بسم اللَّه الرحمن الرحيم أيها الإِخوة المؤمنون السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته أما بعد:
فقد ذكرت فى حديث سابق حرص رسول اللَّه -ﷺ- على الأكل من هديه وهدى أزواجه أمهات المؤمنين ﵅ وكان رسول اللَّه -ﷺ- قارنا وكانت أزواجه ﵅ متمتعات فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث الصديقة بنت الصديق حبيبة رسول اللَّه -ﷺ- عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: خرجنا مع رسول اللَّه -ﷺ- لخمس بقين من ذى القعدة ولا نرى إلا الحج فلما دنونا من مكة أمر رسول اللَّه -ﷺ- من لم يكن معه هدى إذا طاف وسعى بين الصفا والمروة أن يحل. قالت: فَدُخِل علينا يوم النحر بلحم بقر فقلت: ما هذا؟ فقيل: نحر رسول اللَّه -ﷺ- عن أزواجه". ووسعت الشريعة الإِسلامية على المسلمين فأذنت لهم فى الإدخار من لحوم الهدايا فوق ثلاثة أيام، وأجاز لهم رسول اللَّه -ﷺ- أن يتزودوا منها لأسفارهم فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: كنا لا نأكل من لحوم بُدْننا فوق ثلاث فرخَّص لنا رسول اللَّه -ﷺ- فقال: "كلوا وتزودوا" فأكلنا وتزودنا. وكما أذن اللَّه ﵎ فى الأكل من الهدايا فقد أذن كذلك فى الانتفاع بها قبل نحرها وفى ذلك يقول الرب ﵎: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ
[ ٤ / ٢٦٠ ]
إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أى إلى وقت نحرها. وقد بين رسول اللَّه -ﷺ- بعض هذه المنافع وأن منها الإِذن لصاحبها بركوبها فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحهما من حديث خادم رسول اللَّه -ﷺ- أنس بن مالك رضى اللَّه تعالى عنه قال: رأى رسول اللَّه -ﷺ- رجلا يسوق بَدَنَةً، فقال: "اركبها" فقال: إنها بدنَة، قال: "اركبها" قال: إنها بدنة، قال: "اركبها" ثلاثا وفى رواية لأحمد والنسائى من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبى -ﷺ- رأى رجلا يسوق بدنة قد أجهده المشى فقال: "اركبها" قال: إنها بدنة، قال: "اركبها وإن كانت بدنة" كما روى مسلم وأحمد والنسائى وأبو داود من حديث جابر بن عبد اللَّه الأنصارى ﵄ أنه سئل عن ركوب الهدى فقال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "اركبها بالمعروف إذا أُلْجِئتَ إليها حتى تجد ظهرا" وقد رغَّب اللَّه ﵎ فى تسمين البُدْن وسائر أنواع الهدايا حيث يقول فى كتابه الكريم: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ على أن المراد بالشعائر هنا الهدايا، وإنما سميت شعائر لإشعارها بما يُعْرَفُ به أنها هدى كطعن حديدة بسنامها وتقليدها. وقد كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا أهدى هديا قلَّده فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث الصديقة بنت الصديق عائشة أم المؤمنين ﵄ قالت: أهدى النبى -ﷺ- مرة إلى البيت غنما فقلَّدها" كما روى
[ ٤ / ٢٦١ ]
مسلم فى صحيحه من حديث حبر الأمة وترجمان القرآن عبد اللَّه بن عباس ﵄ قال: صلى رسول اللَّه ﷺ الظهر بذى الحليفة ثم دعا بناقته فأشعرها فى صفحة سنامها الأيمن وسلت الدم عنها، وقلَّدها نعلين" كما روى البخارى ومسلم من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: فَتَلْتُ قلائد بُدْن النبى -ﷺ- بيدَيَّ ثم قلَّدها وأشعرها" وحرَّم الإسلام على من اشترى هديا أن يُبَدِّله مهما أعطى فيه من ثمن فقد روى البخارى فى تاريخه وأحمد وأبو داود من حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: أهدى عمر نَجِيبًا فأعطِى بها ثلاثمائة دينار فأتى النبى -ﷺ- فقال: يا رسول اللَّه إنى أهديت نجيبا فأُعطيتُ بها ثلثمائة دينار أفأبيعها وأشترى بثمنها بُدْنا؟ قال: لا انحرها إياها. وقد يسَّر اللَّه ﵎ على المتمتع والقارن إذا لم يتيسر له الهدى أن يصوم ثلاثة أيام فى الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. ولم تتجاوز الشريعة الإِسلامية ذلك إلى القيمة مما يدل دلالة واضحة على أنه لا يجوز لأحد أن يدفع قيمة الهدى لسبب من الأسباب مهما كان ولذلك لم يؤثر عن واحد من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- ولا التابعين لهم بإحسان أن أفتى بجواز ترك ذبح الهدى لمن عليه هدى ودفع قيمته بل يجب عليه نحر الهدى فإن لم يتيسر انتقل إلى صيام ثلاثة أيام فى الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، وهو مخير فى صيام الثلاثة الأيام إن شاء صامها قبل يوم النحر وإن شاء صامها فى أيام التشريق ولم يُرَخِّص الإسلام فى صيام أيام التشريق إلا
[ ٤ / ٢٦٢ ]
لمن لم يجد الهدى. فقد روى البخارى فى صحيحه من حديث عائشة ﵂ وابن عمر ﵄ قالا: "لم يُرَخَّص فى أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدى" ويجوز صيام هذه الأيام الثلاثة متتابعة ومتفرقة وكذلك يجوز صيام الأيام السبعة متتابعة ومتفرقة وهو مخير فى صيام هذه الأيام السبعة كذلك إن شاء صامها بمكة بعد فراغه من أعمال الحج وإن شاء صامها بعد رجوعه إلى أهله. وصيامها بعد رجوعه إلى أهله أفضل لقوله ﵎: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ ولأنه أرفق به وأيسر له. وعلى الحاج أن يبيت بمنى ليلة الحادى عشر وليلة الثانى عشر إن كان متعجلا وله أن يبيت ليلة الثالث عشر كذلك إن لمن يكن متعجلا لقول اللَّه ﵎: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ولم يرخص رسول اللَّه -ﷺ- فى ترك المبيت بمنى إلا للسقاة والرعاة وقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: "استأذن العباس بنُ عبد المطلب رسولَ اللَّه -ﷺ- أن يبيت بمكةَ ليالى منى من أجل سقايته فأذن له. كما روى مالك والترمذى والنسائى، قال الترمذى حديث صحيح من طريق أبى البدَّاح بن عاصم بن عدى عن أبيه ﵁ قال: رخص رسول اللَّه -ﷺ- لرعاء الإِبل فى البيتوتة. وقد خص اللَّه ﵎ أيام
[ ٤ / ٢٦٣ ]
التشريق وهى الأيام الثلاثة التى تلى يوم النحر بالأمر بذكره حيث قال: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ قال ابن عباس ﵄: "الأيام المعدودات هى أيام التشريق" وإلى حديث قادم إن شاء اللَّه.
والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.
المدينة المنورة فى ٢٠/ ١١/ ١٣٩٥ هـ