قد سمعت أن بين هذه الأبواب الأربعة مناسبةً وارتباطًا، الأول: باب المعاصي من أمر الجاهلية. والثاني: باب كفرٌ دون كفر، والثالث: باب ظلمٌ دون ظلم. والرابع: باب خوف المؤمن أن يحبط عمله إلخ، فإن فيها على المشهور إيمَاضًا إلى ما نقلته عن ابن تيمية وتأويلًا للأحاديث التي أُطلقَ فيها الكفرُ على المعاصي. وقد بنيت لك ما سَنَحَ لي فيها - والله أعلم - لأن كلامَه مبهمٌ، فلكلٍ وجهةٌ هو مُوَلِيها. أما مطابقةُ جوابِ أبي وائل للسؤال عنهم، فبأن مقتضى الحديثِ تعظيمُ حق المسلم، والحكمُ بالفِسق على من سَبَّه بغير حق، وبالكفرِ على من قاتله، فكأنه قال: كيف تكون مقالة المرجئة حقًا والنبي ﷺ يقول هذا؟
٤٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ:
[ ١ / ٢٢٢ ]
أَخْبَرَنِى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَتَلاَحَى رَجُلاَنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ «إِنِّى خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَإِنَّهُ تَلاَحَى فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ فَرُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمُ الْتَمِسُوهَا فِى السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَالْخَمْسِ». طرفاه ٢٠٢٣، ٦٠٤٩ - تحفة ٥٠٧١
٤٩ - (فتلاحى رجلان) أي تنازع. قال الحافظ: إن المخاصمةَ مستلزمةٌ لرفع الصوت، وهو محبطٌ للعمل بالنص، قال تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ إلى أن قال: ﴿أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾ وبه يتضح مناسبة الحديث للترجمة. وقد خفيت على كثير من الشارحين.
(فَرُفعت) وفي رواية قويةٍ ما يَدلُ بظاهره على رفعِ أصلها عن هذه الأمة. أقول: بل المرادُ منها رفعُ العلم القطعي بها، لا رفعُ ليلة القدر كما فهمه الشيعة خذلهم الله، لأنا قد أُمِرْنا بالتماسها، ولو كانت رفعت مطلقًا لما كان لطلبها معنًى. ومن هنا ظهرت المناسبةُ للترجمة على وجه آخر أيضًا وهو: أن التنازع صار سببًا لرفع علم ليلة القدر، فكذلك المعصية قد تكون سببًا للحبط.
قوله: (في السبع) إلخ، واعلم أن الشارحين عامّة ذهبوا إلى أن المأمورَ به هو التماسُها في ليلة واحدةٍ من تلك الليالي. والمرادُ عندي أحياءُ كلها لأجل ليلة القدر. وهي وإن كانت في الأوتار دون الأشفاع، لكن القيامَ مطلوبٌ في الكل، فكأنَّ التماسَها يكونُ بالقيام في العشر، أو السبع، أو الخمس، وهو المعهود من حاله ﷺ وحالِ الصحابة ﵃. ثم أقول: إن قَسَمتَ الشهرَ على العشرات فليلة القدر في الأخيرة منها، وإن قسمتَها على الأسابيع فهي في الأسبوع الأخير، وإن قسمتَها على الأخماس فهي في الخمس الأخير، وكيف ما كان تكونُ في وترٍ منها. هذا، وإن لم يُقرعْ سمعُك به من قبل، لكنه هو التحقيق إن شاء الله تعالى.