٥٧٥١ - عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- قَالَ الله ﷿ أَعدَدْت لعبادي الصَّالِحين مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر واقرؤوا إِن شِئْتُم فَلَا تعلم نفس مَا أُخْفِي لَهُم من قُرَّة أعين. رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢) والترمذي (^٣) والنسائي (^٤) وابن ماجه (^٥).
قوله: "عن أبي هريرة" تقدم الكلام على مناقبه.
قوله -ﷺ-: "قال الله ﷿ أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" الحديث، معناه أن الله ادخر في الجنة من النعيم والخيرات واللذات ما لم يطلع عليه أحد من الخلق بطريق من الطرق، وذكر الرؤية والسمع لأنه يدرك بهما أكثر المحسوسات والإدراك بالذوق والشم واللمس أقل من ذلك، ثم زاد على ذلك أنه لم يجعل لأحد طريقا إلى توهمها بفكر وخطور على قلب فقد جلت وعظمت
_________________
(١) صحيح البخاري (٣٢٤٤).
(٢) صحيح مسلم (٢٨٢٤).
(٣) سنن الترمذي (٣١٩٧).
(٤) سنن النسائي -طبعة التأصيل- (١١١٩٥).
(٥) سنن ابن ماجه (٤٣٢٨).
[ ١٥ / ١٧١ ]
عن أن يدركها [فكر] أو خاطر ولا غاية فوق هذا في إخفائها، والإخبار عن عظم شأنها على طريق الإجمال دون التفصيل.
فائدة: إن قلت: روى أبو داود (^١) والترمذي (^٢) عن أبي هريرة -﵁- عن رسول الله -ﷺ- قال: لما خلق الله الجنة أرسل إليها جبريل ﵊ فقال: انظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها. قال: فرجع إليه فقال: "وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها" الحديث. فقد دل هذا الحديث على أن الله قد أطلع جبريل ﵊ على ما أعد لعباده فيها فقد رأته عين. قلت: الجواب عنه من أوجه: أحدهما: أنه تعالى خلق فيها بعد رؤية جبريل ﵇ أمورًا كثيرة لم يطلع عليها جبريل ولا غيره فتلك الأمور هي المشار إليها في هذا الحديث. ثانيها: أن المراد بالأعين والآذان أعين البشر وآذانها بدليل قوله: "ولا خطر على قلب بشر"، فأما الملائكة عليهم الصلاة والسلام فلا مانع من اطلاع بعضهم على ذلك. ثالثها: أن ذلك يتجدد لهم في الجنة في كل وقت ويدل له ما رواه الترمذي وابن ماجه (^٣) عن أبي هريرة عن
_________________
(١) أبو داود (٤٧٤٤).
(٢) سنن الترمذي (٢٥٦٠) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي (٦/ ٦٠)، وتخريج التنكيل (٢/ ١٧٧).
(٣) أخرجه ابن ماجه (٤٣٣٦). والترمذي (٢٥٤٩) -وقال: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، قد روى سويد بن عمرو، عن الأوزاعي شيئا من هذا الحديث. وأخرجه العقيلي، في "الضعفاء" ٣/ ٥١١، في ترجمة عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين، وقال: ليس مخرج الحديث بصحيح.- قال أبو داود في "مسائل أبي داود لأحمد" (١٨٧٤): =
[ ١٥ / ١٧٢ ]
[النبي] الله -ﷺ-، فذكر الحديث إلى أن قال: يقول ربنا قوموا إلى ما أعددت لكم من الكرامة فخذوا ما اشتهيتم، فنأتي سوقا قد حفت به الملائكة لم تنظر العيون إلى مثله ولم تسمع الآذان ولم يخطر على القلوب فيحمل لنا ما اشتهينا، الحديث. ولا يمنع من ذلك قوله: أعددت لأن هذا لما كان محقق الوقوع نزّل منزلة الواقع، اهـ. قاله العراقي في شرح الأحكام (^١).
قوله: "واقرءوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (^٢) الآية" المراد بذلك الفرح والسرور، يقال: أقر الله عينك أي [أبرد الله دمعها لأن دمع الفرح والسرور بارد. وقيل معنى أقرّ الله عينك] (^٣) بلّغك الله أمنيتك حتى ترضى به نفسك وتقر عينك فلا تستشرف إلى غيره، قاله في النهاية (^٤).
٥٧٥٢ - وَعَن سهل بن سعد السَّاعِدِيّ -﵁- قَالَ شهِدت من رَسُول الله -ﷺ- مَجْلِسا وصف فِيهِ الْجنَّة حَتَّى انْتهى ثمَّ قَالَ فِي آخر حَدِيثه فِيهَا مَا لَا عين
_________________
(١) = سمعت أحمد ذكر له حديث ابن أبي العشرين، الذي يرويه عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، في سوق الجنة؟ فقال: حدثنا به أبو المغيرة، عن الأوزاعي مرسلا. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير وزيادته (١٨٣١)، وانظر: الضعيفة (١٧٢٢).
(٢) طرح التثريب في شرح التقريب (٨/ ٢٧٤).
(٣) سورة السجدة، الآية: ١٧.
(٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٥) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٣٩).
[ ١٥ / ١٧٣ ]
رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر ثمَّ قَرَأَ هَاتين الآيْتَيْنِ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ (^١). رواه مسلم (^٢).
قوله: "وعن سهل بن سعد الساعدي" تقدم الكلام على مناقبه، قوله: "فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" تقدم الكلام على ذلك في الحديث قبله.
٥٧٥٣ - وَعَن دَاوُد بن عَامر بن سعد بن أبي وَقاص عَن أَبِيه عَن جده -﵃- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ لَو أَن مَا يقل ظفر مِمَّا فِي الْجنَّة بدا لتزخرف لَهُ مَا بَين خوافق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَلَو أَن رجلا من أهل الْجنَّة اطلع فَبَدَا سواره لطمس ضوء الشَّمْس كَمَا تطمس الشَّمْس ضوء النُّجُوم رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (^٣).
قوله: "وعن داود بن عامر بن سعد بن أبي وقاص" هو داود بن عامر بن سعد بن أبي وقاص الزهري القرشي المدني يروي عن أبيه عامر بن سعد وعنه يزيد بن أبي حبيب ويزيد بن عبد الله بن قسيط ومحمد بن إسحاق
_________________
(١) سورة السجدة، الآية: ١٦ - ١٧.
(٢) صحيح مسلم (٥) (٢٨٢٥).
(٣) أخرجه الترمذي (٢٥٣٨)، وابن أبى الدنيا في صفة الجنة (٢٨٦ و٢٢٣). وصححه الألباني في المشكاة (٥٦٣٧)، وصحيح الترغيب (٣٧٦٥).
[ ١٥ / ١٧٤ ]
وغيرهم وهو مقل ثقة وثقه العجلي وابن حبان ومسلم وقال البخاري حجازي قال الذهبي أظنه مات شابًا.
قوله -ﷺ-: "لو أن مما يقل ظفر مما في الجنة بدا" الحديث، يُقل معناه يحمل من الإقلال والإقلال الرفع والحمل وظفر مرفوع فاعل يقل والعائد إلى الموصول محذوف أي ما يحمله ظفر، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا﴾ (^١).
تنبيه: وفي الظفر لغات أجودها ضم الظاء والفاء [وبها جاء القرآن العزيز، ويجوز إسكان الفاء على هذا ويقال ظفر بكسر الظاء وإسكان الفاء وظفر بكسرهما وقرئ بهما في الشواذ، وجمعه أظفار، وجمع الجمع أظافير، ويقال في الواحد أحد أظفور، انتهى، قاله في الديباجة.
وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "ما في الجنة بدا" بدا بغير همز أي ظهر واستبان. قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "لتزخرف لَهُ مَا بَين خوافق السَّمَاوَات وَالْأَرْض"، أي حسنت وتزينت، والزخرف كمال حسن الشيء. قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ﴾ (^٢)، أي تزينت بألوان النبات، والزخرف في الأصل الذهب، فيقال للذهب زخرف، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾ (^٣)، قيل أي من ذهب، قاله
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية: ٥٧.
(٢) سورة يونس، الآية: ٢٤.
(٣) سورة الإسراء، الآية: ٩٣.
[ ١٥ / ١٧٥ ]
ابن الأثير (^١) وغيره. قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "خوافق السَّمَاوَات وَالْأَرْض"، قال الأصمعي الخافقان طرفا السماء، وخوافق السماء الجهات التي تخرج منها الرياح الأربع.
وقال ابن الهيثم: الخافقان المشرق والمغرب، وذلك أن المغرب يقال له الخافق لأن الخافق هو الغائب، يقال خفق النجم إذا غاب، فغلبوا المشرق على المغرب فقالوا الخافقان كما قالوا الأبوان، انتهى قاله ابن الأثير في النهاية (^٢)، وغيره.
٥٧٥٤ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لما خلق الله جنَّة عدن خلق فِيهَا مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر ثمَّ قَالَ لهَا تكلمي فَقَالَت ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ (^٣).
قوله رحمه الله تعالى: "وعن ابن عباس"، تقدم الكلام على مناقبه رضي الله تعالى عنهما. قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "لما خلق الله جنَّة عدن خلق فِيهَا مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر ثمَّ قَالَ لَهَا تكلمي فَقَالَت ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ "، الحديث تقدم له الباب في بناء الجنة.
٥٧٥٥ - وَفِي رِوَايَة خلق الله جنَّة عدن بِيَدِهِ ودلى فِيهَا ثمارها وشق فِيهَا أنهارها ثمَّ نظر إِلَيْهَا فَقَالَ لَهَا تكلمي فَقَالَت ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فَقَالَ
_________________
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢٩٩).
(٢) النهاية لابن الأثير (٢/ ٥٦)، انظر: الغريبين في القرآن والحديث (٢/ ٥٧٦).
(٣) سورة المؤمنون، الآية: ١.
[ ١٥ / ١٧٦ ]
وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا يجاورني فِيك بخيل رَوَاهُ الطَّبَرَانِى فِي الْكَبِير والأوسط بِإِسْنَادَيْنِ أَحدهمَا جيد (^١) وَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا من حَدِيث أنس بِنَحْوِهِ وَتقدم لَفظه (^٢).
٥٧٥٦ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- قَالَ سَمِعت النَّبِي -ﷺ- يَقُول فِي الْجنَّة مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَالْبَزَّار بِإِسْنَاد صَحِيح (^٣).
٥٧٥٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- قيد سَوط أحدكُم فِي الْجنَّة خير من الدُّنْيَا وَمثلهَا مَعهَا وَلَقَاب قَوس أحدكُم من الْجنَّة خير من الدُّنْيَا وَمثلهَا مَعهَا ولنصيف امْرَأَة من الْجنَّة خير من الدُّنْيَا وَلَقَاب قَوس أحدكُم وَمثلهَا مَعهَا قلت يَا أَبَا هُرَيْرَة مَا النصيف قَالَ الْخمار. رواه أحمد (^٤)
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ٣٤٩ رقم ٥٥١٨) والكبير (١٢/ ١٤٧ رقم ١٢٧٢٣). وضعفه الألباني في الضعيفة (١٢٨٤) وضعيف الترغيب (١٥٥٢) و(٢١٩١) و(٢٢٤٧). ولم يدرج الشارح تحته شرحًا.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) أخرجه البزار (٣٥٠٨ و٣٥٠٩ / كشف)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٩٩ رقم ٣٧٠١). قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣٩٧: رواه البزار مرفوعا وموقوفا، والطبراني في الأوسط، إلا أنه قال: عن النبي -ﷺ- قال: "إن الله خلق جنة عدن بيده، لبنة من ذهب، ولبنة من فضة". والباقي بنحوه، ورجال الموقوف رجال الصحيح، وأبو سعيد لا يقول هذا إلا بتوقيف. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٦٦٢) وصحيح الترغيب (٣٧١٤). ولم يدرج الشارح تحته شرحًا.
(٤) مسند أحمد (٩٦٥١).
[ ١٥ / ١٧٧ ]
بإسناد جيد، والبخاري وَلَفظه أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ لَقَاب قَوس فِي الْجنَّة خير مِمَّا تطلع عَلَيْهِ الشَّمْس وَقَالَ لغدوة أَوْ رَوْحَةٌ في سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِمَّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أَوْ تَغْرُبُ. ورواه الترمذي (^١) وصححه، وَلَفظه قالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: وَمَوْضِعُ سَوْطٍ في الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وَمَا فِيهَا واقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (^٢). رواه الطبراني في الأوسط (^٣) مختصرًا بإسناد رواته رواة الصحيح، وَلَفظه قَالَ رَسُول الله -ﷺ-: "لموْضِع سَوط فِي الْجنَّة خير مِمَّا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض". وابن حبان في صحيحه (^٤)، وَلَفظه قَالَ غدْوَة فِي سَبِيل الله أَو رَوْحَة خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَلَقَاب قَوس أحدكم أَو مَوضِع قدم من الْجنَّة خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَلَو أَن امْرَأَة اطَّلَعت إِلَى الأَرْض من نسَاء أهل الْجنَّة لَأَضَاءَتْ مَا بَينهمَا ولملأت مَا بَينهمَا ريحًا وَلنَصِيفهَا على رَأسهَا خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا.
قوله: "عن أبى هريرة"، تقدم الكلام عليه رضي الله تعالى عنه. قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "قيد سَوط"، الحديث، القيد هو القدر، قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "وَلَقَاب قَوس" الحديث، القاب والقيد هنا قيل هو القدر
_________________
(١) سنن الترمذي (٣٠١٣) وقال: هذا حديث حسن صحيح ..
(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٨٥.
(٣) المعجم الأوسط (٨٠٤٢).
(٤) صحيح ابن حبان (٧٤١٧).
[ ١٥ / ١٧٨ ]
وقيل من مقبض القوس إلى سنيته ولكل قوس قالبان، انتهى قاله الحافظ، يقال: بيني وبينه قاب رمح وقاب قوس أي مقدارهما، قاله ابن الأثير. قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "خير من الدنيا"، قال النووي في تحريره في كتاب الطلاق: "الدنيا"، بضم الدال على المشهور، وحكى ابن قتيبة في أدب الكاتب كسرها وجمعها دُنًى ككبرى وكُبَر، وهي من دنوت لدنوها وسبقها الدار الآخرة. قال: وفي حقيقة الدنيا قولان: أحدهما أنها ما عدى الأرض من الهواء والجو، والثاني: كل المخلوقات والجواهر والأعراض الموجودة قبل الدار الآخرة. قال: وهو الأظهر، والله تعالى أعلم (^١).
قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "ولنصيف امْرَأَة"، وفي آخر الحديث: "مَا النصيف قَالَ الْخمار"، انتهى، الخمار ما يغطى به الرأس، ويقال أيضا للعمامة، وكلما غطى الرأس نصيف، والله تعالى أعلم.
"قوله"، وفي رواية: خير مما بين السماء والأرض؛ وفي رواية: خير مما طلعت عليه الشمس أو تغرب. وفي حديث أبي هريرة الذي تقدم: "خير من الدنيا ومثلها معها"، فكل هذه الروايات ترجع إلى معنى واحد ويراد بها شيء واحد. قال: كلما بين السماء والأرض تطلع عليه الشمس وتغرب، وهو عبارة عن الدنيا.
_________________
(١) انظر: التبيان في تفسير غريب القرآن (١/ ١١١)، تحرير ألفاظ التنبيه (١/ ٢٦٥)، البدر المنير (١/ ٦٦٤).
[ ١٥ / ١٧٩ ]
٥٧٥٨ - وَعَن أنس -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ غدْوَة فِي سَبِيل الله أَو رَوْحَة خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَلَقَاب قَوس أحدكُم أَو مَوضِع قده فِي الْجنَّة خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَلَو أَن امْرَأَة من نسَاء أهل الْجنَّة اطَّلَعت إِلَى أهل الأرْض لَأَضَاءَتْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ولملأت مَا بَينهمَا ريحًا وَلنَصِيفهَا يَعْنِي خمارها خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢) والترمذي (^٣) وصححه واللفظ له.
[القاب] هنا قيل هو القدر، وقيل: من مقبض القوس إلى سيته، ولكل قوس قوبان. [والقد] بكسر القاف وتشديد الدال: هو السوط، ومعنى الحديث ولقدر قوس أحدكم أو قدر الموضع الذي يوضع فيه سوطه خير من الدنيا وما فيها. وقد رواه البزار مختصرا بإسناد حسن قال: موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها.
قوله رحمه الله تعالى: "وعن أنس"، هو ابن مالك، تقدم الكلام عليه رضي الله تعالى عنه. قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "غدوة في سبيل الله أو روحة"، تقدم الكلام على الغدوة والروحة في باب الجهاد وغيره. قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "ولقاب قوس"، تقدم معنى قاب قوسين. قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "أو موضع قد"، والقدّ بكسر القاف وتشديد الدال هو
_________________
(١) صحيح البخاري (٢٧٩٦).
(٢) لعله وهم.
(٣) سنن الترمذي (١٦٥١).
[ ١٥ / ١٨٠ ]
السوط، قاله الحافظ رحمه الله تعالى. وقال بعض العلماء: المراد بالقد هنا السوط، وهو في الأصل سير يقد من جلد غير مدبوغ، وسمي السوط بذلك لأنه يقد أي يقطع طولا، والقدّ الشقّ بالطول، قال في الصحاح (^١) القدة أخص منه. وحكى القاضي عياض (^٢) في المشارق قولا آخر أن المراد بالقد هنا الشراك، ويحتمل أن يكون في لفظه تقيدر أي كقدر الموضع الذي يسعه بسوطه من الجنة ويحتمل أن لا يقدر ذلك على كلا الاحتمالين ففيه تعظيم شأن الجنة وأن السير منها وإن لم ينتفع به في العادة خير من مجموع الدنيا بحذافيرها وجميع ما فيها، انتهى، قاله العراقي (^٣). وقال الحافظ رحمه الله تعالى: ومعنى الحديث ولقدر قوس أحدكم أو قدر الموضع الذي يوضع فيه سوطه خير من الدنيا وما فيها، وقد رواه البزار مختصرا بإسناد حسن. قال: موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، انتهى.
٥٧٥٩ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ لَيْسَ فِي الْجنَّة شَيْء مِمَّا فِي الدُّنْيَا إِلَّا الْأَسْمَاء. رواه البيهقي (^٤) موقوفا بإسناد جيد.
_________________
(١) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٢/ ٥٢٢).
(٢) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (٢/ ١٧٢).
(٣) طرح التثريب في شرح التقريب (٨/ ٢٦٠).
(٤) البيهقي في البعث والنشور (٣٣٢)، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٦٦)، وابن جرير الطبري في تفسيره (١/ ١٧٤)، وهناد في الزهد (١/ ٣٤٩)، وأبو نعيم في صفة الجنة (١٢٤)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٧٦٩)، والسلسلة الصحيحة (٢١٨٨)، وصحيح الجامع الصغير وزيادته (٥٤١٠).
[ ١٥ / ١٨١ ]
قوله: "عن ابن عباس"، تقدم الكلام عليه رضي الله تعالى عنه. قوله رضي الله تعالى عنه: "ليس في الجنة شيء مما في الدنيا إلا الأسماء" أي أسماء كأسماء ما في الدنيا لكن الطعوم مختلفة. قال الله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ (^١) أي الرزق، قال ابن عباس ومجاهد والربيع: متشابها في الألوان مختلفا في الطعم. وقيل متشابها في الاسم مختلفا في الطعم. وقال محمد بن كعب: يشبه ثمر الدنيا غير أنها أطيب، قاله البغوي في تفسيره (^٢) والله تعالى أعلم. قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "رواه البيهقي موقوفا"، تقدم الكلام على الحديث الموقوف وأنه من قول الصحابي لم يرفعه إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم.
_________________
(١) سورة البقرة الآية: ٢٥.
(٢) تفسير البغوي (١/ ٥٦).
[ ١٥ / ١٨٢ ]