بسم اللَّه الرحمن الرحيم أيها الإِخوة المؤمنون السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته أما بعد:
فقد ذكرت فى الحديث السابق أن المفرد والقارن والمتمتع يصلون الظهر والعصر فى وقت الظهر بعرفة قصرا وجمعا ثم يقفون بعرفات وعرفات كلها موقف إلا بطن عرنة وليس معنى الوقوف بعرفة أن يقف الإِنسان قائما بل المراد الوجود بعرفات سواء كان واقفا أى قاعدا أى مضطجعا، ويستحب له استقبال القبلة وجبل الرحمة إن تيسر له ذلك فإن لم يتمكن من استقبال القبلة وجبل الرحمة جميعا استقبل القبلة وأكثر من الذكر والدعاء والتلبية، وصان نفسه من كل إثم وأبعدها عن كل معصية لأنه فى موقف يباهى اللَّه ﵎ به ملائكته. وقد روى أن النبى -ﷺ- قال: "خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلى لا إله إلا اللَّه
[ ٤ / ٢٥٠ ]
وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو على كل شئ قدير" ويستحب له أن يكرر الدعاء والتضرع وأن يكثر من الصلاة على رسول اللَّه -ﷺ- وأن يلح فى الدعاء ويطلب من ربه ﵎ خيرى الدنيا والآخرة، وينبغى أن يكون مخبتا منيبا ساكنا قانتا ذليلا للَّه ﷿ مبتعدا عن اللهو والرفث وسائر أنواع الفسوق والجدال منكسرا بين يدى ربه يرجو رحمته ويخشى عذابه، فإذا غربت الشمس انصرف إلى مزدلفة بسكينة ووقار، وأكثر من التلبية، فإذا وصل إلى مزدلفة صلى بها المغرب ثلاث ركعات والعشاء ركعتين فى وقت واحد. بأذان واحد وإقامتين: إقامة لصلاة المغرب وإقامة لصلاة العشاء والسنة أن يصلى المغرب قبل أن يحط رحله ثم يحط رحله ثم يصلى العشاء ثم يقيم بمزدلفة إلى الفجر فإذا صلى الصبح بمزدلفة فى أول وقته وقف عند المشعر الحرام وذكر اللَّه ﷿ مستقبلا القبلة لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ وإذا لم يتيسر له الوقوف عند المشعر الحرام فليقف فى أى مكان من مزدلفة لقول رسول اللَّه ﷺ: وقفت ههنا وجمع (أى مزدلفة) كلها موقف. وليستمر فى دعائه إلى الإِسفار الجيد ويلتقط من مزدلفة سبع حصيات فقط وهى التى يرمى بها جرة العقبة يوم العيد أما باقى الحصى الذى يرمى به فى أيام التشريق فليلتقطه من منى. ويجوز
[ ٤ / ٢٥١ ]
للضعفة من النساء والصبيان ومن فى حكمهم أن يدفعوا من مزدلفة إلى منى آخر الليل فإذا أسفر الحاج جدا انصرف من مزدلفة إلى منى وأكثر من التلبية فى سيره، وإذا وصل وادى محسر أسرع قليلا. فإذا وصل إلى جمرة العقبة من منى قطع التلبية ورمى هذه الجمرة بسبع حصيات يرفع يده عند رمى كل حصاة ويكبر ويستحب أن يكون رميها من بطن الوادى وتكون الكعبة عن يساره ومنى عن يمينه، ثم بعد الرمى ينحر هديه إن كان قارنا أو متمتعا أما المفرد بالحج فلا يجب عليه الهدى. فإذا ذبح هديه حلق رأسه أى قصر كل شعر رأسه. وبرمى جمرة العقبة والحلق أو التقصير يحل الحاج التحلل الأول وهو الذى يبيح الملابس والطيب وتقليم الأظافر وكل ما كان محرما عليه بالإِحرام إلا النساء فإنه لا يحل له قربان زوجته إلا بعد التحلل التام. والأعمال التى يحصل بها التحلل ثلاثة وهى رمى جمرة العقبة والحلق أو التقصير والطواف بالبيت مع السعى لمن عليه سعى. فمن عمل اثنين منها حلَّ التحلل الأول الذى يبيح له كل شئ إلا النساء فإن عمل الثالث حل له كل شئ حتى زوجته ولا حرج عليه فى تقديم أو تأخير بعض هذه الثلاثة عن بعض فلو قدَّم الطواف بالبيت على رمى جمرة العقبة أو قدم الحلق أو التقصير على رمى جمرة العقبة أى قدم الطواف على الحلق أى التقصير فلا حرج عليه فإن رسول اللَّه ﷺ ما سئل عن شئ من هذه الثلاثة قدم أو أخر إلا قال: "افعل ولا حرج" والمهم هو أنه إذا فعل اثنين منها أيَّ
[ ٤ / ٢٥٢ ]
اثنين حل له أن يلبس ملابسه وحل له كل شئ إلا النساء فإذا فعل الثالث حل له النساء فلو طاف وحلق قبل أن يرمى الجمرة جاز له أن يرمى الجمرة بملابس الحل المعتادة من المخيط أو المحيط وإذا طاف مثلا ورمى الجمرة جاز له أن يحلق رأسه هو لابسٌ ثيابه المعتادة ولو رمى الجمرة وحلق رأسه فله أن يطوف بالبيت وهو لابس ثيابه المعتادة. فاثنان من هذه الثلاثة تحله التحلل الأول والثالث يحله التحلل الأكبر التام. والطواف بعد النزول من عرفات ومزدلفة ركن من أركان الحج وهو المقصود من قوله ﵎: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ ويسمى طواف الإِفاضة وطواف الحج ولا يصح الحج بدونه كالوقوف بعرفة. والمفرد أو القارن إذا كان سعى بين الصفا والمروة بعد طواف القدوم فلا يجب عليه السعى بعد طواف الإفاضة إذ هو مخير فى السعى بين أن يجعله بعد طواف القدوم أى بعد طواف الإِفاضة أما المتمتع فإنه يسعى بعد طواف الإِفاضة ولا بد من هذا السعى بالنسبة للمتمتع. لأن سعيه الأول الذى كان بعد الطواف الذى طافه عند وصوله إلى مكة هو سعى العمرة كما أن طوافه ذاك كان طواف العمرة. أما طواف الإفاضة فلا بد أن يسعى بعده المتمتع فالمتمتع عليه طوافان وسعيان، طواف وسعى للعمرة عند قدومه إلى مكة، وطواف وسعى للحج بعد نزوله من عرفة ومزدلفة أما المفرد أو القارن فإن طوافه عند وصوله إلى مكة سنة ويسمى طواف القدوم فإن سعى بعده أغناه
[ ٤ / ٢٥٣ ]
عن السعى بعد طواف الإِفاضة وإن لم يسع بعد طواف القدوم لزمه السعى بعد طواف الإِفاضة. والطواف بالبيت العتيق صورة من أعظم صوَر العبودية للَّه ﷿ ومظهر من أبرز مظاهر الضراعة للحيى القيوم ومثال من أروع أمثلة الطاعة والانقياد للَّه ﷿ ولم يشرع اللَّه ﵎ الطواف حول مكان فى الأرض سوى بيته المحرم الذى جعله اللَّه ﵎ مثابة للناس وأمنا، وأقامه موئلا للتوحيد وإخلاص العبادة للَّه ﵎، واختاره قبلة لجميع المسلمين. فلا يحل لمسلم أن يطوف حول قبر مهما كان صاحب القبر ولا حول مكان مهما كان هذا المكان سوى الكعبة المشرفة التى جعل اللَّه الطواف خاصا بها، ومن أعظم ما يعبد اللَّه ﷿ به حولها ولذلك قال عز من قائل: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ وكما قال اللَّه ﷿: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ وإلى حديث قادم إن شاء اللَّه تعالى والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.
المدينة المنورة فى ١٨/ ١١/ ١٣٩٥ هـ.