وهي بكسر الميم وفتحها لغتان مشهورتان ذكرهما ابن السكيت وجماعة من الأئمة، قال ابن السكيت: من كسرها جعلها آلة ومن فتحها جعلها موضع يفعل فيه (^١).
قوله - ﷺ -: "أسبغوا الوضوء" والإسباغ لغة الإتمام وقال ابن عمر الإسباغ الإتمام وقال بعضهم الإسباغ الزيادة على المرة في غسل الأعضاء عند التوضأ قاله الكرماني (^٢) فلو لم يسبغ بالغسل حتى ترك شيئًا يسيرًا من أي عضو من أعضاء الوضوء لم تصح طهارته واستحق على ذلك العقوبة إذا تركه مع علمه بذلك لو كان على أعضاء الوضوء ما يمنع وصول الماء إلى البشرة كشمعة أو أثر عجين أو طعام أو غير ذلك فقد جاء التوعد بالنار على ذلك.
قوله - ﷺ -: "ويل للأعقاب أو العراقيب من النار" تقدم الكلام على النار وعقب الشيء آخره والعراقيب جمع عرقوب بضم العين في المفرد وفتحها في الجمع وهو العصب الغليظ فوق عقب الإنسان (^٣) والعرقوب أيضا هو الوتر الذي خلف الكعبين بين مفصل القدم والساق من ذوات الأربع وهو
_________________
(١) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٣١).
(٢) الكواكب الدرارى (٢/ ٢١٦ - ٢١٧).
(٣) الصحاح (١/ ١٨٠)، وشرح النووى على مسلم (٣/ ١٣١).
[ ٢ / ٤٨٧ ]
من الإنسان فوق عقب الإنسان (^١) والكعبان هما العظمان الناتئان على الفصيح لا الذي في وسط القدم عند معقد الشراك في طرف الساق وملتقى القدم هذا قول الأصمعي وأبي زيد (^٢) وقال بعضهم الكعبين ظهر القدم وقيل هو مفصل الساق المقدم وكلام العرب الأول قاله عياض (^٣) ومراد مسلم بإيراده هنا الاستدلال به على وجوب غسل الرجلين وأن المسح لا يجزئ وهذه مسألة اختلف الناس فيها على مذاهب فذهب جميع الفقهاء إلى أن الواجب غسل القدمين مع الكعبين ولا يجزئ غسلهما ولا يجزئ المسح مع الغسل ولم يثبت خلاف هذا عن أحد يعتد بخلافه فى الإجماع بتوعد الأعقاب أو العراقيب بالنار لعدم طهارتها ولو كان المسح كافيا لما توعد من ترك غسل عقبيه بالنار (^٤) أو لأن من قال بالمسح قال بوجوب مسح الأعقاب فدل على أن المراد الغسل وإنما قال يمسح إشارة إلى تقليل استعمال الماء فيه وعدم الإسباغ أو أراد بالمسح الغسل لما روي عن أبى زيد الأنصاري أنه قال المسح في كلام العرب قد يكون غسلا ومنه مسح الله ما بك أي غسل عنك وطهرك قاله الكرماني (^٥) وتقدم شيء من ذلك وقد أجمعت الأمة على
_________________
(١) النهاية (٣/ ٢٢١).
(٢) شرح الصحيح (١/ ٢٨٨) لابن بطال، ومشارق الأنوار (١/ ٣٤٣)، والنهاية (٤/ ١٧٨)، وتهذيب الأسماء واللغات (٤/ ١١٥)، والكواكب الدرارى (٣/ ٣٢).
(٣) مشارق الأنوار (١/ ٣٤٣).
(٤) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٢٨ - ١٢٩).
(٥) الكواكب الدرارى (٢/ ٨).
[ ٢ / ٤٨٨ ]
تحريم الصلاة بغير طهارة من ماء أو تراب ولا فرق بين صلاة الفرض والنفل فلو صلى محدثا متعمدًا بلا عذر أثم وهل يكفر قال جماعة من العلماء منهم أبو حنيفة إنه يكفر لتلاعبه (^١) والله أعلم.
٣٤٤ - وروى التِّرْمِذِيّ مِنْهُ ويل لِلْأعْقَابِ من النَّار ثمَّ قَالَ وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي - ﷺ - أَنه قَالَ ويل لِلْأَعْقَابِ وبطون الْأقْدَام من النَّار (^٢)، قَالَ الْحَافِظ وَهَذَا الحَدِيث الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيّ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه من حَدِيث عبد الله بن الْحَارِث بن جُزْء الزبيدِيّ مَرْفُوعًا وَرَوَاهُ أَحْمد مَوْقُوفًا عَلَيْهِ (^٣).
قوله: قد روي عن النبي - ﷺ - أنه قال "ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار" تقدم الكلام على الويل والأعقاب وأما بطون الأقدام فمعروف.
قوله: عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي كنيته أبو الحارث نزيل مصر له صحبة شهد فتح مصر واختط بها وسكنها روى عن النبي - ﷺ -، قال
_________________
(١) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٠٣).
(٢) أخرجه الترمذى (٤١).
(٣) أخرجه أحمد ٤/ ١٩٠ (١٧٧٠٦) موقوفا، وأبو عبيد في الطهور (٣٨١)، وأحمد ٤/ ١٩١ (١٧٧١٠)، وابن عبد الحكم في فتوح مصر ص ٢٩٩، ويعقوب بن سفيان ٢/ ٤٩٦ - ٤٩٧، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٤٨٤)، وابن خزيمة (١٦٣)، والطحاوى في معانى الآثار (١٩٥ و١٩٦)، والحاكم ١/ ١٦٢، والضياء في المختارة ٩/ ٢١٤ (٢٠٣) من طريق الطبراني مرفوعًا. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٤٠: رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد والطبراني ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢٠).
[ ٢ / ٤٨٩ ]
أبو سعيد بن يونس توفي سنة ثمان وثمانين وذكر أبو جعفر الطحاوي أن وفاته كانت بأسفل أرض مصر بالقرية المعروفة بصفط القدور (^١) انتهى.
٣٤٥ - وَعَن أبي الْهَيْثَم قَالَ رَآنِي رَسُول الله - ﷺ - أتوضأ فَقَالَ بطن الْقدَم يَا أَبَا الْهَيْثَم" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَفِيه ابْن لَهِيعَة (^٢).
قوله: عن أبي الهيثم أبو الهيثم اسمه [لا يعرف وقيل أبو الهيثم بن التيهان، وليس بجيد، لأن بكر بن سوادة لم يدركه، وأفرده أبو موسى عن ابن التيهان، لأن بكر بن سوادة لم يلق ابن التيهان، فتبين أنه غيره (^٣)].
رآني رسول الله - ﷺ - أتوضأ فقال "بطن القدم يا أبا الهيثم" وخص بطون الأقدام لأن المتوضئ ربما تساهل في غسل ما يتعلق بها من الوحل وغيره وكذلك ورد الوعيد أيضا على ترك تخليل الأصابع كما تقدم لأن بين الأصابع يحتوي على الأوساخ غالبا والله أعلم.
٣٤٦ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ أَن رَسُول الله - ﷺ - رأى قومًا وَأَعْقَابهمْ تلوح فَقَالَ ويل لِلْأعْقَابِ من النَّار أَسْبغُوا الْوضُوء" رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَرَوَاهُ البُخَارِيّ بِنَحْوِهِ (^٤)
_________________
(١) تهذيب الكمال (١٤/ ٣٩٢ - ٣٩٣ الترجمة ٣٢١٢).
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٦٢ رقم ٩١١)، وعنه أبو نعيم في المعرفة (٧٠٦٠). قال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٤٠ - ٢٤١: رواه الطبراني في الكبير، وفيه ابن لهيعة، وهو ضعيف، وبكر بن سوادة ما أظنه سمع أبا الهيثم. والله أعلم. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٥٥).
(٣) الإصابة (٧/ ٣٦٧ الترجمة ١٠٦٩٠).
(٤) أخرجه البخارى (٦٠) و(٩٦) و(١٦٣٦)، ومسلم (٢٦ و٢٧ - ٢٤١)، وابن ماجه =
[ ٢ / ٤٩٠ ]
٣٤٨ - وعن أبي روح الكُلاعي قال: صلّى بنا نبيُّ الله - ﷺ - صلاةً فقرأ فيها بسورةِ (الروم)، فلُبِّس عليه بعضُها، فقال: "إنما لَبِّسَ علينا الشيطانُ القراءةَ من أجلِ أقوامٍ يأتون الصلاةَ بغيرِ وضوءٍ، فإذا أتيتم الصلاةَ، فأحسنوا الوضوءَ" وفي رواية: فتردَّدَ في آيةٍ، فلما انصرفَ قال: "إنه لُبِّسَ علينا القرآنُ؛ أنّ أقوامًا منكم يصلُّون معنا لا يُحسنون الوضوءَ، فَمَنْ شهدَ الصلاةَ معنا فليُحْسِن الوضوء". رواه أحمد هكذا، ورجال الروايتين محتجٌّ بهم في الصحيح وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن أبي روح عَن رجل (^١).
قوله: عن عبد الله بن عمرو تقدم.
قوله: إن رسول الله - ﷺ - رأى قوما وأعقابهم تلوح فقال "ويل للأعقاب من النار" الحديث، ففي هذا الحديث وعيد لمن توضأ وترك شيئا من أعضاء وضوءه بغير غسل والويل واد في جهنم روي أن جهنم تستعيذ منه كل يوم سبعين مرة والمراد أن الويل حاصل لأصحاب الأعقاب وخص الأعقاب بالذكر لأنه - ﷺ - رأى قوما توضئوا وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء فقال "ويل لهم من النار" لأنهم إذا فعلوا ذلك صلوا بغير وضوء وإذا صلوا بغير طهارة
_________________
(١) = (٤٥٠)، وأبو داود (٩٧)، والنسائى في المجتبى ١/ ٣١٠ (١١٦) و١/ ٣٣٢ (١٤٧) والكبرى (١٤١) و(٦٠٦٣).
(٢) أخرجه أحمد ٣/ ٤٧١ (١٥٨٧٢) (١٥٨٧٣) و(١٥٨٧٤) و٥/ ٣٦٣ (٢٣٠٧٢) و٥/ ٣٦٨ (٢٣١٢٥)، والنسائى في المجتبى ٢/ ٣٦٢ (٩٥٩) والكبرى (١١١٢)، قال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٤١: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢٢)، وضعفه في المشكاة (٢٩٥).
[ ٢ / ٤٩١ ]
لم تصح طهارتهم ومن ترك الصلاة استحق الوعيد وفيه دليل على أن تارك الوضوء بعضه يقتل كما يقتل تارك الصلاة لأنه استحق الوعيد الذي استحقه تارك الصلاة، وقيل خص الأعقاب بالذكر لأن التغافل يقع فيها كثير لانخفاضها ونتوء الكعب عليها ويؤخذ من هذا الحديث أن من توضأ وتحت أظفاره وسخ يمنع وصول الماء ضر على الأصح من زوائد الروضة (^١)، ولو كان على جسده فإن كان من الغبار لم يصح وإن نشأ من بدنه صح قاله البغوي في فتاويه (^٢)، وقال القفال في فتاويه (^٣) وقد سئل عن رجل كان على يديه وسخ كثير فتوضأ يجوز وضوءه وإن لم يتحقق وصول الماء إلى أسفل الوسخ لأنه صار كجزء منه قال وعلى هذا لو مس ذلك من امرأته أو مسته امرأته بذلك انتقض وضوءه، وقال محمد بن الحارث لا يجوز وضوءه ما لم يتحقق وصول الماء إلى أسفل الوسخ وكذا لمسه لا يوجب الوضوء عندهم (^٤).
فائدة: جاء في مسند أبي داود الطيالسي أن رجلا جاء إلى النبي - ﷺ - يسأله فقال: "يسألني أحدهم عن خبر السماء ويدع أظفاره كأظفار الطير يجمع فيها
_________________
(١) روضة الطالبين (١/ ٦٤).
(٢) فتاوى البغوى (ص ٥١).
(٣) هادى النبيه (لوحة ١١/ ب).
(٤) المجموع (١/ ٢٨٧) وذهب إلى قول القفال الغزالى كما في الإحياء (١/ ١٤١) وذهب إلى القول الثانى المتولى.
[ ٢ / ٤٩٢ ]
الجنابة والتفث" (^١) والتفث الوسخ الذي تحت الأظفار.
ففي قوله - ﷺ - يجمع الجنابة دليل على عدم صحة الوضوء وفي الحديث كيف لا يحتبس الوحي ورفع أحدكم تحت أظفاره وصحح الغزالي أن الوسخ تحت الأظفار لا يمنع صحة الوضوء وقال العبادي: محل الخلاف إذا حصل ذلك من غير عجين ونحوه فإن حصل من العجين وجب غسله بلا خلاف ولو كان على العضو دهن أو أثر حناء لم يمنع أثر الوضوء (^٢) أهـ قاله ابن العماد.
قوله: عن أبي روح الكلاعي بفتح الكاف اسمه [شبيب بن أبي روح، أو شبيب بن نعيم أبو روح الكلاعي الحمصي ثقة من الثالثة أخطأ من عده في الصحابة].
قوله - ﷺ -: "صلى بنا نبي الله - ﷺ - صلاة فقرأ فيها بسورة الروم فلبس عليه بعضها فقال إنما لبس علينا الشيطان القراءة من أجل قوم يأتون الصلاة بغير
_________________
(١) أخرجه الطيالسى (٥٩٧)، وأحمد ٥/ ٤١٧ (٢٣٥٤٢)، والبخارى في التاريخ الكبير (٤/ ١٢٨)، والشاشى (١١٣٨ و١١٣٩ و١١٤٠)، والطبراني في الكبير (٤/ ١٨٤ رقم ٤٠٨٦)، والبيهقى في الكبرى (١/ ٢٧١ رقم ٨٢٨ و٨٢٩). قال أبو عبد الرحمن: قال أبي: سبقه لسانه، يعني وكيعا، فقال: لقيت أبا أيوب الأنصاري، وإنما هو أبو أيوب العتكي. قال أبو حاتم في العلل (٢٣٦٩): هذا خطأ، ليس هو واصل بن سليم؛ إنما هو أبو واصل سليمان ابن فروخ، عن أبي أيوب، وليس هو من أصحاب النبي (- ﷺ -)، هو أبو أيوب يحيى بن مالك العتكي من التابعين. قال البيهقي: هذا مرسل، أبو أيوب غير أبي أيوب الأنصاري. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٦٨: رواه أحمد، والطبراني باختصار، ورجالهما رجال الصحيح خلا أبا واصل، وهو ثقة.
(٢) حاشية الشروانى على تحفة المحتاج (١/ ١٨٧)، وحاشية الجمل (١/ ٢٢٠).
[ ٢ / ٤٩٣ ]
وضوء" الحديث، وفي رواية: "أن قوما يأتون الصلاة بغير وضوء" الحديث "منكم يصلون معنا لا يحسنون الوضوء" لبس بتخفيف الموحدة المفتوحة هو الصحيح أي خلط عليه أمر صلاته وشبهها عليه، وقد ضبطه بعض العلماء بتشديدها والتخفيف أفصح، قال الله تعالى: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ (^١) فالتخفيف في جميعها لشيوخنا في الموطأ، وفي رواية الأصيلي بالتشديد أي: خلط وشوش خاطره وأوقع في قلبه بالأشغال الدنيوية (^٢).
٣٤٩ - وَعَن رِفَاعَة بن رَافع أَنه كانَ جَالِسا عِنْد رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ: إِنَّهَا لا تتمّ صَلَاة لأحَدٍ حَتَّى يسبغ الْوضُوء كمَا أَمر الله يغسل وَجهه وَيَديه إِلَى الْمرْفقين وَيمْسَح بِرَأْسِهِ وَرجلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ" رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد جيد (^٣).
قوله: عن رفاعة بن رافع، هو أبو معاذ رفاعة بن رافع بن مالك بن عجلان ابن عمرو بن عامر بن زريق الأنصاري الزرقي المدني، شهد مع رسول الله - ﷺ - العقبة وبدرًا وأحدًا والخندق وبيعة الرضوان والمشاهد كلها، وأبو
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية: ٩.
(٢) مشارق الأنوار (١/ ٣٥٤)، والمفاتيح (٢/ ١٩٦).
(٣) أخرجه الدارمى (١٣٦٨)، والبخارى في التاريخ الكبير (٣/ ٣١٩)، وابن ماجه (٤٦٠)، وأبو داود (٨٥٧) و(٨٥٨)، والبزار (٣٧٢٦) و(٣٧٢٧)، والطحاوى في معانى الآثار (١٦١)، والطبراني في الكبير (٥/ ٣٧ رقم ٤٥٢٥ و٥/ ٣٨ رقم ٤٥٢٦)، والحاكم ١/ ٢٤١. وصححه الحاكم. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢٣) و(٥٣٦)، والإرواء (١/ ٣٢١ - ٣٢٢)، صحيح أبي داود (٧٤٧).
[ ٢ / ٤٩٤ ]
رفاعة صحابي اختلفوا في شهوده بدرًا وشهد العقبتين الأولى والثانية، روي له عن رسول الله - ﷺ - أربعة وعشرون حديثًا، روى البخاري منها ثلاثة، روى عنه ابنه معاذ ويحيى بن خلاد وعبد الله بن شداد، وتوفي في أول خلافة معاوية وذكره في المهذب في فضل الاعتدال من الركوع، وقال فيه: رفاعة بن مالك فنسبه إلى جده وهو في صحيح البخاري في باب شهود الملائكة بدرًا عن معاذ بن رفاعة بن رافع، وكان رفاعة من أهل بدر، وكان رافع من أهل العقبة، وكان يقول لأبيه: ما يسرني أني شهدت بدرًا بالعقبة، وظاهر هذا أن رافعًا لم يشهد بدرا (^١)، والله أعلم.
قوله - ﷺ -: "إِنَّهَا لَا تتمّ صَلَاة لأحَدٍ حَتَّى يسبغ الْوضُوء كَمَا أَمر الله يغسل وَجهه وَيَديه إِلَى الْمرْفقين وَيمْسَح بِرَأْسِهِ وَرجلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ" الحديث، تقدم معنى الإسباغ في مواضع من هذا التعليق، ففي هذا الحديث الاكتفاء بغسل الأعضاء الأربعة المذكورة في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (^٢) فهذه الأعضاء الأربعة من الفرائض، وباقي غسل الأعضاء في الوضوء سنة، والله أعلم.
_________________
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٩٠ - ١٩١ الترجمة ١٦٩)، وتهذيب الكمال (٩/ ٢٠٣ - ٢٠٤ الترجمة ١٩١٥).
(٢) سورة المائدة، الآية: ٦.
[ ٢ / ٤٩٥ ]