اعلم: أنه ليس في "صحيح مسلم" بعد المقدّمة إلا الحديث السرد، وما يوجد في نسخه من الأبواب مترجمة، فليس من صنع المؤلّف، وإنما صنعه جماعة بعده من نُسّاخه، أو شُرّاحه، وأهمّهم الإمام النوويّ، وكانوا يضعونها على حاشيته. قاله الشيخ أحيد شاكر رحمهُ اللهُ تعالى (١).
هذا كله بالنسبة للأبواب التفصيليّة، وأما أسماء الكتب فإنها من وضع المصنّف، ولذا نجد لها ذكرًا في كتب الأقدمين، كما صرّح بذلك الحافظ أبو بكر أحمد بن عليّ ابن منجويه الأصفهانيّ المتوفّى سنة (٤٢٨) في كتابه "رجال صحيح مسلم" بأسماء الكتب التي في "الصحيح"، وتبعه على ذلك ابن القيسرانيّ المتوفّى سنة (٥٠٧) في "الجمع بين رجال الصحيحين". والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لقد أساء في هذا الصنيع بعض من نسخ الكتاب، ومنهم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، حيث أدخل التراجم في صلب الكتاب، فأوهم القارىء أنه من صنيع المصنّف، فبئسما صنع، فليُتنبّه لهذا الخطأ. والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وكان الحافظ السيوطيّ رحمهُ اللهُ تعالى يرى أن يُترك الكتاب بلا تبويب، حيث قال: وكان الصواب ترك ذلك، ولهذا نجد النسخ القديمة ليس فيها أبواب البتّة، كنسخة بخطّ أبي إسحاق الصريفينيّ كذلك لا أبواب فيها أصلًا. انتهى (٢).
وقال الشيخ أبو عمرو رحمهُ اللهُ تعالى ما نصُّهُ: ثم إن مسلما -﵀ وإيانا- رتب كتابه على الأبواب، فهو مبوب في الحقيقة، ولكنه لم يذكر فيه تراجم الأبواب؛ لئلا يزداد
_________________
(١) انظر مقدمة "مفتاح كنوز السنة" ١/ أ.
(٢) انظر ما كتبه الشيخ مشهور في كتابه ١/ ٣٨٥.
[ ١ / ٥١ ]
بها حجم الكتاب، أو لغير ذلك. انتهى (١).
قال النوويّ رحمهُ اللهُ تعالى: وقد ترجم جماعة أبوابه بتراجم بعضها جيد، وبعضها ليس بجيد، إما لقصور في عبارة الترجمة، وإما لركاكة لفظها، وإما لغير ذلك، وأنا إن شاء الله تعالى أحرص على التعبير عنها بعبارات تليق بها في مواطنها. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ثم إن النوويّ مع أنه ادّعى أنه يعبّر بعبارات تليق بها إلا أنه لم يسلم من الانتقاد، فقد وُجد في صنيعه ما هو غير لائق، كما حرّره بعض الأفاضل (٢)، فقد فصل القدر عن الإيمان، وفصل المنافقين عن الإيمان، وجعل أحاديث الآداب في عدد من الكتب، فعنده كتاب الأدب، ثم كتاب السلام، وهو من الآداب، ثم كتاب البرّ والصلة، والآداب.
[تنبيه]: قال الحافظ وليّ الدين العراقيّ رحمهُ اللهُ تعالى: واعلم أن مسلمًا رحمهُ اللهُ تعالى ذكر في "صحيحه" كتاب الأدب، ثم الرؤيا، ثم المناقب، ثم البر والصلة، وإن الحافظ المزّيّ يعزو جميع ما في البرّ للأدب، مع أنهما منفصلان، بينهما الرؤيا، والمناقب، وكأن المزّيّ يرى أن مسلمًا كرّر الأدب في موضعين، وكان ينبغي له أن يقول: في الأدب الأول، والأدب الثاني؛ ليميّز بينهما. انتهى (٣).
ومما يُنتقد على النوويّ أنه ترجم لحديث وائل بن حجر -﵁- بقوله: "باب وضع يده اليمنى على اليسرى بعد تكبيرة الإحرام تحت صدره، فوق سرته، ووضعها في السجود على الأرض حذو منكبيه". ولا يوجد في الحديث الذي ساقه في "الصحيح" ما يدلّ على قوله: "تحت الصدر، وفوق السرّة"، بل هذا سرى له ما ثبت في مذهبه من العمل بهذا، مع أنه ثبت في نفس الحديث خارج الصحيح ما يخالف هذا، حيث قال: "على الصدر"، ومثل هذا كثير جدّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.