١٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِىُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِى قِلاَبَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِىِّ - ﷺ - قَالَ «ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِى الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِى النَّارِ». أطرافه ٢١، ٦٠٤١، ٦٩٤١ - تحفة ٩٤٦ - ١١/ ١
١٦ - قوله: (ثلاث من كن فيه) إلخ، وفيه تلميح إلى قصة المريض، والصحيح، لأن المريض الصفراوي، يجدُ طعم العسل مرًا، والصحيحُ يذوقُ حلاوته، على ما هي عليه، وكلما نقصت الصحة شيئًا ما، نقص ذوقُهُ بقدر ذلك، فكانت هذه الاستعارة من أوضح ما يقوّي استدلال المصنف رحمه الله تعالى على الزيادة والنقصان.
قال الشيخ أبو محمد بن أبي جَمْرة: إنما عبر بالحلاوة لأن الله شبَّه الإيمان بالشجرة في
_________________
(١) قلت: والذي يسمُّونه حبًا عقليًا نحوٌ من العلم أو قريب منه، بخلافِ الحبِّ عند أهل الفقه والعرف، فإنه من كيفيات نفسانية أخرى، ومن مراتبه الغرام والعشق، فهو غير العلم قطعًا. قوله: "أحب إليه مما سواهما"، قال الشيخ العيني رحمه الله تعالى: كيف قال بإشراك الضمير بينه وبين الله ﷿، مع أنه أنكر على الخطيب الذي قال: ومن يعصهما فقد غوى وأجيب بأن المراد من الخطيب الإيضاح، وأما ههنا فالمراد الإيجاز في اللفظ ليحفظ. وقال القاضي عياض: إنه للإيماء على أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين، لا كل واحدة، فإنها وحدَها ضائعةٌ لاغية. وأمر بالإفراد في حديث الخطيب إشعارًا بأن كل واحد من العصيانين مستقل، باستلزامه الغواية، وقال الأصوليون: أمر بالإفراد لأنه أشدُ تعظيمًا، والمقام يقتضي ذلك. انتهى بتغيير واختصار، قلت واحفظ عن شيخي رحمه الله تعالى أن جوابه أن إنكاره على الخطيب كان من باب التأديب والتهذيب، كقوله تعالى: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] وهذا الجوابُ أقوى، كما سيظهر لمن نَظَرَ في الأحاديث.
[ ١ / ١٥٨ ]
قوله: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيّبَةً كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤] فالكلمةُ هي كلمة الإخلاص، والشجرة أصل الإيمان، وأغصانُها اتِّباعُ الأمر، واجتناب النهي، وورقُها ما يَهُم به المؤمن من الخير، وثمرُهَا عملُ الطاعات، وحلاوة الثمر جَنْيُ الثمرة، وغايةُ كمالِهِ تناهي نضج الثمرة، وبه تظهر حلاوتها كذا في «الفتح». أقول: وإنما عبر بالحلاوة لأن أهلَ العرف يَعُدون المحبة من المذوقات، وهكذا يعبرون عنها في محاوراتهم، وفي القرآن: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل: ١١٢] هذا واعلم أنه قد أشكل على القوم نسبة الذوق إلى اللباس في الآية الشريفة، فإن اللباس من الملبوسات، لا من المذوقات، ولم يُجبْ عنه أحد جوابًا شافيًا لطيفًا ليطمئن به القلب، وقد أجبتُ عنه وأثبتهُ في برنامجي ولا يسع الوقت ذكره (١).