بسم اللَّه الرحمن الرحيم أيها الإِخوة المؤمنون.
السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته أما بعد:
فقد بشر رسول اللَّه -ﷺ- الحجاج الذين ابتعدوا عن المعاصى والآثام بأنهم ليس لهم جزاء إلا الجنة فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث أبى هريرة ﵁ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" ووصف رسولُ اللَّه -ﷺ- مَن حج فلم يرفث ولم يفسق بأنه يرجع نقى الصحيفة مغفور الذنب فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث أبى هريرة ﵁ قال سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "من حج للَّه فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" وبيَّن رسول اللَّه -ﷺ- أن الحج المبرور وهو الخالى من المعاصى والآثام والمخالفات هو أفضل الأعمال بعد الإِيمان باللَّه ورسوله والجهاد فى سبيله فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث أبى هريرة ﵁ قال: سئل رسول اللَّه -ﷺ-: أى العمل أفضل؟ قال: "إيمان باللَّه ورسوله" قيل: ثم ماذا؟ قال: "الجهاد فى سبيل اللَّه" قيل: ثم ماذا؟ قال: "حج مبرور".
وبين رسول اللَّه -ﷺ- أن حج المرأة إذا برته هو أفضل الجهاد
[ ٤ / ٢٨١ ]
بالنسبة لها فقد روى البخارى فى صحيحه من حديث الصديقة بنت الصديق حبيبة رسول اللَّه -ﷺ- عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: قلت: يا رسول اللَّه نرى الجهاد أفضل العمل أَفَلَا نجاهد؟ قال: "لكُنَّ أفضل الجهاد حج مبرور" وقد أشار رسول اللَّه -ﷺ- إلى أن البشاشة وإفشاء السلام والبذل والمسامحة من أهم أسباب بر الحج فقد روى أحمد ﵀ والطبرانى فى الأوسط بإسناد حسن من حديث جابر بن عبد اللَّه الأنصارى ﵄ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" قيل: وما بره؟ قال: "إطعام الطعام وطيب الكلام" كما بين رسول اللَّه -ﷺ- ماذا عند اللَّه ﵎ من الجزاء الحسن للحجاج الذين يبرون حجهم فقد روى الطبرانى والبزار وابنُ حبان بسند صحيح من حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: جاء رجل من الأنصار إلى النبى -ﷺ- فقال: يا رسول اللَّه! كلماتٌ أسأل عنهن! فقال -ﷺ-: "اجلس" وجاء رجل من ثقيف فقال: يا رسول اللَّه! كلمات أسأل عنهن فقال ﷺ: "سبقك الأنصارى" فقال الأنصارى ﵁: إنه رجل غريب وإن للغريب حقا فابدأ به: فأقبل رسول اللَّه -ﷺ- على الثقفى فقال: "إن شئتَ أنبأتُك عما كنت تسألنى عنه، وإن شئتَ تسألنى وأخبِرُك" فقال: يا رسول اللَّه! أجبنى عما كنتُ أسألك: قال -ﷺ-: "جئت تسألنى عن
[ ٤ / ٢٨٢ ]
الركوع والسجود والصلاة والصوم" فقال: والذى بعثك بالحق ما أخطأتَ مما كان فى نفسى شيئا. فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "فإذا ركعت فضع راحتيك على ركبتيك ثم فرِّج أصابعك، ثم اسكن حتى يأخذ كل عضو مأخذه، وإذا سجدتَّ فمَكِّن جبهتك ولا تَنْقُر نقرا، وصل أولَ النهار وآخره" فقال: يا نبى اللَّه فإن أنا صليت بينهما؟ قال: "فأنت إذًا مُصَلٍّ، وصم من كل شهر ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة" فقام الثقفى. ثم أقبل رسول اللَّه -ﷺ- على الأنصارى فقال: "إن شئت أخبرتُك عما جئت تسألُنى، وإن شئت تسألنى وأخبرُك" فقال: لا يا نبى اللَّه أخبرنى بما جئتُ أسألك! قال -ﷺ-: "جئتَ تسألنى عن الحاج مالَه حين يخرج من بيته ومالَه حين يقوم بعرفات وماله حين يرمى الجمار، وماله حين يحلق رأسه، وماله حين يقضى آخر طواف بالبيت" فقال: يا نبى اللَّه والذى بعثك بالحق ما أخطأتَ مما كان فى نفسى شيئا، قال رسول اللَّه -ﷺ-: "فإن له حين يخرج من بيته أن راحلته لا تخطو خَطْوَة إلا كتب اللَّه له بها حسنة أو حط عنه بها خطيئة فإذا وقف بعرفات فإن اللَّه ﷿ ينزل إلى سماء الدنيا فيقول: "انظروا إلى عبادى شُعثًا غُبْرًا اشهدوا أنى قد غفرتُ لهم ذنوبهم وإن كانت عدد قطر السماء ورمل عالِج، وإذا رمى الجمار لا يدرى أحد مالَه حتى يتوفاه اللَّه يوم القيامة. وإذا قضى آخر طواف بالبيت خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه"
[ ٤ / ٢٨٣ ]
كما أكد رسول اللَّه -ﷺ- أن الحج يهدم ما كان قبله من الخطايا والسيئات فقد روى مسلم فى صحيحه من طريق ابن شماسة المَهْرِى قال: حضرنا عمرو بن العاص وهو فى سياقة الموت يبكى طويلا، وحوَّل وجهه إلى الجدار فجعل ابنُه يقول: يا أبتاه! أما بشَّرك رسول اللَّه -ﷺ- بكذا؟ أما بشَّركَ رسول اللَّه -ﷺ- بكذا؟ قال: فأقبل بوجهه فقال: إن أفضل ما نُعِدُّ شهادة ألا إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه، إنى قد كنت على أطباق ثلاث لقد رأيتُنى وما أحدٌ أشدَّ بُغضًا لرسول اللَّه -ﷺ- ولا أحبَّ إلىَّ أن أكون قد استمكنتُ منه فقتلته، فلو مُتُّ على تلك الحال لكنتُ من أهل النار، فلما جعل اللَّهُ الإسلام فى قلبى أتيت النبى -ﷺ- فقلتُ: ابْسُطْ يمينك فلأبايعك، فبسط رسول اللَّه -ﷺ- يمينه قال: فقبضت يدي قال: "مالَك يا عمرو؟ " قال: قلت: أردتُ أن أشترط! قال: "تشترط بماذا؟ قلتُ: أن يغفر لى، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: أما علمتَ أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله" كما أخبر رسول اللَّه -ﷺ- أن الحج والعمرة ينفيان الذنوب والفقر كما ينفى الكير خبث الحديد وأن الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة فقد روى النسائى والترمذى بسند صحيح من حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "تابعوا بين الحج والعمرة فإنها ينفيان الفقر والذنوب
[ ٤ / ٢٨٤ ]
كما ينفى الكير خبث الحديد والذهب والفضة وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة.
وإلى حديث قادم إن شاء اللَّه تعالى، والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.
المدينة المنورة فى ٢٣/ ١١/ ١٣٩٥ هـ