٣٢٠٨ - عن ابن عمر -﵄- أن رسول الله -ﷺ- قال لا يأكلن أحدكم بشمال ولا يشربن بها فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بها قال وكان نافع يزيد فيها ولا يأخذ بها ولا يعط بها رواه مسلم والترمذي بدون الزيادة رواه مالك وأبو داود بنحوه (^١).
قوله: عن ابن عمر -﵄-، تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "لا يأكلن أحدكم بشمال ولا يشربن بها" الحديث، وروى أحمد والطبراني بإسناد حسن عن عائشة أن النبي -ﷺ- قال: "من أكل بشماله أكل معه الشيطان ومن شرب بشماله شرب معه الشيطان" (^٢).
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ (٢٦٧١)، والحميدى (٦٤٨ و٦٤٩)، والدارمي (٢١٩٢)، وإسحاق (٤٧٧)، وأحمد ٢/ ٨ (٤٦٢٥) و٢/ ٣٣ (٤٩٨٠) و٤/ ١٠٦ (٥٦١٥) و٢/ ١٢٨ (٥٩٥٢) و٢/ ١٣٤ (٦٢٩٣) و٢/ ١٤٦ (٦٤٤٣)، والبخاري في الأدب المفرد (١١٨٩)، ومسلم (١٠٥ و١٠٦ - ٢٠٢٠)، والترمذي (١٧٩٩ و١٨٠٠)، وأبو داود (٣٧٧٦)، والنسائي في الكبرى (٦٧١٣ - ٦٧١٨) و(٦٨٦٢ - ٦٨٦٥)، والبزار (٥٧٣٦).
(٢) أخرجه أحمد ٦/ ٧٧ (٢٥١١٧)، والطبراني في الأوسط (١/ ٩٦ رقم ٢٩٢) و(٨/ ٣٨٣ رقم ٨٩٤٣). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث، عن إسماعيل بن أبي حكيم إلا موسى بن سرجس، ولا رواه عن موسى إلا ابن الهاد، تفرد به: ابن لهيعة. قال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢٥: رواه أحمد، والطبراني في الأوسط، وفي إسناد أحمد =
[ ٩ / ٣٣٧ ]
قال النووي (^١): في هذه الأحاديث استحباب الأكل والشرب باليمين وكراهتهما بالشمال وقد زاد نافع الأخذ والإعطاء كما هو مذكور في الرواية، قال النووي: وهذا إذا لم يكن عذر فإن كان عذر يمنع الأكل والشرب باليمين من مرض أو جراحة أو غير ذلك فلا كراهة في الشمال وفي هذا الحديث أنه ينبغي اجتناب الأفعال التي تشبه أفعال الشياطين وإن للشيطان يدين.
قوله: "فإن الشيطان يأكل بشماله" أي يحمل أولياءه من الإنس على ذلك الصنع [ليضاد] به عباد الله الصالحين ثم إن من حق نعمة الله والقيام بشكره أن تكرم ولا يستهان بها ومن حق الكرامة أن تتناول باليمين والله أعلم (^٢).
تتمة: وفي صحيح مسلم عن سلمة بن الأكوع، أن أباه، حدثه أن رجلا أكل عند رسول الله -ﷺ- بشماله، فقال: "كل بيمينك"، قال: لا أستطيع، قال: "لا استطعت"، ما منعه إلا الكبر، قال: فما رفعها إلى فيه (^٣).
هذا الرجل هو بسر بضم الباء وبالسين المهملة ابن راعي العير بفتح العين وبالمثناة من تحت الأشجعي كما ذكر ابن مندة وأبو نعيم الأصبهاني وابن ماكولا وآخرون وهو صحابي مشهور عده هؤلاء وغيرهم من الصحابة وأما قول القاضي عياض إنه كان منافقا لأنه قال ما منعه إلا
_________________
(١) = رشدين بن سعد، وهو ضعيف، وقد وثق، وفي الآخر ابن لهيعة، وحديثه حسن. حسن الحافظ إسناده في الفتح ٩/ ٥٢٢.
(٢) شرح النووي على مسلم (١٣/ ١٩١ - ١٩٢).
(٣) شرح المشكاة (٩/ ٢٨٣٩) للطيبي.
(٤) أخرجه مسلم (١٠٧ - ٢٠٢١)، وابن حبان (٦٥١٢ و٦٥١٣).
[ ٩ / ٣٣٨ ]
الكبر فليس بصحيح فإن [مجرد] الكبر والمخالفة لا تقتضي النفاق لكنه معصية إن كان الأمر أمر إيجاب وفي هذا الحديث جواز الدعاء على من خالف الحكم الشرعي بلا عذر (^١).
وقد أجاب الله تعالى دعوة نبيه -ﷺ- في هذا [الرجل] حتى شلت فلم يرفعها لفيه بعد ذلك اليوم (^٢).
كما دعا على الرجل الذي مر بين يدي المصلين فأقعد إلى أن مات لم يقم وحديثه في أبي داود وقال ابن حبان وهذا [المقعد] اسمه يزيد بن بهرام (^٣) ا هـ.
تنبيه: النهي عن الأكل والشرب بالشمال قال الشيخ شمس الدين ابن القيم والصحيح تحريم ذلك (^٤) اهـ.
فرع: قال النووي (^٥): روينا في مسند أبي داود وسنن البيهقي عن حفصة
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٩٢).
(٢) المفهم (١٧/ ٢٤).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المسند (٧١٧) والمصنف ١/ ٢٥٤ (٢٩٢٠)، والبخاري في التاريخ الكبير ٨/ ٣٦٦، وأبو داود (٧٠٥ و٧٠٦)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير - السفر الثانى ٢/ ٦١٥ (٢٥٤٩)، وأبو نعيم الأصبهاني في دلائل النبوة (١٨٩)، والبيهقي في الكبرى (٢/ ٣٩٠ رقم ٣٤٨٩ و٣٤٩٠) والدلائل (٥/ ٣٤٢). وقول ابن حبان في الثقات (٣/ ٤٤٦). وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (١١١).
(٤) زاد المعاد (٢/ ٣٦٩).
(٥) الأذكار (ص ٢٢). وأما حديث حفصة: أخرجه أحمد ٦/ ٢٨٧ (٢٧١٠٤) و(٢٧١٠٧) و٦/ ٢٨٨ (٢٧١٠٨)، وعبد بن حميد (١٥٤٥)، وأبو داود (٣٢)، وأبو يعلى (٧٠٤٢) و(٧٠٦٠)، وابن حبان (٥٢٢٧)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٢٠٢ رقم ٣٤٦ و٣٤٧)، والحاكم في =
[ ٩ / ٣٣٩ ]
رضي الله تعالى عنها أن رسول الله -ﷺ- كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه ويجعل يساره لما سوى ذلك وروينا عن أبي هريرة عن رسول الله -ﷺ- قال "إذا لبستم وإذا توضئتم فابدؤا بأيامنكم" حديث حسن رواه أبو داود والترمذي.
٣٢٠٩ - وعن أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال ليأكل أحدكم بيمينه ويشرب بيمينه وليأخذ بيمينه وليعط بيمينه فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله ويعطي بشماله رواه ابن ماجه بإسناد صحيح (^١).
_________________
(١) = المستدرك (٤/ ١٠٩)، والبيهقي في الكبرى (١/ ١٨١ - ١٨٢ رقم ٥٤٧). وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال في سنده مجهول. وقال الدارقطني في أطراف الغرائب والأفراد (٥/ ٣٧٢): تفرد به أبو أيوب الفريقي عبد الله بن علي بن مهران عن عاصم عن المسيب بن رافع ومعبد كليهما عن جارية بن وهب عنها. وقال ابن حجر في نتائج الأفكار ١/ ١٤٧ - ١٤٨: وفي تصحيحه نظر، لأن في أبي أيوب الإفريقي -واسمه عبد الله بن علي- مقالًا مع الاضطراب من عاصم في سنده، وقد تكلموا في حفظه، وإنما قلت: حسن، لاعتضاده بما قبله. وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٢٥). وأما حديث أبي هريرة: أخرجه أبو داود (٤١٤١)، وابن ماجه (٤٠٢)، والترمذي (١٧٦٦)، وابن خزيمة (١٧٨)، وابن حبان (١٠٩٠)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٢٠ - ٢١ رقم ١٠٩٧)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (١٦)، والبيهقي في الكبرى (١/ ١٣٩ رقم ٤٠٥) والشعب (٨/ ٣٠٥ - ٣٠٦ رقم ٥٨٦٨)، والبغوي (٣١٥٦). وصححه الألباني في المشكاة (٤٠١).
(٢) أخرجه إسحاق (٤٧٦)، وأحمد ٢/ ٣٢٥ (٨٤٢٢) و٢/ ٣٤٩ (٨٧٠٩)، وابن ماجه (٣٢٦٦)، والبزار (٧٧٨٣)، والنسائي في الكبرى (٦٧١٢)، وأبو يعلى (٥٨٩٩)، وأبو محمد الفاكهي في الفوائد (٢٣٦)، والطبراني في الأوسط (٧/ ٣٥ - ٣٦ رقم ٦٧٧٥). =
[ ٩ / ٣٤٠ ]
قوله: تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "ليأكل أحدكم بيمينه ويشرب بيمينه" الحديث تقدم الكلام على ذلك في الحديث قبله.
روى الإمام أحمد والطبراني برجال ثقات عن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن زيد عن امرأة منهم قالت دخل علي رسول الله -ﷺ- وأنا آكل بشمالي وكنت امرأة عسراء، فضرب يدي فسقطت اللقمة فقال: "لا تأكلي بشمالك وقد جعل الله ﵎ لك يمينا"، أو قال: "قد أطلق الله ﷿ لك يمينك"، قال: فتحولت شمالي يمينا فما أكلت بها بعد" (^١).
وعن جرهد، أنه أتى النبي -ﷺ- وبين يديه طعام، فأدنى جرهد يده الشمال ليأكل، وكانت اليمنى مصابة، فقال: "كل باليمين"، فقال: يا رسول الله إنها مصابة، فنفث عليها رسول الله -ﷺ-، فما شكى حتى مات. إسناده حسن (^٢).
_________________
(١) = وقال البوصيري في الزجاجة ٤/ ١٠: هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات. وصححه الألباني في الصحيحة (١٢٣٦) وصحيح الترغيب (٢١١٤).
(٢) أخرجه مسدد في مسنده كما في إتحاف الخيرة ٤/ ٢٨٦ (٣٥٨٢)، وأحمد ٤/ ٦٩ (١٦٩٠٧) و٥/ ٣٨٠ (٢٣٦٩٥)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣٤٠٣)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٨٠٩٩). وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢٦: رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد ثقات. وحسنه الألباني في جلباب المرأة (ص ٧١).
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير (٢/ ٢٧٣ رقم ٢١٥١)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (١٦٨٢)، والأصبهاني في الدلائل (٢١٩). وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢٦: رواه الطبراني من طريق سفيان بن فروة عن بعض ابني جرهد، وكلاهما لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.
[ ٩ / ٣٤١ ]
قال الشيخ أبو العباس القرطبي (^١): عن الأمر على جهة الندب لأنه من باب تشريف اليمين على الشمال وذلك لأنها أقوى في الغالب وأسبق بالأعمال وأمكن في الأشغال ثم هي مشتقة من اليمن والبركة وقد شرف الله تعالى أهل الجنة بأن نسبهم إليها كما ذم أهل النار حين نسبهم إلى الشمال فقال: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨)﴾ (^٢): ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١)﴾ (^٣) وقال عكس هذا في أصحاب الشمال، وعلى الجملة فاليمين ومن نسب إليها وما اشتق منها محمود لسانا وشرعا ودنيا وآخرة والشمال على النقيض من ذلك وإذا كان هذا فمن الآداب المناسبة لمكارم الأخلاق [والسيرة الحسنة] عند الفضلاء اختصاص اليمين بالأعمال الشريفة والأحوال النظيفة اهـ قاله في الديباجة.
٣٢١٠ - وعن أبي سعيد الخدري -﵁- أن النبي -ﷺ- نهى عن النفخ في الشراب فقال رجل القذاة أراها في الإناء فقال أهرقها قال فإني لا أروى من نفس واحد قال فأبن القدح إذا عن فيك [ثم تَنَفَّسْ] رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح (^٤).
_________________
(١) المفهم (١٧/ ٢٤).
(٢) سورة الواقعة، الآية: ٨.
(٣) سورة الواقعة، الآية: ٩٠ - ٩١.
(٤) أخرجه مالك في الموطأ (٢٦٧٧)، وأحمد ٣/ ٢٦ (١١٣٧٣) و٣/ ٣٢ (١١٤٥١) و٣/ ٥٧ (١١٧١٩)، وعبد بن حميد (٩٨٠)، والدارمي (٢٢٩٢) و(٢٣٠٤)، والترمذي (١٨٨٧)، وأبو يعلى (١٣٠١)، وابن حبان (٥٣٢٧)، والطوسي في مختصر الأحكام =
[ ٩ / ٣٤٢ ]
قوله: وعن أبي سعيد الخدري -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله: "أن النبي -ﷺ- نهى عن النفخ في الشراب" قال الحليمي (^١): ذكر [كليب الجرمي] أنه شهد عليا -﵁- ينهى القصابين عن النفخ في السلخ أي في سلخ جلد الذبيحة وهو نظير النفخ في الطعام والشراب [الذى جاء] النهي عنه لأن [النكهة ربما] كانت [كريهة فكرهت] اللحم وغيرت رائحته (^٢) وقد عرف بالتجارب ا هـ.
لأن النفخ إنما يكون لأحد معنيين فإن كان من حرارة الطعام أو الشراب فليصبر حتى يبرد، وإن كان من أجل قذى يبصره فليمطه بأصبعه أو بخلال أو نحوه (^٣).
وكما يكره النفخ في الطعام يكره أن يشمه كما يشم السباع، فقد روى البيهقي عن أم سلمة أن النبي -ﷺ- قال -ﷺ-: "لا تشموا الطعام كما تشمه السباع ولا تقطعوا الخبز بالسكين كما تقطعه الأعاجم" (^٤) أ. هـ، قاله في الديباجة.
_________________
(١) = (١٤٩١). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٨٥) وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢١١٥).
(٢) شعب الإيمان (٨/ ١٣٦).
(٣) اللوحة (١٤٥) تكرار للوحة (١٤٤).
(٤) شرح السنة (١١/ ٣٧٣) ومعالم السنن (٤/ ٢٧٥).
(٥) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٣/ ٢٨٥ رقم ٦٢٥)، والبيهقي في الشعب (٨/ ١٣٧ رقم ٥٦٠٥). وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢٠: رواه الطبراني، وفيه عباد بن كثير الثقفي، وكان كذابا متعبدا. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٦٢٣٦).
[ ٩ / ٣٤٣ ]
قوله: [فقال رجل] القذاة أراها في الإناء فقال: "أهرقها" القذاة هو ما يقع في العين من الأذى وفي الشراب والطعام من تراب أو تبن أو غير ذلك.
قوله: فإني لا أروى من نفس واحد قال: "فأبن القدح إذا عن فيك" الحديث، أي: أبعده من بان عنه إذا فارقه أو بعد عنه والبين الوصل ومنه قوله تعالى: "لقد تقطع بينكم" قاله عياض (^١)، وقال غيره: فأبن القدح، الحديث، أي: افصله عنه عند النفس لئلا يسقط فيه شيء من الريق وهو من البين البعد والفراق قاله ابن الأثير (^٢).
تنبيه: قال النووي (^٣): روينا من حديث أنس -﵁-: "أن رسول الله -ﷺ- كان يتنفس في الشرب ثلاثا"، يعني: يتنفس خارج الإناء، وروينا من حديث ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "لا تشربوا واحدا كشرب البعير ولكن اشربوا مثنى وثلاث وسموا إذا أنتم شربتم واحمدوا إذا أنتم رفعتم" رواه الترمذي وحسنه والطبراني من حديث عطاء بن أبي رباح عن أبيه عن ابن عباس يرفعه وقال: غريب، أ. هـ، وابن عطاء لم يسم وفي الحديث "مصوا الماء مصا ولا تعبوه عبا" العب: الشرب بلا تنفس.
فائدة: أما التنفس خارج الإناء فسنة معروفة كما هو مذكور في الأحاديث الواردة بذلك، قال العلماء -﵃-: والنهي عن التنفس في الإناء هو على طريق
_________________
(١) مشارق الأنوار (١/ ١٠٦).
(٢) النهاية (١/ ١٧٥).
(٣) رياض الصالحين (٢٤١).
[ ٩ / ٣٤٤ ]
الأدب والحكمة في منع التنفس في الإناء مخافة من تقذيره ونتنه ومخافة أن يبرز من رطوبة فمه ما يقع في الإناء أو تكون نكهته مغيرة فتعافه النفس فيتأذى بذلك من شرب بعده للرائحة المتعلقة بالماء لرقته ولطفه فإنه تسرع إليه الروائح فحسن أن يتنفس بعد إبانة الإناء عن فمه وأن لا يتنفس فيه والله أعلم (^١).
وقال الحليمي (^٢): إنما نُهي عن التنفس في الإناء لأن البخار الذي يرتفع من المعدة أن ينزل من الرأس كل منهما كريه، فإما أن يعلقا بالماء، وإما أن يفسد السؤر على [سير] الشارب لاستقذاره، أ. هـ.
تنبيه: النفس ثلاثة أنفاس في الشرب يحصل له فيها [عشر] حسنات تسمية في الابتداء ثلاثا وحمد الله في الآخر ثلاثا وإبانة القدح عن فيه مرتين وتنفيسه مرتين امتثالا للأمر [قال] في الإحياء يقول في أول نفس الحمد لله ويزيد في الثاني رب العالمين ويزيد في الثالث الرحمن الرحيم.
واختلف العلماء في هذه الثلاثة [أنفاس] أيها تكون أطول، قيل: الأولى ليتمحص، الثاني والثالث: للسنة لأنه إذا أطال (المرة الأولى) قد يحصل له الري منها فيبقى [ما عداها] اتباعا للسنة، وقد تكون الشربة الأولى أقصر والثانية أزيد منها والثالثة أزيد منها ليجمع بين السنة والطب لأنه إذا شرب قليلا وصل [إلى جوفه] من غير إزعاج (^٣). ومن حديث الليث بن سعد عن
_________________
(١) أعلام الحديث (١/ ٢٤٤) ومعالم السنن (٤/ ٢٧٥).
(٢) شعب الإيمان (٨/ ١٣٦).
(٣) الأعلام بفوائد عمدة الأحكام (١/ ٥٠٢) والتوضيح (٤/ ١٤٤) لابن الملقن.
[ ٩ / ٣٤٥ ]
عقيل عن ابن شهاب "أن النبي -ﷺ- كان إذا شرب تنفس ثلاثة أنفاس" "وكان ينهي عن العب نفسا واحدا"، ويقول: "ذلك شرب الشيطان" قال البيهقي: هذا مرسل وفي حديث آخر "ولا تعب عبا [فإن الكباد من العب" رواه معمر عن ابن أبي حسين مرسلا] وروى الطبراني في معجمه الأوسط من حديث أبي هريرة بإسناد رجاله ثقات أن النبي -ﷺ- كان يشرب في ثلاث دفعات له فيها ثلاث تسبيحات وفي آخرها ثلاث [تحميدات] (^١) فأما استحباب التثليث [] (^٢) لأن يمص الماء مصا ولا يعبه عبا كما في حديث آخر وهو [أنه كان إذا شرب تنفس ثلاثا ويقول: هو أهنأ وأمرأ وأبرأ لأن إبانة الإناء أهنأ في الشرب، وأحسن] في الأدب وأبعد عن الشره، وأخف للمعدة، وإذا تنفس في الإناء، واستوفى ريه، حمله ذلك على فوات حكمة النهي، وَتَكَاثرَ الماءُ في حلقِه، وأثقلَ معدتَه، وربما] شرق به.
_________________
(١) أخرجه الخرائطي في فضيلة الشكر (٢٤)، والطبراني في الأوسط (٨٤٠)، وأبو الشيخ في أخلاق النبي (٧٠٣) من طريق عتيق بن يعقوب قال: نا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله -ﷺ- كان "يشرب في ثلاثة أنفاس، إذا أدنى الإناء إلى فيه سمى الله، فإذا أخره حمد الله، يفعل به ثلاث مرات". قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن ابن عجلان إلا الدراوردي تفرد به عتيق بن يعقوب". وقال أبو حاتم في العلل (٢٨٣٩): هذا حديث منكر. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٨١: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عتيق بن يعقوب وهو أحد رجال الموطأ عن مالك، رواه عنه جماعة منهم أبو زرعة وقال: بلغني أنه حفظ الموطأ في حياة الإمام مالك، وبقية رجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (١٢٧٧).
(٢) بياض في الأصل.
[ ٩ / ٣٤٦ ]
٣٢١١ - وعنه -﵁- قال نهى رسول الله -ﷺ- عن الشرب من ثلمة القدح وأن ينفخ في الشراب رواه أبو داود وابن حبان في صحيحه كلاهما من رواية قرة بن عبد الرحمن بن حيويل المصري المعافري (^١).
قوله: وعنه، تقدم الكلام عليه رضي الله تعالى عنه.
قوله: "نهى رسول الله -ﷺ- عن الشرب من ثلمة القدح وأن ينفخ في الشراب" الحديث، ثلمة القدح موضع الكسر أي من حاشيته وهو بالثاء المثلثة وإنما نهى عنه لأنه لا يتماسك عليها فم الشارب، وربما انصب الماء على ثوبه وبدنه وقيل: لأن موضعها لا يناله التنظيف التام إذا غسل الإناء وقد جاء في لفظ الحديث أنه مقعد الشيطان ولعله أراد به موضع عدم النظافة لأن الثلمة مركب الشيطان كما يكون عليها من الأوساخ.
تنبيه: والمضبب الذي فيه ضبة وهي صفيحة يسمر فيها موضع الشق من الإناء ونحوه، روى البخاري عن عاصم الأحول قال: رأيت قدح رسول الله -ﷺ-[عند أنس بن مالك -﵁-: وكان قد انصدع، فسلسله بفضة. قال أنس -﵁-]: لقد سقيت رسول الله -ﷺ- من هذا القدح أكثر من كذا وكذا" (^٢)، والصدع الشق، والفاعل له أنس كما قاله ابن الصلاح (^٣)، أ. هـ.
_________________
(١) أخرجه أحمد ٣/ ٨٠ (١١٩٣٩)، وأبو داود (٣٧٢٢)، وابن حبان (٥٣١٥)، والبيهقي في الشعب (٨/ ١٤٥ رقم ٥٦١٨). وقال الدارقطني كما في أطراف الغرائب والأفراد (٥/ ٧٥): تفرد به قرة بن عبد الرحمن عن الزهري وتفرد به ابن وهب عنه. وحسنه الألباني في الصحيحة (٣٨٨)، وقال في صحيح الترغيب (٢١١٦): صحيح لغيره.
(٢) أخرجه البخاري (٥٦٣٨).
(٣) النجم الوهاج (١/ ٢٦٠).
[ ٩ / ٣٤٧ ]
قوله: من رواية قرة بن عبد الرحمن بن حيويل المصري المعافري، وأن ينفخ في الشراب، سيأتي الكلام على النفخ في الشراب والطعام من حديث ابن عباس الذي بعده والله أعلم.
قوله: من رواية [قرة] بن عبد الرحمن بن حيويل المصري [المعافري] (^١) [أبو محمد المصري ويقال أنه مدني الأصل روى عن الزهري وأبي الزبير وربيعة وعامر بن يحيى المعافري ويحيى بن سعيد الأنصاري وغيرهم وعنه الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز والليث وابن لهيعة وحيوة بن شريح ومحمد بن شريح ومحمد بن شعيب بن شابور وغيرهم قال أبو مسهر عن يزيد بن السمط كان الأوزاعي يقول ما أحدًا أعلم الزهري من قرة بن عبد الرحمن وقال الجوزجاني عن أحمد منكر الحديث جدًّا وقال بن أبي خيثمة عن بن معين ضعيف الحديث وقال أبو زرعة الأحاديث التي يرويها مناكير وقال أبو حاتم والنسائي ليس بقوي وقال الآجري عن أبي داود في حديثه نكارة يقال له بن كاسر المد وقال أيضا سألت أبا داود عن عقيل وقرة فقال عقيل أحلى منه وقال بن عدي لم أر له حديثا منكرًا جدًّا وأرجو أنه لا بأس به روى له مسلم مقرونا بغيره].
٣٢١٢ - وعن ابن عباس -﵄- أن النبي -ﷺ- نهى أن يتنفس في الإناء أو ينفخ فيه رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح وابن حبان في صحيحه ولفظه إن رسول الله -ﷺ- نهى أن يشرب الرجل من في السقاء وأن
_________________
(١) تهذيب التهذيب (٨/ ٣٧٢ - ٣٧٤ الترجمة ٦٦٣).
[ ٩ / ٣٤٨ ]
يتنفس في الإناء قال الحافظ وروى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي النهي عن التنفس في الإناء من حديث أبي قتادة (^١).
قوله: وعن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام عليه.
قوله: "أن النبي -ﷺ- نهى أن يتنفس في الإناء أو ينفخ فيه" والتنفس: خروج النفس من الفم وكل ذي رئة متنفس ودواب الماء لا رئة لها، والحكمة في النهي أنه أبعد عن تقذير الإناء وعن خروج شيء تعافه النفس من الفم [لأن الماء للطافته ورقته تسرع إليه الاستحالة بالروائح الكريهة [فإذا تنفس فيه] أثر فيه النكهة فيتأذى الشارب بعده] فإذا أبانه عند إرادة التنفس أمن من ذلك كما جاء في الترمذي والنهي محمول على الكراهة وحديث الترمذي في النفس الواحد دليل الجواز وعدم التحريم وتقدم الكلام على النفخ في الإناء فمن آداب الأكل أن لا ينفخ في الطعام الحار ولا في الشرب بل يصبر حتى يستحق أكله فيأكله لأن النفخ إنما يكون لأحد معنيين فإن كان من حرارة
_________________
(١) أما حديث ابن عباس: أخرجه أحمد ١/ ٢٢٠ (١٩٣٢)، وابن ماجه (٣٢٨٨)، وأبو داود (٣٧٢٨)، والترمذي (١٩٩٧)، وأبو يعلى (٢٤٠٢)، والطبراني في الكبير (١١/ ٣٤٩ رقم ١١٩٧٨)، والحاكم في المستدرك (٤/ ١٣٨)، والبيهقي في الشعب (٨/ ١٣٥ - ١٣٦ رقم ٥٦٠٢). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الحاكم على شرط البخاري ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الإرواء (١٩٧٧) و(٢٠٣٧) والصحيحة (٣٩٩) وصحيح الترغيب (٢١١٧). وأما حديث أبي قتادة: أخرجه البخاري (١٥٣ و١٥٤) و(٥٦٣٠ و٥٦٣١)، ومسلم (٦٣ و٦٥ - ٢٦٧) و(١٢١ و١٢٢ - ٢٦٧)، والترمذي (١٨٨٩)، والنسائي في الكبرى (٦٨٥٦) والمجتبى ١/ ٢٥٠ (٤٧)، وابن خزيمة (٧٨ و٧٩)، وابن حبان (٥٣٢٨).
[ ٩ / ٣٤٩ ]
الشراب فليصبر حتى يبرد وإن كان من أجل قذى يبصره فليمطه بأصبع أو بخلاف ونحوه ولا حاجة به إلى النفخ فيه بحال.
قلت: يستثنى من النهي عن النفخ في الطعام النفخ في الشعير رواه البخاري وغيره عن [أبي حازم] أنه سأل سهلا هل رأيتم في زمن النبي -ﷺ- النقي؟ قال: لا ولكنا كنا ننفخه [وفيه ما كان عليه السلف من التخشن في مأكلهم وترك الترقيق لها والتباين فيها]، وكانوا في سعة من [تنخيله] لأن ذلك مباح لهم فآثروا التخشن وتركوا التنعيم ليقتدي بهم من يأتي بعدهم (^١) أ. هـ، قاله في الديباجة.
٣٢١٣ - وعن أنس بن مالك -﵁- أن النبي -ﷺ- كان يتنفس في الإناء ثلاثا ويقول هو أمرأ وأروى رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب (^٢).
٣٢١٤ - وروي أيضا عن ثمامة عن أنس -﵁- أن النبي -ﷺ- كان يتنفس ثلاثا وقال هذا صحيح (^٣) قال الحافظ عبد العظيم وهذا محمول على أنه كان
_________________
(١) شرح الصحيح (٩/ ٤٧٩) لابن بطال، والتوضيح (٢٦/ ١٦٤) لابن الملقن. والحديث أخرجه البخاري (٥٤١٠) و(٥٤١٣)، والترمذي (٢٣٦٤)، وابن ماجه (٣٣٣٥) عن سهل بن سعد.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٥/ ١٠٧ (٢٤١٧٦)، وأحمد ٣/ ١١٨ (١٢٣٦٩) و٣/ ٢١١ (١٣٤٠٩) و٣/ ٢٥١ (١٣٨٤٢)، ومسلم (١٢٣ - ٢٠٢٨)، وأبو داود (٣٧٢٧)، والترمذي في السنن (١٨٨٤) والشمائل (٢١١)، والبزار (٧٣٩٢)، والنسائي في الكبرى (٦٨٦١)، وابن حبان (٥٣٣٠) والبيهقي في الكبرى (٧/ ٤٦٣ رقم ١٤٦٥٨). وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢١١٩).
(٣) أخرجه ابن سعد في الطبقات (١/ ٣٨٤)، وأحمد ٣/ ١١٩ (١٢٣٧٦) و٣/ ١٨٥ (١٣١٢٣)، والدارمى (٢٢٩١)، والبخارى (٥٦٣١)، ومسلم (١٢٢ - ٢٠٢٨)، وابن =
[ ٩ / ٣٥٠ ]
يبين القدح عن فيه كل مرة ثم يتنفس كما جاء في حديث أبي سعيد المتقدم لا أنه كان يتنفس في الإناء.
قوله: وعن أنس بن مالك -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله: "أن النبي -ﷺ- كان يتنفس في الإناء ثلاثا" الحديث، قال الحافظ: وهذا محمول على أنه كان يبين القدح عن فيه كل مرة ثم يتنفس كما جاء في حديث أبي سعيد المتقدم لا أنه كان يتنفس في الإناء، انتهى.
وهذه الثلاثة أمور إنما تحصل إذا شرب من ثلاثة أنفاس [خارج] القدح فأما إذا تنفس في الماء وهو [يشرب] وحكمة التثليث أنه أقمع للعطش وأقوى على الهضم وأقل أثرا في برد المعدة [وضعف الأعصاب وحاصله] أنه أهنأ وأمرأ وأروى وأبرأ.
قوله -ﷺ-: "ويقول هو أمرأ وأروى" الحديث، وأروى من الري أي أكثر ريا وأمرأ وأبرأ مهموزان ومعنى أبرأ أي أبرأ من ألم العطش، وقيل: أي أسلم من مرض أو أذى يحصل بسبب الشرب في نفس واحد، ومعنى "أمرأ" أي أكمل إنسياغا، وقيل: هما بمعنى واحدا أي أحسن شربا والباء تبدل من الميم في مواضع وأمرأ من قولهم هنيئا مريئا [يقال: استمرأت الطعام:] إذا استحسنته واستطبته، وعلى هذا المعنى سار إليه الجمهور يكون الشراب المذكور بمعنى الشراب مصدرا لا بمعنى الشراب الذي هو المشروب فتأمله [فإنه
_________________
(١) = ماجه (٣٤١٦)، والترمذي في السنن عقب (١٨٨٤) والشمائل (٢١٤)، والنسائي في الكبرى (٦٨٥٧)، وابن حبان (٥٣٢٩)، والبيهقي في الكبرى (٧/ ٤٦٣ رقم ١٤٦٥٦ و١٤٦٥٧). وقال الترمذي: هذا حديث صحيح.
[ ٩ / ٣٥١ ]
حسن معني، وفصيح لغة]، فإنه يقال شرب [شربا و] شرابا بمعنى واحد، قال النووي (^١): قوله "أروى" أكثر ريا وأمرأ وأبرأ [مهموزان ومعنى أبرأ أي أبرأ من ألم العطش وقيل أبرأ أى أسلم من مرض أو أذى يحصل بسبب الشرب في نفس واحد ومعنى أمرأ أى أجمل انسياغا والله أعلم].
٣٢١٥ - وعن أبي سعيد الخدري -﵁- قال نهى رسول الله -ﷺ- عن اختناث الأسقية يعني أن تكسر أفواهها فيشرب منها رواه البخاري ومسلم وغيرهما (^٢).
قوله: وعن أبي سعيد الخدري -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله: "نهى رسول الله -ﷺ- عن اختناث الأسقية" يعني: أن تكسر أفواهها فيشرب منها، وفي رواية أخرى "اختناثها" أن يقلب رأسها ثم يشرب منها، الحديث.
٣٢١٦ - وعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- نهى أن يشرب من في السقاء فأنبئت أن رجلا شرب من في السقاء فخرجت عليه حية رواه البخاري مختصرا دون قوله فأنبئت إلى آخره ورواه الحاكم بتمامه وقال صحيح على شرط البخاري (^٣).
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (١٣/ ١٩٩).
(٢) أخرجه البخاري (٥٦٢٥) و(٥٦٢٦)، ومسلم (١١٠ و١١١ - ٢٠٢٣)، والترمذي (١٨٩٠)، وأبو داود (٣٧٢٠)، وابن ماجه (٣٤١٨)، وابن حبان (٥٣١٧).
(٣) أخرجه أحمد ٢/ ٢٣٠ (٧٢٧٤) و٢/ ٤٨٧ (١٠٤٦٤)، والبخاري (٥٦٢٧) و(٥٦٢٨)، وابن ماجه (٣٤٢٠)، والحاكم ٤/ ١٤٠، والبيهقي في الآداب (٤٤٩) والكبرى =
[ ٩ / ٣٥٢ ]
قوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله: "أن رسول الله -ﷺ- نهى أن يشرب من في السقاء فأنبئت أن رجلا شرب من في السقاء فخرجت عليه حية" الحديث، إنما نهى عن ذلك لخمسة معان، أحدها: أنه ربما كانت في السقاء هامة أو قذاة فانسربت في الحلق، والثاني: أنه ربما وقع الشرق باندفاق الماء، الثالث: أنه لا يمكن مص الماء [من فم السقاء وإنما نهى عن ذلك] للعب الذي يؤدي إلى الكبد، والرابع: أنه يغير ريح السقاء، والخامس: أنه يتحامل الثاني رجوع شيء من فم الأول [فيتقذره غيره] أ. هـ.
٣٢١٧ - وعن ابن عباس -﵄- قال نهى رسول الله -ﷺ- عن اختناث الأسقية فإن رجلا بعدما نهى رسول الله -ﷺ- عن ذلك قام من الليل إلى السقاء فاختنثه فخرجت عليه منه حية رواه ابن ماجه من طريق زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام وبقية إسناده ثقات خنث السقاء واختنثه إذا كسر فمه إلى خارج فشرب منه (^١).
_________________
(١) = (٧/ ٤٦٤ - ٤٦٥ رقم ١٤٦٦٥) و(٨/ ٥٤١ رقم ١٧٤٩٢) والشعب (٨/ ١٤٥ - ١٤٦ رقم ٥٦١٩). وصححه الحاكم على شرط البخاري، فتعقبه الحافظ ابن حجر في الفتح ١٠/ ٩١، فقال: وهم الحاكم، فأخرج الحديث في المستدرك بزيادته، والزيادة المذكورة (يعني قول أيوب: أنبئت ) ليست على شرط الصحيح، لأن راويها لم يسم، وليست موصولة. وضعف الألباني الزيادة كما ضعفها ابن حجر. كما في صحيح الترغيب (٢١٢١) والصحيحة (٣٩٩).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٤١٩)، والحاكم ٤/ ١٤٠. وصححه الحاكم على شرط البخاري. =
[ ٩ / ٣٥٣ ]
٣٢١٨ - وعن عيسى بن عبد الله بن أنيس عن أبيه أن النبي -ﷺ- دعا بإداوة يوم أحد فقال اخنث الإداوة ثم اشرب من فيها رواه أبو داود عن عبيد الله بن عمر عنه ومن طريقه البيهقي وقال الظاهر أن خبر النهي كان بعد هذا قال الحافظ ورواه الترمذي أيضا وقال ليس إسناده بصحيح (^١).
عبيد الله بن عُمر يضعف في الحديث ولا أدري سمع من عيسى أم لا والله أعلم. قوله: وعن ابن عباس -﵄-، تقدم.
قوله: "نهى رسول الله -ﷺ- عن [اختناث الأسقية] " الحديث، قال ابن بطال (^٢): هذا النهي نهي أدب لا نهي تحريم. [روي] عن أبي سعيد الخدري [أن رجلا شرب] من فم السقاء فانسابت حية في بطنه فنهى رسول الله -ﷺ- عن ذلك، وهذا [يدل] على أن [من فعل ذلك أنه] ليس بحرام، وأجاز مالك الشرب من أفواه الأسقية تقول العرب خنثت السقاء واخنثته إذا [] (^٣)، وقد خرج الزبيري
_________________
(١) = وتعقبه الذهبي فقال: كذا قال!. وقال البوصيري في الزجاجة ٤/ ٤٥: هذا إسناد فيه مقال. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٢٨٥).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٤٢١)، والترمذي (١٨٩١)، وابن قانع في معجم الصحابة (٢/ ١٠٦)، والطبراني في الكبير (١٤/ ٢٨٥ رقم ١٤٩٢٠) والأوسط (٣/ ٨ رقم ٢٣٠٦)، وأبو الفضل الزهري في حديثه (٢٩٩)، والبيهقي في الشعب (٨/ ١٤٧ رقم ٥٦٢١) ومعرفة السنن (١٠/ ٣٦٧ رقم ١٤٤٧٠)، وأبو الفرج الثقفي في فوائده (٥٨). وقال الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بصحيح وعبد الله بن عمر العمري يضعف من قبل حفظه ولا أدري سمع من عيسى أم لا. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٢٨٦).
(٣) شرح الصحيح (٦/ ٧٨).
(٤) بياض في الأصل.
[ ٩ / ٣٥٤ ]
وغيره أنه -﵇- قام إلى قربة فخنثها وشرب من فيها وهذا إن صح [محمله] أنه -﵇- علم انه لم يكن هناك شيء يستقذر بل ما يستقذر من غيره فإنه يستطاب منه وتطيب به الأشياء وحديث ابن عباس الذي بعده بمعناه.
خنث السقاء وأخنثته: إذا كسر فمه إلى خارج فشرب منه، قاله الحافظ، والاختناث بالخاء المعجمة ثم مثناة فوق ثم نون ثم ألف مثلثة، وقد فسر في الحديث، وأصل هذه الكلمة التكسر والإنطواء ومنه سمى الرجل المتشبه بالنساء في طبعه وكلامه وحركاته مخنثا (^١).
واتفقوا على أن النهي عن اختناثها نهي تنزيه لا تحريم، ثم قيل سببه إنه لا يؤمن أن كون في السقاء ما يؤذيه فيدخل في جوفه ولا يدري، وقيل: لأنه يقذره على غيره وقيل: لأنه ينتنه أو لأنه مستقذر، وقد روى الترمذي وغيره عن كبشة بنت ثابت وهي أخت حسان بن ثابت قالت: دخل عليَّ رسول الله -ﷺ- فشرب من قربة معلقة قائما فقمت إلي فيها فقطعته، قال الترمذي: هذا حديث صحيح (^٢) وفعلته لوجهين، أحدهما: تصون موضعها أصابه فم رسول الله -ﷺ- عن أن يتبدل أو يمسه كل أحد، والثاني: أن تحفظه
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (١٣/ ١٩٤).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٤٢٣)، والترمذي (١٨٩٢)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (٣٣٦٥)، والطبراني في الكبير ٢٥/ ١٥ (٨) والشاميين (٦٣٩)، والبيهقي في الشعب (٨/ ١٤٨ - ١٤٩ رقم ٥٦٢٤) ومعرفة السنن (١٠/ ٢٦٦ رقم ١٤٤٦٨ و١٤٤٦٩)، والبغوي (٣٠٤٢). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، ويزيد بن يزيد بن جابر هو أخو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وهو أقدم منه موتا. وقال الألباني: صحيح، المشكاة (٤٢٨١)، مختصر الشمائل (١٨٢).
[ ٩ / ٣٥٥ ]
للتبرك به والاستشفاء والله أعلم، فهذا الحديث يدل على أن النهي ليس للتحريم ذكره النووي في شرح مسلم (^١) وورد في حديث أن النبي -ﷺ- قال "لا يشربن أحدكم قائما" (^٢) وفي الرواية الأخرى أن رسول الله -ﷺ- شرب من زمزم وهو قائم، وفي صحيح البخاري أن عليا شرب قائما وقال: "رأيت رسول الله -ﷺ- فعل كما رأيتموني فعلت" (^٣) وروي عن عمرو بن شعيب عن أبي عن جده قال: رأيت رسول الله -ﷺ- يشرب قائما وقاعدا رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح (^٤).
اعلم أن هذه الأحاديث أشكل معناها على بعض العلماء حتى قال فيها أقوالا باطلة والصواب فيها أن النهي محمول على التنزيه لا التحريم كما قاله النووي في حديث كبشة وأما شربه -ﷺ- قائما فبيان للجواز فلا إشكال ولا تعارض وهذا الذي ذكرته يتعين المصير إليه وأما من زعم نسخا أو غيره فقد غلط غلطا فاحشا (^٥).
فإن قيل: كيف يكون الشرب قائما مكروها وقد فعله النبي -ﷺ-؟ فالجواب: أن فعله -ﷺ- إذا كان بيانا للجواز لا يكون مكروها بل البيان واجب
_________________
(١) المصدر السابق في نفس الموضع.
(٢) أخرجه مسلم (١١٦ - ٢٠٢٦) عن أبي هريرة.
(٣) أخرجه البخاري (٥٦١٥) و(٥٦١٦)، وأبو داود (٣٧١٨).
(٤) أخرجه الترمذي (١٨٨٣)، وابن ماجه (٩٣١) و(١٠٣٨). وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وقال الألباني: حسن، المشكاة (٤٢٧٦)، مختصر الشمائل (١٧٧).
(٥) شرح النووي على مسلم (١٣/ ١٩٥).
[ ٩ / ٣٥٦ ]
عليه -ﷺ- فكيف يكون مكروها وقد ثبت عنه -ﷺ- أنه توضأ مرة مرة وطاف على بعيره مع الإجماع على أن الوضوء ثلاثا ثلاثا والطواف ماشيا أكمل ونظائر هذا غير منحصرة فكأنه -ﷺ- ينبه على جواز [الشئ مرة أو مرات] ويواظب على الأفضل منه وهكذا كان أكثر وضوئه -ﷺ- ثلاثا وأكثر طوافه ماشيا وأكثر شربه جالسا وهذا واضح [لا يتشكك] فيه من [له أدني] نسبة إلى علم فيجوز الشرب قائما والأفضل والأكمل الشرب قاعدا والله أعلم (^١).
_________________
(١) المصدر السابق في نفس الموضع.
[ ٩ / ٣٥٧ ]