وَاخْتلفُوا فِي اسْمه وَاسم أَبِيه على ثَمَانِيَة عشر قولا قد ذكرتها فِي كتاب «التلقيح»، وأشهرها عبد شمس. وَكَانَت لَهُ فِي قديم أمره هرة صَغِيرَة فكني بهَا. وَقدم الْمَدِينَة سنة سبع وَرَسُول الله ﷺ بِخَيْبَر، فَسَار إِلَى خَيْبَر حَتَّى قدم مَعَ رَسُول الله ﷺ الْمَدِينَة، وَمَا حفظ لأحد من الصَّحَابَة أَكثر من حَدِيثه؛ فَإِنَّهُ روى عَن رَسُول الله ﷺ خَمْسَة آلَاف حَدِيث وثلثمائة وَأَرْبَعَة وَسبعين، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي «الصَّحِيحَيْنِ» سِتّمائَة وَتِسْعَة أَحَادِيث.
١٧٣٧ - / ٢١٦٨ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: قَالَ ابْن عَبَّاس: مَا رَأَيْت شَيْئا أشبه باللمم مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: إِن النَّبِي ﷺ قَالَ: «إِن الله كتب على ابْن آدم حَظه من الزِّنَا أدْرك ذَلِك لَا محَالة» .
[ ٣ / ٣١٨ ]
اللمم: مقاربة الْمعْصِيَة من غير مواقعة لَهَا. وَالْمرَاد بِالْحَدِيثِ أَن النّظر والنطق وشهوة النَّفس تقَارب الزِّنَا.
وَقَوله: «أدْرك ذَلِك» أَي قضي عَلَيْهِ، فَلَا بُد من إِصَابَة شَيْء من ذَلِك.
وَالزِّنَا مَقْصُور وَقد يمد. وَإِنَّمَا سمي النّظر زنا لِأَنَّهُ مُقَدّمَة ذَلِك.
وَقَوله: «والفرج يصدق ذَلِك» دَلِيل على أَن المتلوط زَان، وَأَنه يحد حد الزَّانِي.
١٧٣٨ - / ٢١٦٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: قَالَ ابْن عَبَّاس: قدم مُسَيْلمَة الْمَدِينَة، فَجعل يَقُول: إِن جعل لي مُحَمَّد الْأَمر من بعده تَبعته.
أما مُسَيْلمَة فاسمه ثُمَامَة بن قيس، وَكَانُوا يَقُولُونَ لَهُ رحمان، يسمونه باسمه الَّذِي يَدعِي أَنه يَأْتِيهِ. وَكَانَ مُسَيْلمَة قد خاصمه قومه لما ادّعى النُّبُوَّة، فَقَالَ: أَنا أُؤْمِن بِمُحَمد وَلَكِنِّي قد أشركت مَعَه فِي النُّبُوَّة، فكاتبه بَنو حنيفَة وأنزلوه حجرا، فَكتب ثُمَامَة بن أَثَال يخبر رَسُول الله ﷺ أَن مُسَيْلمَة قد دَعَا إِلَى أمره، وَغلب على حجر، وَشهد لَهُ الرِّجَال بِأَنَّهُ قد أشرك فِي النُّبُوَّة، فأضل عَامَّة من كَانَ معي. ثمَّ قدم كتاب مُسَيْلمَة على رَسُول الله ﷺ مَعَ رجلَيْنِ يُقَال لَهما: عبد الله بن النواح وَعبد الله بن حُجَيْر، وَكَانَ فِي كِتَابه: أَن الأَرْض نصفهَا لنا وَنِصْفهَا لقريش، وَلَكِن قُريْشًا قوم لَا يعدلُونَ، ويدعوه فِي كِتَابه إِلَى الْمُقَاسَمَة فَقَالَ النَّبِي ﷺ: «لَوْلَا أَن الرُّسُل لَا تقتل لقتلتكما» ثمَّ أجَاب النَّبِي ﷺ: «من مُحَمَّد إِلَى مُسَيْلمَة الْكذَّاب، أما بعد فَإِن الأَرْض لله
[ ٣ / ٣١٩ ]
يُورثهَا من يَشَاء من عباده وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين. وَقد أهلكت أهل حجر، أقادك الله وَمن صوب مَعَك» وَقدم مُسَيْلمَة الْمَدِينَة وَجرى لَهُ مَا ذكر فِي هَذَا الحَدِيث، ثمَّ توفّي رَسُول الله ﷺ وتغوفل عَنهُ، فاستفحل أمره إِلَى أَن قَتله الله ﷿ بيد وَحشِي الَّذِي قتل حَمْزَة.
وَكَانَ من قرآنه الَّذِي يَدعِي أَنه يُوحى إِلَيْهِ: «وَاللَّيْل الأطخم. وَالذِّئْب الأدلم. والجزع الأزلم، مَا انتهكت أسيد من محرم» «وَاللَّيْل الدامس. وَالذِّئْب الهامس. مَا قطت أسيد من رطب وَلَا يَابِس» «وَالشَّاء وألوانها. وأعجبها السود وَأَلْبَانهَا. وَالشَّاة السَّوْدَاء. وَاللَّبن الْأَبْيَض، إِنَّه لعجب مَحْض. وَقد حرم المذق فَمَا لكم لَا تمجعون» «ضفدع بنت ضفدعين. نقي مَا تنقين. أعلاك فِي المَاء وأسفلك فِي الطين. لَا الشَّارِب تمنعين وَلَا المَاء تكدرين» .
«والمندبات زرعا. والحاصدات حصدا. والذاريات قمحا. والطاحنات طحنا. والخابزات خبْزًا. والثاردات ثردا. واللاقمات لقما. إهالة وَسمنًا. لقد فضلْتُمْ على أهل الْوَبر. وَمَا سبقكم أهل الْمدر»، «الْفِيل وَمَا أَدْرَاك مَا الْفِيل. لَهُ ذَنْب وثيل. وخرطوم طَوِيل» .
وتمضمض يَوْمًا مُسَيْلمَة ورماه فِي بِئْر فغارت، وَمسح على رَأس صبي فقرع، ودعا لآخر فَعميَ، ودعا لآخر فَمَاتَ من يَوْمه، وَمسح
[ ٣ / ٣٢٠ ]
ضرع نَاقَة لتدر فيبست أخلافها وَانْقطع درها.
وَأما الجريد فَهُوَ سعف النّخل، الْوَاحِدَة جَرِيدَة، وَسميت بذلك لِأَنَّهُ قد جرد مِنْهَا الخوص.
وَقَوله: «ليَعْقِرنك» أَي ليهلكنك.
وَقَوله: «وَهَذَا ثَابت يجيبك عني» كَانَ ثَابت بن قيس بن شماس خطيب رَسُول الله ﷺ يتَكَلَّم عَنهُ، وَهَذَا لِأَن الْقَوْم ألفوا تشقيق الْكَلَام وإنشاد الشّعْر، وَكَانَ ثَابت للخطب، وَحسان للشعر. وَفِي هَذَا تَنْبِيه على جَوَاز تشقيق الْكَلَام إِذا كَانَ صدقا وصحيحا.
وَأما الْعَنسِي فَهُوَ الْأسود، واسْمه عبهلة بن كَعْب، وَكَانَ يُقَال لَهُ ذُو الْخمار، يزْعم أَن الَّذِي يَأْتِيهِ ذُو خمار. وَأول ردة كَانَت فِي الْإِسْلَام بِالْيمن، على عهد رَسُول الله ﷺ، على يَدي الْأسود الْعَنسِي، وَكَانَ الْأسود كَاهِنًا ومشعبذا، وَكَانَ يُرِيهم الْأَعَاجِيب، وَيَسْبِي الْقُلُوب بمنطقه، فكاتبته مذْحج، وواعدوه نَجْرَان، فَوَثَبُوا بهَا فأخرجوا عَمْرو بن حزم وخَالِد بن سعيد بن الْعَاصِ، وأنزلوه منزلهما، وَصفا لَهُ ملك الْيمن، وَلم يقر برَسُول الله ﷺ وَلَا طَالبه أَتْبَاعه بِهَذَا، وَلم يكْتب إِلَى النَّبِي ﷺ، فَوَثَبَ عَلَيْهِ فَيْرُوز الديلمي فَقتله، فَأُوحي إِلَى رَسُول الله ﷺ بذلك، فَقَالَ: «قتل الْأسود البارحة، قَتله رجل مبارك من أهل بَيت مباركين» قيل: وَمن؟ قَالَ:
[ ٣ / ٣٢١ ]
«فَيْرُوز، فَازَ فَيْرُوز» .
وَكَانَ قد ادّعى النُّبُوَّة أَيْضا طليحة بن خويلد فِي بني أَسد، وَكَانَ يُقَال لَهُ ذُو النُّون، بِأَن الَّذِي يَأْتِيهِ ذُو النُّون، وَاجْتمعت عَلَيْهِ الْعَرَب، وَأَرْسلُوا وفودا فعرضوا أَن يقيموا الصَّلَاة ويعفوا عَن الزَّكَاة، فَصَعدَ أَبُو بكر الْمِنْبَر، فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَقَالَ: إِن الله توكل بِهَذَا الْأَمر، فَهُوَ نَاصِر من لزمَه، وخاذل من تَركه، وَإنَّهُ بَلغنِي أَن وفودا من وُفُود الْعَرَب قدمُوا يعرضون الصَّلَاة ويأبون الزَّكَاة. أَلا وَإِنَّهُم لَو مَنَعُونِي عقَالًا مِمَّا أَعْطوهُ رَسُول الله ﷺ مَعَ فرائضهم مَا قبلته مِنْهُم. أَلا بَرِئت الذِّمَّة من رجل من هَؤُلَاءِ الْوُفُود أَخذ بعد يَوْمه وَلَيْلَته بِالْمَدِينَةِ. فتواثبوا يتخطون رِقَاب النَّاس حَتَّى مَا بَقِي فِي الْمَسْجِد مِنْهُم أحد. ثمَّ دَعَا نَفرا فَأَمرهمْ بأَمْره، فَأمر عليا بِالْقيامِ على نقب من أنقاب الْمَدِينَة، وَأمر الزبير بِالْقيامِ على نقب آخر، وَأمر طَلْحَة بِالْقيامِ على نقب آخر، وَأمر عبد الله بن مَسْعُود بعسس مَا وَرَاء ذَلِك بِاللَّيْلِ والإرتباء نَهَارا. وجد فِي أمره، وَقَامَ على سَاق، وَخرج أَبُو بكر حَتَّى انْتهى إِلَى الربذَة، فلقي بني عبس وذبيان فَقَاتلهُمْ، فَهَزَمَهُمْ الله وفلهم، ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة فَقطع فِيهَا الْجنُود، وَعقد أحد عشر لِوَاء، [لِوَاء] مِنْهَا لخَالِد ابْن الْوَلِيد، وَأمره بطليحة بن خويلد فَإِذا فرغ مِنْهُ سَار إِلَى مَالك بن نُوَيْرَة، ولعكرمة وَأمره بمسيلمة، وللمهاجر بن أبي أُميَّة فَأمره بِجُنُود
[ ٣ / ٣٢٢ ]
الْعَنسِي، ولخالد بن سعيد بن العَاصِي إِلَى مَشَارِق الشَّام، فَأَما طليحة فَإِنَّهُ عَاد إِلَى الْإِسْلَام، وَأما مُسَيْلمَة فَأَقَامَ على حَاله فَقتله الله تَعَالَى.
١٧٣٩ - / ٢١٧٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: «أَنا عِنْد ظن عَبدِي بِي» .
اعْلَم أَن صدق رَجَاء الْمُؤمن لفضل الله ﷿ وجوده يُوجب حسن الظَّن بِهِ، وَلَيْسَ حسن الظَّن بِهِ مَا يَعْتَقِدهُ الْجُهَّال من الرَّجَاء مَعَ الْإِصْرَار على الْمعاصِي، وَإِنَّمَا مثلهم فِي ذَلِك كَمثل من رجا حصادا وَمَا زرع، أَو ولدا وَمَا نكح. وَإِنَّمَا الْعَارِف بِاللَّه ﷿ يَتُوب ويرجو الْقبُول، ويطيع ويرجو الثَّوَاب. أخبرنَا مُحَمَّد بن نَاصِر قَالَ: أخبرنَا الْمُبَارك بن عبد الْجَبَّار قَالَ: أَنبأَنَا عبد الْعَزِيز بن عَليّ قَالَ: سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن أَحْمد الْمُفِيد يَقُول: حَدثنَا الْحسن بن إِسْمَاعِيل قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم الفِهري عَن أَبِيه عَن الْحسن قَالَ: إِن قوما ألهتهم أماني الْمَغْفِرَة حَتَّى خَرجُوا من الدُّنْيَا وَلَيْسَت لَهُم حَسَنَة، يَقُول: إِنِّي لحسن الظَّن بربي، وَكذب، لَو أحسن الظَّن بربه لأحسن الْعَمَل.
«وَأَنا مَعَه حِين يذكرنِي» أَي بِالْحِفْظِ والحراسة وَحسن الْجَزَاء.
وَقَوله: «ذكرته فِي ملإ خير مِنْهُم» الْمَلأ: الْأَشْرَاف، وَالْمرَاد بهم الْمَلَائِكَة. وَبَاقِي الحَدِيث قد سبق فِي مُسْند أنس بن مَالك.
[ ٣ / ٣٢٣ ]
١٧٤٠ - / ٢١٧١ - والْحَدِيث الرَّابِع: قد تقدم فِي مُسْند ابْن عمر.
١٧٤١ - / ٢١٧٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: «لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى تضطرب أليات نسَاء دوس على ذِي الخلصة» .
الأليات جمع ألية: وَهِي الْعَجز.
وَذُو الخلصة: بَيت كَانَ فِيهِ صنم يُقَال لَهُ الخلصة، وَكَانَ لدوس وخثعم، وَكَانَ يُسمى الْكَعْبَة اليمانية، فَبعث رَسُول الله ﷺ جرير بن عبد الله لهدمه، وَعقد لَهُ لِوَاء، فهدمه، فَأخْبر النَّبِي ﷺ: أَن النَّاس يعودون فِي آخر الزَّمَان إِلَى عبَادَة الْأَوْثَان. وَإِنَّمَا ذكر اضْطِرَاب الأليات ليصف قُوَّة الْحِرْص على السَّعْي حول ذَلِك الصَّنَم الَّذِي كَانَ يعبد حَتَّى حرص النِّسَاء إِلَى أَن تضطرب أعضاؤهن لشدَّة الْحَرَكَة.
١٧٤٢ - / ٢١٧٤ - والْحَدِيث السَّابِع: قد تقدم فِي مُسْند جَابر بن سَمُرَة.
١٧٤٣ - / ٢٧١٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن: «مَا من مَوْلُود يُولد إِلَّا نخسه الشَّيْطَان، فَيَسْتَهِل صَارِخًا» .
الإستهلال: رفع الصَّوْت.
[ ٣ / ٣٢٤ ]
والنخس بالشَّيْء المحدد كرؤوس الْأَصَابِع.
والحجاب هَاهُنَا المشيمة.
وَقَوله: «نزغة من الشَّيْطَان» أَي قصد للْفَسَاد.
١٧٤٤ - / ٢١٧٦ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع: «ليوشكن أَن ينزل ابْن مَرْيَم حكما مقسطا، فيكسر الصَّلِيب، وَيقتل الْخِنْزِير، وَيَضَع الْجِزْيَة» .
الوشيك: الْقَرِيب. وَأَرَادَ قرب ذَلِك الْأَمر.
وَالْحكم: الْحَاكِم. والمقسط: الْعَادِل. يُقَال: أقسط فَهُوَ مقسط: إِذا عدل، وقسط فَهُوَ قاسط: إِذا جَار.
وَفِي قَوْله: «وَيَضَع الْجِزْيَة» قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه يحمل النَّاس على دين الْإِسْلَام، وَلَا يبْقى أحد تجْرِي عَلَيْهِ الْجِزْيَة. وَالثَّانِي: أَنه لَا يبْقى فِي النَّاس فَقير يحْتَاج إِلَى المَال، وَإِنَّمَا تُؤْخَذ الْجِزْيَة فتصرف فِي الْمصَالح، فَإِذا لم يبْق للدّين خصم عدمت الْوُجُوه الَّتِي تصرف فِيهَا الْجِزْيَة فَسَقَطت. ذكر الْقَوْلَيْنِ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ. وَيحْتَمل وَجها ثَالِثا: وَهُوَ أَنه يضْرب الْجِزْيَة على من يدين بدين النَّصَارَى كَمَا هِيَ الْيَوْم، وَذَلِكَ لِأَن شَرعه نسخ، فَلَمَّا نزل اسْتعْمل شرعنا، وَمن شرعنا ضرب الْجِزْيَة وَقتل الْخِنْزِير.
وَقَوله: «حَتَّى تكون السَّجْدَة الْوَاحِدَة خيرا من الدُّنْيَا» كَأَنَّهُ يُشِير إِلَى
[ ٣ / ٣٢٥ ]
صَلَاح النَّاس، وَإِيمَانهمْ، وإقبالهم على الْخَيْر، فهم لذَلِك يؤثرون الرَّكْعَة على الدُّنْيَا، وَلذَلِك قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: اقْرَءُوا إِن شِئْتُم: ﴿وَإِن من أهل الْكتاب إِلَّا ليُؤْمِنن بِهِ قبل مَوته وَيَوْم الْقِيَامَة يكون عَلَيْهِم شَهِيدا﴾ [النِّسَاء: ١٥٩] وَيدل على صَلَاح النَّاس عِنْد نزُول عِيسَى قَوْله: «وَتذهب الشحناء والتباغض» .
وَأما قَوْله: «وإمامكم مِنْكُم» فقد سبق فِي مُسْند جَابر بن عبد الله أَنه: «إِذا نزل عِيسَى قَالَ أَمِير النَّاس: صل لنا، فَيَقُول: لَا، إِن بَعْضكُم على بعض أُمَرَاء» . وَهَذَا معنى قَوْله: «فأمكم مِنْكُم» أَي وَاحِد مِنْكُم. وَفِي هَذَا الحَدِيث عَن ابْن أبي ذِئْب تَفْسِير آخر، فَإِنَّهُ قَالَ: مَعْنَاهُ: أمكُم بِكِتَاب الله وَسنة نبيه. وَمَا ذكرنَا فِي حَدِيث جَابر يبطل هَذَا التَّأْوِيل.
والقلاص جمع قلُوص: وَهِي الْأُنْثَى من الْإِبِل، وَقيل: القلوص: الْبَاقِيَة على السّير من النوق.
وَقَوله: «لَا يسْعَى عَلَيْهَا» يحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: يسْتَغْنى عَن رعيها لِكَثْرَة المَال. وَالثَّانِي: لَا يسْعَى عَلَيْهَا إِلَى جِهَاد لإسلام النَّاس.
١٧٤٥ - / ٢١٨٧ - وَفِي الحَدِيث الْعَاشِر: «يتقارب الزَّمَان، وَينْقص الْعلم» .
فِي معنى تقَارب الزَّمَان أَرْبَعَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه قرب الْقِيَامَة،
[ ٣ / ٣٢٦ ]
وَالْمعْنَى: إِذا قربت الْقِيَامَة كَانَ من أشراطها الشُّح والهرج. وَالثَّانِي: قصر مُدَّة الْأَزْمِنَة كَمَا جرت بِهِ الْعَادة، وَلِهَذَا قَالَ فِي حَدِيث آخر: «يتقارب الزَّمَان حَتَّى تكون السّنة كالشهر، والشهر كَالْجُمُعَةِ، وَالْجُمُعَة كَالْيَوْمِ» . وَالثَّالِث: أَنه قصر الْأَعْمَار. وَالرَّابِع: أَنه تقَارب أَحْوَال النَّاس فِي غَلَبَة الْفساد عَلَيْهِم، فَيكون الْمَعْنى: يتقارب أهل الزَّمَان: أَي تتقارب صفاتهم فِي القبائح، وَلِهَذَا ذكر على إثره: الْهَرج وَالشح.
وَأما نقص الْعلم وَقَبضه فقد سبق بَيَانه فِي مُسْند أنس.
وَقَوله: «يلقى الشُّح» على وَجْهَيْن: أَحدهمَا يلقى من الْقُلُوب، يدل عَلَيْهِ قَوْله: «وَيفِيض المَال» . وَالثَّانِي: يلقى فِي الْقُلُوب فَيُوضَع فِي قلب من لَا شح عِنْده، وَيزِيد فِي قلب الشحيح. وَوجه هَذَا أَن الحَدِيث خَارج مخرج الذَّم، فوقوع الشُّح فِي الْقُلُوب مَعَ كَثْرَة المَال أبلغ فِي الذَّم. قَالَ أَبُو عبد الله الْحميدِي: وَقد رَأَيْت من يمِيل إِلَى أَن لفظ الحَدِيث يلقى بتَشْديد الْقَاف، وَالْمعْنَى: يتلَقَّى ويتعلم ويتواصى بِهِ. وَقد سبق تَفْسِير الشُّح فِي مُسْند جَابر بن عبد الله.
والهرج: الْقَتْل.
والدجال: الْكذَّاب.
[ ٣ / ٣٢٧ ]
وفيض المَال: كثرته.
والأرب: الْحَاجة.
والمروج جمع مرج. قَالَ ابْن فَارس: المرج: أَرض ذَات نَبَات تمرج فِيهَا الدَّوَابّ.
١٧٤٦ - / ٢١٧٨ - والْحَدِيث الْحَادِي عشر: قد سبق فِي مُسْند ابْن عمر.
١٧٤٧ - / ٢١٧٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي عشر: «لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى تقاتلوا قوما نعَالهمْ الشّعْر» .
هَذَا شعار للترك، وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن بن الْمُنَادِي: هم البربر.
وَأما المجان فَجمع مجن: وَهُوَ الترس. قَالَ أَبُو عبيد: والمطرقة: الَّتِي أطرقت بالجلود والعقب: أَي ألبست، وَكَذَلِكَ النَّعْل المطرقة: هِيَ الَّتِي قد أطبقت عَلَيْهَا أُخْرَى. شبه عرض وُجُوههم ونتو جباههم بِظُهُور الترسة الَّتِي قد ألبست الأطرقة.
وَقَوله: «ذلف الأنوف»: الذلف: قصر الْأنف وانبطاحه. وَقَالَ الزّجاج: قصر الْأنف وصغره. يُقَال: امْرَأَة ذلفاء: إِذا كَانَت كَذَلِك. والفطس انفراش الْأنف وطمأنينة وَسطه.
[ ٣ / ٣٢٨ ]
والبارز: مَوضِع.
وَقَوله: «تَجِدُونَ خير النَّاس أَشَّدهم كَرَاهِيَة لهَذَا الْأَمر» كَأَنَّهُ يُشِير إِلَى الولايات.
وَقَوله: «النَّاس معادن» الْإِشَارَة إِلَى أصل الْموضع، فمعدن الذَّهَب ينْبت الذَّهَب، ومعدن القار والنفط لَا يَجِيء مِنْهُ إِلَّا ذَلِك، ويوضح هَذَا قَوْله: «خيارهم فِي الْجَاهِلِيَّة خيارهم فِي الْإِسْلَام» الْمَعْنى أَن الأَصْل الْجيد فِي الْجَاهِلِيَّة يزِيدهُ الْإِسْلَام جودة.
وَقَوله: «وليأتين على أحدكُم زمَان لِأَن يراني» يحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون خطابا للصحابة، يتمنون بعد عَدمه رُؤْيَته، إِمَّا للشوق إِلَيْهِ، أَو لظُهُور الْفِتَن، وَالثَّانِي: أَن يكون للتابعين وَمن بعدهمْ، فَيكون قَوْله: «أحدكُم» أَي أحد أمتِي. وَفِي أَفْرَاد مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ: «من أَشد أمتِي حبا لي نَاس يكونُونَ بعدِي، يود أحدهم لَو رَآنِي بأَهْله وَمَاله» .
١٧٤٨ - / ٢١٨٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث عشر: «لَا يلْدغ الْمُؤمن من جُحر مرَّتَيْنِ» .
يرْوى بِضَم الْغَيْن على معنى الْخَبَر، وبكسرها على معنى الْأَمر.
قَالَ أَبُو سُلَيْمَان: هُوَ لفظ خبر وَمَعْنَاهُ الْأَمر، يَقُول: ليكن الْمُؤمن
[ ٣ / ٣٢٩ ]
حازما حذرا، لَا يُؤْتى من نَاحيَة الْغَفْلَة فِي الدّين وَالدُّنْيَا.
١٧٤٩ - / ٢١٨١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع عشر: «أَيّمَا مُؤمن سببته أَو جلدته فَاجْعَلْ ذَلِك لَهُ قربَة إِلَيْك يَوْم الْقِيَامَة» .
فَإِن قيل: جَمِيع أَفعَال النَّبِي ﷺ فِي الْغَضَب وَالرِّضَا حق وصواب، فَلم اعتذر عَن مثل هَذِه الْأَشْيَاء؟ فَالْجَوَاب: أَن هَذَا الإعتذار من فعل شَيْء غَيره أولى مِنْهُ، فَإِن الْعَفو فِي الْغَالِب أولى من الْعقُوبَة.
١٧٥٠ - / ٢١٨٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس عشر: فَقَامَ عكاشة يجر نمرة.
النمرة: كسَاء ملون.
والْحَدِيث قد تقدم فِي مُسْند عمرَان بن حُصَيْن.
١٧٥١ - / ٢١٨٣ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس عشر: «إِن لله مائَة رَحْمَة، أنزل مِنْهَا رَحْمَة وَاحِدَة بَين الْجِنّ وَالْإِنْس والبهائم والهوام، فبها يتعطافون، وَبهَا يتراحمون، وَبهَا تعطف الْوَحْش على أَوْلَادهَا، وَأخر تسعا وَتِسْعين رَحْمَة يرحم بهَا عباده يَوْم الْقِيَامَة» .
اعْلَم أَن رَحْمَة الله ﷿ صفة من صِفَات ذَاته وَلَيْسَت على معنى
[ ٣ / ٣٣٠ ]
الرقة كَمَا فِي صِفَات بني آدم، وَإِنَّمَا ضرب مثلا بِمَا يعقل من ذكر الْأَجْزَاء أَو رَحْمَة المخلوقين، وَالْمرَاد أَنه أرْحم الرَّاحِمِينَ.
١٧٥٢ - / ٢١٨٤ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع عشر: قَالَ ابْن الْمسيب: الْبحيرَة الَّتِي يمْنَع درها للطواغيت فَلَا يحلبها أحد من النَّاس.
والسائبة: مَا يسيبونها لآلهتهم لَا يحمل عَلَيْهَا شَيْء. قَالَ: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: قَالَ رَسُول الله ﷺ: «رَأَيْت عَمْرو بن عَامر الْخُزَاعِيّ يجر قصبه فِي النَّار، كَانَ أول من سيب السوائب» .
الْبحيرَة: هِيَ الْأُنْثَى تلدها النَّاقة بعد أَرْبَعَة أبطن. وَقيل: بعد عشرَة أبطن، كَانُوا يشقون أذنها وتخلى.
وَاخْتلفُوا فِي السائبة، فَقيل: هِيَ النَّاقة، كَانَت إِذا نتجت عشرَة أبطن كُلهنَّ إناث سيبت فَلم تركب وَلم يجز لَهَا وبر، وَلم يشرب لَبنهَا إِلَّا ضيف. وَقيل: السائبة مَا كَانُوا يخرجونه من أَمْوَالهم فَيَأْتُونَ بِهِ خَزَنَة الْآلهَة فيطعمون ابْن السَّبِيل من ألبانه ولحومه.
عَمْرو وَهَذَا هُوَ أَبُو خُزَاعَة وَفِي بعض أَلْفَاظ الصَّحِيح: «رَأَيْت عَمْرو بن لحي بن قمعة بن خندف أَخا بني كَعْب وَهُوَ يجر قصبه فِي النَّار» وَقد روينَا أَنه عَمْرو بن عَامر، فأظن لحيا لقب لعامر. وقمعة
[ ٣ / ٣٣١ ]
بِفَتْح الْقَاف وَالْمِيم، كَذَلِك ضبط فِي نسب الزبير بن بكار.
والقصب: المعى.
وَقَوله: «كَانَ أول من سيب السوائب» أَي أول من ابتدع هَذَا وَجعله دينا.
١٧٥٣ - / ٢١٨٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن عشر: «قلب الشَّيْخ شَاب على حب اثْنَتَيْنِ: طول الْحَيَاة وَحب المَال» .
قد سبق بَيَان هَذَا الحَدِيث فِي مُسْند أنس، وَقُلْنَا: إِن أحب الْأَشْيَاء إِلَى الْإِنْسَان نَفسه، فَمَا تزَال محبته لَهَا تقوى، خُصُوصا إِذا أَيقَن بِقرب الرحيل، ثمَّ إِنَّه يحب مَا هُوَ سَبَب قوامها وَهُوَ المَال، لموْضِع محبته إِيَّاهَا.
١٧٥٤ - / ٢١٨٦ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع عشر: شَهِدنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ خَيْبَر، فَقَالَ لرجل مِمَّن يَدعِي الْإِسْلَام: «هَذَا من أهل النَّار» فَذكر مثل حَدِيث سهل بن سعد الْمُتَقَدّم فِي مُسْنده، وَقَالَ فِيهِ: «إِن الله يُؤَيّد هَذَا الدّين بِالرجلِ الْفَاجِر» .
قد ذكرنَا خبر ذَلِك الرجل فِي مُسْند سهل، وَبينا أَن اسْم الرجل قزمان، وَأَن ذَلِك كَانَ يَوْم أحد. وَيُمكن أَن يكون قد جرى مثل هَذَا لآخر يَوْم خَيْبَر، وَالله أعلم.
[ ٣ / ٣٣٢ ]
١٧٥٥ - / ٢١٨٧ - وَفِي الحَدِيث الْعشْرين: «نعما للمملوك يحسن عبَادَة ربه وصحابة سَيّده» .
فِي نعم أَربع لُغَات: نعم بِفَتْح النُّون وَكسر الْعين مثل علم. وَنعم بكسرهما. وَنعم بِفَتْح النُّون وتسكين الْعين. وَنعم بِكَسْر النُّون وتسكين الْعين. قَالَ الزّجاج: و«مَا» فِي تَأْوِيل الشَّيْء، وَالْمعْنَى: نعم الشَّيْء.
١٧٥٦ - / ٢١٨٨ - وَقد سبق الحَدِيث الْحَادِي وَالْعشْرُونَ.
١٧٥٧ - / ٢١٨٩ - وَالثَّانِي وَالْعشْرُونَ، وَفِيه فِي صفة مُوسَى: أَنه مُضْطَرب، رجل الرَّأْس. وَقد ذكرنَا فِي مُسْند جَابر بن عبد الله فِي صفة مُوسَى أَنه ضرب من الرِّجَال: وَهُوَ الْخَفِيف الْجِسْم، وَكَأن هَذَا إِشَارَة إِلَى ذَاك.
وَأما الرجل فَهُوَ الَّذِي فِي شعره سهولة.
وَفِي صفة عِيسَى: كَأَنَّمَا خرج من ديماس. وَقد فسر فِي الحَدِيث أَنه الْحمام. وَقَالَ الْخطابِيّ: الديماس: السرب. يُقَال: دمست
[ ٣ / ٣٣٣ ]
الرجل: إِذا قبرته، وَأَرَادَ أَنه من نَضرة وَجهه وَحسنه كَأَنَّهُ خرج من كن.
١٧٥٨ - / ٢١٩٠ - والْحَدِيث الثَّالِث وَالْعشْرُونَ قد سبق فِي مُسْند عمر.
١٧٥٩ - / ٢١٩١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْعِشْرين: «قَاتل الله الْيَهُود، اتَّخذُوا قُبُور أَنْبِيَائهمْ مَسَاجِد» .
قَاتل بِمَعْنى لعن، قَالَه ابْن عَبَّاس. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: قَتلهمْ الله.
وَهَذَا قَالَه قبل مَوته ﷺ، لِئَلَّا يتَّخذ قَبره مَسْجِدا. وَقد تقدم بَيَان مثل هَذَا، وَأَن الْقُبُور لَا يَنْبَغِي أَن تعظم، إِنَّمَا تحترم بكف الْأَذَى عَنْهَا.
والعوام الْيَوْم مغرون بتعظيمها وَالصَّلَاة عِنْدهَا.
١٧٦٠ - / ٢١٩٢ - والْحَدِيث الْخَامِس وَالْعشْرُونَ: فِيهِ ذكر ذِي السويقتين. وَقد سبق هَذَا، وَبينا أَنه إِنَّمَا صغرهما لدقتهما، وَفِي سوق الْحَبَشَة دقة.
١٧٦١ - / ٢١٩٣ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْعِشْرين: «الْحلف منفقة
[ ٣ / ٣٣٤ ]
للسلعة، ممحقة للكسب» .
المُرَاد بِالْحلف هَا هُنَا الْيَمين الْفَاجِرَة، فَإِن السّلْعَة تنْفق بهَا: أَي تخرج. وَالْكَسْب لموْضِع الْغرُور وَالْكذب يمحق.
١٧٦٢ - / ٢١٩٤ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْعِشْرين: «إِنَّمَا يُسَافر إِلَى ثَلَاثَة مَسَاجِد: الْكَعْبَة، ومسجدي، وَمَسْجِد إيلياء» .
وَقد تقدم هَذَا فِي مُسْند أبي سعيد.
وقرأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور اللّغَوِيّ: إيلياء: بَيت الْمُقَدّس، وَهُوَ مُعرب، قَالَ الفرزدق:
(وبيتان بَيت الله نَحن ولاته وَبَيت بِأَعْلَى إيلياء مشرف)
١٧٦٣ - / ٢١٩٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْعِشْرين: «كل عمل ابْن آدم لَهُ إِلَّا الصَّوْم» .
وَقد شرحناه فِي مُسْند أبي سعيد. إِلَّا أَن فِي هَذَا الحَدِيث: «الصَّوْم جنَّة» وَفِيه وَجْهَان: أَحدهمَا: جنَّة من الْمعاصِي. وَالثَّانِي: من النَّار.
وَقَوله: «فَلَا يرْفث» الرَّفَث: الْكَلَام الْقَبِيح، والصخب، وَرفع الصَّوْت عِنْد الْغَضَب بالْكلَام السيء.
[ ٣ / ٣٣٥ ]
وَفِي قَوْله: «فَلْيقل إِنِّي صَائِم» وَجْهَان: أَحدهمَا: فَلْيقل لِسَانه ليمتنع الشاتم من شَتمه إِذا علم أَنه معتصم بِالصَّوْمِ. وَالثَّانِي: فَلْيقل لنَفسِهِ أَنا صَائِم فَكيف أُجِيب من يجهل؟
١٧٦٤ - / ٢١٩٦ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْعِشْرين: «لَيْسَ الشَّديد بالصرعة» .
الصرعة بِفَتْح الرَّاء: الَّذِي يصرع الرِّجَال. وبسكونها: الَّذِي يصرعونه، قَالَه أَبُو عبيد. فَأخْبر ﷺ أَنه لَيْسَ الْعجب فِي قُوَّة الْبدن، إِنَّمَا الْعجب فِي قُوَّة النَّفس، فَاعْتبر قُوَّة الْمَعْنى دون الصُّورَة، وأنشدوا فِي هَذَا الْمَعْنى:
(لَيْسَ الشجاع الَّذِي يحمي كتيبته يَوْم النزال ونار الْحَرْب تشتعل)
(لَكِن فَتى غض طرفا أَو ثنى بصرا عَن الْحَرَام، فَذَاك الْفَارِس البطل)
١٧٦٥ - / ٢١٩٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّلَاثِينَ: أَن عمر قَالَ: صلى رجل فِي تبان وقباء، فِي تبان ورداء.
التبَّان: سَرَاوِيل إِلَى نصف الْفَخْذ يلبسهَا الفرسان والمصارعون.
والقباء مَمْدُود: وَهُوَ ثوب مفرج يجمع فرجه بخيط. وَقد تقدم ذكره فِي مُسْند ابْن عمر. والرداء مَعْرُوف.
[ ٣ / ٣٣٦ ]
١٧٦٦ - / ٢١٩٨ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ: قد تقدم فِي مُسْند ابْن عمر.
١٧٦٧ - / ٢٢٠٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ: «إِذا اقْترب الزَّمَان لم تكد رُؤْيا الْمُؤمن تكذب» .
فِي اقتراب الزَّمَان ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه قرب الْقِيَامَة.
وَالثَّانِي: أَنه تقَارب زمَان اللَّيْل وَالنَّهَار وَقت استوائهما أَيَّام الرّبيع أَو الخريف، وَذَلِكَ وَقت تعتدل فِيهِ الأمزجة، فَحِينَئِذٍ تكون الرُّؤْيَا سليمَة فِي الْغَالِب من الأخلاط. وَالثَّالِث: أَنه زمَان التكهل؛ لِأَن الكهل قد بعد عَنهُ تخايل الظنون الْفَاسِدَة، وركدت عِنْده نوازع الشَّهَوَات، فَكَانَت نَفسه أقبل لمشاهدة الْغَيْب، وَمن هَذَا الْبَاب قَوْله: «أصدقكم رُؤْيا أصدقكم حَدِيثا» .
وَقَوله: «جُزْء من سِتَّة وَأَرْبَعين جُزْءا» قد تقدم فِي مُسْند عبَادَة بن الصَّامِت.
قَوْله: «حَدِيث النَّفس» مَعْنَاهُ أَن الْإِنْسَان يكثر حَدِيث نَفسه بِشَيْء فيراه فِي الْمَنَام، وَقد يرِيه الشَّيْطَان مَا يحزنهُ كَمَا ذكرنَا أَن رجلا رأى
[ ٣ / ٣٣٧ ]
كَأَن رَأسه ضرب فَوَقع، فَقَالَ النَّبِي ﷺ: «لَا يحدثن أحدكُم بتلاعب الشَّيْطَان بِهِ» وَمثل هَذَا لَا يَنْبَغِي أَن يقصه على أحد.
وَقَوله فِي هَذَا الحَدِيث: وَكَانَ يكره الغل فِي النّوم، وَيُعْجِبهُ الْقَيْد، هَذَا من كَلَام أبي هُرَيْرَة أدرج فِي الحَدِيث فيتوهم أَنه مَرْفُوع، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَقد بَينه معمر بن رَاشد فِي رِوَايَته عَن أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين. وَبَعْضهمْ ينْسبهُ إِلَى ابْن سِيرِين.
١٧٦٨ - / ٢٢٠١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالثَّلَاثِينَ: «لَا فرع وَلَا عتيرة» وَقد فسر فِي الحَدِيث.
وَقَالَ أَبُو عبيد: الْفَرْع والفرعة: أول ولد تلده النَّاقة، وَكَانُوا يذبحونه لآلهتهم فنهوا عَنهُ. وَأما العتيرة: فَإِنَّهَا الرجبية: وَهِي ذَبِيحَة كَانَت تذبح فِي رَجَب يتَقرَّب بهَا أهل الْجَاهِلِيَّة، ثمَّ جَاءَ الْإِسْلَام، وَكَانَ على ذَلِك حَتَّى نسخ بعد. وَمِنْه قَوْله ﵇: «إِن على كل مُسلم فِي كل عَام أضحاة وعتيرة» . يُقَال مِنْهُ: عترت أعتر عترا.
[ ٣ / ٣٣٨ ]
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان: سميت عتيرة لِأَنَّهَا تعتر: أَي تذبح.
وَأما الطواغيت فَجمع طاغوت، والطاغوت اسْم مَأْخُوذ من الطغيان، والطغيان مجاوز الْحَد، وَالْمرَاد بِالطَّوَاغِيتِ: آلِهَتهم.
١٧٦٩ - / ٢٢٠٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالثَّلَاثِينَ: «يتركون الْمَدِينَة على خير مَا كَانَت، لَا يَغْشَاهَا إِلَّا العوافي» وَفِي لفظ: «ليتركنها مذللة للعوافي» .
العوافي: عوافي الوحوش وَالطير وَالسِّبَاع، اجْتمع فِيهَا شَيْئَانِ: أَحدهمَا: أَنَّهَا طالبة لأقواتها، من قَوْلك: عَفَوْت فلَانا أعفوه فَأَنا عاف، وَالْجمع عفاة: إِذا أَتَوْهُ يطْلبُونَ معروفه. وَالثَّانِي: طلبَهَا للعفاء: وَهُوَ الْموضع الْخَالِي الَّذِي لَا أنيس بِهِ وَلَا ملك عَلَيْهِ.
وَقَوله: «مذللة»: أَي مُمكنَة للعوافي غير ممتنعة عَلَيْهَا لخلو الْمَكَان وَذَهَاب أَهله عَنهُ.
وَقَوله: «راعيان ينعقان» النعيق: زجر الْغنم، يُقَال: نعق بغنمه ينعق نعيقا ونعاقا ونعقا ونعقانا، وَكسر الْعين من ينعق مسموع من أَكثر الْعَرَب، وَمِنْهُم من يفتحها وَهُوَ كثير فِي كَلَامهم؛ لأَنهم يَقُولُونَ يَجْعَل ويرغب.
وَقَوله: «فيجدانها وحوشا» الْوَاو مَفْتُوحَة، وَالْمعْنَى أَنَّهَا خَالِيَة.
[ ٣ / ٣٣٩ ]
١٧٧٠ - / ٢٢٠٣ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالثَّلَاثِينَ: «لَو رَأَيْت الظباء بِالْمَدِينَةِ ترتع مَا ذعرتها» .
الذعر: الْفَزع. وَقد سبق هَذَا الحَدِيث فِي مُسْند عَليّ ﵇.
١٧٧١ - / ٢٢٠٤ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالثَّلَاثِينَ: اقْتتلَتْ امْرَأَتَانِ من هُذَيْل، فرمت إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى بِحجر فقتلتها وَمَا فِي بَطنهَا، فَقضى رَسُول الله ﷺ أَن دِيَة جَنِينهَا غرَّة: عبد أَو وليدة، وَقضى بدية الْمَرْأَة على عاقلتها. فَقَالَ حمل بن النَّابِغَة: يَا رَسُول الله، كَيفَ أغرم من لَا شرب وَلَا أكل، وَلَا نطق وَلَا اسْتهلّ، فَمثل ذَلِك يطلّ؟ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: «إِنَّمَا هَذَا من إخْوَان الْكُهَّان» من أجل سجعه الَّذِي سجع.
قَالَ ابْن عَبَّاس: كَانَ اسْم إِحْدَى الْمَرْأَتَيْنِ مليكَة وَالْأُخْرَى عطيف.
وَقَالَ أَبُو عبيد: الْغرَّة: عبد أَو أمة، قَالَ مهلهل:
(كل قَتِيل فِي كُلَيْب غره حَتَّى ينَال الْقَتْل آل مره)
أَي كلهم لَيْسَ بكفؤ لكليب، إِنَّمَا هم بِمَنْزِلَة العبيد وَالْإِمَاء إِن
[ ٣ / ٣٤٠ ]
قَتلتهمْ حَتَّى أقتل آل مرّة فَإِنَّهُم الْأَكفاء.
وَاعْلَم أَنه عَنى بالغرة الْجِسْم كُله، كَمَا يُقَال رَقَبَة. وَقد أَنبأَنَا إِسْمَاعِيل بن أَحْمد السَّمرقَنْدِي قَالَ: أخبرنَا ابْن النقور قَالَ: أَنبأَنَا المخلص قَالَ: أَنبأَنَا أَبُو مُحَمَّد السكرِي قَالَ: حَدثنَا أَبُو يعلى الْمنْقري قَالَ: حَدثنَا الْأَصْمَعِي قَالَ: قَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء فِي قَول رَسُول الله ﷺ: «فِي الْجَنِين غرَّة عبد أَو أمة» لَوْلَا أَن رَسُول الله ﷺ أَرَادَ بالغرة معنى لقَالَ: فِي الْجَنِين عبد أَو أمة، وَلكنه عَنى الْبيَاض، فَلَا يقبل فِي الدِّيَة إِلَّا غُلَام أَبيض. قلت: وَهَذَا الَّذِي ذهب إِلَيْهِ لَا أعرفهُ مذهبا لأحد من الْفُقَهَاء، وَإِنَّمَا قَالَ بَعضهم: هَذَا مُسْتَحبّ. وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان: فسر الْفُقَهَاء الْغرَّة بالنسمة من الرَّقِيق عبد أَو أمة، فقوموها نصف عشر دِيَة الْجَنِين.
وَمعنى الإستهلال: رفع الصَّوْت.
ويطل: يهدر، من قَوْلك طل دم الرجل يطلّ طلا. وَقد رَوَوْهُ: بَطل بِالْبَاء، وَالْأولَى أولى.
قَالَ أَبُو سُلَيْمَان: وَلم يعبه رَسُول الله ﷺ بقوله لأجل السجع
[ ٣ / ٣٤١ ]
نَفسه، فقد يُوجد فِي تضاعيف كَلَام رَسُول الله ﷺ مَا لَا يخفى، كَقَوْلِه للْأَنْصَار: «إِنَّكُم تقلون عِنْد الطمع، وتكثرون عِنْد الْفَزع» وَقَوله: «خير المَال سكَّة مأبورة ومهرة مأمورة» . وَقَوله: «يَا أَبَا عُمَيْر، مَا فعل النغير» وَقَوله: «أعوذ بك من علم لَا ينفع، وَقَول لَا يسمع، وقلب لَا يخشع، وَنَفس لَا تشبع، أعوذ بك من هَؤُلَاءِ الْأَرْبَع» وَلكنه إِنَّمَا عَابَ مِنْهُ رده الحكم وترتيبه القَوْل فِيهِ بالسجع على مَذْهَب الْكُهَّان، فِي ترويج أباطيلهم بالأساجيع الَّتِي يولعون بهَا، فيوهمون النَّاس أَن تحتهَا طائلا.
١٧٧٢ - / ٢٢٠٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالثَّلَاثِينَ: «إِذا قلت لصاحبك: أنصت، يَوْم الْجُمُعَة وَالْإِمَام يخْطب فقد لغوت» .
اخْتلفت الرِّوَايَة عَن أَحْمد: هَل يحرم الْكَلَام حَال سَماع الْخطْبَة على رِوَايَتَيْنِ، وَعَن الشَّافِعِي قَولَانِ، فَإِن قُلْنَا: يحرم، فلظاهر هَذَا الحَدِيث، وَإِن قُلْنَا: لَا يحرم حمل هَذَا على الْأَدَب. واللغو: مَا
[ ٣ / ٣٤٢ ]
لَا فَائِدَة فِيهِ.
١٧٧٣ - / ٢٢٠٦ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالثَّلَاثِينَ: «حج مبرور» وَقد جَاءَ فِي حَدِيث آخر أَنه قَالَ: «الْحَج المبرور لَيْسَ لَهُ ثَوَاب دون الْجنَّة» قيل: مَا بره؟ فَقَالَ: «العج والثج» والعج: رفع الصَّوْت بِالتَّلْبِيَةِ. والثج: نحر الْإِبِل وَغَيرهَا، وَأَن يثج دَمهَا: وَهُوَ سيلان الدَّم، فعلى هَذَا يكون معنى المبرور الَّذِي قد أُقِيمَت فروضه وسننه.
وَفِي حَدِيث جَابر: قيل: يَا رَسُول الله، مَا بر الْحَج؟ قَالَ: «إطْعَام الطَّعَام، وإفشاء السَّلَام» فَيكون المُرَاد على هَذَا فعل الْبر فِي الْحَج.
وَقيل: المبرور: المقبول.
١٧٧٤ - / ٢٢٠٧ - وَفِي الحَدِيث الْأَرْبَعين: «لَا يَمُوت لأحد من الْمُسلمين ثَلَاثَة من الْوَلَد فَتَمَسهُ النَّار إِلَّا تَحِلَّة الْقسم» .
تَحِلَّة الْقسم إِشَارَة إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن مِنْكُم إِلَّا واردها﴾ [مَرْيَم: ٧١] .
وَقَوله: «فتحتسبه» أَي يكون هَذَا فِي حِسَابهَا الَّذِي ترجوه فِي
[ ٣ / ٣٤٣ ]
ثَوَابهَا، وَهَذَا لَا يكون إِلَّا من مُؤمن بالجزاء.
والحنث: الْحلم. وَقد سبق هَذَا فِي مُسْند أنس.
والإحتظار: الإمتناع. والحظار: مَا منع من وُصُول مَكْرُوه إِلَى من فِيهِ، وَأَصله الحظيرة الَّتِي يحظر بهَا على الْغنم وَغَيرهَا.
والدعاميص جمع دعموص: وَهُوَ دويبة من دَوَاب المَاء صَغِيرَة تضرب إِلَى السوَاد، كَأَنَّهُ شبههم بهَا فِي الصغر وَسُرْعَة الْحَرَكَة. وَقَالَ المرزباني: الدعموص: دويدة صَغِيرَة تكون فِي المَاء، وَأنْشد:
(إِذا التقى البحران عَم الدعموص فعي أَن يسبح أَو يغوص)
وصنفة الثَّوْب: حَاشِيَته الَّتِي فِيهَا الهدب.
١٧٧٥ - / ٢٢٠٨ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْأَرْبَعِينَ: «هَل فِي إبلك أَوْرَق؟» .
الأورق: المغبر الَّذِي لَيْسَ بناصع الْبيَاض كلون الرماد، وَسميت الْحَمَامَة وَرْقَاء لذَلِك.
وَقَوله: «عَسى أَن يكون نَزعه عرق» يُقَال: نزع إِلَيْهِ فِي الشّبَه: إِذا أشبهه. والعرق: الأَصْل، كَأَنَّهُ نزع فِي الشّبَه إِلَى أجداده من جِهَة الْأَب أَو الْأُم.
وَفِي هَذَا الحَدِيث حكم الْفراش على اعْتِبَار الشّبَه. وَفِيه زجر عَن تَحْقِيق ظن السوء.
١٧٧٦ - / ٢٢٠٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْأَرْبَعِينَ: «لَا تسموا الْعِنَب
[ ٣ / ٣٤٤ ]
الْكَرم؛ فَإِن الْكَرم الْمُسلم» .
قد علم اشتهار الْعِنَب عِنْد الْعَرَب بِهَذَا الإسم، وَقد أكثرت شعراؤهم فِي هَذَا، فَقَالَ بَعضهم:
(إِذا مت فادفني إِلَى جنب كرمة تروي عِظَامِي بعد موتِي عروقها)
وَإِنَّمَا كَانُوا يسمونها كرما لما يدعونَ من إحداثها فِي قُلُوب شاربيها من الْكَرم، فَنهى ﵇ عَن تَسْمِيَتهَا بِهَذَا الإسم الَّذِي يشيرون إِلَى فَضلهَا، تَأْكِيدًا لتحريمها، وَقَالَ: «إِنَّمَا الْكَرم قلب الْمُؤمن» يُشِير بذلك إِلَى مَا فِيهِ من نور الْإِيمَان وبركات التقى.
١٧٧٧ - / ٢٢١٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْأَرْبَعِينَ: مر عمر فِي الْمَسْجِد وَحسان ينشد، فلحظ إِلَيْهِ: أَي نظر إِلَيْهِ نظر الْمُنكر عَلَيْهِ.
وروح الْقُدس: جِبْرِيل. وَفِي الْقُدس ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه الله ﷿، قَالَه كَعْب وَالربيع وَابْن زيد والمفضل بن سَلمَة، فَيكون الْمَعْنى: أَن جِبْرِيل روح الله، كَمَا سمي بذلك عِيسَى. وَالثَّانِي: أَن الْقُدس الْبركَة، قَالَه السّديّ. وَالثَّالِث: أَن الْقُدس الطَّهَارَة، فَكَأَنَّهُ روح الطَّهَارَة وخالصها، فشرف بِهَذَا الإسم وَإِن كَانَ جَمِيع الْمَلَائِكَة
[ ٣ / ٣٤٥ ]
روحانيين. وَقيل: إِنَّمَا سمي روحا لِأَنَّهُ يَأْتِي بِالْبَيَانِ عَن الله ﷿ فتحيا بِهِ الْأَرْوَاح.
وَقد ذكرنَا حكم الشّعْر فِي مُسْند سعد بن أبي وَقاص وَابْن عمر وَغَيرهمَا.
١٧٧٨ - / ٢٢١١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ: بَينا الْحَبَشَة يَلْعَبُونَ عِنْد النَّبِي ﷺ بِحِرَابِهِمْ دخل عمر فَأَهوى إِلَى الْحَصْبَاء، فحصبهم بهَا، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: «دعهم يَا عمر» وَإِنَّمَا حصبهم عمر لِأَنَّهُ رأى ذَلِك عَبَثا. وَإِنَّمَا نَهَاهُ رَسُول الله ﷺ لِأَن كل شَيْء يحْتَاج إِلَى المناضلة بِهِ فِي الْحَرْب يجوز اللّعب بِهِ فِي غير الْحَرْب ليتمرن عَلَيْهِ ويتدرج إِلَى تعلمه لأجل الْحَرْب، كالرمي بِالسِّهَامِ والحراب والمسابقة بِالْخَيْلِ.
١٧٧٩ - / ٢٢١٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْأَرْبَعِينَ: «قَالَ الله تَعَالَى: يُؤْذِينِي ابْن آدم، يسب الدَّهْر وَأَنا الدَّهْر» .
كَانَت الْعَرَب إِذا أَصَابَتْهُم مُصِيبَة يسبون الدَّهْر، وَيَقُولُونَ عِنْد ذكر موتاهم. أبادهم الدَّهْر، ينسبون ذَلِك إِلَيْهِ، ويرونه الْفَاعِل لهَذِهِ الْأَشْيَاء، وَلَا يرونها من قَضَاء الله ﷿، كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْهُم: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حياتنا الدُّنْيَا نموت ونحيا وَمَا يُهْلِكنَا إِلَّا الدَّهْر﴾ [الجاثية: ٢٤] .
وَقَالَ عَمْرو بن قميئة:
[ ٣ / ٣٤٦ ]
(رمتني بَنَات الدَّهْر من حَيْثُ لَا أرى فَكيف بِمن يَرْمِي وَلَيْسَ برامي)
(فَلَو أَنَّهَا نبل إِذن لاتقيتها ولكنما أرمى بِغَيْر سِهَام)
(على الراحتين مرّة وعَلى الْعَصَا أنوء ثَلَاثًا بعدهن قيامي)
وَقَالَ آخر:
(واستأثر الدَّهْر الْغَدَاة بهم والدهر يرميني وَمَا أرمي)
(يَا دهر قد أكثرت فجعتنا بسراتنا ووقرت فِي الْعظم)
(وسلبتنا مَا لست تعقبنا يَا دهر مَا أنصفت فِي الحكم)
فَقَالَ النَّبِي ﷺ: «لَا تسبوا الدَّهْر؛ فَإِن الله هُوَ الدَّهْر» أَي هُوَ الَّذِي يُصِيبكُم بِهَذِهِ المصائب، فَإِذا سببتم فاعلها فكأنكم قصدتم الْخَالِق، وَكَانَ أَبُو بكر بن دَاوُد الْأَصْبَهَانِيّ يروي هَذَا الحَدِيث: «وَأَنا الدَّهْر» مَفْتُوحَة الرَّاء مَنْصُوبَة على الظَّرْفِيَّة: أَي أَنا طول الدَّهْر بيَدي الْأَمر، وَكَانَ يَقُول: لَو كَانَ مضموما لصار اسْما من أَسمَاء الله ﷿.
وَهَذَا الَّذِي ذهب إِلَيْهِ بَاطِل من ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: أَنه خلاف أهل النَّقْل، فَإِن الْمُحدثين الْمُحَقِّقين لم يضبطوا هَذِه اللَّفْظَة إِلَّا بِضَم الرَّاء، وَلم يكن ابْن دَاوُد من الْحفاظ وَلَا من عُلَمَاء النقلَة. وَالثَّانِي:
[ ٣ / ٣٤٧ ]
أَن هَذَا الحَدِيث قد ورد بِأَلْفَاظ صِحَاح يبطل تَأْوِيله، فَمن ذَلِك مَا أخرجه البُخَارِيّ من طَرِيق أبي سَلمَة، وَأخرجه مُسلم من طَرِيق أبي الزِّنَاد، كِلَاهُمَا عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: «لَا تَقولُوا يَا خيبة الدَّهْر؛ فَإِن الله هُوَ الدَّهْر» . وَأخرج مُسلم من طَرِيق ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ: «لَا تسبوا الدَّهْر، فَإِن الله هُوَ الدَّهْر» وَالثَّالِث: أَن تَأْوِيله يَقْتَضِي أَن تكون عِلّة النَّهْي لم تذكر؛ لِأَنَّهُ إِذا قَالَ: «لَا تسبوا الدَّهْر؛ فَأَنا الدَّهْر أقلب اللَّيْل وَالنَّهَار» فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا تسبوا الدَّهْر فَأَنا أقلبه. وَمَعْلُوم أَنه يقلب كل خير وَشر، وتقليبه للأشياء لَا يمْنَع من ذمها، وَإِنَّمَا يتَوَجَّه الْأَذَى فِي قَوْله: «يُؤْذِينِي ابْن آدم» على مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ.
١٧٨٠ - / ٢٢١٤ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ: «الْفطْرَة خمس: الْخِتَان والإستحداد وقص الشَّارِب وتقليم الْأَظْفَار ونتف الْإِبِط» .
قد ذكرنَا معنى الْفطْرَة فِي مُسْند ابْن عمر.
فَأَما الْخِتَان فعندنا أَنه وَاجِب على الرجل، وَلنَا فِي الْمَرْأَة رِوَايَتَانِ.
وَقَالَ الشَّافِعِي: يجب على الْكل. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: لَيْسَ بِوَاجِب. وَكَانَ بعض الْعلمَاء يحْتَج على وُجُوبه بِأَن كشف الْعَوْرَة
[ ٣ / ٣٤٨ ]
محرم بِالْإِجْمَاع، فلولا أَنه وَاجِب لم يجز هتك الْعَوْرَة الْمحرم لفعل سنة.
وَأما الإستحداد فَهُوَ حلق الْعَانَة بالحديدة. والإستحداد: الإستحلاق بالحديدة.
وقص الشَّارِب قد سبق فِي مُسْند ابْن عمر.
وتقليم الْأَظْفَار: قصها. والقلم: الْقطع.
والآباط جمع إبط: وَهُوَ مَا تَحت الْيَد. قَالَ شَيخنَا أَبُو مَنْصُور اللّغَوِيّ: وَبَعض المتحذلقين يَقُول الْإِبِط بِكَسْر الْبَاء، وَالصَّوَاب سكونها، وَلم يَأْتِ فِي الْكَلَام شَيْء على «فعل» إِلَّا إبل وإطل وَحبر: وَهِي صفرَة الْأَسْنَان. وَفِي الصِّفَات: امْرَأَة بلز: وَهِي السمينة. وأتان إبد: تَلد كل عَام، وَقيل: هِيَ الَّتِي أَتَى عَلَيْهَا الدَّهْر. وَأما الإطل فَهِيَ الخاصرة.
١٧٨١ - / ٢٢١٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْأَرْبَعِينَ: بعثت بجوامع الْكَلم، ونصرت بِالرُّعْبِ» .
أما جَوَامِع الْكَلم فَهُوَ جمع الْمعَانِي الْكَثِيرَة فِي الْأَلْفَاظ الْيَسِيرَة.
وَفِي هَذَا حث على التفهم والإستنباط.
والرعب: الْخَوْف والفزع كَانَ يَقع فِي قُلُوب أعدائه وَبَينه وَبينهمْ
[ ٣ / ٣٤٩ ]
مسيرَة شهر على مَا سبق فِي مُسْند جَابر بن عبد الله، وَذكرنَا هُنَالك إحلال الْمَغَانِم، وَجعل الأَرْض مَسْجِدا وَطهُورًا، وإرساله إِلَى الْخلق كَافَّة.
وَفِي مَفَاتِيح الخزائن قَولَانِ: أَحدهمَا: مَا يفتح لأمته من الْبِلَاد والممالك. وَالثَّانِي: مَا يحصل بِملكه الأَرْض من الْمَعَادِن.
وتنتثلونها بِمَعْنى تثيرونها من موَاضعهَا وتستخرجونها، يُقَال: نثلت الْبِئْر وانتثلتها: إِذا استخرجت ترابها. وتنتقلونها: من نقل الشَّيْء. وَقد جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات: «وَأَنْتُم ترغثونها» أَي تستخرجون درها وترتضعونها، يُقَال: نَاقَة رغوث وشَاة رغوث: أَي كَثِيرَة اللَّبن.
١٧٨٢ - / ٢٢١٦ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ: «أحناه على طِفْل، وأرعاه على زوج» .
أحناه من الحنو: وَهُوَ الْعَطف والشفقة. وأرعاه من الإرعاء: وَهُوَ الْإِبْقَاء.
١٧٨٣ - / ٢٢١٧ - وَفِي الحَدِيث الْخمسين: نهى أَن يَبِيع حَاضر لباد.
قد سبق هَذَا فِي مُسْند ابْن عَبَّاس. وَكَذَلِكَ التلقي. وَسبق النجش فِي مُسْند ابْن عمر.
[ ٣ / ٣٥٠ ]
وَقَوله: «لَا يبع الرجل على بيع أَخِيه» هَذَا النَّهْي يتَعَلَّق بالحالة الَّتِي يعلم فِيهَا سُكُون البَائِع إِلَى المُشْتَرِي، وَذَلِكَ يكون قبيل التواجب، فَأَما فِي حَالَة السّوم قبل ظُهُور مُوجب الرِّضَا فَجَائِز.
وَكَذَلِكَ قَوْله: «أَن يستام الرجل على سوم أَخِيه» يَعْنِي بِهِ: إِذا سكن البَائِع إِلَى المُشْتَرِي. وَكَذَلِكَ الْخطْبَة إِنَّمَا ينْهَى عَنْهَا عِنْد سُكُون الْمَرْأَة إِلَى الْخَاطِب.
وَقَوله: «لَا تسْأَل الْمَرْأَة طَلَاق أُخْتهَا» قَالَ أَبُو عبيد: تَعْنِي بأختها ضَرَّتهَا. وَقَوله: «لتكفأ» مَأْخُوذ من كفأت الْقدر وَغَيرهَا: إِذا كببتها ففرغت مَا فِيهَا. وَفِي لفظ: «لتكتفىء» تفتعل من ذَلِك.
وَقَوله: «فَإِذا أَتَى سَيّده» أَي رب الْمَتَاع السُّوق فَهُوَ بِالْخِيَارِ.
وَسَيَأْتِي ذكر التصرية فِي هَذَا الْمسند إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
١٧٨٤ - / ٢٢١٨ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْخمسين: نعي النَّجَاشِيّ، وَالصَّلَاة عَلَيْهِ. وَقد سبق فِي مُسْند عمرَان بن حُصَيْن.
١٧٨٥ - / ٢٢١٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْخمسين: كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا رفع رَأسه من الرَّكْعَة الثَّانِيَة قَالَ: «اللَّهُمَّ أَنْج الْوَلِيد بن الْوَلِيد وَسَلَمَة بن هِشَام وَعَيَّاش بن أبي ربيعَة وَالْمُسْتَضْعَفِينَ من الْمُؤمنِينَ بِمَكَّة. اللَّهُمَّ اشْدُد وطأتك على مُضر. اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا سِنِين كَسِنِي يُوسُف» .
[ ٣ / ٣٥١ ]
أما الْوَلِيد فَهُوَ الْوَلِيد بن الْوَلِيد بن الْمُغيرَة بن عبد الله، كَانَ على دين قومه، وَخرج مَعَهم إِلَى بدر، فَأسرهُ يَوْمئِذٍ عبد الله بن جحش، وَيُقَال: سليط بن قيس، وَقدم فِي فدائه أَخَوَاهُ خَالِد وَهِشَام، فافتكاه بأَرْبعَة آلَاف، فَخَرَجَا بِهِ حَتَّى بلغ ذَا الحليفة، فَأَفلَت فَأتى النَّبِي ﷺ فَأسلم، فَقَالَ لَهُ خَالِد: هلا كَانَ هَذَا قبل أَن تفتدى؟ فَقَالَ: مَا كنت لأسلم حَتَّى أفتدى بِمثل مَا افتدي بِهِ قومِي، وَلَا تَقول قُرَيْش: إِنَّمَا تبع مُحَمَّدًا فِرَارًا من الْفِدَاء، ثمَّ خرجا بِهِ إِلَى مَكَّة وَقد أمنهما، فحبساه بهَا مَعَ سَلمَة بن هِشَام وَعَيَّاش بن أبي ربيعَة، وَكَانَ سَلمَة قد أسلم بِمَكَّة قَدِيما وَهَاجَر إِلَى أَرض الْحَبَشَة ثمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّة، فَأَخذه أَبُو جهل فحبسه وضربه وأجاعه، فَكَانَ النَّبِي ﷺ يقنت فِي صَلَاة الْفجْر وَيَدْعُو لَهُم.
وَالْوَطْأَةُ: الْبَأْس والعقوبة، وَهِي مَا أَصَابَهُم من الْجُوع والشدة.
وَالْمرَاد بسني يُوسُف سنو المجاعة.
وَقَوله: «على مُضر» إِشَارَة إِلَى قُرَيْش لأَنهم من أَوْلَاد مُضر.
وَسَيَأْتِي بعد أَحَادِيث: قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: وَأهل الْمشرق يَوْمئِذٍ من مُضر مخالفون لَهُ.
١٧٨٦ - / ٢٢٢٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْخمسين: «إِذا أَمن الإِمَام فَأمنُوا، فَإِنَّهُ من وَافق تأمينه تَأْمِين الْمَلَائِكَة غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه» .
قَوْله: (فَأمنُوا» دَلِيل على أَنه سنة.
[ ٣ / ٣٥٢ ]
وَفِي الحَدِيث إِضْمَار: وَهُوَ الْخَبَر عَن تَأْمِين الْمَلَائِكَة، كَأَنَّهُ قَالَ: إِذا قَالَ الإِمَام: آمين، فَقولُوا: آمين كَمَا تَقول الْمَلَائِكَة، فَمن وَافق وَلَوْلَا ذَلِك لم يَصح تعقيبه بِالْفَاءِ. وَقد ذكرنَا معنى آمين وَمَا يتَعَلَّق بهَا فِي مُسْند أبي مُوسَى.
١٧٨٧ - / ٢٢٢١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْخمسين: «إِذا سَمِعْتُمْ الْإِقَامَة فامشوا إِلَى الصَّلَاة وَعَلَيْكُم السكينَة وَالْوَقار» .
قد سبق هَذَا الحَدِيث فِي مُسْند أبي قَتَادَة، وَبينا أَن المُرَاد بالتثبت حسن الْأَدَب، وَذكرنَا هُنَاكَ الْخلاف فِيمَا يُدْرِكهُ الْمَأْمُوم. هَل هُوَ آخر صلَاته أَو أَولهَا؟
فَأَما قَوْله: «إِذا ثوب بِالصَّلَاةِ. .» فَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان: المُرَاد بِهِ هَا هُنَا الْإِقَامَة، وأصل التثويب رفع الصَّوْت بالإعلام، وأصل هَذَا أَن يلوح الرجل بِثَوْبِهِ عِنْد الْفَزع يعلم بذلك أَصْحَابه، فَسُمي رفع الصَّوْت هَا هُنَا تثويبا. قَالَ: وَقيل: التثويب مَأْخُوذ من ثاب الرجل بِمَعْنى عَاد إِلَى الشَّيْء بعد ذَهَابه، فَقيل للمؤذن إِذا قَالَ: الصَّلَاة خير من النّوم ثمَّ عَاد إِلَيْهِ مرّة أُخْرَى فَقَالَهَا: قد ثوب: أَي ردد القَوْل مرّة أُخْرَى، وَكَذَلِكَ قَوْله: قد قَامَت الصَّلَاة مرَّتَيْنِ.
١٧٨٨ - / ٢٢٢٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْخمسين: قَامَ رَسُول الله ﷺ حِين أنزل الله: ﴿وأنذر عشيرتك الْأَقْرَبين﴾ [الشُّعَرَاء: ٢١٤] فَقَالَ: «يَا
[ ٣ / ٣٥٣ ]
معشر قُرَيْش، اشْتَروا أَنفسكُم، لَا أُغني عَنْكُم من الله شَيْئا» .
الْعَشِيرَة: الرَّهْط الأدنون. وَقد سبق هَذَا الحَدِيث فِي مُسْند ابْن عَبَّاس، وَهُوَ ينْهَى عَن اغترار الْقَرِيب بقرابته من أهل الصّلاح، فَإِنَّهُ إِنَّمَا فضل الصَّالح بصلاحه. وَإِنَّمَا قَالَ: «سلاني من مَالِي» لِأَنَّهُ يملك مَاله، وَلَو ملك نجاة شخص لأنجى أمه وأباه وَعَمه.
وَقَوله: «سَأَبلُّهَا بِبلَالِهَا» قَالَ أَبُو عبيد: يُقَال: بللت رحمي أبلها بِلَا وبلالا: إِذا وصلتها ونديتها بالصلة. وَإِنَّمَا شبهت قطيعة الرَّحِم بالحرارة تطفأ بالبرد كَمَا قَالُوا: سقيته شربة بردت بهَا عطشه، قَالَ الْأَعْشَى:
(أما لطَالب نعْمَة تممتها ووصال رحم قد بردت بلالها)
قلت: هَكَذَا ضبطناه عَن أشياخنا فِي كتاب أبي عبيد: «بِبلَالِهَا» بِكَسْر الْبَاء، وَقَالَ الْخطابِيّ: الْبَاء مَفْتُوحَة، من بله يبله، كالملال من مله يمله.
١٧٨٩ - / ٢٢٢٣ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْخمسين: «تفضل صَلَاة الْجَمِيع صَلَاة الرجل وَحده بِخمْس وَعشْرين جُزْءا» .
قد سبق فِي مُسْند ابْن عمر بِسبع وَعشْرين وَلَعَلَّ هَذَا التَّفَاوُت
[ ٣ / ٣٥٤ ]
يرجع إِلَى أَحْوَال الْمُصَلِّين.
وَقَوله: «تَجْتَمِع مَلَائِكَة اللَّيْل وملائكة النَّهَار فِي صَلَاة الْفجْر» وَذَلِكَ لِأَن الْفجْر تصلى عِنْد انْفِصَال اللَّيْل، فَتكون مَلَائِكَة اللَّيْل قد هَمت بالرحيل وملائكة النَّهَار قد نزلت فَيَشْهَدُونَ صَلَاة الْفجْر، وَذَلِكَ معنى قَوْله: ﴿كَانَ مشهودا﴾ [الْإِسْرَاء: ٧٨] وَسَيَأْتِي فِي هَذَا الْمسند بعد السّبْعين وَمِائَة أَنهم يَجْتَمعُونَ فِي صَلَاة الْعَصْر أيضاُ.
١٧٩٠ - / ٢٢٢٤ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْخمسين: «العجماء جرحها جَبَّار» .
قَالَ أَبُو عبيد: العجماء: الْبَهِيمَة، وَإِنَّمَا سميت عجماء لِأَنَّهَا لَا تَتَكَلَّم، وكل من لَا يقدر على الْكَلَام فَهُوَ أعجم ومستعجم. والجبار الهدر. وَإِنَّمَا يَجْعَل جرح العجماء هدرا إِذا كَانَت منفلتة لَيْسَ لَهَا قَائِد وَلَا سائق وَلَا رَاكب، فَإِذا كَانَ مَعهَا أحد هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة فَهُوَ ضَامِن لِأَن الْجِنَايَة حِينَئِذٍ لَيست للعجماء إِنَّمَا هِيَ جِنَايَة صَاحبهَا.
وَقَوله: «الْبِئْر جَبَّار» هِيَ الْبِئْر يسْتَأْجر عَلَيْهَا صَاحبهَا رجلا يحفرها فِي ملكه فتنهار على الْحَافِر، فَلَيْسَ على صَاحبهَا ضَمَان، وَكَذَلِكَ الْبِئْر تكون فِي ملك الرجل فَيسْقط فِيهَا إِنْسَان أَو دَابَّة فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْبِئْر العادية الْقَدِيمَة الَّتِي لَا يعلم لَهَا حافر يَقع فِيهَا الْإِنْسَان أَو الدَّابَّة.
[ ٣ / ٣٥٥ ]
قَوْله: «والمعدن جَبَّار» الْمَعْدن اسْم لكل مَا فِيهِ شَيْء من الخصائص المنتفع بهَا كالذهب وَالْفِضَّة والياقوت والزبرجد والصفر والزجاج والزئبق والكحل والقار والنفط وَمَا أشبه ذَلِك، فيستأجر قوما لحفره فينهار عَلَيْهِم، فدماؤهم هدر.
وَقَوله: «فِي الرِّكَاز الْخمس» الرِّكَاز مَا وجد من دفن الْجَاهِلِيَّة، وَيعرف ذَلِك بِأَن ترى عَلَيْهِ عَلَامَات الْجَاهِلِيَّة، وَسَوَاء كَانَ فِي موَات أَو فِي مَكَان مَمْلُوك لكنه لَا يعرف مَالِكه، فَهَذَا يجب فِيهِ الْخمس فِي الْحَال، أَي نوع كَانَ من المَال، خلافًا لأحد قولي مَالك وَللشَّافِعِيّ فِي أَنه لَا يجب الْخمس إِلَّا فِي الذَّهَب وَالْفِضَّة. وَعِنْدنَا أَنه لَا يعْتَبر فِيهِ النّصاب، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَمَالك خلافًا لأحد قولي الشَّافِعِي.
وَفِي مصرف هَذَا الْخمس رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد: أَنه مصرف خمس الْفَيْء، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة. وَالثَّانيَِة: مصرف الزَّكَاة، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي.
وَأما إِذا كَانَ الْمَكَان يعرف مَالِكه فَإنَّك تنظر: فَإِن كَانَ الْمَالِك مُسلما أَو ذِمِّيا فَهُوَ للْمَالِك، وَإِن كَانَ حَرْبِيّا نظرت: فَإِن كَانَ الْوَاجِد لَهُ قد قدر عَلَيْهِ بِنَفسِهِ فَهُوَ ركاز، وَإِن لم يقدر عَلَيْهِ إِلَّا بِجَمَاعَة الْمُسلمين فَهُوَ غنيمَة.
وَإِن لم يكن على الرِّكَاز عَلامَة الْإِسْلَام أَو لم يكن عَلامَة فَهُوَ لقطَة.
وَأما حكم الْمَعْدن فَإِنَّهُ من استخرج من مَعْدن مَا يبلغ نِصَابا أَو قيمَة نِصَاب تعلق بِهِ الْحق، وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: لَا يتَعَلَّق الْحق إِلَّا
[ ٣ / ٣٥٦ ]
بِالذَّهَب وَالْفِضَّة. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يتَعَلَّق بِكُل مَا ينطبع، ثمَّ اخْتلفُوا فِي مِقْدَار الْحق الْمُتَعَلّق بِهِ على قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا: أَنه ربع الْعشْر، وَهُوَ مَذْهَب أَحْمد، وَالثَّانِي: الْخمس، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة، وَعَن الشَّافِعِي كالقولين، وَله قَول ثَالِث: إِن أَصَابَهُ مُتَفَرقًا بتعب فربع الْعشْر وَإِلَّا فالخمس.
واتفقت الْجَمَاعَة على أَن ذَلِك الْحق يجب فِي الْحَال كَمَا يجب فِي الرِّكَاز إِلَّا دَاوُد، فَإِنَّهُ يعْتَبر الْحول.
وَأما مصرف ذَلِك الْحق فعندنا أَنه مصرف الزَّكَاة، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: مصرف الْفَيْء.
فَإِن وجد الْإِنْسَان فِي دَاره معدنا أَو ركازا فَإِنَّهُ يجب فِيهِ عندنَا مَا يجب فِي الْموَات. وَأما مَا يُصِيبهُ الْإِنْسَان من الْبَحْر كَاللُّؤْلُؤِ والمرجان والعنبر والسمك وَغير ذَلِك فَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد: إِحْدَاهمَا: أَنه تجب الزَّكَاة إِذا بلغت قِيمَته مِائَتي دِرْهَم أَو عشْرين دِينَارا. وَالثَّانيَِة: لَا شَيْء فِي ذَلِك، وَهِي قَول أبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ. وَقَالَ أَبُو يُوسُف: فِي اللُّؤْلُؤ والعنبر الْخمس، وَلَا شَيْء فِي الْمسك والسمك.
١٧٩١ - / ٢٢٢٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْخمسين: «نَحن أَحَق بِالشَّكِّ من إِبْرَاهِيم إِذْ قَالَ ﴿رب أَرِنِي كَيفَ تحيي الْمَوْتَى﴾ [الْبَقَرَة: ٢٦٠] وَيرْحَم الله لوطا، لقد كَانَ يأوي إِلَى ركن شَدِيد. وَلَو لَبِثت فِي السجْن
[ ٣ / ٣٥٧ ]
مَا لبث يُوسُف لَأَجَبْت الدَّاعِي» .
مخرج هَذَا الحَدِيث مخرج التَّوَاضُع وَكسر النَّفس، وَلَيْسَ فِي قَوْله: «نَحن أَحَق بِالشَّكِّ» إِثْبَات شكّ لَهُ وَلَا لإِبْرَاهِيم، وَإِنَّمَا يتَضَمَّن نفي الشَّك عَنْهُمَا، لِأَن قوما ظنُّوا فِي قَوْله (﴿أَرِنِي كَيفَ تحيي الْمَوْتَى﴾ أَنه شكّ، فنفى ذَلِك عَنهُ، وَإِنَّمَا الْمَعْنى: إِذا لم أَشك أَنا فِي قدرَة الله تَعَالَى على إحْيَاء الْمَوْتَى فإبراهيم أولى أَلا يشك، فَكَأَنَّهُ رَفعه على نَفسه. وَدلّ بِهَذَا على أَن إِبْرَاهِيم مَا سَأَلَ لأجل الشَّك وَلَكِن لزِيَادَة الْيَقِين؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ الْمُشَاهدَة الَّتِي لَا يبْقى مَعهَا وسواس. وَقد ذكر ابْن الْأَنْبَارِي وَجها آخر فَقَالَ: لما أنكر قوم الْخَلِيل إحْيَاء الْمَوْتَى سَأَلَ ربه أَن يرِيه مَا أَيقَن بِهِ عقله من قدرَة ربه على إحْيَاء الْمَوْتَى، وَأَرَادَ أَن يعلم مَنْزِلَته عِنْد ربه بإجابة دَعوته، وَشك: هَل تقع الْإِجَابَة أم لَا؛ لِأَنَّهُ قد يكون من الْمصلحَة أَلا يُجَاب الْمُؤمن إِلَى مَا يسْأَل، فَلَمَّا شكّ إِبْرَاهِيم على هَذَا التَّأْوِيل الْحسن لَا على الْمَعْنى المذموم - قَالَ النَّبِي ﷺ: «أَنا أولى بِالشَّكِّ من إِبْرَاهِيم» أَي أَنا أولى أَن أسأَل مثل هَذَا الْأَمر الْعَظِيم الَّذِي يشك السَّائِل فِي إِجَابَة ربه فِيهِ، وَإِنَّمَا صَار أَحَق لما عانى من تَكْذِيب قومه لَهُ، وردهم عَلَيْهِ، وتعجبهم من ذكر الْبَعْث، فَقَالَ: أَنا أَحَق أَن أسأَل مَا سَأَلَ إِبْرَاهِيم لعَظيم مَا جرى عَليّ من قومِي، ولمعرفتي بتفضيل الله ﷿ إيَّايَ على الْأَنْبِيَاء، وَلَكِنِّي لَا أسأَل.
فَأَما قصَّة لوط فَإِن لوطا لم يغْفل عَن الله ﷿، وَلم يتْرك
[ ٣ / ٣٥٨ ]
التَّوَكُّل عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا ذكر السَّبَب، وَذكره للسبب وَحده يتخايل مِنْهُ السَّامع نسيانه لله، فَأَرَادَ مِنْهُ نَبينَا ﵇ أَلا نقُول مَا يُوهم هَذَا.
وَأما مدحه يُوسُف فَبَالغ؛ لِأَن يُوسُف أَرَادَ أَن يخرج خُرُوج من لَهُ الْحجَّة لَا خُرُوج من قد عُفيَ عَنهُ.
١٧٩٢ - / ٢٢٢٦ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْخمسين: إِن إخوتي من الْمُهَاجِرين كَانَ يشغلهم الصفق بالأسواق، وَكنت من أهل الصّفة.
وَأما الصفق بالأسواق فقد بَيناهُ من الحَدِيث الثَّامِن وَالْعِشْرين من مُسْند أبي سعيد. وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ أَرْبَاب تِجَارَات، وَالْأَنْصَار أَرْبَاب نخل وَزرع، فَكَانُوا يغيبون أَكثر النَّهَار، فَلذَلِك حفظ أَبُو هُرَيْرَة مَا لم يحفظوا.
وَالصّفة مَكَان مُرْتَفع من الْمَسْجِد، كَانَ يأوي إِلَيْهِ الْمَسَاكِين.
والنمرة: شملة مخططة من مآزر الْعَرَب.
وَجَاء فِي بعض الْأَلْفَاظ عَنهُ: كنت ألزم رَسُول الله ﷺ حِين لَا آكل الْخَبِير، وَلَا ألبس الحبير. والخبير: الْخبز المأدوم.
والحبير: الثِّيَاب المحبرة كالبرود اليمانية.
١٧٩٣ - / ٢٢٢٧ - وَفِي الحَدِيث السِّتين: هَل نرى رَبنَا يَوْم الْقِيَامَة؟
قَالَ: «هَل تمارون فِي رُؤْيَة الْقَمَر؟ هَل تمارون فِي الشَّمْس؟» فَذكر نَحْو
[ ٣ / ٣٥٩ ]
حَدِيث أبي سعيد الثَّانِي وَالْعِشْرين من مُسْنده، وَقد فسرناه هُنَاكَ.
وَفِي هَذَا الحَدِيث: «فينصب الصِّرَاط بَين ظهراني جَهَنَّم» أَي على وَسطهَا. يُقَال: نزلت بَين ظهريهم وظهرانيهم بِفَتْح النُّون: أَي فِي وَسطهمْ مُتَمَكنًا بَينهم لَا فِي أَطْرَافهم.
وَفِيه: «وَمِنْهُم من يوبق، وَمِنْهُم من يخردل» والموبق: المهلك، يُقَال: أوبقته ذنُوبه: أَي أهلكته، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو يوبقهن بِمَا كسبوا﴾) [الشورى: ٣٤] والمخردل: المقطع، يُقَال: خَرْدَل الشَّاة: إِذا قطعهَا.
وَفِيه: «قد قشبني رِيحهَا، وأحرقني ذكاؤها» قشبني من القشب، والقشب: السم، كَأَنَّهُ قَالَ: قد سمني رِيحهَا، وَيُقَال لكل مَسْمُوم قشيب ومقشب. وذكاء النَّار: اشتعالها، يُقَال: ذكت النَّار تذكو.
وَفِيه: «فَإِذا رأى بهجتها وَمَا فِيهَا من النضرة انفهقت لَهُ الْجنَّة» الْبَهْجَة: الْحسن. والنضرة: الرونق. وانفهقت: انفتحت واتسعت.
وَمِنْه قيل: صحراء فيهق: أَي وَاسِعَة.
١٧٩٤ - / ٢٢٢٨ - والْحَدِيث الْحَادِي وَالسِّتُّونَ: قد تقدم فِي مُسْند أبي سعيد.
[ ٣ / ٣٦٠ ]
وَفِيه: «وَلَا أَقُول: إِن أحدا أفضل من يُونُس بن مَتى» وَقد ذكرنَا هَذَا فِي مُسْند ابْن مَسْعُود.
١٧٩٥ - / ٢٢٢٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالسِّتِّينَ: أَتَى رجل من أسلم رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: إِن الْأُخَر قد زنى - يَعْنِي نَفسه، فَأَعْرض عَنهُ.
هَذَا الرجل الْأَسْلَمِيّ هُوَ مَاعِز بن مَالك.
والشق: الْجَانِب.
وَهَذَا الحَدِيث يدل على أَنه لَا يجْرِي فِي الْإِقْرَار إِلَّا أَربع مَرَّات.
وَقد ذكرنَا هَذَا وَالْخلاف فِيهِ فِي مُسْند جَابر بن سَمُرَة، وَبينا هُنَاكَ معنى الْأُخَر.
وأذلقته الْحِجَارَة: أَي بلغت مِنْهُ فقلق وَلم يصبر.
وجمز: وثب هَارِبا. والحرة: مَوضِع فِيهِ حِجَارَة سود.
١٧٩٦ - / ٢٢٣٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالسِّتِّينَ: «سَتَكُون فتن الْقَاعِد فِيهَا خير من الْقَائِم» قد تقدم هَذَا فِي مُسْند أبي بكرَة.
وَقَوله: «من تشرف لَهَا» أَي تطلع إِلَيْهَا، تطلعت إِلَيْهِ. يُقَال: استشرفت الشَّيْء: إِذا رفعت بَصرك لتنظر إِلَيْهِ.
والمعاذ: الملجأ. يَقُول: من قدر أَن يبعد عَنْهَا ويلجأ مِنْهَا إِلَى مَا يخلصه فَلْيفْعَل.
[ ٣ / ٣٦١ ]
وَقَوله: «من الصَّلَاة صَلَاة من فَاتَتْهُ فَكَأَنَّمَا وتر أَهله» يَعْنِي الْعَصْر، وَقد ذَكرنَاهَا فِي مُسْند ابْن عمر.
١٧٩٧ - / ٢٢٣١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالسِّتِّينَ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن» .
قَالَ الْعلمَاء: الْمَعْنى: وَهُوَ كَامِل الْإِيمَان. كَقَوْلِه ﵇: «مَا آمن من لم يَأْمَن جَاره بوائقه» أَي مَا اسْتكْمل الْإِيمَان. وَيحْتَمل وَجها آخر: وَهُوَ أَن الْهوى يُغطي الْإِيمَان، فَصَاحب الْهوى لَا يرى إِلَّا هَوَاهُ وَلَا ينظر إِلَى إيمَانه الناهي لَهُ، فَكَأَن الْإِيمَان قد عدم.
وَقَوله: «وَلَا ينتهب نهبة ذَات شرف» أَي ذَات قدر.
والغلول: أَخذ شَيْء من الْمغنم فِي خُفْيَة. قَالَ ابْن عَرَفَة: سمي الْغلُول غلولا لِأَن الْأَيْدِي مغلولة عَنهُ: أَي مَمْنُوعَة.
١٧٩٨ - / ٢٢٣٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالسِّتِّينَ: «بَيْنَمَا رَاع فِي غنمه عدا الذِّئْب فَأخذ مِنْهَا شَاة، فطلبها حَتَّى استنقذها مِنْهُ، فَقَالَ الذِّئْب: من لَهَا يَوْم السَّبع، يَوْم لَا راعي لَهَا غَيْرِي؟» فَقَالَ النَّاس: سُبْحَانَ الله! فَقَالَ النَّبِي ﷺ: «فَإِنِّي أُؤْمِن بِهَذَا وَأَبُو بكر وَعمر» وَمَا هما ثمَّ.
[ ٣ / ٣٦٢ ]
فَأَما يَوْم السَّبع فَأكْثر الْمُحدثين يرونه بِضَم الْبَاء، وعَلى هَذَا يكون الْمَعْنى: إِذا أَخذهَا السَّبع لم تقدر على استخلاصها، فَلَا يرعاها حِينَئِذٍ غَيْرِي. أَي إِنَّك تهرب وأكون أَنا قَرِيبا مِنْهَا أنظر مَا يفضل لي مِنْهَا. وَقد ذكر الْأَزْهَرِي فِي كتاب «تَهْذِيب اللُّغَة» عَن ابْن الْأَعرَابِي أَن السَّبع بتسكين الْبَاء: وَهُوَ الْموضع الَّذِي يكون فِيهِ الْمَحْشَر، فَكَأَنَّهُ قَالَ: من لَهَا يَوْم الْقِيَامَة؟ .
وَأما إخْبَاره بِإِيمَان أبي بكر وَعمر فَلِأَنَّهُ علم أَنَّهُمَا يؤمنان بِمَا آمن بِهِ، فَكَذَلِك عَامَّة أَصْحَابه، غير أَنه خصهما لِشَرَفِهِمَا.
١٧٩٩ - / ٢٢٣٣ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالسِّتِّينَ: «قرصت نملة نَبيا من الْأَنْبِيَاء، فَأمر بقرية النَّمْل فأحرقت» .
قَرْيَة النَّمْل: مَوضِع اجتماعهن، وَالْعرب تفرق فِي الأوطان بَين الْأَسْمَاء. فَيَقُولُونَ: قطن الْإِنْسَان، وعطن الْإِبِل، وعرين الْأسد، وكناس الظبي، ووجار الذِّئْب والضبع، وعش الطَّائِر، وكور الزنابير، ونافقاء اليربوع، وقرية النَّمْل.
وَهَذَا النَّبِي لما آذته استجاز قتل مَا يُؤْذِي، فَأُرِيد مِنْهُ صُورَة الْعدْل فِي قتل المؤذي فَحسب، فَقيل لَهُ: «فَهَلا نملة وَاحِدَة» .
١٨٠٠ - / ٢٢٣٤ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالسِّتِّينَ: «فِي الْحبَّة السَّوْدَاء شِفَاء من كل دَاء إِلَّا السام» وَقد فسر فِي الحَدِيث، فَقَالَ الزُّهْرِيّ: السام: الْمَوْت. والحبة السَّوْدَاء: الشونيز.
[ ٣ / ٣٦٣ ]
وَظَاهر قَوْله: «من كل دَاء» عُمُوم الأدواء كلهَا. وَقَالَ بعض الْعلمَاء: لَفْظَة كل هَا هُنَا لَفْظَة عُمُوم وَالْمرَاد بهَا الْخُصُوص كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَأُوتِيت من كل شَيْء﴾ [النَّمْل: ٢٣]، وَقَوله: ﴿تدمر كل شَيْء﴾ [الْأَحْقَاف: ٢٥] وَقَوله: ﴿وَأَنِّي فضلتكم على الْعَالمين﴾ [الْبَقَرَة: ٤٧] وَالْمرَاد بهَا شِفَاء من أدواء الرُّطُوبَة والبلغم من جِهَة أَن الشونيز حَار يَابِس، فَهُوَ يقطع البلغم، وينقي، وينفع الزُّكَام، وَيقتل الديدان، ويدر الطمث. ويسقى بِالْمَاءِ الْحَار وَالْعَسَل للحصاة فِي المثانة والكلية، وَيحل الحميات البلغمية والسوداوية، ودخانه يهرب مِنْهُ الْهَوَام، إِلَى غير ذَلِك من الْمَنَافِع. فَلَمَّا عَمت منفعَته أطلقت عَلَيْهِ لَفْظَة «كل» .
١٨٠١ - / ٢٢٣٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالسِّتِّينَ: «لَا تمنعوا فضل المَاء لتمنعوا بِهِ الْكلأ» .
قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: هَذَا فِي الرجل يحْفر الْبِئْر فِي الأَرْض الْموَات فيملكها بِالْإِحْيَاءِ، وحول الْبِئْر أَو بقربها موَات فِيهِ كلأ، وَلَا يُمكن النَّاس أَن يرعوه إِلَّا بِأَن يبْذل لَهُم مَاءَهُ، فَأمره ﷺ أَلا يمنعهُم مَاءَهُ؛ لِأَنَّهُ إِذا فعل ذَلِك فقد مَنعهم الْكلأ. وَاخْتلف الْعلمَاء: هَل هَذَا على وَجه التَّحْرِيم أَو على وَجه الْكَرَاهَة.
[ ٣ / ٣٦٤ ]
١٨٠٢ - / ٢٢٣٦ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالسِّتِّينَ: أَن رَسُول الله ﷺ اسْتعْمل رجلا على خَيْبَر، فجَاء بِتَمْر جنيب، فَقَالَ: «أكل تمر خَيْبَر هَكَذَا؟» قَالَ: إِنَّا لنأخذ الصَّاع بالصاعين، والصاعين بِالثَّلَاثَةِ، فَقَالَ ﷺ: «لَا تفعل، بِعْ الْجمع بِدَرَاهِم ثمَّ ابتع بِالدَّرَاهِمِ جنيبا» وَقَالَ فِي الْمِيزَان مثل ذَلِك.
الجنيب من جيد التَّمْر. وَالْجمع من النّخل: كل لون لَا يعرف اسْمه، فَيكون تمره من أردأ التَّمْر، فَنَهَاهُ عَن المفاضلة فِي مَال الرِّبَا.
وَقَالَ فِي الْمِيزَان - أَي فِيمَا يُوزن - مثل ذَلِك، وَهَذَا لِأَن التَّمْر أَصله الْكَيْل لَا الْوَزْن.
١٨٠٣ - / ٢٢٣٨ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالسبْعين: «إِذا أدْرك أحدكُم سَجْدَة من صَلَاة الْعَصْر قبل أَن تغرب الشَّمْس فليتم صلَاته» .
المُرَاد بِالسَّجْدَةِ: الرَّكْعَة بركوعها وسجودها. وَسَيَأْتِي هَذَا الحَدِيث بعد الثَّالِث وَالسِّتِّينَ وَالْمِائَة من هَذَا الْمسند، وَلَفظه: «من أدْرك من الصُّبْح رَكْعَة قبل أَن تطلع الشَّمْس فقد أدْرك الصُّبْح، وَمن أدْرك من الْعَصْر رَكْعَة قبل أَن تغرب الشَّمْس فقد أدْرك» وَهَذَا يدل
[ ٣ / ٣٦٥ ]
على أَن من طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس وَقد صلى رَكْعَة من الْفجْر، أَو غربت وَقد صلى رَكْعَة من الْعَصْر، أَنه يتم الصَّلَاة، وَأَنَّهَا صَحِيحَة. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: تبطل صلَاته.
١٨٠٤ - / ٢٢٣٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالسبْعين: «لكل نَبِي دَعْوَة مستجابة، فتعجل كل نَبِي دَعوته، وَإِنِّي اخْتَبَأْت دَعْوَتِي شَفَاعَة لأمتي» .
هَذَا من حسن ظن نظره ﷺ حِين اخْتَار أَن تكون دَعوته فِيمَا يبْقى.
فَإِن سُلَيْمَان ﵇ قَالَ: ﴿هَب لي ملكا﴾ [ص: ٣٥] وَاخْتِيَار الْبَاقِي أحزم.
وَمن فضل كرمه أَنه جعلهَا لأمته، وَجعلهَا شَفَاعَة للمذنبين، فَكَأَنَّهُ هيأ النجَاة للمنقطعين ليلحقهم بالسابقين. وَقد تقدم هَذَا الحَدِيث فِي مُسْند جَابر وَأنس.
١٨٠٥ - / ٢٢٤٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالسبْعين: النَّهْي عَن الْوِصَال فِي الصَّوْم. وَقد سبق فِي مُسْند ابْن عمر.
وَفِي هَذَا الحَدِيث: «فاكلفوا من الْعَمَل مَا تطيقون» اللَّام فِي اكلفوا مَفْتُوحَة وَالْمعْنَى: تكلفوا طاقتكم. وَقد سبق بَيَان هَذَا.
[ ٣ / ٣٦٦ ]
١٨٠٦ - / ٢٢٤١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالسبْعين: التَّكْبِير فِي كل خفض وَرفع، وَقد سبق فِي مُسْند ابْن عَبَّاس وَغَيره.
وَفِيه: «سمع الله لمن حَمده» أَي: قبل.
وَفِيه: «اشْدُد وطأتك على مُضر» وَقد تقدم آنِفا.
١٨٠٧ - / ٢٢٤٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالسبْعين: «مَا أذن الله لشَيْء مَا أذن لنَبِيّ أَن يتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ» وَفِي لفظ: «مَا أذن الله لشَيْء كَإِذْنِهِ لنَبِيّ يتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ، يجْهر بِهِ» وَفِي لفظ: «لَيْسَ منا من لم يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ» .
أما اللَّفْظ الأول فَهَكَذَا ورد: «أَن يتَغَنَّى» وَالَّذِي أرَاهُ أَن لَفْظَة «أَن» من زِيَادَة بعض الروَاة؛ لأَنهم يروون بِالْمَعْنَى فَيَقَع الْخَطَأ فِي كثير من الرِّوَايَات، وَإِذا ثبتَتْ «أَن» كَانَ من الْإِذْن: بِمَعْنى الْإِطْلَاق فِي الشَّيْء، وَلَيْسَ هُوَ المُرَاد بِالْحَدِيثِ، وَإِنَّمَا أذن هَا هُنَا بِمَعْنى اسْتمع، يُقَال: أَذِنت للشَّيْء: أذنا: إِذا استمعت لَهُ، قَالَ عدي:
(فِي سَماع يَأْذَن الشَّيْخ لَهُ وَحَدِيث مثل ماذي مشار)
وَاخْتلف الْعلمَاء فِي معنى «يتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ» على أَرْبَعَة أَقْوَال:
[ ٣ / ٣٦٧ ]
أَحدهَا: أَنه تَحْسِين الصَّوْت بِهِ، روى أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» عَن ابْن أبي مليكَة أَنه سُئِلَ عَن هَذَا الحَدِيث، فَقيل لَهُ: أَرَأَيْت إِن لم يكن حسن الصَّوْت؟ فَقَالَ: «يُحسنهُ مَا اسْتَطَاعَ» وَالثَّانِي: أَن الْمَعْنى: يَسْتَغْنِي بِهِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا عَن وَكِيع وَابْن عُيَيْنَة، وَقد روى أَنهم دخلُوا على سعد وَعِنْده مَتَاع رث، فَقَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ: «لَيْسَ منا من لم يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ» فَهَذَا دَلِيل على أَنه الإستغناء. وَقَالَ ابْن مَسْعُود: من قَرَأَ آل عمرَان فَهُوَ غَنِي. قَالَ أَبُو عبيد: وَلَو كَانَ المُرَاد بِهِ تَرْجِيع الْقِرَاءَة لَكَانَ من لم يفعل ذَلِك فَلَيْسَ من النَّبِي، قَالَ: وَمَعَ هَذَا فَإِنَّهُ جَائِز فِي كَلَام الْعَرَب أَن يَقُولُوا: تَغَنَّيْت تغَنِّيا، وَتَغَانَيْت تَغَانِيًا: بِمَعْنى اسْتَغْنَيْت، قَالَ الْأَعْشَى:
(وَكنت امْرأ زَمنا بالعراق عفيف المناخ طَوِيل التغن)
يُرِيد الإستغناء. وَقَالَ الْمُغيرَة بن حبناء يُعَاتب أَخَاهُ:
(كِلَانَا غَنِي عَن أَخِيه حَيَاته وَنحن إِذا متْنا أَشد تَغَانِيًا)
فعلى هَذَا يكون الْمَعْنى: من لم يسْتَغْن بِالْقُرْآنِ عَن الْإِكْثَار من
[ ٣ / ٣٦٨ ]
الدُّنْيَا؛ لِأَنَّهُ ينبهه على ترك الفضول ويحثه على طلب الْآخِرَة.
وَالثَّالِث: أَن الْمَعْنى يتحزن بِهِ ويترنم، قَالَه الشَّافِعِي، وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو عبيد: هُوَ عندنَا تحزين الْقِرَاءَة. وَالرَّابِع: أَنه التشاغل بِهِ عَن مَكَان التَّغَنِّي، قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: كَانَت الْعَرَب تتغنى بالركبان إِذا ركبت الْإِبِل، وَإِذا جَلَست فِي الأفنية، وعَلى أَكثر أحوالها، فَلَمَّا نزل الْقُرْآن أحب النَّبِي ﷺ أَن يكون الْقُرْآن هجيراهم مَكَان التَّغَنِّي بالركبان.
ويوضح هَذَا الْوَجْه مَا أَنبأَنَا بِهِ عَليّ بن أبي عمر قَالَ: أخبرنَا عَليّ بن الْحُسَيْن بن أَيُّوب قَالَ: أَنبأَنَا أَبُو عَليّ بن شَاذان قَالَ: أخبرنَا أَبُو سهل أَحْمد بن مُحَمَّد الْقطَّان قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد البرتي قَالَ: حَدثنَا أَبُو نعيم قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّحْمَن الْمليكِي عَن ابْن أبي مليكَة عَن عبد الله بن السَّائِب عَن سعد هُوَ ابْن أبي وَقاص قَالَ: سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول: «غنوا بِالْقُرْآنِ، لَيْسَ من لم يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ» يَعْنِي منا.
١٨٠٨ - / ٢٢٤٣ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالسبْعين: «ننزل غَدا إِن شَاءَ الله بخيف بني كنَانَة حَيْثُ تقاسموا على الْكفْر» يُرِيد المحصب.
قَالَ ابْن فَارس الْخيف: مَا ارْتَفع عَن الْوَادي وَانْحَدَرَ عَن الْجَبَل.
وتقاسموا بِمَعْنى تحالفوا، وَقد ذكر تَفْسِير هَذَا فِي الحَدِيث: وَهُوَ
[ ٣ / ٣٦٩ ]
أَن قُريْشًا وكنانة حصروا بني هَاشم وَبني الْمطلب فِي الشّعب. وَقَالَ بعض الروَاة: أَو بني عبد الْمطلب، وَهُوَ غلط، وَإِنَّمَا هُوَ: وَبني الْمطلب - وتحالفوا أَلا يناكحوهم وَلَا يبايعوهم وَلَا يؤوهم حَتَّى يسلمُوا إِلَيْهِم النَّبِي ﷺ، وَكتب الْقَوْم بذلك كتابا وتركوه فِي الْكَعْبَة، فجَاء النَّبِي ﷺ إِلَى عَمه أبي طَالب فَأخْبرهُ أَن الأرضة قد لحست مَا فِي كِتَابهمْ من جور وظلم وأبقت مَا فِيهِ من ذكر الله ﷿، فَخرج أَبُو طَالب إِلَيْهِم فَأخْبرهُم بذلك، وَقَالَ: إِن كَانَ ابْن أخي صَادِقا فانزعوا عَمَّا أَنْتُم عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ كَاذِبًا أسلمته إِلَيْكُم. فَقَالُوا: قد أنصفت، ففتحوا الْكتاب فوجدوه كَمَا قَالَ، فنكسوا على رؤوسهم وسكتوا، فَلَمَّا خرج النَّبِي ﷺ أَتَى مَكَّة فِي حجَّته، قَالَ: «منزلنا إِن شَاءَ الله بخيف بني كنَانَة» فآثر النُّزُول بذلك الْمَكَان شكرا لنعمة الله سُبْحَانَهُ فِي التَّمْكِين لَهُ، ونقضا لعهدهم.
١٨٠٩ - / ٢٢٤٤ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالسبْعين: «اشتكت النَّار إِلَى رَبهَا، فَأذن لَهَا بنفسين: نفس فِي الشتَاء وَنَفس فِي الصَّيف، فَهُوَ أَشد مَا تَجِدُونَ من الْحر وَمن الزَّمْهَرِير» .
تَشْبِيه الْحر وَالْبرد فِي ابْتِدَائه وامتداده وقوته وَضَعفه بِالنَّفسِ من أحسن التَّشْبِيه. والزمهرير: شدَّة الْبرد. وَبَاقِي الحَدِيث قد تقدم فِي مُسْند أبي ذَر.
١٨١٠ - / ٢٢٤٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالسبْعين: «الْفَخر وَالْخُيَلَاء -
[ ٣ / ٣٧٠ ]
وَفِي لفظ: والرياء - فِي الْفَدادِين. .» وَفِي رِوَايَة: «أَتَاكُم أهل الْيمن، هم أَلين قلوبا وأرق أَفْئِدَة» .
الْخُيَلَاء: التكبر والإعجاب بِالنَّفسِ. وَمن يقْصد الترفع عَن النَّاس يحب أَن يرى مَاله الْكثير.
والفدادون مُفَسّر فِي مُسْند أبي مَسْعُود البدري، وَكَذَلِكَ قَوْله: «الْإِيمَان يمَان» هُنَالك أَيْضا. وَقد بَينا ثمَّ أَنه أَشَارَ بذلك إِلَى مَكَّة وَالْمَدينَة، وَإِنَّمَا أثنى على أهل الْيمن لمبادرتهم إِلَى الْإِيمَان، وَإِذا رقت الأفئدة ولانت الْقُلُوب وصلت إِلَيْهَا المواعظ وأثرت فِيهَا.
وَالْحكمَة: الْفِقْه. والسكينة: السّكُون.
وَفِي هَذَا الحَدِيث ثَنَاء على الْأَنْصَار.
وَقَوله: «وَرَأس الْكفْر قبل الْمشرق» وَذَاكَ لِأَن الدَّجَّال يخرج مِنْهُ ويأجوج وَمَأْجُوج، وتغلب العجمة على ساكنيه وَقلة الْفَهم، وَلذَلِك أضَاف طُلُوع قرن الشَّيْطَان إِلَيْهِ، وَيُرِيد بِطُلُوع قرن الشَّيْطَان ظُهُور إِبْلِيس بالفتن هُنَالك.
١٨١١ - / ٢٢٤٦ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالسبْعين: «التَّسْبِيح للرِّجَال والتصفيق للنِّسَاء» وَقد تقدم هَذَا فِي مُسْند سهل بن سعد.
١٨١٢ - / ٢٢٥٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث والثمانين: «إِذا نُودي بِالصَّلَاةِ
[ ٣ / ٣٧١ ]
أدبر الشَّيْطَان، فَإِذا قضى التثويب أقبل» .
قد ذكرنَا التثويب آنِفا فِي هَذَا الْمسند. وَالْمرَاد بِهِ هَا هُنَا الْإِقَامَة، فَإِنَّهَا إِعْلَام بِقِيَام الصَّلَاة. وَالْأَذَان إِعْلَام بِوَقْت الصَّلَاة.
والحصاص يكون بمعنيين: الحصاص: الْعَدو. والحصاص: الضراط. وَقَالَ عَاصِم بن أبي النجُود: إِذا صر أُذُنَيْهِ ومصع بِذَنبِهِ: أَي حركه يَمِينا وَشمَالًا وَعدا، فَذَلِك الحصاص.
فَإِن قيل: كَيفَ يهرب من الْأَذَان وَيَدْنُو من الصَّلَاة، وَفِي الصَّلَاة الْقُرْآن ومناجاة الْحق ﷿؟ فَالْجَوَاب: أَنه يبعد عَن الْأَذَان لغيظه من ظُهُور الدّين وَغَلَبَة الْحق، وعَلى الْأَذَان هَيْبَة يشْتَد انزعاجه لَهَا، وَلَا يكَاد يَقع فِي الْأَذَان رِيَاء وَلَا غَفلَة عِنْد النُّطْق بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا تحضر النَّفس، فَأَما الصَّلَاة فَإِن النَّفس تحضر فِيهَا عَن إِطْلَاقهَا قبلهَا، فَيفتح لَهَا الشَّيْطَان أَبْوَاب الوساوس فترتع فِيهَا بِالْقَلْبِ.
١٨١٣ - / ٢٢٥١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع والثمانين: «مَا من مَوْلُود إِلَّا يُولد على الْفطْرَة» .
[ ٣ / ٣٧٢ ]
الْفطْرَة تقال على وُجُوه، قد ذَكرنَاهَا فِي مُسْند الْبَراء بن عَازِب، فَأَما المُرَاد بهَا هَا هُنَا: فَاعْلَم أَن معرفَة الْحق ﷿ مركوزة فِي النُّفُوس، ثمَّ قد نصبت لَهَا عَلَيْهَا أَدِلَّة، فَإِذا سلمت فطرتها من صَاد عَن الْهدى بَان لَهَا الْحق بدليله، يدل على هَذَا من حَيْثُ الْمَعْنى وَمن حَيْثُ الْوُقُوع: أما من حَيْثُ الْمَعْنى فَإِن الْأَدِلَّة إِنَّمَا ترد النَّفس إِلَى معلومها الأول الَّذِي قد ثَبت عِنْدهَا، فَأَنا إِذا قلت: لَا بُد من صانع، فَهَذَا مركوز فِي النُّفُوس، وَإِنَّمَا يحْتَاج إِلَى إِقَامَة الدَّلِيل الَّذِي يَنْفِي الشوائب عَنهُ. وَأما من حَيْثُ الْوُقُوع فقد اسْتدلَّ جمَاعَة على الوحدانية كقس بن سَاعِدَة، فَإِذا وَقع الصَّاد غير الْفطْرَة ووقفت ظلمته فِي وُجُوه نورها، فَاشْتَبَهَ على النَّفس الْأَمر، فاحتاجت إِلَى قُوَّة معالجة من الدَّلِيل. وَقد ذكر ابْن قُتَيْبَة عَن حَمَّاد بن سَلمَة أَنه قَالَ فِي هَذَا الحَدِيث: هَذَا حِين أَخذ الله ﷿ الْعَهْد على الْخلق فِي أصلاب آبَائِهِم ﴿وأشهدهم على أنفسهم أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى﴾ [الْأَعْرَاف: ١٧٢] فلست واجدا أحدا إِلَّا وَهُوَ مقرّ بِأَن لَهُ صانعا ومدبرا وَإِن سَمَّاهُ بِغَيْر اسْمه، وَعبد شَيْئا دونه. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَئِن سَأَلتهمْ من خلقهمْ ليَقُولن الله﴾ [الزخرف: ٨٧] فَالْمَعْنى: كل مَوْلُود فِي الْعَالم على ذَلِك الْعَهْد وَالْإِقْرَار الأول وَهُوَ الْفطْرَة، وَمعنى الْفطْرَة: ابْتِدَاء الْخلقَة، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿فاطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ [الْأَنْعَام: ١٤] أَي مبتدئها، وَهِي الحنيفية الَّتِي وَقعت لأوّل الْخلق وَجَرت فِي فطر الْعُقُول، ثمَّ يهود الْيَهُود أَبْنَاءَهُم، ويمجس الْمَجُوس أَبْنَاءَهُم: أَي يعلمونهم ذَلِك،
[ ٣ / ٣٧٣ ]
وَلَيْسَ الْإِقْرَار الأول مِمَّا يَقع بِهِ حكم أَو عَلَيْهِ ثَوَاب، أَلا ترى أَن الطِّفْل من أَطْفَال الْمُشْركين مَحْكُوم عَلَيْهِ بدين أَبَوَيْهِ، فَإِن خرج عَنْهُمَا إِلَى مُسلم حكم عَلَيْهِ بدين مَالِكه، وَمن وَرَاء ذَلِك علم الله فِيهِ. فَفرق مَا بَيْننَا وَبَين الْقَدَرِيَّة فِي هَذَا الحَدِيث أَن الْفطْرَة عِنْدهم الْإِسْلَام، وَعِنْدنَا الْإِقْرَار بِاللَّه والمعرفة بِهِ.
وَقَوله: «كَمَا تنْتج الْبَهِيمَة بَهِيمَة جَمْعَاء» تنْتج: مَضْمُومَة التَّاء الأولى مَفْتُوحَة الثَّانِيَة، قَالَ ابْن قُتَيْبَة: هِيَ السليمة، سميت بذلك لإجتماع السَّلامَة فِي أعضائها.
والجدعاء: المقطوعة الْأنف وَالْأُذن.
واللكز: الطعْن بِجَمِيعِ الْكَفّ.
والحضنان: الجنبان، وهما مَا دون الْإِبِط إِلَى الخصر.
وَقَوله: «الله أعلم بِمَا كَانُوا عاملين» قد سبق بَيَانه فِي مُسْند ابْن عَبَّاس، وَذكرنَا هُنَاكَ خلاف النَّاس فيهم.
١٨١٤ - / ٢٢٥٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس والثمانين: «من ترك كلا فإلينا» .
الْكل: الْعِيَال والثقل.
«فعلي قَضَاؤُهُ» هَذَا فِيمَن ترك دينا لَا وَفَاء لَهُ فَإِنَّهُ يقْضى من الْفَيْء.
[ ٣ / ٣٧٤ ]
والضياع بِفَتْح الضَّاد وَهُوَ مصدر ضَاعَ يضيع، وَالْمعْنَى: من ترك شَيْئا ضائعا كالأطفال فَليَأْتِنِي ذَلِك الضائع «فَأَنا مَوْلَاهُ» أَي وليه. وَرَوَاهُ بَعضهم «ضيَاعًا» بِكَسْر الضَّاد، وَهُوَ جمع ضائع، كَمَا تَقول: جَائِع وجياع، وَالْأول أصح.
وَفِي لفظ: «فَأَيكُمْ ترك مَالا فَإلَى الْعصبَة» قَالَ ابْن فَارس: يُقَال: عصب الْقَوْم بفلان: أحاطوا بِهِ، وَسميت الْعصبَة وهم قرَابَة الرجل لِأَبِيهِ. وعصبت الْإِبِل بِالْمَاءِ: إِذا دارت بِهِ.
١٨١٥ - / ٢٢٥٣ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس والثمانين: «أَنا أولى النَّاس بِابْن مَرْيَم، الْأَنْبِيَاء أَوْلَاد علات» .
أَوْلَاد العلات: الْإِخْوَة من أَب وَاحِد وأمهاتهم شَتَّى. وَأَوْلَاد الْأَعْيَان: الْإِخْوَة من أَب وَاحِد وَأم وَاحِدَة. وَالَّذِي أَرَادَ أَن أصل دين الْأَنْبِيَاء وَاحِد وَإِن كَانَت شرائعهم مُخْتَلفَة، كَمَا أَن أَوْلَاد العلات أبوهم وَاحِد وَإِن كَانَت أمهاتهم شَتَّى.
أما قَوْله: «لَيْسَ بَيْننَا نَبِي» فَإِن قيل: فقد ذكر أَن بعد عِيسَى أَنْبيَاء.
فَالْجَوَاب: أَن هَذَا الحَدِيث أصح، والاعتماد عَلَيْهِ وَإِن جَوَّزنَا وجود نَبِي ذُو شرع متجدد.
١٨١٦ - / ٢٢٥٤ - «من رَآنِي فِي الْمَنَام فقد رَآنِي» .
[ ٣ / ٣٧٥ ]
وَهَذَا قد تقدم فِي مُسْند أبي قَتَادَة وَغَيره.
وَفِي بعض أَلْفَاظ هَذَا الحَدِيث: «من رَآنِي فِي الْمَنَام فسيراني فِي الْيَقَظَة» وَهَذَا كالبشارة لمن يرَاهُ بِأَنَّهُ يلقاه يَوْم الْقِيَامَة.
١٨١٧ - / ٢٢٥٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن والثمانين: «من قَامَ رَمَضَان إِيمَانًا واحتسابا غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه. .» وَفِي وَرَايَة: «من صَامَ. .» .
وَقَوله: «إِيمَانًا واحتسابا» أَي تَصْدِيقًا بالمعبود الْآمِر لَهُ، وعلما بفضيلة الْقيام وَوُجُوب الصّيام، وخوفا من عِقَاب تَركه، ومحتسبا جزيل أجره، وَهَذِه صفة الْمُؤمن.
وَقَوله: «فيوافقها» يَعْنِي لَيْلَة الْقدر. وَهَذَا دَلِيل على زِيَادَة أجر الْمُجْتَهد إِذا أصَاب.
والأوزاع: جماعات من النَّاس. والرهط دون الْعشْرَة. وَيُقَال: إِلَى الْأَرْبَعين.
١٨١٨ - / ٢٢٥٦ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع والثمانين: «لَا عدوى وَلَا صفر وَلَا هَامة» فَقَالَ أَعْرَابِي: يَا رَسُول الله، فَمَا بَال إبل تكون فِي الرمل كَأَنَّهَا الظباء فَيَأْتِي الْبَعِير الأجرب فَيدْخل فِيهَا فيجربها؟ قَالَ: «فَمن أعدى الأول؟» .
قد تكلمنا فِي الْعَدْوى والطيرة. وَفِي قَوْله: «لَا يُورد ممرض على مصح» وَفِي قَوْله: «فر من المجذوم» فِي مُسْند ابْن عمر، وَبينا أَنه
[ ٣ / ٣٧٦ ]
إِنَّمَا نهى عَن التَّعَرُّض بِالْمرضِ لِئَلَّا يظنّ الصَّحِيح إِذا مرض عِنْد المقاربة للْمَرِيض أَن ذَلِك من بَاب الْعَدْوى.
والممرض: الَّذِي إبِله مراض، وضده المصح.
وفسرنا قَوْله: «لَا صفر» فِي مُسْند جَابر بن عبد الله.
وَقَوله: «وَخَيرهَا الفأل» قَالَ ابْن عون: هَذَا مثل أَن يكون مَرِيضا فَيسمع: يَا سَالم، وباغيا فَيسمع: يَا وَاجِد. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: الفأل فِيمَا يحسن ظَاهره ويرجى وُقُوعه بِالْخَيرِ. والطيرة لَا تكون إِلَّا فِيمَا يسوء.
وَاعْلَم أَنه إِنَّمَا صَار الفأل خير أَنْوَاع هَذَا الْبَاب لِأَنَّهُ يصدر عَن نطق وَبَيَان، فَكَأَنَّهُ خير جَاءَ من غيب. فَأَما سنوح الطير وبروحها فتكلف من المتطير مَا لَا أصل لَهُ فِي الْبَيَان، إِذْ لَيْسَ هُنَاكَ نطق فيستدل بِهِ على معنى فِيهِ.
وَقَوله: «لَا هَامة» قَالَ أَبُو بكر بن الْأَنْبَارِي: كَانَت الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة تزْعم أَن عِظَام الْمَيِّت تَجْتَمِع فَتَصِير هَامة فتطير، وَكَانُوا يسمون الطَّائِر الَّذِي يخرج مِنْهَا الصدى. وَقَالَ غَيره: كَانُوا يسمون
[ ٣ / ٣٧٧ ]
الْأُنْثَى من هَذِه الطير: هَامة، وَالذكر: الصدى، فَإِذا قتل الْإِنْسَان قَالَ هَذَا الطَّائِر: اسقوني، حَتَّى يقتل قَاتله فيهدأ، قَالَ الشَّاعِر:
(وَلَو أَن ليلى الأخيلية سلمت عَليّ، ودوني تربة وصفائح)
(لسلمت تَسْلِيم البشاشة أَو زقا إِلَيْهَا صدى من جَانب الْقَبْر صائح)
فَأبْطل النَّبِي ﷺ هَذَا. وَقَالَ أَبُو عبيد: قَالَ أَبُو زيد: الهامة مُشَدّدَة الْمِيم، يذهب إِلَى وَاحِد الْهَوَام: وَهِي دَوَاب الأَرْض. قَالَ: وَلَا أرى أَبَا زيد حفظ هَذَا.
وَأما نِسْيَان أبي هُرَيْرَة الحَدِيث فقد جرى هَذَا لجَماعَة كَثِيرَة حدثوا بأَشْيَاء ثمَّ نسوا، وَفِيهِمْ من كَانَ يخبر بِمَا أخبر بِهِ فَيَقُول: حَدثنِي فلَان عني.
وَقَوله: فرطن بالحبشية: أَي تكلم بهَا، وكل كَلَام لَا تفهمه الْعَرَب من كَلَام الْعَجم تسميه رطانة.
والمماراة: الْمُرَاجَعَة على وَجه الْمُخَالفَة.
والنوء: من أنواء الْمَطَر، وَقد سبق بَيَانه فِي مُسْند زيد بن خَالِد.
[ ٣ / ٣٧٨ ]
١٨١٩ - / ٢٢٥٧ - وَفِي الحَدِيث التسعين: «ينزل رَبنَا كل لَيْلَة إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا حِين يبْقى ثلث اللَّيْل الآخر» وَفِي رِوَايَة: «إِذا ذهب ثلث اللَّيْل الأول» .
أصح الرِّوَايَات عَن أبي هُرَيْرَة: «إِذا بَقِي ثلث اللَّيْل الآخر» كَذَلِك قَالَ التِّرْمِذِيّ. وَحَدِيث النُّزُول قد رَوَاهُ جمَاعَة عَن رَسُول الله ﷺ، مِنْهُم أَبُو بكر وَعلي وَابْن مَسْعُود وَأَبُو الدَّرْدَاء وَابْن عَبَّاس وَأَبُو هُرَيْرَة وَجبير بن مطعم وَرِفَاعَة الْجُهَنِيّ والنواس بن سمْعَان وَأَبُو ثَعْلَبَة الْخُشَنِي وَعُثْمَان بن أبي الْعَاصِ وَعَائِشَة فِي آخَرين. وَقد ذكرت فِيمَا تقدم من مُسْند ابْن عمر وَأنس وَغَيرهمَا فِي مثل هَذِه الْأَشْيَاء أَنه يجب علينا أَن نَعْرِف مَا يجوز على الله سُبْحَانَهُ وَمَا يَسْتَحِيل. وَمن المستحيل عَلَيْهِ الْحَرَكَة والنقلة والتغير، فَيبقى مَا ورد فِي هَذَا فَالنَّاس فِيهِ قائلان: أَحدهمَا: السَّاكِت عَن الْكَلَام فِيهِ، وَقد حكى أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ عَن مَالك بن أنس وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَعبد الله بن الْمُبَارك أَنهم قَالُوا فِي هَذِه الْأَحَادِيث: أمروها بِلَا كَيفَ، فَهَذِهِ كَانَت طَريقَة عَامَّة السّلف.
وَالثَّانِي: المتأول، فَهُوَ يحملهَا على مَا توجبه سَعَة اللُّغَة، لعلمه بِأَن مَا يتضمنه النُّزُول من الْحَرَكَة مُسْتَحِيل على الله ﷾، وَقد قَالَ الإِمَام أَحْمد: ﴿وَجَاء رَبك﴾ [الْفجْر: ٢٢] أَي جَاءَ أمره.
[ ٣ / ٣٧٩ ]
وَقَوله: «من يقْرض غير عديم» أصل الْقَرْض الْقطع، وَكَأَنَّهُ يَقُول: من يقطع قِطْعَة من مَاله أَو عمله فيجعلها لله. والعديم بِمَعْنى العادم.
١٨٢٠ - / ٢٢٥٨ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالتسْعين: «إِن الْيَهُود وَالنَّصَارَى لَا يصبغون فخالفوهم» .
المُرَاد بِالْحَدِيثِ تَغْيِير الشيب. وَقد كَانَ السّلف يغيرونه بأنواع من الخضاب وَقد ذكرنَا ذَلِك فِي كتاب «الشيب والخضاب» .
١٨٢١ - / ٢٢٥٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالتسْعين: «مثل المهجر كَمثل الَّذِي يهدي بَدَنَة» .
روى النَّضر بن شُمَيْل عَن الْخَلِيل قَالَ: التهجير إِلَى الْجُمُعَة: التبكير إِلَيْهَا، فَقَوله: «مثل المهجر» أَرَادَ المبكر، وَهِي لُغَة حجازية.
وَقَوله: «من رَاح» قَالَ أَبُو عبيد الْهَرَوِيّ: مَعْنَاهُ: من خف إِلَى الْجُمُعَة، وَلم يرد رواح آخر النَّهَار. وَيُقَال: رَاح الْقَوْم: إِذا سَارُوا فِي أَي وَقت كَانَ.
وَقَوله: «فِي السَّاعَة الأولى» قَالَ أَبُو سُلَيْمَان: لم يرد تَحْدِيد
[ ٣ / ٣٨٠ ]
السَّاعَات، لكنه تجوز فِي الْكَلَام، كَمَا تَقول: قعدت عِنْد فلَان سَاعَة.
وَأما طي الْمَلَائِكَة الصُّحُف فَالْمُرَاد بِهِ صحف الْفضل لَا صحف الْفَرْض، لِأَن الْفَرْض يسْقط بالإتيان بعد ذَلِك، وَإِنَّمَا المُرَاد أَنه قد ذهب وَقت الْفَضِيلَة وَلزِمَ السَّعْي.
١٨٢٢ - / ٢٢٦١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالتسْعين: «لقد كَانَ فِيمَا قبلكُمْ من الْأُمَم محدثون، فَإِن يَك فِي أمتِي أحد فَإِنَّهُ عمر» قَالَ ابْن وهب: محدثون: ملهمون. وَقَالَ ابْن عُيَيْنَة: مفهمون.
وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: يُرِيد قوما يصيبون إِذا ظنُّوا وحدسوا، فكأنهم حدثوا بِشَيْء فقالوه، قَالَ أَوْس:
(الألمعي الَّذِي يظنّ لَك الظَّن كَأَن قد رأى وَقد سمعا )
وَيُقَال فِي بعض الْأَمْثَال: «من لم ينفعك ظَنّه لم ينفعك يقينه» .
١٨٢٣ - / ٢٢٦٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالتسْعين: «تحاج آدم ومُوسَى» .
الإحتجاج: انتزاع الْحجَّة لغَلَبَة الْخصم. وَاعْلَم أَن نَبينَا ﷺ قد
[ ٣ / ٣٨١ ]
حكم بِالْحجَّةِ لآدَم، وَذَاكَ فِي معنى خَاص، لِأَنَّهُ لَو كَانَت لَهُ الْحجَّة عَلَيْهِ لما ليم بقوله تَعَالَى: ﴿ألم أنهكما﴾ [الْأَعْرَاف: ٢٢] وَلما عُوقِبَ بقوله: ﴿اهبطا﴾ [طه: ١٢٣] فَلَمَّا أَخذ مُوسَى فِي لومه وتوبيخه بقوله: «أَنْت الَّذِي اصطفاك الله وَأَنت وَأَنت» أَخذ آدم يُعَارضهُ بِذكر الْقدر وَيَقُول: " أَنْت اصطفاك الله برسالته وبكلامه» وَالْمعْنَى: كَيفَ تكون بِهَذِهِ الْمنزلَة وَيخْفى عَنْك أَنه لَا محيص من الْقدر؟ وَكِلَاهُمَا حق لَا يبطل صَاحبه. وَمَتى قضي للقدر على الْكسْب أخرج إِلَى مَذْهَب الْقَدَرِيَّة أَو للكسب على الْقدر أخرج إِلَى مَذْهَب الجبرية. وَرُبمَا وَقعت الْغَلَبَة لآدَم لوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: أَنه لَيْسَ لمخلوق أَن يلوم مخلوقا فِيمَا قضي عَلَيْهِ، إِلَّا أَن يَأْذَن الشَّرْع بلومه، فَيكون هُوَ اللائم، كَمَا قَالَ ﵇: «إِذا زنت أمة أحدكُم فليجلدها الْحَد وَلَا يثرب» فَلَمَّا أَخذ مُوسَى يلومه وَلم يُؤذن لَهُ عَارضه بِالْقدرِ فَسكت. وَالثَّانِي: أَن الْمعْصِيَة قد اجْتمع فِيهَا الْقدر وَالْكَسْب، فالتوبة تمحو أثر الْكسْب، وَقد تَابَ الله عَلَيْهِ فَلم يبْق إِلَّا الْقدر، وَالْقدر لَا يتَوَجَّه إِلَيْهِ لوم.
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ اجْتمعَا وَمَتى اجْتمعَا؟ فَالْجَوَاب: أَنه يجب الْإِيمَان بِكُل مَا نخبر بِهِ عَن الصَّادِق المصدوق وَإِن لم نطلع على كيفيته، فَمن الْجَائِز اجْتِمَاع الْأَرْوَاح، وَمن الْجَائِز خصومتهما فِي الْقِيَامَة بعد الْحَشْر، وَمن الْجَائِز أَن يكون المُرَاد شرح حَال بِضَرْب مثل: أَي لَو اجْتمعَا قَالَا، وَيكون تَخْصِيص مُوسَى بِالذكر دون غَيره من الْأَنْبِيَاء لِأَنَّهُ أول نَبِي جَاءَ بالتكاليف الشَّدِيدَة. وَهَذَا وَإِن احْتمل فَالْأول
[ ٣ / ٣٨٢ ]
أولى لكَونه حَقِيقَة، وَالله وَرَسُوله أعلم بالمراد.
وَلَيْسَ هَذَا بِأول خبر يجب علينا الْإِيمَان بِهِ وَإِن جهلنا مَعْنَاهُ، فَإِن عَذَاب الْقَبْر ونعيمه. وسؤال مُنكر وَنَكِير فِيهِ حق، وَلَا يطلع على حَقِيقَة ذَلِك، وَمَتى ضَاقَتْ الْحِيَل فِي كشف المشكلات للإحساس لم يبْق إِلَّا فرض التَّسْلِيم.
فَإِن قيل: مَا معنى تَحْدِيد أَرْبَعِينَ سنة فِي الْمَكْتُوب؛ وَفِي الحَدِيث: «إِن الله قدر الْمَقَادِير قبل أَن يخلق السَّمَوَات وَالْأَرضين بِخَمْسِينَ ألف سنة» . فَالْجَوَاب: أَن المعلومات كلهَا قد أحَاط بهَا الْعلم الْقَدِيم قبل وجود مَخْلُوق، وَلكنه كتبهَا فِي زمَان، فَجَائِز أَن يكون كتب خَطِيئَة آدم قبل أَن يخلقه بِأَرْبَعِينَ عَاما، وَجَائِز أَن تكون الْإِشَارَة إِلَى مُدَّة لبثه طينا، فَإِنَّهُ بَقِي أَرْبَعِينَ سنة طينا، فَكَأَنَّهُ يَقُول: كتب عَليّ قبل أَن أعصي مُنْذُ سواني طينا قبل أَن ينْفخ فِي الرّوح.
١٨٢٤ - / ٢٢٦٣ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالتسْعين: «إِن الله حبس عَن مَكَّة الْفِيل، وسلط عَلَيْهَا رَسُوله وَالْمُسْلِمين، وَإِنَّهَا لَا تحل لأحد قبلي، وَإِنَّمَا أحلّت لي سَاعَة من نَهَار» .
كَانَ أَبْرَهَة بن الأشرم قد بنى بيعَة وَقَالَ: لأضيفن إِلَيْهَا حج الْعَرَب، فَسمع بذلك رجل من بني كنَانَة فَدَخلَهَا لَيْلًا فأحدث فِيهَا، فَبلغ ذَلِك أَبْرَهَة، فَحلف ليسيرن إِلَى الْكَعْبَة وليهدمنها، فَسَار بجُنُوده
[ ٣ / ٣٨٣ ]
واستصحب الْفِيل، فَلَمَّا دنا من مَكَّة أَمر أَصْحَابه بالغارة على نعم النَّاس، فَأَصَابُوا إبِلا لعبد الْمطلب، وَبعث أَبْرَهَة بعض جُنُوده فَقَالَ: سل عَن شرِيف مَكَّة وَأخْبرهُ أَنِّي لم آتٍ لقِتَال إِنَّمَا جِئْت لأهدم هَذَا الْبَيْت. فَانْطَلق فلقي عبد الْمطلب، فَقَالَ: إِن الْملك أَرْسلنِي إِلَيْك لأخبرك أَنه لم يَأْتِ لقِتَال إِلَّا أَن تقاتلوه، إِنَّمَا جَاءَ لهدم هَذَا الْبَيْت ثمَّ ينْصَرف عَنْكُم، فَقَالَ عبد الْمطلب: مَاله عندنَا قتال، وَمَا لنا بِهِ يدان، سنخلي بَينه وَبَين مَا جَاءَ لَهُ، فَإِن هَذَا بَيت الله الْحَرَام وَبَيت خَلِيله إِبْرَاهِيم، فَإِن يمنعهُ فَهُوَ بَيته، وَإِن يخل بَينه وَبَين ذَلِك فوَاللَّه مَا لنا بِهِ قُوَّة. قَالَ: فَانْطَلق معي إِلَى الْملك، فَانْطَلق، فَلَمَّا دخل على أَبْرَهَة أكْرمه وأجله، وَقَالَ لِترْجُمَانِهِ: قل: مَا حَاجَتك؟ فَقَالَ لَهُ الترجمان، فَقَالَ: حَاجَتي أَن يرد عَليّ مِائَتي بعير أَصَابَهَا. فَقَالَ أَبْرَهَة لِترْجُمَانِهِ: قل لَهُ، لقد كنت أعجبتني حِين رَأَيْتُك، وَلَقَد زهدت الْآن فِيك؛ جِئْت إِلَى بَيت هُوَ دينك وَدين آبَائِك لأهدمه فَلم تكلمني فِيهِ وكلمتني فِي إبل أصبتها. فَقَالَ عبد الْمطلب: أَنا رب هَذِه الْإِبِل، وَلِهَذَا الْبَيْت رب سيمنعه. فَأمر بإبله فَردَّتْ عَلَيْهِ، فَخرج فَأخْبر قُريْشًا، وَأمرهمْ أَن يتفرقوا فِي الشعاب ورؤوس الْجبَال تخوفا عَلَيْهِم من معرة الْجَيْش إِذا دخل، فَفَعَلُوا، وأتى عبد الْمطلب الْكَعْبَة فَأخذ بِحَلقَة الْبَاب وَجعل يَقُول:
(يَا رب لَا أَرْجُو لَهُم سواكا يَا رب فامنع مِنْهُم حماكا)
(إِن عَدو الْبَيْت من عاداكا امنعهم أَن يخربوا قراكا)
[ ٣ / ٣٨٤ ]
وَقَالَ أَيْضا:
(لَا هم إِن الْمَرْء يمْنَع رَحْله فامنع حلالك)
(لَا يغلبن صليبهم ومحالهم غدوا محالك)
(جروا جموع بِلَادهمْ والفيل كي يسبوا عِيَالك)
(عَمدُوا حماك بكيدهم جهلا وَمَا رقبوا جلالك)
(إِن كنت تاركهم وكعبتنا - فَأمر مَا بدا لَك)
ثمَّ إِن أَبْرَهَة أصبح متهيأ للدخول، فبرك الْفِيل فبعثوه فَأبى، فضربوه فَأبى، فوجهوه إِلَى الْيمن رَاجعا فهرول، ووجهوه إِلَى الشَّام فهرول، وَإِلَى الْمشرق فَكَذَلِك، فوجهوه إِلَى الْحرم فَأبى، وَأرْسل الله تَعَالَى عَلَيْهِم طيرا من الْبَحْر، وَاخْتلفُوا فِي صفتهَا: فَقَالَ ابْن عَبَّاس: كَانَت لَهَا خراطيم كخراطيم الطير وأكف كأكف الْكلاب. وَقَالَ عِكْرِمَة: كَانَت لَهَا رُؤُوس كرؤوس السبَاع. وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: كَانَت كالخطاطيف. وَاخْتلفُوا فِي ألوانها على ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنَّهَا كَانَت خضرًا، قَالَه عِكْرِمَة. وَالثَّانِي: سُودًا، قَالَه عبيد بن عُمَيْر: وَالثَّالِث: بيضًا، قَالَه قَتَادَة. قَالَ: وَكَانَ مَعَ كل طَائِر ثَلَاثَة أَحْجَار: حجران فِي رجلَيْهِ وَحجر فِي منقاره. وَاخْتلفُوا فِي صفة الْحِجَارَة: فَقَالَ بَعضهم: كَانَت كأمثال الحمص والعدس، وَقَالَ عبيد بن عُمَيْر: بل كَانَ الْحجر كرأس الرجل وكالجمل، فَلَمَّا غشيت الْقَوْم أرسلها عَلَيْهِم، فَكَانَ الْحجر يَقع على رَأس الرجل فَيخرج من دبره، وَبعث الله على أَبْرَهَة دَاء فِي جسده، فتساقطت أنامله وانصدع صَدره قطعتين عَن قلبه فَهَلَك، وَرَأى أهل مَكَّة الطير قد أَقبلت من نَاحيَة الْبَحْر فَقَالَ
[ ٣ / ٣٨٥ ]
عبد الْمطلب: إِن هَذِه الطير غَرِيبَة، ثمَّ بعث ابْنه عبد الله على فرس لينْظر، فَرجع يرْكض وَيَقُول: هلك الْقَوْم جَمِيعًا، فَخرج عبد الْمطلب وَأَصْحَابه فغنموا أَمْوَالهم، وَقيل: لم ينج مِنْهُم إِلَّا أَبُو يكسوم، فَسَار وطائر يطير من فَوْقه وَلَا يشْعر بِهِ حَتَّى دخل على النَّجَاشِيّ فَأخْبرهُ بِمَا أصَاب الْقَوْم، فَلَمَّا أتم كَلَامه رَمَاه الطير فَمَاتَ.
وَقد اعْترض بعض الْمُلْحِدِينَ فَقَالَ: لم حبس الْفِيل فِي زمَان الْجَاهِلِيَّة عَن الْكَعْبَة، وَلم يمْنَع الْحجَّاج وَقد نصب المنجنيق على الْكَعْبَة وَقتل ابْن الزبير وَسَفك بهَا الدَّم الْحَرَام، وَلم يحبس عَنْهَا القرامطة وَقد سلبوا الْكَعْبَة ومرقوا حطيمها وقلعوا الْحجر وَقتلُوا الْحَاج عِنْد الْكَعْبَة؟ فَأجَاب بعض الْعلمَاء بِأَن حبس الْفِيل كَانَ علما لنبوة مُحَمَّد ﷺ إِذْ كَانَ آباؤه عمارها، فَكَانَ ذَلِك حجَّة عَلَيْهِم فِي إِثْبَات نبوته، فَأَما إِذْ أقرّ الله الدّين وأعز أنصاره، فَلم يكن مَا جرى عَلَيْهَا مضرا بِالدّينِ وَلَا قادحا فِي بصائر الْمُؤمنِينَ.
وَقَوله: «وسلط عَلَيْهَا رَسُوله وَالْمُؤمنِينَ» دَلِيل على أَنَّهَا فتحت عنْوَة.
وَقَوله: «وَمن قتل لَهُ قَتِيل فَهُوَ بِخَير النظرين: إِمَّا أَن يفدى، أَو يقتل» فِيهِ بَيَان أَن ولي الْقَتِيل بِالْخِيَارِ بَين أحد أَمريْن أَيهمَا شَاءَ أعْطِيه.
[ ٣ / ٣٨٦ ]
وَإِلَى هَذَا ذهب فُقَهَاء الْحجاز، وَقَالَ أهل الْعرَاق: لَيْسَ لَهُ إِلَّا الْقصاص، فَإِن ترك حَقه مِنْهُ لم يكن لَهُ أَن يَأْخُذ الدِّيَة.
وَأما أَبُو شاه فَإِنَّهُ رجل من الْيمن، وَأَرَادَ: اكتبوا لي هَذِه الْخطْبَة، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: «اكتبوا لأبي شاه» وَفِي هَذَا دَلِيل على جَوَاز كِتَابَة الْعلم، وَأَن النَّهْي عَن كِتَابَة غير الْقُرْآن مَنْسُوخ.
وَقد سبق بَيَان بَاقِي الحَدِيث فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
١٨٢٥ - / ٢٢٦٤ - وَقد سبق الْكَلَام فِي الحَدِيث السَّابِع وَالتسْعين: فِي مُسْند ابْن عمر.
١٨٢٦ - / ٢٢٦٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالتسْعين: «من كَانَت لَهُ أَرض فليزرعها أَو ليمنحها أَخَاهُ» قد بَينا هَذَا فِيمَا تقدم. وَذكرنَا فِي مُسْند رَافع بن خديج أَنهم كَانُوا يكرون الأَرْض بِمَا يخرج من بَعْضهَا، فنهوا عَن ذَلِك.
١٨٢٧ - / ٢٢٦٦ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالتسْعين: «لَا تنْكح الأيم حَتَّى تستأمر، وَلَا تنْكح الْبكر حَتَّى تستأذن» قَالُوا: كَيفَ إِذْنهَا؟ قَالَ «أَن تسكت» .
[ ٣ / ٣٨٧ ]
الأيم هَا هُنَا هِيَ الْمَرْأَة الَّتِي يطلقهَا زَوجهَا أَو يَمُوت عَنْهَا.
فَإِن قيل: مَا الْفرق بَين الإستئمار والإستئذان؟ فقد فرق الْخطابِيّ فَقَالَ: الإستئمار: طلب الْأَمر من قبلهَا، وأمرها لَا يكون إِلَّا بنطق.
فَأَما الإستئذان فَهُوَ طلب الْإِذْن، وإذنها قد يعلم بسكوتها، لِأَنَّهَا إِذا سكتت اسْتدلَّ بِهِ على رِضَاهَا.
وَقد اتّفق الْعلمَاء على أَن الثّيّب الْبَالِغ لَا يجوز لأَبِيهَا إجبارها على النِّكَاح، لِأَنَّهَا قد عرفت وجربت. وَاخْتلفُوا فِي الثّيّب الصَّغِيرَة: فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: يجوز لَهُ إجبارها، وَلنَا وَجْهَان. وَلَا فرق عندنَا بَين حُصُول الثيوبة بِوَطْء مُبَاح أَو محرم. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: إِذا حصلت الثيوبة بِوَطْء محرم كَانَ حكمهَا حكم الْبكر.
فَأَما الْبكر فَإِن كَانَت بَالغا فَهَل يملك الْأَب إجبارها على النِّكَاح؟ فِيهِ عَن أَحْمد رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهمَا: يملك، وَحمل الحَدِيث على غير الْأَب. وَالثَّانيَِة: لَا يملك، كَقَوْل أبي حنيفَة. وَإِن لم تكن بَالغا فَلَا يَخْلُو من أَمريْن: إِمَّا أَن تكون قد بلغت تسع سِنِين فَلَا إِذن لَهَا، وَلَا يجوز لغير الْأَب - عندنَا - تَزْوِيجهَا، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يجوز لكل وَارِث. وَعَن أبي حنيفَة أَيْضا: يجوز لكل عصبَة، وَيكون لَهَا الْخِيَار بعد الْبلُوغ، وَعند أَحْمد مثله. وَقَالَ الشَّافِعِي: يجوز للْجدّ.
وَأما إِذن الثّيّب فَهُوَ النُّطْق، وَإِذن الْبكر الصمات.
[ ٣ / ٣٨٨ ]
١٨٢٨ - / ٢٢٦٧ - وَفِي الحَدِيث الْمِائَة: «اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من فتْنَة الْمحيا وَالْمَمَات» .
أما فتن الْمحيا فَأكْثر من أَن تحصر. وَأما فتْنَة الْمَمَات فتحتمل شَيْئَيْنِ: أَحدهمَا: حَالَة الْمَوْت؛ فَإِن الشَّيْطَان يفتن الْآدَمِيّ حِينَئِذٍ، تَارَة بتشكيكه فِي خالقه وَفِي معاده، وَتارَة بالتسخط على الأقدار، وَتارَة بإعراضه عَن التهيؤ للقدوم إِلَى ربه بتوبة من زلَّة، واستدراك لهفوة، إِلَى غير ذَلِك. وَالثَّانِي: أَنَّهَا فتْنَة الْقَبْر بعد الْمَوْت.
أما الْمَسِيح الدَّجَّال فقد سبق ذكره فِي مُسْند ابْن عمر.
١٨٢٩ - / ٢٢٦٨ - وَفِي الحَدِيث الأول بعد الْمِائَة: «إِن الله يغار» وَقد سبق فِي مُسْند ابْن مَسْعُود.
١٨٣٠ - / ٢٢٦٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي بعد الْمِائَة: سجد رَسُول الله ﷺ فِي: ﴿إِذا السَّمَاء انشقت﴾ و﴿اقْرَأ باسم رَبك﴾ .
هَذَا دَلِيل على صِحَة مَذْهَبنَا، خلافًا لإحدى الرِّوَايَتَيْنِ عَن مَالك فِي قَوْله: لَا سُجُود فِي الْمفصل.
١٨٣٠ - / ٢٢٧٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث بعد الْمِائَة: «لَا يتقدمن أحدكُم رَمَضَان بِصَوْم يَوْم أَو يَوْمَيْنِ إِلَّا أَن يكون رجل كَانَ يَصُوم صوما فليصمه» .
[ ٣ / ٣٨٩ ]
فِي هَذَا إِشَارَة إِلَى مَا فعل النَّصَارَى فِي صومهم، فَإِنَّهُم زادوا فِيهِ، وتحذير من مثل ذَلِك، وَأمر بِالْوُقُوفِ على حُدُود الشَّرْع، وإفراد الْفَرْض من غَيره ليتميز التَّطَوُّع من الْفَرْض.
١٨٣١ - / ٢٢٧١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع بعد الْمِائَة: «من أنْفق زَوْجَيْنِ فِي سَبِيل الله دَعَاهُ خَزَنَة الْجنَّة: أَي فل، هَلُمَّ» .
الزَّوْج فِي اللُّغَة: كل شَيْء كَانَ لَهُ قرين من جنسه، فَهُوَ اسْم يَقع على كل وَاحِد من المقترنين، يُقَال: لفُلَان زوجان من حمام، أَي ذكر وَأُنْثَى، وَقد جَاءَ فِي حَدِيث أبي ذَر عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: «من أنْفق زَوْجَيْنِ من مَاله ابتدرته حجبة الْجنَّة» فَقيل: مَا هَذَانِ الزَّوْجَانِ؟ قَالَ: «إِن كَانَ خيلا ففرسان، وَإِن كَانَت إبِلا فبعيران» حَتَّى عد أَصْنَاف المَال كُله.
وَقَوله: «أَي فل» ترخيم فلَان.
وَقَوله: «هَلُمَّ» قَالَ سِيبَوَيْهٍ: هَلُمَّ «هَا» ضمت إِلَيْهَا لم وجعلتا كالكلمة الْوَاحِدَة. وَأكْثر اللُّغَات أَن يُقَال: هَلُمَّ للْوَاحِد والاثنين وَالْجَمَاعَة، بذلك جَاءَ الْقُرْآن. وَمن الْعَرَب من يثني وَيجمع وَيُؤَنث، فَيَقُول للذّكر: هَلُمَّ، وللمرأة: هَلُمِّي، وللإثنين: هلما، وللجماعة: هلموا، وللنسوة: هلممن. وَقَالَ الْخَلِيل: أَصْلهَا لم
[ ٣ / ٣٩٠ ]
وزيدت الْهَاء فِي أَولهَا. وَقَالَ الْفراء: بل أَصْلهَا: هَل، ضمت إِلَيْهَا أم، والرفعة الَّتِي فِي اللَّام من همزَة أم لما تركت انْتَقَلت إِلَى مَا قبلهَا. وَقَالَ أَبُو بكر بن الْأَنْبَارِي: معنى هَلُمَّ: أقبل، وَأَصله أم يَا رجل: أَي اقصد، فضموا هَل إِلَى أم وجعلوها حرفا وَاحِدًا، وأزالوا أم عَن التَّصَرُّف، وحولوا ضمة همزَة أم إِلَى اللَّام، وأسقطوا الْهمزَة فاتصلت الْمِيم بِاللَّامِ. وَإِذا قَالَ الرجل للرجل: هَلُمَّ، فَأَرَادَ أَن يَقُول لَا أفعل، قَالَ: لَا أهلم.
والتوى مَقْصُور: وَهُوَ الْهَلَاك. يُقَال: توى مَاله توى شَدِيدا، قَالَه الْأَصْمَعِي:
فَإِن قيل: إِذا كَانَت الْمنَازل تَتَفَاوَت، فَكيف يَقُول كل خَازِن من خَزَنَة الْجنَّة عَن بَابه: هَذَا خير؟ فَالْجَوَاب: أَنه لاطلاعه على مَا هُوَ خازنه وَنَظره فِي عجائبه يظنّ أَنه لَا يكون شَيْء خيرا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لم يطلع على غَيره.
وَأما تَسْمِيَته بَاب الصَّوْم بِبَاب الريان فَإِنَّهُ لَائِق بِالْحَال؛ لِأَن جَزَاء الصَّائِم والعطشان أَن يرْوى، فَسُمي باسم الْجَزَاء، وَلم يحسن أَن يُقَال:
[ ٣ / ٣٩١ ]
بَاب الصَّوْم، لما يتضمنه من الْمَشَقَّة.
١٨٣٢ - / ٢٢٧٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن بعد الْمِائَة: جَاءَ رجل فَقَالَ: يَا رَسُول الله، هَلَكت. قَالَ: «مَالك؟» قَالَ: وَقعت على امْرَأَتي وَأَنا صَائِم فَذكر الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ: فَأتي النَّبِي ﷺ بعرق فِيهِ تمر، قَالَ: «خُذ هَذَا فَتصدق بِهِ» فَقَالَ الرجل: أَعلَى أفقر مني؟ فوَاللَّه مَا بَين لابتيها أهل بَيت أفقر مني. وَفِي رِوَايَة: أَن رجلا أفطر فِي رَمَضَان، فَأمره رَسُول الله ﷺ أَن يكفر بِعِتْق رَقَبَة.
أما الْعرق فَفِي الحَدِيث أَنه المكتل الضخم. وَقَالَ أَبُو عبيد: الْعرق: السفيفة المنسوجة وَمن الخوص قبل أَن يَجْعَل مِنْهَا زبيل، فَسُمي الزبيل عرقا لذَلِك، وَيُقَال: العرقة أَيْضا، وكل شَيْء مصطف مثل الطير إِذا صفت فِي السَّمَاء فَهِيَ عرقة، قَالَ أَبُو كَبِير:
(نغدو فنترك فِي المزاحف من ثوى ونمر فِي العرقات من لم يقتل)
والعرقات: النسوع، وَالْمعْنَى نأسرهم ونشدهم.
واللابة: الْحِجَارَة السود. وَقد سبقت فِي مَوَاضِع. وأصل ذَلِك فِي أطناب الْبيُوت، فَشبه الْمَدِينَة ببساط، واللابتين بطنبين.
وَاعْلَم أَن هَذِه الْكَفَّارَة إِنَّمَا تجب بِالْوَطْءِ فَحسب، وَهَذَا مَذْهَب أَحْمد وَالشَّافِعِيّ، إِلَّا أَن بعض الروَاة روى هَذَا الحَدِيث بِالْمَعْنَى فَقَالَ: إِن رجلا أفطر فِي رَمَضَان فَأمره رَسُول الله ﷺ بِعِتْق رَقَبَة، فَبنى عَلَيْهِ
[ ٣ / ٣٩٢ ]
قوم من الْفُقَهَاء، فَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِذا أفطر بِالْأَكْلِ وَالشرب وَجَبت الْكَفَّارَة، إِلَّا أَن يفْطر ببلع الْحَصَاة وَمَا فِي مَعْنَاهَا وبالقيء وبالسعوط.
وَقَالَ مَالك: تجب الْكَفَّارَة بِجَمِيعِ ذَلِك. فَإِن قَالَ الْخصم: فقد رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بلفظين آخَرين: أَحدهَا: أَن النَّبِي ﷺ أَمر الَّذِي أفطر يَوْمًا من رَمَضَان بكفارة الظِّهَار. وَالثَّانِي: أَن رجلا أكل فِي رَمَضَان، فَأمره بِالْكَفَّارَةِ. وروى الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث سعد بن أبي وَقاص قَالَ: جَاءَ رجل فَقَالَ: أفطرت يَوْمًا من رَمَضَان مُتَعَمدا، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: «أعتق رَقَبَة» وروت عَائِشَة أَن رجلا قَالَ: يَا رَسُول الله، احترقت، أفطرت فِي رَمَضَان، فَأمره بالتكفير.
وَالْجَوَاب: أَن هَذِه الْأَحَادِيث كلهَا هِيَ حَدِيث الْأَعرَابِي الَّذِي وَقع على أَهله وَإِنَّمَا عبر بعض الروَاة عَن الْجِمَاع بِالْفطرِ، والْحَدِيث مُبين فِي الصِّحَاح وَالْمَسَانِيد. قَالَ الدراقطني: أَكثر الروَاة بينوا أَن إفطار ذَلِك الرجل بِالْجِمَاعِ، وَأما اللَّفْظ الَّذِي فِيهِ أَنه أمره بكفارة الظِّهَار فيرويه يحيى الْحمانِي، وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: كَانَ يكذب جهارا، وَقَالَ الدراقطني: إِنَّه مُرْسل. وَأما اللَّفْظ الَّذِي فِيهِ أَن رجلا أكل فِي
[ ٣ / ٣٩٣ ]
رَمَضَان، فَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: يرويهِ أَبُو معشر نجيح، وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ.
وَقَالَ يحيى بن معِين: يبْقى من حَدِيثه الْمسند. وَقَالَ مرّة: لَيْسَ بِشَيْء. وأصل هَذَا الحَدِيث أَن رجلا أفطر، كَذَلِك رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، فَعدل بِهِ الرَّاوِي إِلَى: أكل، لِأَن المجامع مفطر. وَلَفظ حَدِيث عَائِشَة الَّذِي فِي «الصَّحِيحَيْنِ»: احترقت، أصبت أَهلِي فِي رَمَضَان.
وَقَوله فَضَحِك حَتَّى بَدَت أنيابه. قد بَينا الأنياب والنواجذ فِي مُسْند ابْن مَسْعُود.
وَقَوله: «أطْعمهُ أهلك» اعْلَم أَن كَفَّارَة الْجِمَاع على رِوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد: إِحْدَاهمَا: أَنَّهَا على التَّخْيِير بَين الْعتْق وَالصِّيَام وَالْإِطْعَام، فبأيها كفر أَجزَأَهُ. وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى: على التَّرْتِيب، فقد كَانَ يجب على هَذَا الرجل عتق رَقَبَة، فَإِن لم يجد وَجب عَلَيْهِ صِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين، فَإِن لم يسْتَطع وَجب عَلَيْهِ إطْعَام سِتِّينَ مِسْكينا، فَإِن لم يجد سَقَطت. فَأعْطَاهُ الرَّسُول ﷺ مَا أعطَاهُ وَقَالَ: «تصدق بِهِ» ظنا مِنْهُ أَنه يُعينهُ على الْكَفَّارَة، وَأَنه قد يجد بَعْضهَا، فَلَمَّا أخبرهُ بِشدَّة فقره أسقط الْوُجُوب عَنهُ، وَقَالَ: «أطْعمهُ أهلك» . وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذَا خَاص لذَلِك الرجل. قَالَ: وَقَالَ قوم: هَذَا مَنْسُوخ وَلم يذكر مَا نسخه.
قَالَ: وَأحسن مَا سَمِعت فِيهِ قَول الْبُوَيْطِيّ: إِنَّه لما أخبرهُ بحاجته لم ير أَن يتَصَدَّق على غَيره، وَأمره بِأَكْلِهِ، وَبقيت الْكَفَّارَة فِي ذمَّته إِلَى أَن يجد وَفَاء. قلت: فدعوى الْخُصُوص والنسخ وَبَقَاء الْكَفَّارَة فِي
[ ٣ / ٣٩٤ ]
ذمَّته لَا دَلِيل على شَيْء مِنْهُ، وَالَّذِي ذَهَبْنَا إِلَيْهِ أصح.
١٨٣٣ - / ٢٢٧٦ - والْحَدِيث التَّاسِع بعد الْمِائَة: حَدِيث الَّذِي قَالَ لِبَنِيهِ: إِذا مت فأحرقوني.
وَقد سبق فِي مُسْند أبي سعيد الْخُدْرِيّ وَحُذَيْفَة.
١٨٣٤ - / ٢٢٧٧ - وَفِي الحَدِيث الْعَاشِر بعد الْمِائَة: «من حلف مِنْكُم فَقَالَ فِي حلفه: وَاللات والعزى، فَلْيقل: لَا إِلَه إِلَّا الله. وَمن قَالَ لصَاحبه: تعال أقامرك، فليتصدق» .
قَالَ أَبُو سُلَيْمَان: إِنَّمَا أوجب قَول لَا إِلَه إِلَّا الله على من حلف بِاللات شَفَقَة عَلَيْهِ من الْكفْر أَن يكون قد لزمَه، لِأَن الْيَمين إِنَّمَا تكون بالمعبود الْمُعظم، فَإِذا حلف فقد ضاهى الْكفَّار فِي ذَلِك، فَأمر أَن يتداركه بِكَلِمَة التَّوْحِيد المبرئة من الشّرك.
قلت: وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد: من سبق لِسَانه إِلَى الْحلف بِاللات لموْضِع الْعَادة قبل الْإِسْلَام فَلْيقل لَا إِلَه إِلَّا الله مستدركا بهَا ذَلِك الْغَلَط.
وَهَذَا أبين من قَول الْخطابِيّ، لِأَن الْمُسلم لَا يقْصد الْيَمين بِاللات.
وَكَذَلِكَ قَوْله: تعال أقامرك، جري على الْعَادة قبل الْإِسْلَام.
وَفِي قَوْله: «فليتصدق» قَولَانِ: أَحدهمَا: فليتصدق بِالْمَالِ الَّذِي يُرِيد أَن يقامر عَلَيْهِ، قَالَه الْأَوْزَاعِيّ. وَالثَّانِي: فليتصدق بِصَدقَة تكون
[ ٣ / ٣٩٥ ]
كَفَّارَة لما جرى على لِسَانه من ذَلِك.
١٨٣٥ - / ٢٢٧٨ - والْحَدِيث الْحَادِي عشر بعد الْمِائَة: قد سبق فِي مُسْند أبي سعيد الْخُدْرِيّ، إِلَّا أَن فِي هَذَا: «إِذا تنخع أحدكُم» والنخامة والنخاعة والبصاق بِمَعْنى وَاحِد، إِلَّا أَن البصاق من أدنى الْفَم، والنخاعة من أقْصَى الْفَم، كَأَنَّهُ مَأْخُوذ من النخاع: وَهُوَ الْخَيط الْأَبْيَض المستبطن فقار الْعُنُق الْمُتَّصِل بالدماغ.
١٨٣٦ - / ٢٢٧٩ - والْحَدِيث الثَّانِي عشر بعد الْمِائَة: فِي مُسْند ابْن مَسْعُود.
١٨٣٧ - / ٢٢٨٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث عشر بعد الْمِائَة: «يَأْتِي الشَّيْطَان أحدكُم فَيَقُول: من خلق كَذَا؟ حَتَّى يَقُول: من خلق رَبك؟ فَإِذا بلغه فليستعذ بِاللَّه ولينته» .
الْمَعْنى: فليعرض عَن مساكنة الْفِكر بعد هَذَا؛ فَإِن كل خصم رُبمَا انْتهى جدله، ووسوسة الشَّيْطَان لَا تَنْتَهِي، فَلَيْسَ إِلَّا التَّعَوُّذ وَقطع المساكنة لَهَا، وَإِنَّمَا يَسْتَعِين إِبْلِيس على هَذِه الوسوسة بالحس لَا بِالْعقلِ، والحس لم يعرف وجود شَيْء إِلَّا من شَيْء وبشيء، فَأَما الْعقل فَيقطع على وجود خَالق لَيْسَ بمخلوق، على مَا بَينا فِي مُسْند أنس بن مَالك، فَإِن هَذَا الحَدِيث هُنَاكَ.
[ ٣ / ٣٩٦ ]
١٨٣٨ - / ٢٢٨٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس عشر بعد الْمِائَة: «من أدْرك مَاله بِعَيْنِه عِنْد رجل قد أفلس فَهُوَ أَحَق بِهِ من غَيره» .
أصل أفلس أَنه بِمَعْنى صَار ذَا فلوس بعد أَن كَانَ ذَا دَرَاهِم.
وَاخْتلف الْعلمَاء فِي هَذِه الْمَسْأَلَة: فَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: إِذا أفلس المُشْتَرِي بِالثّمن فَوجدَ البَائِع عين مَاله عِنْده والمفلس حَيّ وَلم يقبض البَائِع من ثمنه شَيْئا فَهُوَ أَحَق بِهِ من سَائِر الْغُرَمَاء، فَإِن قبض من الثّمن شَيْئا كَانَ أُسْوَة الْغُرَمَاء. وَقَالَ الشَّافِعِي: هُوَ أَحَق بِهِ فِي الْمَوْت والحياة، فَإِن قبض مِنْهُ شَيْئا كَانَ أَحَق بِمَا بَقِي. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: هُوَ أُسْوَة الْغُرَمَاء بِكُل حَال.
١٨٣٩ - / ٢٢٨٣ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس عشر بعد الْمِائَة: «كل أمتِي معافى إِلَّا المجاهرين، وَمن المجاهرة أَن يعْمل الرجل بِاللَّيْلِ عملا ثمَّ يصبح وَقد ستره الله عَلَيْهِ فَيَقُول: يَا فلَان، عملت البارحة كَذَا وَكَذَا، وَقد بَات يستره ربه» .
المجاهرون: الَّذين يجاهرون بالفواحش وَيَتَحَدَّثُونَ بِمَا قد فَعَلُوهُ مِنْهَا سرا، وَالنَّاس فِي عَافِيَة من جِهَة الْهم مستورون، وَهَؤُلَاء مفتضحون.
١٨٤٠ - / ٢٢٨٤ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع عشر بعد الْمِائَة: «مَا بَين بَيْتِي
[ ٣ / ٣٩٧ ]
ومنبري رَوْضَة من رياض الْجنَّة، ومنبري على حَوْضِي» .
قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: معنى الحَدِيث تَفْضِيل الْمَدِينَة وخصوصا الْبقْعَة الَّتِي بَين الْبَيْت والمنبر، يَقُول: من لزم طَاعَة الله فِي هَذِه الْبقْعَة آلت بِهِ الطَّاعَة إِلَى رَوْضَة من رياض الْجنَّة، وَمن لزم عبَادَة الله عِنْد الْمِنْبَر سقِي فِي الْقِيَامَة من الْحَوْض.
١٨٤١ - / ٢٢٨٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن عشر بعد الْمِائَة: «سَبْعَة يظلهم الله فِي ظله» فَذكر فيهم: رجلا قد تصدق بِصَدقَة فأخفاها حَتَّى لَا تعلم شِمَاله مَا تنْفق يَمِينه.
قد ذكر النَّاس فِي هَذَا أقوالا: فَقَالَ بَعضهم: لَا يعلم جليسه عَن شِمَاله. وَقَالَ قوم: لَا يرائي بِنَفَقَتِهِ فَلَا يَكْتُبهَا صَاحب الشمَال.
وَالصَّوَاب أَنه للْمُبَالَغَة، وَأَنه بَالغ فِي الكتم، فَلَو تصور أَن لَا تعلم شِمَاله مَا علمت.
١٨٤٢ - / ٢٢٨٦ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع عشر بعد الْمِائَة: «إِن الْإِيمَان ليأرز إِلَى الْمَدِينَة» أَي يجْتَمع إِلَيْهَا بِهِجْرَة الْمُهَاجِرين.
١٨٤٣ - / ٢٢٨٧ - والْحَدِيث الْعشْرُونَ بعد الْمِائَة: قد سبق فِي مُسْند أبي سعيد وَغَيره.
[ ٣ / ٣٩٨ ]
١٨٤٤ - / ٢٢٨٨ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْعِشْرين بعد الْمِائَة: «يُوشك الْفُرَات أَن يحسر عَن كنز من ذهب» وَفِي رِوَايَة «عَن جبل» .
يُوشك: أَي يقرب، يُقَال: أوشك الشَّيْء، وَأمر وشيك: أَي قريب. ويحسر: يكْشف.
١٨٤٥ - / ٢٢٨٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْعِشْرين بعد الْمِائَة: «إِن العَبْد ليَتَكَلَّم بِالْكَلِمَةِ مَا يتَبَيَّن فِيهَا، يزل بهَا فِي النَّار أبعد من الْمشرق وَالْمغْرب» .
يتَبَيَّن من الْبَيَان: أَي إِنَّه مَا بَينهَا بِعِبَارَة تَامَّة.
والبال: الْقلب. ويلقي بِالْقَافِ من الْإِلْقَاء، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿أَو ألْقى السّمع﴾ [ق: ٣٧] أَي أحضرهُ. وَالْمعْنَى: لَا يحضر لَهَا قلبه كل الْحُضُور. وَمن قَرَأَهُ بِالْفَاءِ فغلط؛ لِأَنَّهُ لَا معنى لَهُ هَا هُنَا.
وَهَذِه الْكَلِمَات لَيست مِمَّا تعلم عَنهُ، بل لَو قَالَ للوالي الجائر: النَّاس فِي زَمَانك فِي عَيْش. أَو قَالَ عِنْد غيبَة الْمُسلم: يسْأَل الله الْعَافِيَة، خفت أَن تكون هَذِه من كَلِمَات الشَّرّ الَّتِي تووعد عَلَيْهَا. وَلَو قَالَ للجائر: إِنَّك مسئول عَن رعيتك، رَجَوْت أَن تكون من الْكَلِمَات الَّتِي يرفع بهَا.
[ ٣ / ٣٩٩ ]
١٨٤٦ - / ٢٢٩٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْعِشْرين بعد الْمِائَة: «إِذا اسْتَيْقَظَ أحدكُم من مَنَامه فليستنثر ثَلَاث مَرَّات، فَإِن الشَّيْطَان يبيت على خياشيمه» .
النثرة: الْأنف. والخياشيم: الأنوف. فَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ الإستنشاق، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ الإمتخاط.
١٨٤٧ - / ٢٢٩١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْعِشْرين بعد الْمِائَة: نهى أَن تنْكح الْمَرْأَة على عَمَّتهَا، وَالْمَرْأَة على خَالَتهَا.
إِنَّمَا نهى عَن الْجمع بَين هَاتين لِأَن التنافس يَقع بَين الضرائر فَيحصل بَين هَاتين التقاطع.
وَقَوله: «طَلَاق أُخْتهَا» ينْهَى ضَرَّتهَا، فَهِيَ أُخْتهَا فِي الْإِسْلَام ومماثلتها فِي الزَّوْج. وتكتفىء «تفتعل»: من كفأت الْقدر: إِذا كببتها لتفرغ مَا فِيهَا. والصحفة: الْقَصعَة.
وَقد بَينا فِي الحَدِيث الْخمسين من هَذَا الْمسند أَن النَّهْي عَن خطْبَة الرجل على خطْبَة أَخِيه إِنَّمَا هُوَ فِيمَا إِذا كَانَت الْمَرْأَة قد سكنت إِلَيْهِ، وَكَذَلِكَ فِي السّوم.
١٨٤٨ - / ٢٢٩٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْعِشْرين بعد الْمِائَة: «يُسْتَجَاب لأحدكم مَا لم يعجل، يَقُول: قد دَعَوْت فَلم يستجب لي،
[ ٣ / ٤٠٠ ]
فيستحسر عِنْد ذَلِك ويدع الدُّعَاء» .
اعْلَم أَن الله ﷿ لَا يرد دُعَاء الْمُؤمن، غير أَنه قد تكون الْمصلحَة فِي تَأْخِير الْإِجَابَة، وَقد لَا يكون مَا سَأَلَهُ مصلحَة فِي الْجُمْلَة فيعوضه عَنهُ مَا يصلحه. وَرُبمَا أخر تعويضه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. فَيَنْبَغِي لِلْمُؤمنِ أَلا يقطع الْمَسْأَلَة لِامْتِنَاع الْإِجَابَة؛ فَإِنَّهُ بِالدُّعَاءِ متعبد، وبالتسليم إِلَى مَا يرَاهُ الْحق لَهُ مصلحَة مفوض.
ويستحسر بِمَعْنى يَنْقَطِع، من قَوْله ﷿: ﴿وَلَا يستحسرون﴾ [الْأَنْبِيَاء: ١٩] .
١٨٤٩ - / ٢٢٩٣ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْعِشْرين بعد الْمِائَة: «لِأَن يحتطب أحدكُم حزمة على ظَهره خير من أَن يسْأَل» وَهَذَا سبق فِي مُسْند الزبير.
وَفِيه «ذَلِك بِأَن الْيَد الْعليا خير من الْيَد السُّفْلى» وَهَذَا قد تقدم فِي مُسْند ابْن عمر.
١٨٥٠ - / ٢٢٩٤ - والْحَدِيث السَّابِع وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَة: قد تقدم فِي مُسْند جَابر بن عبد الله.
[ ٣ / ٤٠١ ]
١٨٥١ - / ٢٢٩٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْعِشْرين بعد الْمِائَة: «من قذف مَمْلُوكه وَهُوَ بَرِيء مِمَّا قَالَ جلد يَوْم الْقِيَامَة» .
اعْلَم أَن الْمَمْلُوك عبد لله كَمَا أَن الْمَالِك عبد لَهُ، وَالْحق ﷿ عَادل، فَإِذا لم يجلد لموْضِع قذفه لَهُ فِي الدُّنْيَا من جِهَة استعلائه عَلَيْهِ بالملكة جلد لَهُ فِي الْقِيَامَة. أخبرنَا الْمُبَارك بن أَحْمد الْأنْصَارِيّ قَالَ: أخبرنَا أَبُو الْحُسَيْن بن عبد الْجَبَّار قَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن عَليّ ابْن الْفَتْح قَالَ: أخبرنَا عَليّ بن الْحُسَيْن بن سكينَة قَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد ابْن الْقَاسِم بن مهْدي قَالَ: أخبرنَا عَليّ بن أَحْمد بن أبي قيس قَالَ: أَنبأَنَا أَبُو بكر الْقرشِي قَالَ: حَدثنِي هَارُون بن سُفْيَان قَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن عمر عَن إِسْمَاعِيل بن أبي سعيد عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: من النَّاس من يقتل يَوْم الْقِيَامَة وَيقطع، يقْتَصّ مِنْهُ. وَعَن إِسْمَاعِيل بن أبي سعيد عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: إِن من النَّاس من يقتل يَوْم الْقِيَامَة ألف قتلة، يَعْنِي: يقْتَصّ مِنْهُ.
١٨٥٢ - / ٢٢٩٦ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْعِشْرين بعد الْمِائَة: «من غَدا إِلَى الْمَسْجِد أَو رَاح أعد الله لَهُ نزلا» .
النزل: مَا يهيأ للنزيل، والنزيل: الضَّيْف.
١٨٥٣ - / ٢٢٩٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة: «لَيْسَ الْمِسْكِين بِالَّذِي ترده التمرة وَالتَّمْرَتَانِ، إِنَّمَا الْمِسْكِين الَّذِي يتعفف» .
[ ٣ / ٤٠٢ ]
الْمِسْكِين اسْم مَأْخُوذ من المسكنة، والمسكنة «مفعلة» من السّكُون، كَأَن الْحَاجة أسكنته ومنعته التَّصَرُّف.
وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي صفة الْفَقِير والمسكين على سِتَّة أَقْوَال قد ذَكرنَاهَا فِي التَّفْسِير. والمنصور مِنْهَا عندنَا أَن الْمِسْكِين أحسن حَالا من الْفَقِير؛ لِأَن الْفَقِير أَصله فِي اللُّغَة المفقور الَّذِي نزعت فقرة من فقر ظَهره، فَكَأَنَّهُ انْقَطع ظَهره من شدَّة الْفقر، فصرف عَن مفقور إِلَى فَقير، كَمَا قيل: جريح وطريح وطبيخ، حَكَاهُ ابْن الْأَنْبَارِي وَغَيره.
إِلَّا أَن هَذَا الحَدِيث قد جعل من لَا يسْأَل لسكوته أعظم حَاجَة من السَّائِل، وَقد نبه على تحري المتعففين بِالصَّدَقَةِ دون الملحفين؛ فَإِن الْمُلْحِف غَنِي بسؤاله، والإلحاف كَثْرَة السُّؤَال.
١٨٥٤ - / ٢٢٩٨ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة: «مَا يُصِيب الْمُؤمن من وصب وَلَا نصب حَتَّى الْهم إِلَّا كفر بِهِ من سيئاته» .
الوصب: الْمَرَض والألم. وَالنّصب: الإعياء والتعب. والهم: مرض يخْتَص بِهِ الْبَاطِن، فَلذَلِك يكفر بِهِ عَن السَّيِّئَات.
١٨٥٥ - / ٢٢٩٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة: «أمرت بقرية تَأْكُل الْقرى يَقُولُونَ يثرب، وَهِي الْمَدِينَة» .
الْقرْيَة: اسْم لما يجمع جمَاعَة من النَّاس، وَهُوَ مَأْخُوذ من الْجمع، وَمِنْه: قريت المَاء فِي الْحَوْض.
[ ٣ / ٤٠٣ ]
وَفِي معنى تَأْكُل الْقرى قَولَانِ: أَحدهمَا: يَأْكُل أَهلهَا الْقرى: أَي يفتحون الْقرى فيأكلونها. أخبرنَا عبد الْحق بن عبد الْخَالِق قَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد لن مَرْزُوق قَالَ: أخبرنَا أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت قَالَ: أخبرنَا عَليّ بن أَحْمد بن عمر الْمُقْرِئ قَالَ: أخبرنَا إِسْمَاعِيل بن عَليّ الخطبي قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل قَالَ: سَمِعت أبي يَقُول فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ: «أمرت بقرية تَأْكُل الْقرى» قَالَ: تَفْسِيره - وَالله أعلم - تفتح الْقرى، فتحت مَكَّة بِالْمَدِينَةِ، وَمَا حول الْمَدِينَة بهَا. وَالثَّانِي: تفرغ الْقرى بِوُجُوب الْهِجْرَة إِلَيْهَا، فَكَأَنَّهَا أكلتها.
وَأما يثرب فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: يثرب اسْم أَرض، ومدينة النَّبِي ﷺ فِي نَاحيَة مِنْهَا. وَالْمَدينَة إِذا أطلقت أُرِيد بهَا دَار الْهِجْرَة الَّتِي فِيهَا بَيت رَسُول الله ﷺ ومنبره وقبره. وَقد سبق بَيَان اشتقاق الْمَدِينَة فِي أول الْكتاب.
وَقَوله: «تَنْفِي النَّاس» أَي تخرج من لَا يصلح «كَمَا يَنْفِي الْكِير» وَهُوَ الْمَبْنِيّ للنار الَّتِي يدْخل فِيهَا الْحَدِيد. وخبث الْحَدِيد: رَدِيئَة.
١٨٥٦ - / ٢٣٠٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة: «إِن الرَّحِم شجنة من الرَّحْمَن» .
[ ٣ / ٤٠٤ ]
أَي وَصله. وأصل ذَلِك الْغُصْن من أَغْصَان الشّجر إِذا التف بِالْآخرِ، قَالَ أَبُو عبيد: شجنة: أَي قرَابَة مشتبكة كاشتباك الْعُرُوق، وَكَأن قَوْلهم: «الحَدِيث ذُو شجون» مِنْهُ، إِنَّمَا هُوَ تمسك بعضه بِبَعْض وَقَالَ: هَذَا شجر متشجن: إِذا التف بعضه بِبَعْض. والشجنة والشجنة كالغصن يكون من الشّجر.
وَهَذَا الحَدِيث لَا يَخْلُو مَعْنَاهُ من أحد شَيْئَيْنِ: إِمَّا أَن يُرَاد أَن الْحق ﷿ يُرَاعِي الرَّحِم بوصل من وَصلهَا وَقطع من قطعهَا وَالْأَخْذ لَهَا بِحَقِّهَا، كَمَا يُرَاعِي الْقَرِيب قرَابَته، فَإِنَّهُ يزِيدهُ فِي المراعاة على الْأَجَانِب. أَو أَن يُرَاد أَن الرَّحِم بعض حُرُوف الرَّحْمَن، فَكَأَنَّهُ عظم قدره بِهَذَا الِاسْم.
١٨٥٧ - / ٢٣٠٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة: «مَا تصدق أحد بِصَدقَة من طيب - وَلَا يتَقَبَّل الله إِلَّا الطّيب - إِلَّا أَخذهَا الرَّحْمَن بِيَمِينِهِ» .
الطّيب: الْحَلَال.
قَالَ أَبُو سُلَيْمَان: وَإِنَّمَا جرى ذكر الْيَمين ليدل بِهِ على حسن الْقبُول، لِأَن فِي عرف النَّاس أَن أَيْمَانهم مرصدة لما عز من الْأُمُور.
وَمعنى التربية المضاعفة.
[ ٣ / ٤٠٥ ]
وَأما الفلو فَهُوَ المفطوم، يُقَال: فلوته عَن أمه: أَي فَطَمته، وَهُوَ حِينَئِذٍ مُحْتَاج إِلَى تربية غير الْأُم.
والفصيل: ولد النَّاقة إِذا فصل عَن أمه، وَأَصله من الْقطع، يُقَال: فصلت الشَّيْء من الشَّيْء.
والقلوص: الصَّغِير من الْإِبِل، وَقد ذكرنَا فِيمَا تقدم أَن القلوص النَّاقة القوية على السّير من الْإِبِل، فَيكون الْمَعْنى: كَمَا تربى هَذِه النَّاقة إِلَى أَن تصير قلوصا.
١٨٥٨ - / ٢٣٠٣ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة: «أَيّمَا رجل أعتق امْرأ مُسلما استنقذ الله بِكُل عُضْو مِنْهُ عضوا مِنْهُ حَتَّى فرجه بفرجه» .
الإستنقاذ: الإستخلاص. والإرب: الْعُضْو. وَفِي هَذَا تَنْبِيه على فضل عتق الذّكر على الْأُنْثَى.
١٨٥٩ - / ٢٣٠٤ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة: «أذْنب عبد فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِر لي» فَذكر الحَدِيث، وَأَنه عاود مرَارًا، فَقَالَ الله: «قد غفرت لعبدي، فَلْيفْعَل مَا شَاءَ» .
وَجه هَذَا الحَدِيث أَن التَّوْبَة لَا تعجز عَن أحد وَإِن عاود الذُّنُوب،
[ ٣ / ٤٠٦ ]
فَمن صدق فِي تَوْبَته ثمَّ قدر لَهُ أَن يعود من غير عزم عِنْد التَّوْبَة على الْعود، فتوبته مَقْبُولَة.
١٨٦٠ - / ٢٣٠٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة: حَدِيث الأبرص والأقرع وَالْأَعْمَى، وَأَن أحدهم أعطي نَاقَة عشراء.
العشراء: وَاحِدَة العشار: وَهِي النوق الْحَوَامِل الَّتِي أَتَى عَلَيْهَا عشرَة أشهر.
قَوْله: «فأنتج هَذَانِ» الناتج للنوق كالقابلة للنِّسَاء، وَالْمعْنَى: افْتقدَ مَا تَلد عِنْد وِلَادَته. «وَولد هَذَا» أَي فعل كَفعل الناتج.
والمولدة: الْقَابِلَة.
والحبال: العهود والوسائل وكل مَا يُرْجَى بِهِ الْفرج، فَكَأَنَّهُ قَالَ: قد انْقَطَعت بِي الْأَسْبَاب الَّتِي كنت أَرْجُو التَّوَصُّل فِي سَفَرِي. فَلَا بَلَاغ. الْبَلَاغ وَالْبُلُوغ: الْوُصُول إِلَى الْغَرَض الْمَقْصُود.
وَقَوله: «ورثته كَابِرًا عَن كَابر» أَي كَبِيرا عَن كَبِير فِي الشّرف والعز.
وَقَوله: «لَا أجهدك» أَي لَا أشق عَلَيْك بِالرَّدِّ والإمتنان.
وَقد جَاءَ فِي بعض أَلْفَاظ الصَّحِيح وَلم يذكرهُ الْحميدِي: «أَن ثَلَاثَة بَدَأَ الله أَن يبتليهم» كَذَلِك رَوَاهُ الْخطابِيّ وَقَالَ: مَعْنَاهُ: قضى الله، وَهُوَ معنى البدء، لِأَن الْقَضَاء سَابق. قَالَ: وَقد رَوَاهُ بَعضهم: «بدا لله أَن يبتليهم» وَهُوَ غلط؛ لِأَن البداء على الله غير جَائِز.
[ ٣ / ٤٠٧ ]
١٨٦١ - / ٢٣٠٦ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة: «آيَة الْمُنَافِق ثَلَاث: إِذا حدث كذب، وَإِذا وعد أخلف، وَإِذا اؤتمن خَان» .
الْآيَة: الْعَلامَة.
قَالَ ابْن قُتَيْبَة: النِّفَاق لفظ إسلامي لم تكن الْعَرَب تعرفه قبل الْإِسْلَام، وَهُوَ مَأْخُوذ من نافقاء اليربوع: وَهُوَ جُحر من جحرته يخرج مِنْهُ إِذا أَخذ عَلَيْهِ الْجُحر الَّذِي دخل فِيهِ، قَالَ: وَقَالَ الزيَادي عَن الْأَصْمَعِي: ولليربوع أَرْبَعَة حجرَة: النافقاء وَهُوَ الَّذِي يخرج مِنْهُ كثيرا وَيدخل مِنْهُ كثيرا. والقاصعاء سمي بذلك لِأَنَّهُ يخرج تُرَاب الْجُحر ثمَّ يقصع بِبَعْضِه، كَأَنَّهُ يسد بِهِ فَم الْجُحر، وَمِنْه يُقَال: جرح فلَان قد قصع بِالدَّمِ: إِذا امْتَلَأَ وَلم يسل. والداماء سمي بذلك لِأَنَّهُ يخرج التُّرَاب من فَم الْجُحر، كَأَنَّهُ يطليه بِهِ، وَمِنْه يُقَال: ادمم قدرك بشحم: أَي اطلها بِهِ. والراهطاء، وَلم يذكر اشتقاقه. وَإِنَّمَا يتَّخذ هَذِه الْحُجْرَة عددا لَهُ، فَإِذا أَخذ عَلَيْهِ بَعْضهَا خرج من بعض. قلت: فَيخرج من هَذَا فِي تَسْمِيَة الْمُنَافِق منافقا ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه يدْخل فِي الْإِسْلَام بِاللَّفْظِ وَيخرج مِنْهُ بِالْعقدِ، كَمَا يدْخل اليربوع من بَاب وَيخرج من بَاب، قَالَه أَبُو زيد النَّحْوِيّ. وَالثَّانِي: أَنه يستر كفره كَمَا يسْتَتر اليربوع. وَالثَّالِث: أَنه يظْهر غير مَا يضمر، كَمَا أَن ظَاهر جُحر
[ ٣ / ٤٠٨ ]
اليربوع تُرَاب كالأرض وَمَا تَحْتَهُ حفر.
وَقَوله: «وَإِذا وعد أخلف» خلف الْوَعْد: الرُّجُوع عَنهُ، وَهَذَا مَحْمُول على من وعد وَهُوَ على عزم الْخلف، أَو ترك الْوَفَاء من غير عذر، فَأَما من عزم على الْوَفَاء فَعرض لَهُ عذر مَنعه من الْوَفَاء فَلَيْسَ بمنافق، إِلَّا أَنه يَنْبَغِي أَن يحتزر من صُورَة النِّفَاق كَمَا يحْتَرز من حَقِيقَته.
وأصل الْخِيَانَة النَّقْص، يُقَال: فلَان يتخونني حَقي: أَي يتنقصني.
١٨٦٢ - / ٢٣٠٧ - وَفِي الحَدِيث الْأَرْبَعين بعد الْمِائَة: «إِذا دخل رَمَضَان سلسلت الشَّيَاطِين» . أَي: جعلت فِي السلَاسِل.
فَإِن قيل: إِذا سلسلت الشَّيَاطِين فَكيف تقع الْمعاصِي؟ فَالْجَوَاب: أَن الْمعاصِي تقع بميل الطَّبْع إِلَى الشَّهَوَات الْمُحرمَة، وَلَيْسَ للشَّيْطَان إِلَّا التزيين والتحريض، وَإِذا بعد المحرض عَن الْمِقْدَام لم يبطل إقدامه.
١٨٦٣ - / ٢٣٠٨ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَة: انطلقنا مَعَ رَسُول الله ﷺ وَمَعَهُ عبد لَهُ، فَجَاءَهُ سهم عائر.
العائر من السِّهَام وَالْحِجَارَة: الَّذِي لَا يدرى من أَيْن أَتَى.
وَهَذَا العَبْد اسْمه مدعم، وَقد ذكر فِي الحَدِيث. وَكَانَ لرَسُول الله
[ ٣ / ٤٠٩ ]
ﷺ أَكثر من أَرْبَعِينَ مولى قد حصرت أَسْمَاءَهُم فِي كتاب «التلقيح» .
١٨٦٤ - / ٢٣١٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَة: «اجتنبوا السَّبع الموبقات» يَعْنِي المهلكات.
١٨٦٥ - / ٢٣١١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَة: «لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى يقوم رجل من قحطان يَسُوق النَّاس بعصاه» .
إِنَّمَا ضرب الْعَصَا مثلا، وَالْمعْنَى أَن النَّاس ينقادون وَله ويطيعونه كَمَا ينقاد المسوق بالعصا، وَمثل هَذَا: وَلَا ترفع عصاك عَن أهلك.
أَي: لَا تتْرك حملهمْ على الإنقياد والتزام الطَّاعَة، وَلم يرد الْعَصَا الَّتِي يضْرب بهَا.
١٨٦٦ - / ٢٣١٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَة: «يعرق النَّاس حَتَّى يذهب عرقهم فِي الأَرْض سبعين باعا» .
الباع والبوع: مَا بَين طرفِي الذراعين إِذا مدتا يَمِينا وَشمَالًا. وَذكر الإلجام اسْتِعَارَة، وَالْمعْنَى أَنه يبلغ إِلَى آذانهم، وَهُوَ مَوضِع اللجام من الدَّابَّة.
١٨٦٧ - / ٢٣١٣ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَة: ﴿وَآخَرين مِنْهُم لما يلْحقُوا بهم﴾ [الْجُمُعَة: ٣] . فَوضع رَسُول الله ﷺ يَده
[ ٣ / ٤١٠ ]
على سلمَان ثمَّ قَالَ: «لَو كَانَ الْإِيمَان عِنْد الثريا لَنَالَهُ رجال من هَؤُلَاءِ» أَو قَالَ: «من أَبنَاء فَارس» .
قَوْله: (وَآخَرين) مَعْطُوف على مَا قبله. وَالْمعْنَى: هُوَ الَّذِي بعث فِي الْأُمِّيين - وهم الْعَرَب. وَسموا أُمِّيين لأَنهم لَا يَكْتُبُونَ وَلَا يقرأون، نِسْبَة إِلَى الْأُمَّهَات، إِذْ الْخط فِي الرِّجَال لَا فِي النِّسَاء غَالِبا.
(رَسُولا) يَعْنِي مُحَمَّدًا. (مِنْهُم) أَي من جنسهم ونسبهم ليكونوا أفهم عَنهُ من غَيره. (وَآخَرين) أَي وَبعث مُحَمَّدًا فِي آخَرين: وَفِيهِمْ ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنهم الْعَجم، قَالَه ابْن عمر وَسَعِيد بن جُبَير، فعلى هَذَا إِنَّمَا قَالَ: (مِنْهُم) لأَنهم إِذا أَسْلمُوا صَارُوا مِنْهُم، إِذْ الْمُسلمُونَ يَد وَاحِدَة. وَالثَّانِي: أَنهم التابعون، قَالَه مُجَاهِد. وَالثَّالِث: جَمِيع من دخل فِي الْإِسْلَام إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، قَالَه مُجَاهِد.
وَقَوله: ﴿لما يلْحقُوا بهم﴾ أَي لم يلْحقُوا بهم.
فَأَما فَارس فَهُوَ ابْن سَام بن نوح. وقرأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور قَالَ: فَارس اسْم أبي هَذَا الجيل من النَّاس، أعجمي مُعرب.
١٨٦٨ - / ٢٣١٤ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَة: «لَا تحقرن جَارة لجارتها وَلَو فرسن شَاة» .
[ ٣ / ٤١١ ]
قَالَ ابْن دُرَيْد: الفرسن: ظَاهر الْخُف، وَالْجمع فراسن.
١٨٦٩ - / ٢٣١٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَة: «مَا من الْأَنْبِيَاء نَبِي إِلَّا أعطي من الْآيَات مَا مثله آمن عَلَيْهِ الْبشر، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتيت وَحيا أوحاه الله إِلَيّ» .
الْإِشَارَة بِالْآيَاتِ إِلَى الحسيات كناقة صَالح وعصا مُوسَى وإحياء الْمَوْتَى، فَهَذِهِ معجزات ترى بِعَين الْحس، ومعجزة نَبينَا الْكُبْرَى هِيَ الْقُرْآن الفصيح، فَهِيَ تشاهد بِعَين الْعقل. وَقد كَانَ فِي جُمْهُور الْأُمَم الْمُتَقَدّمَة بلادة حَتَّى قَالَ قَائِلهمْ: ﴿اجْعَل لنا إِلَهًا كَمَا لَهُم آلِهَة﴾ والبليد لَا يصلح إِلَّا بآيَات الْحس. وَالَّذين بعث إِلَيْهِم نَبينَا كَانُوا أَرْبَاب ذكاء وفطنة فكفاهم الْقُرْآن معْجزَة؛ غير أَن الْقَضَاء قضى على قوم من أذكيائهم بالشقاء مَعَ وجود الْفَهم، كَمَا قَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ: تِلْكَ عقول كادها بارئها فأنفوا لكبرهم من ذل الإتباع، وغاروا على سلفهم من تخطئتهم فِي عبَادَة الْأَصْنَام، وحسدوا الرَّسُول لما ميز عَنْهُم، ﴿إِن فِي صُدُورهمْ إِلَّا كبر مَا هم ببالغيه﴾ [غَافِر: ٥٦] على أَنه لم يكن للأنبياء معْجزَة إِلَّا ولنبينا من جِنْسهَا، فَإِن الرعب الَّذِي أيد بِهِ كَانَ يُوقع فِي قُلُوب أعدائه مَا لم توقعه عَصا مُوسَى فِي قلب فِرْعَوْن، ونبع المَاء من بَين أَصَابِعه أحسن من ظُهُوره من حجر مُوسَى، إِذْ الْعَادة قد جرت
[ ٣ / ٤١٢ ]
بجريانه من حجر، وخطاب الذِّرَاع المسموم لَهُ أعجب من تكليم الْمَوْتَى لعيسى.
١٨٧٠ - / ٢٣١٧ - والْحَدِيث الْخَمْسُونَ بعد الْمِائَة: قد تقدم فِي مُسْند ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَأبي سعيد.
١٨٧١ - / ٢٣١٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْخمسين بعد الْمِائَة: قيل: يَا رَسُول الله، من أكْرم النَّاس؟ قَالَ: «أَتْقَاهُم» .
هَذَا مَأْخُوذ من قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن أكْرمكُم عِنْد الله أَتْقَاكُم﴾ [الحجرات: ١٣] وَالْكَرم بِمَعْنى الشّرف. وَمن اتَّقى الله ﷿ عز وَشرف؛ لِأَن التَّقْوَى تحمله على أَسبَاب الْعِزّ؛ فَإِنَّهَا تبعده عَن الطمع فِي كثير من الْمُبَاح فضلا عَن المأثم. وَمَا ذل إِلَّا من أسره هَوَاهُ.
وَأما ذكره ليوسف فَيحْتَمل أَمريْن: أَحدهمَا: أَن يكون خصّه بِالذكر لِاجْتِمَاع شرف نبوته مَعَ شرف آبَائِهِ. وَالثَّانِي: لِصَبْرِهِ عَن الْهوى؛ فَإِنَّهُ شرف الدُّنْيَا وَالْآخِرَة.
ومعادن الْعَرَب: أصولهم الَّتِي ينتسبون إِلَيْهَا ويتفاخرون بهَا، والمعدن مَرْكَز كل شَيْء وَأَصله الَّذِي يعرف بِهِ وَيُؤْخَذ مِنْهُ، فَإِذا ركز الشّرف فِي الطَّبْع فِي الْجَاهِلِيَّة ثمَّ جَاءَ الْإِسْلَام صَارَت المآثر دينية، فَأَما من هُوَ خسيس الهمة فِي كفره، فَقل أَن تعلو همته؛ لِأَن الطَّبْع غَالب.
[ ٣ / ٤١٣ ]
١٨٧٢ - / ٢٣٢٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْخمسين بعد الْمِائَة: «فاظفر بِذَات الدّين تربت يداك» .
قد شرحناه فِي مُسْند جَابر بن عبد الله.
١٨٧٣ - / ٢٣٢١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْخمسين بعد الْمِائَة: دخل رجل فصلى وَسلم على رَسُول الله ﷺ، فَرد فَقَالَ: «ارْجع فصل، فَإنَّك لم تصل» ثمَّ علمه الصَّلَاة، وَذكر لَهُ الطُّمَأْنِينَة.
وَهَذَا يدل على وجوب الطُّمَأْنِينَة فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود وَالرَّفْع مِنْهُمَا، وَتلك أَرْكَان عندنَا، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَدَاوُد خلافًا لأبي حنيفَة وَمَالك.
وَفِي هَذَا الحَدِيث: «ثمَّ اقْرَأ مَا تيَسّر» وَقد احْتج بِهِ الحنفيون وَقَالُوا: هَذَا يدل على أَنه لَا يتَعَيَّن الْفَاتِحَة. وجوابهم أَنه يحْتَمل أَن يكون ذَلِك قبل نزُول الْفَاتِحَة وتعيينها، وَأَن يكون وَقت الصَّلَاة قد ضَاقَ وَهُوَ يحفظ غَيرهَا، فَيجوز لَهُ قِرَاءَة مَا يحفظ، وَأَن يكون المُرَاد بِمَا تيَسّر مَا بعد الْفَاتِحَة، وَلم يذكرهَا اتكالا على الْعلم بِوُجُوبِهَا.
وَإِذا جَازَت على الحَدِيث هَذِه المحتملات لم يجز ترك الصَّرِيح، وَهُوَ قَوْله: «لَا صَلَاة لمن لم يقْرَأ بِفَاتِحَة الْكتاب» .
[ ٣ / ٤١٤ ]
فَإِن قيل: كَيفَ جَازَ للرسول ﵇ أَن يُؤَخر الْبَيَان وَقت الْحَاجة ويردد هَذَا الرجل إِلَى صَلَاة لَيست صَحِيحَة؟ فَالْجَوَاب: من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون ترديده لتفخيم الْأَمر وتعظيمه عِنْده، وَرَأى أَن الْوَقْت لم يفت، فَأَرَادَ بالترداد إيقاظ الفطنة للمتروك. وَالثَّانِي: أَن يكون الرجل قد أدّى قدر الْوَاجِب فَأَرَادَ مِنْهُ فعل الْمسنون وَالْمُسْتَحب، فَيكون قَوْله: «لم تصل» يَعْنِي بِهِ الصَّلَاة الْكَامِلَة.
١٨٧٤ - / ٢٣٢٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَة: «إِذا زنت الْأمة فليجلدها الْحَد وَلَا يثرب عَلَيْهَا» .
أَي لَا يعيرها بعد إِقَامَة الْحَد عَلَيْهَا، وَذَلِكَ لسِتَّة أَشْيَاء: أَحدهَا: لِأَن الْمَقْدُور كَائِن. وَالثَّانِي: لِأَن الْهوى غَالب. وَالثَّالِث: لِأَن الْحَد حد عقوبتها الشَّرْعِيَّة، فَلَا يُزَاد عَلَيْهَا مَا لم يشرع. وَالرَّابِع: أَنَّهَا رُبمَا تكون قد نَدِمت وتابت. وَالْخَامِس: أَنه رُبمَا سمع تعييره لَهَا من لم يكن يعلم حَالهَا. وَالسَّادِس: أَنه من يَأْمَن الْمُعير أَن يبتلى.
١٨٧٥ - / ٢٣٢٣ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْخمسين بعد الْمِائَة: «إِذا أَوَى أحدكُم إِلَى فرَاشه فلينفضه بداخلة إزَاره، فَإِنَّهُ لَا يدْرِي مَا خلف عَلَيْهِ» .
أَوَى مَقْصُور، يُقَال: أَوَى يأوي أويا: أَي صَار إِلَى مَأْوَاه،
[ ٣ / ٤١٥ ]
والمأوى: الْمَكَان الَّذِي يؤوى إِلَيْهِ.
وداخلة الْإِزَار: طرفه الَّذِي يَلِي الْجَسَد.
وَقَوله: «لَا يدْرِي مَا خلف عَلَيْهِ» أَي مَا صَار بعده خلفا وبدلا مِنْهُ إِذا غَابَ عَنهُ من الْهَوَام وَغَيرهَا.
وَأما الإضطجاع على الشق الْأَيْمن فقد ذكرنَا فَائِدَته فِي مُسْند الْبَراء ابْن عَازِب.
١٨٧٦ - / ٢٣٢٤ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْخمسين بعد الْمِائَة: حَدِيث ثُمَامَة بن أَثَال، وَأَن رَسُول الله ﷺ لما أسره ربطه بِسَارِيَة، فَذكر الحَدِيث وَفِيه: «أطْلقُوا ثُمَامَة» فَانْطَلق إِلَى نخل قريب من الْمَسْجِد فاغتسل.
فِي هَذَا الحَدِيث أَن هَذَا الرجل لم يسلم من تَحت الْأسر لعزة نَفسه، وَكَأن رَسُول الله ﷺ أحس مِنْهُ بذلك فَقَالَ: «أَطْلقُوهُ» فَلَمَّا أطلق أسلم.
وَقَوله: انْطلق إِلَى نخل. هَكَذَا ضبطناه عَن أشياخنا نخل بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة من فَوْقهَا، وَذَلِكَ أَن المَاء يكون فِي الْبَسَاتِين عِنْد النّخل. وَقد ذهب بعض الْمُحدثين إِلَى أَنه نجل بِالْجِيم الْمُعْجَمَة من تحتهَا وَقَالَ: النجل: النز. وَوجه هَذَا حَدِيث عَائِشَة الَّذِي يَأْتِي فِي مسندها: كَانَ بطحان - وَهُوَ وَاد بِالْمَدِينَةِ - يجْرِي نجلا - أَي نزا -
[ ٣ / ٤١٦ ]
فَيمكن أَن يكون مضى إِلَى ذَلِك الْمَكَان، وَالْأول أظهر لما أخبرنَا بِهِ عَليّ بن عبد الله الزَّاغُونِيّ قَالَ: أخبرنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن النقور قَالَ: أخبرنَا عَليّ بن عبد الْعَزِيز بن مردك قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن حَمَّاد الطهراني قَالَ: أخبرنَا عبد الرَّزَّاق قَالَ: أخبرنَا عبيد الله وَعبد الله ابْنا عمر عَن سعيد عَن أبي هُرَيْرَة: أَن ثُمَامَة الْحَنَفِيّ أسر فَكَانَ النَّبِي ﷺ يَغْدُو إِلَيْهِ فَيَقُول: «مَا عنْدك يَا ثُمَامَة؟» فَيَقُول: إِن تقتل تقتل ذَا ذَنْب، وَإِن تمن تمن على شَاكر، وَإِن ترد المَال تعط مِنْهُ مَا شِئْت. وَكَانَ أَصْحَاب النَّبِي ﷺ يحبونَ الْفِدَاء وَيَقُولُونَ: مَا نصْنَع بقتل هَذَا؟ فَمن عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ يَوْمًا، فَأسلم، فَحله وَبعث بِهِ إِلَى حَائِط أبي طَلْحَة، فَأمره أَن يغْتَسل، فاغتسل وَصلى رَكْعَتَيْنِ.
١٨٧٧ - / ٢٣٢٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْخمسين بعد الْمِائَة: «لَا يمْنَع جَار جَاره أَن يغرز خَشَبَة فِي جِدَاره» .
عندنَا أَنه يجوز للْجَار أَن يضع خَشَبَة فِي جِدَار جَاره عِنْد الْحَاجة إِلَى ذَلِك بِشَرْط أَلا يضير بِالْحَائِطِ، فَإِن امْتنع الْجَار أجْبرهُ الْحَاكِم على ذَلِك، وَهَذَا قَول الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم، إِلَّا أَنه قَالَ: لَا يحكم عَلَيْهِ الْحَاكِم بذلك. وَقَالَ أَكثر الْعلمَاء: لَا يجوز إِلَّا بِإِذن الْمَالِك. وَفِي الحَدِيث حجَّة لنا.
[ ٣ / ٤١٧ ]
وَأما النَّهْي عَن الشّرْب من السقاء فقد سبق فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
١٨٧٨ - / ٢٣٢٦ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْخمسين بعد الْمِائَة: «شَرّ الطَّعَام طَعَام الْوَلِيمَة» .
الْوَلِيمَة: طَعَام الْعرس، قَالَ أَبُو عبيد: الطَّعَام الَّذِي يصنع عِنْد الْعرس الْوَلِيمَة، وَالَّذِي عِنْد الإملاك النقيعة، وَطَعَام الْبناء الوكيرة، وَمَا يصنع عِنْد الْولادَة فَهُوَ الخرس، وَمَا يصنع عِنْد الْخِتَان فَهُوَ الْإِعْذَار. وكل طَعَام صنع بعد الدعْوَة فَهُوَ مأدبة ومأدبة. والنقيعة: مَا صنعه الرجل عِنْد قدومه من سَفَره.
فَإِن قيل: فَلم قَالَ: «شَرّ الطَّعَام»؟ فَالْجَوَاب: أَنه إِنَّمَا ذكر حَالهَا على الْأَغْلَب، والأغلب منع الْفُقَرَاء المحتاجين وَجمع الْأَغْنِيَاء عَلَيْهَا. والإجابة إِلَيْهِ وَاجِبَة على مَا ذكرنَا فِي مُسْند الْبَراء بن عَازِب.
١٨٧٩ - / ٢٣٢٧ - وَفِي الحَدِيث السِّتين بعد الْمِائَة: «من شهد الْجِنَازَة حَتَّى يصلى عَلَيْهَا فَلهُ قِيرَاط» .
ذكر القيراط تَمْثِيل وتقريب إِلَى الْفَهم، وَلما كَانَ الْإِنْسَان يعرف القيراط ويرغب فِيهِ وَيعْمل الْعَمَل فِي مُقَابلَته وعد من جنس مَا يعرف،
[ ٣ / ٤١٨ ]
وَضرب لَهُ الْمثل بِمَا يعلم. وَكَانَ ابْن عقيل يَقُول: القيراط نصف سدس أَو نصف عشر دِينَار.
وَالْإِشَارَة بِهَذَا الْمِقْدَار إِلَى الْأجر الْمُتَعَلّق بِالْمَيتِ، من تَجْهِيزه وغسله وَدَفنه والتعزية بِهِ، وَحمل الطَّعَام إِلَى أَهله وتسليتهم، وَالصَّبْر على الْمُصَاب فِيهِ، فَكَانَ للْمُصَلِّي عَلَيْهِ قِيرَاط، وللذي يُصَلِّي ويلبث حَتَّى يدْفن قيراطان.
وَأما قَوْله: «حَتَّى يوضع فِي اللَّحْد» فقد سبق الْكَلَام عَلَيْهِ فِي مُسْند أبي سعيد.
١٨٨٠ - / ٢٣٢٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالسِّتِّينَ بعد الْمِائَة: «قُرَيْش وَالْأَنْصَار وجهينة وَمُزَيْنَة وَأسلم وَأَشْجَع وغفار موَالِي، لَيْسَ لَهُم مولى دون الله وَرَسُوله» .
الْمولى بِمَعْنى الْوَلِيّ. وَهَؤُلَاء أَسْلمُوا، فَلهَذَا تولاهم، وَقَالَ فِي بعض الحَدِيث: «هَؤُلَاءِ خير عِنْد الله من أَسد وطي وغَطَفَان» لِأَن أُولَئِكَ كَانُوا على العناد.
١٨٨١ - / ٢٣٣٠ - والْحَدِيث الثَّالِث وَالسِّتُّونَ بعد الْمِائَة: قد تقدم عِنْد الحَدِيث الْحَادِي وَالسبْعين من هَذَا الْمسند.
١٨٨٢ - / ٢٣٣١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالسِّتِّينَ بعد الْمِائَة: «إِذا
[ ٣ / ٤١٩ ]
سَمِعْتُمْ نهاق الْحمير فتعوذوا بِاللَّه من الشَّيْطَان» .
نهاق الْحمير: صَوتهَا عِنْد الصياح. وَالْعرب تَقول: نهق الْحمار وشهق، وزقا الديك وسقع: إِذا صاحا.
والديكة بِكَسْر الدَّال وَفتح الْيَاء جمع ديك.
وَالْملك فِي الْأَغْلَب لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَير، فَلذَلِك قَالَ: «وسلوا الله من فَضله» .
١٨٨٣ - / ٢٣٣٢ - وَفِي اللحديث الْخَامِس وَالسِّتِّينَ بعد الْمِائَة: ". . إِنَّهَا بَدَنَة، قَالَ: " اركبها، وَيلك " الْبَدنَة: هِيَ الَّتِي تهدى إِلَى بَيت الله ﷿، سميت بَدَنَة لأَنهم يستسمنونها. يُقَال: رجل بادن وبدين: إِذا عظم جِسْمه، وبدن: إِذا سمن، فَأَما بدن بتَشْديد الدَّال فمعناها: أسن.
وَالْوَيْل كلمة تقال لمن وَقع فِي هلكة، ويقولها هُوَ أَيْضا لنَفسِهِ.
قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: وَيُقَال: أَصله وي لفُلَان: أَي حزن لفُلَان، فَكثر الإستعمال للحرفين فوصلت اللَّام بوي وَجعلت حرفا وَاحِدًا، ثمَّ جبر عَن ويل بلام أُخْرَى.
وَقد ذكرنَا ركُوب الْبَدنَة فِي مُسْند جَابر بن عبد الله.
[ ٣ / ٤٢٠ ]
١٨٨٤ - / ٢٢٣٣ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالسِّتِّينَ بعد الْمِائَة: «لَا يمش أحدكُم فِي نعل وَاحِدَة» .
وَقد تكلمنا على هَذَا فِي مُسْند جَابر بن عبد الله.
وَأما الْبِدَايَة فِي اللّبْس بِالْيَمِينِ فلشرفها وتقديمها على الْيُسْرَى.
والبداية بِالْخلْعِ بالشمال ليزِيد مكث الْيُمْنَى إِكْرَاما لَهَا.
١٨٨٥ - / ٢٣٣٤ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالسِّتِّينَ بعد الْمِائَة: «لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى يمر الرجل بِقَبْر الرجل فَيَقُول: يَا لَيْتَني مَكَانَهُ» .
هَذَا إِنَّمَا يكون لظُهُور الْفِتَن وَتغَير الْأَدْيَان، فيخاف الْمُؤمن على نَفسه فيتمنى الْمَوْت.
١٨٨٦ - / ٢٣٣٥ - والْحَدِيث الثَّامِن وَالسِّتُّونَ بعد الْمِائَة: قد سبق فِي مُسْند عبد الله بن مُغفل.
١٨٨٧ - / ٢٣٣٦ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالسِّتِّينَ بعد الْمِائَة: «لَا تتلقى الركْبَان للْبيع» .
وَأما تلقي الركْبَان وَالنَّهْي عَن أَن يَبِيع حَاضر لباد فقد سبقا فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
[ ٣ / ٤٢١ ]
وَأما قَوْله: «لَا يبع بَعْضكُم على بيع بعض» وَالنَّهْي عَن النجش، فقد سبقا فِي مُسْند ابْن عمر.
وَأما التصرية فأصلها الْحَبْس والإمساك. والمصراة: النَّاقة أَو الْبَقَرَة أَو الشَّاة الَّتِي قد صري اللَّبن فِي ضرْعهَا: أَي حقن، وَيُقَال: صريت المَاء وصريته، وَهَذَا مَاء صرى مَقْصُور، وَمِنْه سميت الصراة، كَأَنَّهَا مياه اجْتمعت. فالمصراة لَا تحلب أَيَّامًا ليعظم ضرْعهَا فيظن المُشْتَرِي أَن ذَلِك مِنْهَا كل يَوْم فيغتر بذلك فيشتري. وَهَذَا سَبَب لإِثْبَات خِيَار الرَّد، وَهَذَا قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد بن حَنْبَل خلافًا لأبي حنيفَة، والْحَدِيث نَص لَا يُمكنهُم تَأْوِيله، غير أَن الْقَوْم تحيروا فِيهِ فَفرُّوا من الزَّحْف لَا إِلَى فِئَة. ثمَّ انقسموا: فَمنهمْ من اجترأ فَقَالَ: هَذَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَزعم أَن السّلف توقفوا فِي قبُول حَدِيثه، وَهَذَا كَلَام لَا يحل سَمَاعه إِلَّا لمنكر؛ لِأَنَّهُ مُخَالف للْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع: أما الْكتاب فَإِن الله تَعَالَى أثنى على جَمِيع الصَّحَابَة، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿مُحَمَّد رَسُول الله وَالَّذين مَعَه أشداء على الْكفَّار﴾ [الْفَتْح: ٢٩] وَقَالَ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا﴾ [الْبَقَرَة: ١٤٣] وَأما السّنة فَقَوله: «إِن الله اختارني وَاخْتَارَ لي أصحابا» . وَأما الْإِجْمَاع فمنعقد على عَدَالَة
[ ٣ / ٤٢٢ ]
أبي هُرَيْرَة، وَقد روى عَنهُ طَلْحَة بن عبيد الله وَأَبُو أَيُّوب وَابْن عَبَّاس وَجَابِر وَأنس وَغَيرهم من الصَّحَابَة، وَقَالَ أَبُو بكر الْخَطِيب: كَانَ فِي الصَّحَابَة من يخْتَار التحديث بِمَا سَمعه من أبي هُرَيْرَة عَن رَسُول الله ﷺ على التحديث بِمَا سَمعه هُوَ من رَسُول الله ﷺ، لجودة حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَضَبطه. وَقَالَ البُخَارِيّ: روى عَن أبي هُرَيْرَة من أَبنَاء الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار سَبْعمِائة، وَمَا شكّ فِيهِ أحد قطّ. فَلَمَّا عجبوا من إكثاره قَالَ: كنت أحضر إِذا غَابُوا. وَقد ذكرنَا أَنه أَكثر الصَّحَابَة حَدِيثا، وَأَنه أخرج لَهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» مَا لم يخرج لغيره، ومعظم الشَّرْع يَدُور على حَدِيثه، قَالَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه: حصرنا أَخْبَار الْأَحْكَام فَكَانَت ثَلَاثَة آلَاف، روى مِنْهَا أَبُو هُرَيْرَة ألفا وَسَبْعمائة.
وَقد روى بعض الْخُصُوم عَن هَذَا فَقَالَ: هَذَا الحَدِيث يُخَالف الْأُصُول، وَلَا يقبل مَا يُخَالف الْأُصُول إِلَّا إِذا كَانَ رَاوِيه فَقِيها، وَلم يكن أَبُو هُرَيْرَة فَقِيها. فَالْجَوَاب: من أَرْبَعَة أوجه: أَحدهَا: أَن الحَدِيث أصل فِي نَفسه، لِأَن الْأُصُول هِيَ الْقُرْآن وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس. فَإِن تعلقتم بِأَنَّهُ يُخَالف الْقيَاس فَالْقِيَاس فرع، فَكيف يقْدَح فِي الأَصْل. ويوضح هَذَا أَن الْقيَاس مستنبط يجوز عَلَيْهِ الْخَطَأ، والْحَدِيث الصَّحِيح قَول مَعْصُوم، فَوَجَبَ تَقْدِيمه. ثمَّ قد بَان لنا وَجه
[ ٣ / ٤٢٣ ]
الْحِكْمَة فِي ذكر الصَّاع، فصلح الْأَمر بِمَا بَان لنا أَن يكون مُوَافقا لِلْأُصُولِ لَا مُخَالفا لَهَا، وَذَلِكَ أَن اللَّبن لَا يدّخر فَيرد، وَلَا يعلم مِقْدَاره، والنزاع يَقع فِي إِيجَاب مثله أَو قِيمَته، وَهُوَ من أَمْوَال الرِّبَا، فَرُبمَا أَخذ فِي مُقَابلَته أَكثر مِنْهُ، فَجعل الشَّرْع مِقْدَارًا من غير الْجِنْس يقطع بِهِ التشاجر. وَالثَّانِي: أَن أَبَا حنيفَة قد ارْتكب مثل هَذَا، فَأجَاز الْوضُوء بالنبيد بِحَدِيث ضَعِيف يُخَالف الْقيَاس. وَالثَّالِث: أَن أَبَا حنيفَة يقدم قَول الصَّحَابِيّ على الْقيَاس، فَكيف لَا يقدم قَول الرَّسُول ﷺ. وَالرَّابِع: أَنا لَو رددنا من قضايا الشَّرْع مَا يُخَالف المطرد مِنْهَا لردت قضايا كَثِيرَة؛ فَإِن الشَّرْع قد قوم النَّفس بِمِائَة من الْإِبِل، ثمَّ جعل الْغرَّة فِي مُقَابلَة الْجَنِين، وَسوى فِي الدِّيَة بَين دِيَة اللِّسَان والعينين وَالْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ، وَأوجب أهل الرَّأْي فِي الحاجبين وأهداب الْعَينَيْنِ وَفِي اللِّحْيَة الدِّيَة كَامِلَة، وَأَيْنَ مَنَافِع الحاجبين من اللِّسَان وَالْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ؟ ثمَّ قد رَأينَا أَن الشَّرْع جبر نقص السن فِي الزَّكَاة بشاتين أَو عشْرين درهما، وَقد لَا يعتدل هَذَا فِي كل زمَان، فَوَجَبَ علينا أَن نعطي كل دَلِيل حكمه.
وَأما قَوْلهم: لَا يقبل إِلَّا إِذا كَانَ رَاوِيه فَقِيها. فَالْجَوَاب: أَن اشْتِرَاط الْفِقْه فِي الرَّاوِي تحكم لَا وَجه لَهُ، وَإِنَّمَا الْمَأْخُوذ عَلَيْهِ الْعَدَالَة والضبط، وَقد قَالَ ﵇: «رب حَامِل فقه غير فَقِيه» ثمَّ إِن الشَّهَادَة أَكثر شُرُوطًا. وَأما قَوْلهم: لم يكن أَبُو هُرَيْرَة فَقِيها. فَجَوَابه
[ ٣ / ٤٢٤ ]
من ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: أَنه كَانَ من سَادَات الْفُقَهَاء الْمُفْتِينَ مَعَ كبار الصَّحَابَة، وَلم يُنكر عَلَيْهِ أحد مِنْهُم. وَالثَّانِي: أَن أَبَا حنيفَة قد قبل خَبره فِيمَن أكل نَاسِيا لصومه، وَفِي غير ذَلِك مِمَّا يُخَالف الْقيَاس.
وَالثَّالِث: أَنه لم يفرق أحد من الصَّحَابَة وَغَيرهم فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة بَين مَا يُوَافق الْقيَاس وَمَا يُخَالِفهُ، وَلَا يلْتَفت إِلَى رَأْيكُمْ.
وَقَوله: لَا سمراء. أَي لَا حِنْطَة. وَفِي لفظ: ورد مَعهَا صَاعا من طَعَام لَا سمراء. وَيَعْنِي بِالطَّعَامِ هَا هُنَا التَّمْر، فَعبر عَنهُ الرَّاوِي؛ لِأَن الْحِنْطَة لَا تجوز فِي مُقَابلَة هَذَا. وَأما مَا روى أَبُو دَاوُد: «وَمَعَهَا صَاع من قَمح» فيرويه جَمِيع بن عُمَيْر التَّمِيمِي، قَالَ ابْن نمير: هُوَ من أكذب النَّاس. وَقَالَ ابْن حبَان: كَانَ يضع الحَدِيث. والقمح: الْبر.
وَحَدِيث الْمُصراة أصل فِي كل من بَاعَ سلْعَة وَقد زينها بِالْبَاطِلِ، فَإِذا رأى المُشْتَرِي الْغِشّ كَانَ لَهُ الرَّد.
١٨٨٨ - / ٢٣٣٧ - وَفِي الحَدِيث السّبْعين بعد الْمِائَة: أَن رَسُول الله ﷺ ذكر يَوْم الْجُمُعَة فَقَالَ: «فِيهِ سَاعَة لَا يُوَافِقهَا عبد مُسلم وَهُوَ قَائِم
[ ٣ / ٤٢٥ ]
يُصَلِّي يسْأَل الله شَيْئا إِلَّا أعطَاهُ إِيَّاه» - وَأَشَارَ بِيَدِهِ يقللها - يزهدها.
أما هَذِه السَّاعَة فقد اخْتلفت فِيهَا الْأَحَادِيث، وَقد ذكرنَا ذَلِك فِي مُسْند أبي مُوسَى.
والإشكال فِي هَذَا الحَدِيث أَن يُقَال: كَيفَ يسْأَل وَهُوَ يُصَلِّي؟ فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون السُّؤَال فِي الصَّلَاة، وَذَلِكَ على ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: أَن يكون فِي التِّلَاوَة، فَإِنَّهُ إِذا قَرَأَ: ﴿رَبنَا لَا تُؤَاخِذنَا إِن نَسِينَا أَو أَخْطَأنَا﴾) [الْبَقَرَة: ٢٨٦] فقد سَأَلَ. وَالثَّانِي: أَن يسْأَل بعد الْقِرَاءَة، كَمَا سبق فِي مُسْند حُذَيْفَة عَن النَّبِي ﷺ: أَنه كَانَ إِذا مر بِآيَة رَحْمَة سَأَلَ، وَإِذا مر بِآيَة عَذَاب استعاذ. وَقد تكلمنا هُنَاكَ على هَذَا الحَدِيث، وَبينا هَل يجوز هَذَا فِي الْفَرْض أَو فِي النَّفْل.
وَالثَّالِث: أَن يسْأَل عِنْد انْقِضَاء التَّشَهُّد، فَإِنَّهُ يسن عندنَا أَن يَدْعُو عقب الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ، إِمَّا بآيَات من الْقُرْآن، أَو بِمَا صَحَّ فِي الحَدِيث، وَعند الشَّافِعِي: يَدْعُو بِمَا شَاءَ.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن يسلم وَيسْأل والساعة لم تنقض، فَيكون معنى سُؤَاله فِي الصَّلَاة: عِنْد فراغها.
ويزهدها فِي معنى يقللها.
[ ٣ / ٤٢٦ ]
١٨٨٩ - / ٢٣٣٨ - والْحَدِيث الْحَادِي وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَة: قد سبق فِي مُسْند أنس بن مَالك.
١٨٩٠ - / ٢٣٣٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالسبْعين بعد الْمِائَة: «يتعاقبون فِيكُم مَلَائِكَة بِاللَّيْلِ وملائكة بِالنَّهَارِ» .
يتعاقبون: يَأْتِي بَعضهم فِي عقب بعض.
قَوْله: «ويجتمعون فِي صَلَاة الْعَصْر وَصَلَاة الْفجْر» وَذَاكَ أَن مَلَائِكَة اللَّيْل تهبط عِنْد صَلَاة الْعَصْر، وملائكة النَّهَار تهبط قبل صَلَاة الْفجْر. وَإِنَّمَا فعل الْحق سُبْحَانَهُ ذَلِك ليظْهر للْمَلَائكَة فَضِيلَة هَذِه الْأمة، وَلِهَذَا فِي تَمام الحَدِيث: «فَيَقُول لَهُم: كَيفَ تركْتُم عبَادي؟ فَيَقُولُونَ: تركناهم وهم يصلونَ، وأتيناهم وَهُوَ يصلونَ» .
١٨٩١ - / ٢٣٤٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالسبْعين بعد الْمِائَة: «مطل الْغَنِيّ ظلم» .
قَالَ ابْن فَارس: يُقَال: مطلت الحديدة أمطلها مطلا: إِذا مددتها لتطول، واشتقاق المطل فِي الْحَاجة مِنْهُ. وَدَلِيل قَوْله: «مطل الْغَنِيّ ظلم» أَنه إِذا لم يقدر على الْأَدَاء لم يكن بالمطل ظَالِما.
وَقَوله: «وَإِن أتبع أحدكُم على مَلِيء فَليتبعْ» قَالَ الْخطابِيّ:
[ ٣ / ٤٢٧ ]
أَصْحَاب الحَدِيث يَقُولُونَ: إِذا اتبع بتَشْديد التَّاء، وَهُوَ غلط، وَالصَّوَاب اتبع على وزن أفعل، وَالْمعْنَى: إِذا أُحِيل على مَلِيء فَليَحْتَلْ.
وَفِي هَذَا الحَدِيث إِثْبَات الْحِوَالَة، وَأَن الْحق يتَحَوَّل بهَا إِلَى الْمحَال عَلَيْهِ وَيسْقط عَن الْمُحِيل، فَلَو توى المَال على الْمحَال عَلَيْهِ لم يرجع الْمحَال على الْمُحِيل. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يرجع فِي موضِعين أَحدهمَا: أَن يجْحَد الْمحَال عَلَيْهِ الدّين وَيحلف عَلَيْهِ وَيَمُوت مُفلسًا، فَأَما إِن أفلس وَهُوَ حَيّ لم يرجع عَلَيْهِ. وَقَالَ مَالك: إِن أَحَالهُ على مُفلس والمحتال لَا يعلم فَلهُ الرُّجُوع.
وَاخْتلف الْعلمَاء: هَل يعْتَبر رضى الْمُحْتَال؟ فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: يعْتَبر، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد، وَفِي الْأُخْرَى: لَا يعْتَبر، فعلى هَذِه الرِّوَايَة يكون قَوْله «فَليتبعْ» على الْوُجُوب وعَلى غَيرهَا يكون ندبا. وَاخْتلفُوا فِي رضى الْمحَال عَلَيْهِ، فعندنا لَا يعْتَبر، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يعْتَبر. وَقَالَ مَالك: إِن كَانَ بَينهمَا عَدَاوَة اعْتبر رِضَاهُ، وَإِلَّا لزمَه.
١٨٩٢ - / ٢٣٤١ - والْحَدِيث الرَّابِع وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَة قد سبق فِي مُسْند جَابر بن عبد الله.
[ ٣ / ٤٢٨ ]
١٨٩٣ - / ٢٣٤٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالسبْعين بعد الْمِائَة: «لَا يقتسم ورثتي دِينَارا» وَهَذَا الحَدِيث قد تقدم فِي مُسْند أبي بكر.
١٨٩٤ - / ٢٣٤٣ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالسبْعين بعد الْمِائَة: «اختتن إِبْرَاهِيم ﵇ بالقدوم» .
قَالَ أَبُو الزِّنَاد: الْقدوم مُخَفّفَة، وَهُوَ اسْم مَوضِع. قَالَ أَبُو سُلَيْمَان: وَكَذَلِكَ الْقدوم الَّذِي يعتمل بِهِ، خَفِيف أَيْضا.
١٨٩٥ - / ٢٣٤٤ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالسبْعين بعد الْمِائَة: «لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاء الْعَدو، فَإِذا لقيتموهم فَاصْبِرُوا» .
اعْلَم أَن تمني لِقَاء الْعَدو يتَضَمَّن أَمريْن: أَحدهمَا: استدعاء الْبلَاء. وَالثَّانِي: ادِّعَاء الصَّبْر، وَمَا يدْرِي الْإِنْسَان كَيفَ يكون صبره على الْبلَاء. وَالْمُدَّعِي متوكل على قوته، معرض بِدَعْوَاهُ عَن مُلَاحظَة الأقدار وتصرفها، وَمن كَانَ كَذَلِك وكل إِلَى دَعْوَاهُ، كَمَا تمنى الَّذِي فَاتَتْهُمْ غزَاة بدر فَلم يثبتوا يَوْم أحد، وكما أعجبتهم كثرتهم يَوْم حنين فهزموا.
وَقد نبه هَذَا الحَدِيث على أَنه لَا يَنْبَغِي لأحد أَن يتَمَنَّى الْبلَاء بِحَال، وَقد قَالَ بعض السّلف: كنت أسأَل الله الْغَزْو، فَهَتَفَ بِي هَاتِف: إِنَّك
[ ٣ / ٤٢٩ ]
إِن غزوت أسرت، وَإِن أسرت تنصرت.
١٨٩٦ - / ٢٣٤٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالسبْعين بعد الْمِائَة: «إِنَّه ليَأْتِي الرجل الْعَظِيم السمين يَوْم الْقِيَامَة لَا يزن عِنْد الله جنَاح بعوضة» .
الْبَعُوضَة: صَغِيرَة البق. وَالْإِشَارَة بِهَذَا إِلَى أَن الْقدر إِنَّمَا يكون بِالْإِيمَان وَالتَّقوى، وَكم من عَظِيم الجثة لَا وَقع لَهُ، لِأَن الوقع إِنَّمَا يكون بالمعاني لَا بالصور. قَالَ ابْن الْأَعرَابِي فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا نُقِيم لَهُم يَوْم الْقِيَامَة وزنا﴾ [الْكَهْف: ١٠٥] مَا لفُلَان عندنَا وزن: أَي قدر، لخسته. وَالْمعْنَى: لَا يعْتد بهم وَلَا يكون لَهُم عِنْد الله قدر وَلَا منزلَة.
١٨٩٧ - / ٢٣٤٦ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالسبْعين بعد الْمِائَة: «لما خلق الله الْخلق كتب فِي كِتَابه، فَهُوَ عِنْده فَوق الْعَرْش: إِن رَحْمَتي تغلب غَضَبي» وَفِي لفظ: «سبقت غَضَبي» .
رُبمَا وَقع فِي وهم الْقَلِيل الْعلم أَن بعض صِفَاته قد سبق بَعْضًا، أَو غلب، أَو أَن «عِنْده» تَقْتَضِي مَكَانا يُوجب الْقرب إِلَى الذَّات وَلَيْسَ كَمَا يَقع لَهُ، وَإِنَّمَا هَذَا الْخطاب على سَبِيل التَّقْرِيب إِلَى الأفهام مَا تعرفه من سبق الشَّيْء وغلبته، فَإِنَّهُ لما بَدَأَ سُبْحَانَهُ بالإنذار قبل التعذيب
[ ٣ / ٤٣٠ ]
وَحكم وأمهل وَعَفا، كَانَ معنى هَذَا سبق رَحمته وغلبتها، وَتَحْلِيل العندية على مَا نفهمه محَال فِي حَقه، وَقد قَالَ فِي حِجَارَة قوم لوط: ﴿مسومة عِنْد رَبك﴾ [هود: ٨٣] أَي فِي قَبضته وَقدرته.
١٨٩٨ - / ٢٣٤٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّمَانِينَ بعد الْمِائَة: «النَّاس تبع لقريش فِي هَذَا الشَّأْن، مسلمهم لمسلمهم وكافرهم لكافرهم» .
وَفِي هَذَا الحَدِيث تَفْضِيل قُرَيْش على سَائِر الْعَرَب، وتقديمهم فِي الْإِمَامَة والإمارة. وَقَوله: «فِي هَذَا الشَّأْن» يَعْنِي الْإِمَارَة. وَقَوله: «مسلمهم تبع لمسلمهم» هَذَا أَمر للْمُسلمِ بطاعتهم ومتابعتهم. وَقَوله: «وكافرهم تبع لكافرهم» حِكَايَة للْحَال الَّتِي كَانَت فِي الْجَاهِلِيَّة، وَالْمعْنَى: أَنهم مَا زَالُوا متبوعين، وَقد خصوا بالسدانة والسقاية إِلَى غير ذَلِك.
وَقَوله: «النَّاس معادن» قد سبق فِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْخمسين من هَذَا الْمسند.
وَقَوله: «تَجِدُونَ من خير النَّاس أَشَّدهم كَرَاهِيَة لهَذَا الشَّأْن حَتَّى يَقع فِيهِ» يَعْنِي الْإِمَارَة، فَإِن المتقي لله ﷿ يكرهها من حَيْثُ الحذر على دينه، فَإِذا وَقع فِيهَا لم يشته الْعَزْل كَذَلِك، قَالَ بعض الصَّحَابَة لعمر وَقد عَزله: مَا سرتني الْولَايَة، وَلَا سَاءَنِي الْعَزْل.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان: معنى الْكَلَام: إِذا وَقَعُوا فِيهَا لم يجز أَن يكرهوها لأَنهم إِن كَانَ قيامهم بهَا عَن كره ضيعوا حُقُوقهَا، فليقبلوا عَلَيْهَا
[ ٣ / ٤٣١ ]
وليجتهدوا فِيهَا.
وَقَوله: «تَجِدُونَ شَرّ النَّاس ذَا الْوَجْهَيْنِ، الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْه وَهَؤُلَاء بِوَجْه» وَهَذَا مثل أَن يمدح رجلا فِي وَجهه ثمَّ يَأْتِي إِلَى عدوه.
١٨٩٩ - / ٢٣٤٨ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي والثمانين بعد الْمِائَة: «لَو أَن رجلا اطلع عَلَيْك بِغَيْر إِذن فخذفته بعصاة ففقأت عينه مَا كَانَ عَلَيْك جنَاح» قد سبق هَذَا الحَدِيث فِي مُسْند سهل بن سعد.
١٩٠٠ - / ٢٣٤٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي والثمانين بعد الْمِائَة: «إِن أخنع الْأَسْمَاء عِنْد الله رجل تسمى ملك الْأَمْلَاك» قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: سَأَلت أَبَا عَمْرو عَن أخنع فَقَالَ: أوضع.
وَقَالَ أَبُو عبيد: الْمَعْنى: أَشد الْأَسْمَاء ذلا وأوضعها. والخانع: الذَّلِيل الخاضع. وَكَانَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة يَقُول: هُوَ مثل شاهان شاه.
قَالَ: وَقَالَ غَيره: هُوَ أَن يتسمى الْإِنْسَان بأسماء الله تَعَالَى مثل الْعَزِيز والجبار. وَقد روى فِي بعض الْأَلْفَاظ: أنخع، ذكره أَبُو عبيد وَقَالَ: الْمَعْنى أقتل الْأَسْمَاء وأهلكها. والنخع هُوَ الْقَتْل الشَّديد، وَمِنْه النخع فِي الذَّبِيحَة: وَهُوَ أَن يجوز بِالذبْحِ إِلَى النخاع.
[ ٣ / ٤٣٢ ]
وَأما أخنى فَفِيهِ ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: أَن يكون من الْخَنَا فِي الْكَلَام: وَهُوَ الْفَاحِش، فَيكون الْمَعْنى: أفحش الْأَسْمَاء وأقبحها.
وَالثَّانِي: بِمَعْنى الْهَلَاك، يُقَال: أخنى عَلَيْهِم الدَّهْر، وَالثَّالِث: أَنه بِمَعْنى الْفساد، يُقَال: أخنيت عَلَيْهِ: أَي أفسدت.
١٩٠١ - / ٢٣٥٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث والثمانين بعد الْمِائَة: «قَالَ الله ﷿: «أَعدَدْت لعبادي الصَّالِحين مَا لَا عين رَأَتْ، وَلَا أذن سَمِعت» .
اعْلَم أَن الله ﷿ وعد الصَّالِحين من جنس مَا يعرفونه من مطعم ومشرب وملبس ومنكح وَغير ذَلِك، ثمَّ زادهم من فَضله مَا لَا يعرفونه فَقَالَ: «مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت» وَلَا يخْطر على الْقلب تَصْوِير مَا لم ير وَلم يسمع، فَقَالَ: «وَلَا خطر على قلب بشر» .
وَقَوله: «بله مَا أطْلعكُم عَلَيْهِ» أَي سوى مَا أطْلعكُم. وَقَالَ أَبُو عبيد: دع مَا أطلعهم عَلَيْهِ، قَالَ أَبُو زبيد الطَّائِي:
(حمال أثقال أهل الود آونة أعطيهم الْجهد مني بله مَا أسع»
فَإِن قيل: مَا معنى: دع مَا أطلعهم عَلَيْهِ؟ فَالْجَوَاب: أَن الْمَعْنى: إِن مَا أطلعهم عَلَيْهِ محتقر بِالْإِضَافَة إِلَى مَا لم يطلعوا عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا ذكر مَا يعرفونه أَولا لسببين: أَحدهمَا: لأنسهم بِمَا يعْرفُونَ. وَالثَّانِي: أَنه لَو وعدهم بِمَا لَا يعْرفُونَ لم يشتاقوا إِلَى مَا لم يعرفوا، ولطلبوا مَا
[ ٣ / ٤٣٣ ]
يعْرفُونَ، فَوَعَدَهُمْ مَا يعْرفُونَ وَزَادَهُمْ مَا لم يعرفوا.
١٩٠٢ - / ٢٣٥١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع والثمانين بعد الْمِائَة: «إِن لله تِسْعَة وَتسْعُونَ اسْما، من حفظهَا دخل الْجنَّة» وَفِي لفظ: «من أحصاها» .
قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: فِي هَذَا الحَدِيث إِثْبَات هَذِه الْأَسْمَاء، وَلَيْسَ فِيهِ نفي مَا عَداهَا من الزِّيَادَة عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا وَقع التَّخْصِيص لهَذِهِ الْأَسْمَاء لِأَنَّهَا أشهر الْأَسْمَاء وأبينها مَعَاني، فجملة هَذَا الحَدِيث قَضِيَّة وَاحِدَة لَا قضيتان. فتمام الْفَائِدَة فِي خبر «إِن» فِي قَوْله: «من أحصاها دخل الْجنَّة» لَا فِي قَوْله: «إِن لله تِسْعَة وَتِسْعين اسْما» . وَهَذَا بِمَنْزِلَة قَوْلك: إِن لزيد مائَة دِرْهَم أعدهَا للصدقة، فَلَا يدل ذَلِك على أَنه لَيْسَ عِنْده من الدَّرَاهِم أَكثر من ذَلِك، وَإِنَّمَا يدل على أَن الَّذِي أعده للصدقة هَذَا. وَيدل على هَذَا التَّأْوِيل حَدِيث ابْن مَسْعُود: «أَسأَلك بِكُل اسْم هُوَ لَك، سميت بِهِ نَفسك، أَو أنزلته فِي كتابك، أَو عَلمته أحدا من خلقك، أَو استأثرت بِهِ فِي علم الْغَيْب عنْدك» فَهَذَا يدل على أَن لله
[ ٣ / ٤٣٤ ]
أَسمَاء لم ينزلها فِي كِتَابه حجبها عَن خلقه.
وَفِي قَوْله: «إِن لله تِسْعَة وَتِسْعين اسْما» دَلِيل على أَن أشهر الاسماء وأعلاها فِي الذّكر «الله» وَلذَلِك أضيفت الْأَسْمَاء إِلَيْهِ.
فَأَما قَوْله: «من أحصاها» فَفِي مَعْنَاهُ أَرْبَعَة أوجه: أَحدهَا: أَن معنى الإحصاء الْعد، يُرِيد أَنه يعدها ليستوفيها حفظا، وَيدل عَلَيْهِ قَوْله: «من حفظهَا» . وَالثَّانِي: أَن يكون الإحصاء بِمَعْنى الطَّاقَة، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿علم أَن لن تحصوه﴾ [المزمل: ٢٠] أَي لن تُطِيقُوا قيام اللَّيْل، فَمَعْنَاه: من أطَاق الْعَمَل بهَا. وَبَيَان الْعَمَل بهَا أَن من أَسْمَائِهِ الْحَكِيم، فَالْعَمَل بذلك التَّحْكِيم لحكمته حَتَّى لَا يُوجد من العَبْد اعْتِرَاض على أَفعاله. وَمِنْهَا السَّمِيع، فَالْعَمَل بذلك الْحيَاء مِنْهُ وكف اللِّسَان عَن الْقَبِيح لِأَنَّهُ يسمع، وعَلى هَذَا سَائِر الْأَسْمَاء. وَهَذَا الْوَجْه اخْتِيَار ابْن عقيل. وَالثَّالِث: أَن يكون الإحصاء بِمَعْنى الْعقل والمعرفة، فَيكون مَعْنَاهُ: من عرفهَا وعقل مَعْنَاهَا وآمن بهَا دخل الْجنَّة، مَأْخُوذ من الْحَصَاة وَهُوَ الْعقل، قَالَ طرفَة:
(وَإِن لِسَان الْمَرْء مَا لم يكن لَهُ حَصَاة على عوراته لدَلِيل)
وَالْعرب تَقول: فلَان ذُو حَصَاة: أَي عقل. قَالَ الْخطابِيّ: وَالرَّابِع: أَن يكون المُرَاد بِالْحَدِيثِ: من قَرَأَ الْقُرْآن حَتَّى يختمه
[ ٣ / ٤٣٥ ]
فيستوفي هَذِه الْأَسْمَاء فِي الْقُرْآن، حَكَاهُ أَبُو سُلَيْمَان عَن أبي عبد الله الزبيرِي.
فَلَمَّا رَأينَا فِي بعض طرق الصَّحِيح أَن معنى الإحصاء الْحِفْظ اخترنا ذَلِك الْوَجْه وَآثرنَا ذكر هَذِه الْأَسْمَاء لتحفظ. وَقد اخْتلفت أَلْفَاظ الروَاة فِي عدهَا، وَهَذَا سِيَاق مَا ذكره مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة من طَرِيق أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة: الله، الرَّحْمَن، الرَّحِيم، الْملك، القدوس، السَّلَام، الْمُؤمن، الْمُهَيْمِن، الْعَزِيز، الْجَبَّار، المتكبر، الْخَالِق، البارئ، المصور، الْغفار، القهار، الْوَهَّاب، الرَّزَّاق، الفتاح، الْعَلِيم، الْقَابِض، الباسط، الْخَافِض، الرافع، الْمعز، المذل، السَّمِيع، الْبَصِير، الحكم، الْعدْل، اللَّطِيف، الْخَبِير، الْحَلِيم، الْعَظِيم، الغفور، الشكُور، الْعلي، الْكَبِير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الْجَلِيل، الْكَرِيم، الرَّقِيب، الْمُجيب، الْوَاسِع، الْحَكِيم، الْوَدُود، الْمجِيد، الْبَاعِث، الشَّهِيد، الْحق، الْوَكِيل، الْقوي، المتين، الْوَلِيّ، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الْحَيّ، القيوم، الْوَاجِد، الْمَاجِد، الْوَاحِد، الْأَحَد، الصَّمد، الْقَادِر، المقتدر، الْمُقدم، الْمُؤخر، الأول، الآخر، الظَّاهِر، الْبَاطِن، الْوَالِي، المتعالي، الْبر، التواب، المنتقم، الْعَفو، الرءوف، مَالك الْملك، ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام، المقسط، الْجَامِع، الْغَنِيّ، الْمُغنِي، الْمَانِع، الضار، النافع، النُّور، الْهَادِي، البديع، الْبَاقِي، الْوَارِث، الرشيد، الصبور.
[ ٣ / ٤٣٦ ]
وَقد رُوِيَ عَن عبد الْعَزِيز بن الْحصين عَن أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ: (إِن لله تِسْعَة وَتِسْعين اسْما» فَذكرهَا، وعد مِنْهَا: الرب، المنان، الْكَافِي، البادئ، الدَّائِم، الْمولى، النصير، الْجَمِيل، الصَّادِق، الْمُحِيط، الْمُبين، الْقَرِيب، الفاطر، العلام، المليك، الأكرم، الْمُدبر، الْوتر، ذُو المعارج، ذُو الطول، ذُو الْفضل. غير أَن عبد الْعَزِيز هَذَا لَيْسَ بِالْقَوِيّ فِي النَّقْل.
فصل: ونشير إِلَى تَفْسِير الْمُشكل من هَذِه الْأَسْمَاء: فَأَما الله فَروِيَ عَن الْخَلِيل رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهمَا: أَنه لَيْسَ بمشتق، وَالثَّانيَِة: أَنه مُشْتَقّ. وَقَالَ بعض من رَآهُ مشتقا: إِنَّه من الوله؛ لِأَن الْقُلُوب توله نَحوه. وَقَالَ قوم: أَله يأله بِمَعْنى عبد يعبد.
والقدوس: الطَّاهِر من الْعُيُوب.
[ ٣ / ٤٣٧ ]
وَالسَّلَام: الَّذِي سلم من كل عيب وَنقص.
وَالْمُؤمن: الَّذِي آمن الْمُؤمنِينَ من عَذَابه.
والمهيمن: الشَّهِيد.
والفتاح: الْحَاكِم.
وَالْحكم: الْحَاكِم أَيْضا.
وَالْعدْل: الَّذِي لَا يجور.
واللطيف: الْبر بعباده الَّذِي يلطف بهم من حَيْثُ لَا يعلمُونَ، ويسبب لَهُم مصالحهم.
والشكور: الَّذِي يشْكر الْيَسِير من الطَّاعَة فيثيب عَلَيْهِ.
والحفيظ: الْحَافِظ.
والمقيت: المقتدر.
والحسيب: الْكَافِي.
والجليل: الْعَظِيم.
والرقيب: الْحَافِظ.
وَفِي الْوَدُود وَجْهَان: أَحدهمَا: أَن يكون «فعولًا» فِي مَحل «مفعول»، كَمَا يُقَال هيوب بِمَعْنى مهيب، فَهُوَ سُبْحَانَهُ مودود فِي قُلُوب أوليائه. وَالثَّانِي: أَن يكون بِمَعْنى الواد، أَي أَنه يود عباده الصَّالِحين، بِمَعْنى أَنه يُحِبهُمْ ويرضى عَنْهُم.
والمجيد: الْوَاسِع الْكَرم.
[ ٣ / ٤٣٨ ]
قَالَ الْفراء: وَالْوَكِيل: الْكَافِي.
والمتين: الشَّديد الْقُوَّة.
وَالْوَلِيّ: النَّاصِر.
والحميد: الْمَحْمُود.
والقيوم: الْقَائِم الدَّائِم بِلَا زَوَال.
والواجد: الْغَنِيّ.
والماجد بِمَعْنى الْمجِيد.
والأحد: الْمُنْفَرد بالمعني الَّذِي لَا يُشَارِكهُ فِيهِ أحد.
وَالْوَاحد: الْمُنْفَرد بِالذَّاتِ.
والصمد: السَّيِّد.
وَالظَّاهِر: بالحجج.
وَالْبَاطِن: المحتجب عَن الْأَبْصَار.
والوالي: الْمُتَوَلِي للأشياء.
والرءوف: الرَّحِيم.
وَمعنى «ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام» أَنه أهل أَن يجل وَيكرم.
والمقسط: الْعَادِل.
وَالْمَانِع: النَّاصِر.
وَمعنى النُّور: أَنه بنوره يبصر ذُو العماية.
[ ٣ / ٤٣٩ ]
والبديع: المبتدع.
وَالْوَارِث: الْبَاقِي بعد فنَاء الْخلق.
والرشيد: «فعيل» بِمَعْنى «مفعل» فَمَعْنَاه الَّذِي أرشد الْخلق إِلَى مصالحهم.
والصبور: الَّذِي لَا يعاجل العصاة.
والمنان: الْكثير الْعَطاء.
والبادئ بِمَعْنى المبدئ.
والجميل: الْمُجْمل.
والمبين: الْبَين أمره فِي الوحدانية.
والأكرم: الَّذِي لَا يوازيه كريم، وَقد يكون بِمَعْنى الْكَرِيم، كالأعز بِمَعْنى الْعَزِيز.
والمعارج: الدرج، فَهُوَ الَّذِي يصعد إِلَيْهِ بأعمال الْعباد.
والطول: الْفضل.
وَفِي بعض الرِّوَايَات: الْوَاسِع: وَهُوَ الْغَنِيّ.
١٩٠٣ - / ٢٣٥٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس والثمانين بعد الْمِائَة: جلس رَسُول الله ﷺ بِفنَاء بَيت فَاطِمَة فَقَالَ: «أَثم لكع؟» .
الفناء: مَا حول الدَّار.
[ ٣ / ٤٤٠ ]
واللكع: الصَّغِير، إِمَّا فِي السن أَو فِي الْعلم أَو فِي الْقدر أَو فِي الْعقل. قَالَ أَبُو سُلَيْمَان: هَذَا يُقَال على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: الإستصغار. وَالثَّانِي: الذَّم. وَالَّذِي أَرَادَهُ الرَّسُول ﷺ الإستصغار.
وَأما الَّذِي طلبه فَهُوَ الْحسن بن عَليّ.
والسخاب: القلادة. وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: هُوَ خيط ينظم فِيهِ خرز ويلبسه الصّبيان والجواري، وَالْجمع سخب. وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان: هُوَ قلادة يتَّخذ خرزها من الطّيب من غير ذهب وَلَا فضَّة.
وَقَوله: فجَاء يشْتَد: أَي يعدو.
١٩٠٤ - / ٢٣٥٣ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس والثمانين بعد الْمِائَة: «نَحن الْآخرُونَ السَّابِقُونَ يَوْم الْقِيَامَة» .
الْمَعْنى: نَحن الْآخرُونَ فِي الزَّمَان، السَّابِقُونَ فِي دُخُول الْجنَّة.
وَقيل: إِنَّه لما تخيرت الْيَهُود السبت وَالنَّصَارَى الْأَحَد، وهدانا الله ليَوْم الْجُمُعَة - وَهِي سَابِقَة لليومين، سبقناهم فِي الدُّنْيَا ونسبقهم فِي الْآخِرَة. وَقد سبق هَذَا الحَدِيث وَالْكَلَام عَلَيْهِ فِي مُسْند حُذَيْفَة، وَبينا معنى قَوْله: «هَذَا يومهم الَّذِي فرض عَلَيْهِم» وَأَنَّهُمْ أمروا بِالْجمعَةِ فَاخْتَارُوا السبت.
فَأَما قَوْله: «بيد أَنهم» فَقَالَ أَبُو عبيد: غير أَنهم، وعَلى أَنهم.
[ ٣ / ٤٤١ ]
قَالَ: وَيُقَال: ميد بِالْمِيم. وَالْمِيم تدخل على الْبَاء نَحْو أغبطت عَلَيْهِ الْحمى وأغمطت. وسبد رَأسه وسمده.
وَقَوله: «حق على كل مُسلم أَن يغْتَسل» ظَاهره الْوُجُوب، فَيكون مَنْسُوخا، وَيحْتَمل أَن يكون الْحق بِمَعْنى اللَّازِم فِي بَاب الإستحباب.
وَقد شرحناه هَذَا فِي مُسْند أبي سعيد الْخُدْرِيّ.
١٩٠٥ - / ٢٣٥٤ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع والثمانين بعد الْمِائَة: ضرب رَسُول الله ﷺ مثل الْبَخِيل والمتصدق كَمثل رجلَيْنِ عَلَيْهِمَا جنتان من حَدِيد.
الْجنَّة: مَا استتر بِهِ من سلَاح أَو غَيره. وَالْجنَّة: الترس، وَفِي رِوَايَة: «جبتان» بِالْبَاء، والتراقي جمع ترقوة، وللإنسان ترقوتان: وهما العظمان المشرفان فِي أَعلَى الصَّدْر، وَهَذَا مثل ضربه ﷺ للبخيل والجواد، فشبههما برجلَيْن أَرَادَ كل وَاحِد مِنْهُمَا أَن يلبس درعا يستجن بهَا، فصبها على رَأسه ليلبسها.
والدروع: أول مَا يَقع على الصَّدْر والثديين إِلَى أَن يدْخل اللابس يَدَيْهِ فِي كميها. فَجعل مثل الْمُنفق مثل من لبس درعا سابغة فاسترسلت عَلَيْهِ حَتَّى سترت جَمِيع بدنه، وَهُوَ معنى قَوْله: «حَتَّى يعْفُو أَثَره» أَي يستر جَمِيع بدنه. وَجعل الْبَخِيل كَرجل قد غلت يَدَاهُ إِلَى عُنُقه، فَكلما أَرَادَ لبسهَا اجْتمعت فِي عُنُقه فلزمت ترقوته، وَهُوَ معنى: قلصت: أَي تضامت وَاجْتمعت. وَالْمرَاد أَن الْجواد إِذا هم بِالصَّدَقَةِ،
[ ٣ / ٤٤٢ ]
اِنْفَسَحَ بهَا صَدره، والبخيل، إِذا حدث نَفسه بِالصَّدَقَةِ ضَاقَ صَدره وانقبضت يَده.
١٩٠٦ - / ٢٣٥٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن والثمانين بعد الْمِائَة: «يحْشر النَّاس على ثَلَاثَة طرائق: راغبين، وراهبين، وَاثْنَانِ على بعير وَثَلَاثَة على بعير وَأَرْبَعَة على بعير» .
قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: هَذَا الْحَشْر إِنَّمَا يكون قبل قيام السَّاعَة، يحْشر النَّاس أَحيَاء إِلَى الشَّام. فَأَما الْحَشْر الَّذِي يكون بعد الْبَعْث من الْقُبُور فَإِنَّهُ على خلاف هَذِه الصُّورَة من ركُوب الْإِبِل والمعاقبة عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا هُوَ على مَا ورد فِي الْخَبَر أَنهم يبعثون حُفَاة عُرَاة غرلًا.
١٩٠٧ - / ٢٣٥٦ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع والثمانين بعد الْمِائَة: قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: أرسل ملك الْمَوْت إِلَى مُوسَى، فَلَمَّا جَاءَهُ صَكه ففقأ عينه.
الصَّك: ضرب الْوَجْه برؤوس الْأَصَابِع. وفقأ عينه: قلعهَا.
والكثيب من الرمل: مَا اجْتمع مِنْهُ وارتفع.
وَقد اعْترض بعض الْمُلْحِدِينَ على هَذَا الحَدِيث بأَرْبعَة أَشْيَاء:
[ ٣ / ٤٤٣ ]
أَحدهَا: كَيفَ يقدر الْآدَمِيّ أَن يفقأ عين ملك الْمَوْت، فَلَيْسَ الْملك بجسم كثيف؟ وَالثَّانِي: كَيفَ جَازَ لمُوسَى أَن يفعل ذَلِك برَسُول ربه وَفِي طي هَذَا مراغمة الْمُرْسل؟ وَالثَّالِث: أَيْن شوق مُوسَى إِلَى لِقَاء الله تَعَالَى؟ وَالرَّابِع: كَيفَ خَالف الْملك مرسله فَعَاد وَلم يقبض نَفسه؟
فَالْجَوَاب: لما أكْرم الله ﷿ مُوسَى بِكَلَامِهِ ومحبته إِيَّاه بعث إِلَيْهِ الْملك فِي صُورَة رجل ليتلطف فِي قبض روحه، فصادفه بشرا يكره الْمَوْت طبعا لما يعلم من ملاقاة مشاقه، فَدفعهُ عَن نَفسه وَهُوَ لَا يعلم أَنه ملك الْمَوْت، وَقد يخفى الْملك على النَّبِي إِذا جَاءَ فِي صُورَة الْبشر كَمَا خفيت الْمَلَائِكَة على إِبْرَاهِيم وَلُوط، وخفي جِبْرِيل على نَبينَا لما جَاءَهُ فِي صُورَة رجل فَسَأَلَهُ عَن الْإِسْلَام وَالْإِيمَان. فروى الحَدِيث الدَّارَقُطْنِيّ من وُجُوه، فَفِي بَعْضهَا: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «مَا خَفِي عَليّ جِبْرِيل قطّ مثل الْيَوْم» وَفِي لفظ: «مَا عَرفته حَتَّى ولى» وَفِي لفظ: «مَا أَتَانِي قطّ فَلم أعرفهُ قبل مرتي هَذِه» وَفِي لفظ: «مَا أَتَانِي فِي صُورَة قطّ إِلَّا عَرفته غير هَذِه الصُّورَة» . فعلى هَذَا نقُول: دَفعه مُوسَى وَلم يعرفهُ، فصادفت تِلْكَ الدفعة عينة المركبة فِي الصُّورَة البشرية لَا الْعين الملكية، فَلَمَّا ذهب ملك الْمَوْت عَاد وَقد ردَّتْ عينه، فَتبين مُوسَى أَنه الْملك فاستسلم لقَضَاء الله سُبْحَانَهُ. وَقَالَ ابْن عقيل: يجوز أَن يكون مُوسَى قد أذن لَهُ فِي ذَلِك الْفِعْل بِملك الْمَوْت وابتلي ملك الْمَوْت بِالصبرِ عَلَيْهِ، كقصة الْخضر مَعَ مُوسَى.
فَأَما الشوق إِلَى لِقَاء الله سُبْحَانَهُ فَإِنَّهُ لَا يُنَاقض كَرَاهِيَة الْمَوْت على
[ ٣ / ٤٤٤ ]
مَا سَيَأْتِي فِي مُسْند عَائِشَة عِنْد قَوْله: «من أحب لِقَاء الله أحب الله لقاءه» .
وَأما عود الْملك فَإِنَّهُ أَمر بالتلطف فِي الْقَبْض، وَلم يجْزم لَهُ الْأَمر بِالْقَبْضِ فِي وَقت مَعْرُوف.
وَأما سُؤال مُوسَى أَن يدنى من الأَرْض المقدسة فَلِأَنَّهُ مَاتَ فِي أَرض التيه.
١٩٠٨ - / ٢٣٥٧ - وَفِي الحَدِيث التسعين بعد الْمِائَة: «قَالَ سُلَيْمَان: لأطوفن اللَّيْلَة بِمِائَة امْرَأَة تَلد كل امْرَأَة مِنْهُنَّ غُلَاما يُقَاتل فِي سَبِيل الله ﷿» .
فِي عدد النِّسَاء أَرْبَعَة أَقْوَال: أَحدهَا: مائَة. وَالثَّانِي: تسعون.
وَالثَّالِث: سَبْعُونَ. وَالرَّابِع: سِتُّونَ. وَكلهَا فِي الصَّحِيح.
وَالْمرَاد بالإستثناء قَول: إِن شَاءَ الله. وَتَعْلِيق الْأَمر بِالْمَشِيئَةِ تَسْلِيم للقدر. وَإِنَّمَا ترك سُلَيْمَان الإستثناء نِسْيَانا فَلم يسامح بِتَرْكِهِ وَهُوَ نَبِي كريم، حَتَّى أثر التّرْك فقد الْغَرَض ونفع قَول إِن شَاءَ الله قوما كَافِرين، فَإِنَّهُ فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة: إِن يَأْجُوج وَمَأْجُوج يحفرون السد كل يَوْم وَيَقُولُونَ: غَدا نتمه، فيجيئون وَقد عَاد كَمَا كَانَ، فَإِذا أذن فِي خُرُوجهمْ قَالَ قَائِلهمْ: إِن شَاءَ الله، فيجيئون وَهُوَ على حَاله
[ ٣ / ٤٤٥ ]
فيفتحونه. فَبَان لهَذَا مرتبَة الْمَشِيئَة وأدب نَبينَا ﷺ فِيمَا يتَعَلَّق بهَا، فَقيل لَهُ: ﴿وَلَا تقولن لشَيْء إِنِّي فَاعل ذَلِك غَدا (٢٣) إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ [الْكَهْف: ٢٣، ٢٤] أَي: إِلَّا أَن تَقول: إِن شَاءَ الله، فَكَانَ يَقُولهَا فِي الْمُتَيَقن كَمَا يَقُولهَا فِي المظنون، فَإِذا مر على الْقُبُور قَالَ: «وَإِنَّا إِن شَاءَ الله بكم لاحقون» .
فَإِن قَالَ قَائِل: من أَيْن لِسُلَيْمَان أَن يخلق من مَائه فِي تِلْكَ اللَّيْلَة مائَة غُلَام، لَا يجوز أَن يكون بِوَحْي لِأَنَّهُ مَا وَقع، وَلَا يجوز أَن يكون الْأَمر فِي ذَلِك إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَا يكون إِلَّا مَا يُريدهُ الله؟ فَالْجَوَاب: إِنَّه من جنس التَّمَنِّي على الله، وَالسُّؤَال لَهُ أَن يفعل، وَالْقسم عَلَيْهِ، كَقَوْل أنس بن النَّضر: وَالله لَا تكسر سنّ الرّبيع. غير أَنه لما خلا لَفظه من اسْتثِْنَاء لم يسامح مثله بِتَرْكِهِ، ذَلِك لِأَنَّهُ نَبِي يقْتَدى بِهِ.
١٩٠٩ - / ٢٣٥٨ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالتسْعين بعد الْمِائَة: «يفتح الْيَوْم من ردم يَأْجُوج وَمَأْجُوج مثل هَذِه» وَعقد تسعين.
الرَّدْم: الْحَائِط الْمَبْنِيّ فِي وُجُوههم. وَقد سبق ذكر يَأْجُوج وَمَأْجُوج فِي مُسْند أبي سعيد الْخُدْرِيّ.
١٩١٠ - / ٢٣٥٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالتسْعين بعد الْمِائَة: «إِن أمتِي
[ ٣ / ٤٤٦ ]
يدعونَ يَوْم الْقِيَامَة غرا محجلين من آثَار الْوضُوء» .
الْغرَّة: بَيَاض فِي الْوَجْه وغرة كل شَيْء أكْرمه. والتحجيل: بَيَاض فِي الرجلَيْن.
وَقَوله: «أَسْبغ الْوضُوء» أَي أتمه.
وأشرع فِي الْعَضُد: بِمَعْنى أدخلهُ فِي الْغسْل، وَمِنْه إشراع الْبَاب والجناح. وَقَالَ الزّجاج: يُقَال: أشرعت الرمْح نَحْو الْعَدو: إِذا صوبته إِلَيْهِ وحددته نَحوه.
والعضد: مَا بَين الْمرْفق إِلَى الْكَتف. والمنكب: مُجْتَمع رَأس الْعَضُد فِي الْكَتف. والإبط: مَا تَحت الْيَد. وَقد تقدما.
والحلية المُرَاد بهَا النُّور الَّذِي يزين بِهِ الْمُتَوَضِّئ.
وَبَاقِي الحَدِيث مِمَّا يتَعَلَّق بالحوض قد سبق فِي مُسْند سهل بن سعد وَغَيره.
وَقَوله: «السَّلَام عَلَيْكُم دَار قوم مُؤمنين» قد سبق فِي مُسْند بُرَيْدَة.
فَإِن قيل: كَيفَ سمى من لم يره إخْوَانًا واشتاق إِلَيْهِم والإخوان أفضل من الْأَصْحَاب، وَقد ثَبت فضل أَصْحَابه على غَيرهم؟ فَالْجَوَاب: أَن الْأُخوة تَقْتَضِي المشابهة والمشاكلة، كَمَا يُقَال: هَذِه الْحبَّة من اللُّؤْلُؤ أُخْت هَذِه، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا نريهم من آيَة إِلَّا هِيَ أكبر من أُخْتهَا﴾ [الزخرف: ٤٨] وَقَالَ ﷺ: «شيبتني هود وَأَخَوَاتهَا» . يُرِيد
[ ٣ / ٤٤٧ ]
أشكالها من السُّور المتضمنة قصَص الْأُمَم السالفة. وَكَانَ يَقُول: «رحم الله أخي مُوسَى»، «رحم الله أخي عِيسَى» وَذَلِكَ لموْضِع الْمُشَاركَة لَهُ فِي الدعاية، فَأَرَادَ بإخوانه فِي آخر الزَّمَان: القائمين بشرعه عِنْد فَسَاد الْأمة، فقد شابهوه فِي ثَلَاثَة أَشْيَاء: أَحدهَا: أَنه جَاءَ على فَتْرَة من الرُّسُل وَقد تشبث حب الْأَصْنَام بالقلوب، وَخيَار أمته يظْهر كل مِنْهُم فِي زمن قد يتشبث الْهوى فِيهِ بالنفوس فيسلكون سنَن الإستقامة وَيدعونَ النَّاس إِلَى الصّلاح. وَالثَّانِي: أَنه ظهر غَرِيبا وَأظْهر دينه، فَكَانَ غَرِيبا، وَكَذَلِكَ صالحو الْمُتَأَخِّرين يكونُونَ غرباء ويظهرون مَا قد صَار غَرِيبا، كَمَا قَالَ ﵇: «بَدَأَ الْإِسْلَام غَرِيبا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ، فطوبى للغرباء» قيل: من الغرباء؟ قَالَ: «الَّذين يصلحون إِذا فسد النَّاس» وَالثَّالِث: أَنهم يظهرون فِي زمَان خَال عَن نَذِير، فينفرد الْوَاحِد مِنْهُم عَن معِين، كَمَا ظهر ﷺ وَلَيْسَ هَذَا حَال صحابته مَعَ وجوده، فَإِن النَّاس استغنوا بِهِ عَنْهُم، فَلم يصلحوا إخْوَانًا لهَذَا الْمَعْنى وَإِن كَانَت مرتبتهم لَا توازى.
فَإِن قيل: فَهَلا كَانَت هَذِه مرتبَة الصَّحَابَة بعد مَوته؟ قُلْنَا: لَا يَصح؛ لِأَن الْعَهْد قريب، والبدع نادرة، والمدافع عَن الشَّرّ من أهل الْعلم كثير.
وَإِنَّمَا اشْتَدَّ شوقه إِلَيْهِم لمَكَان اجتهادهم فِي إِثْبَات الدَّلِيل على نبوته، فَإِن الصَّحَابَة رَأَوْا مِنْهُ مَا لم ير هَؤُلَاءِ من الْآيَات الخارقة والمعجزات العجيبة، كنبع المَاء من بَين أَصَابِعه، وحنين الْجذع إِلَيْهِ،
[ ٣ / ٤٤٨ ]
وإخباره بالغائبات، فَكَانَت كَمَا قَالَ؛ والمتأخرون لم يشاهدوا مثل هَذَا، وَإِنَّمَا نقل إِلَيْهِم.
والدهم: السود: والبهم: من قَوْلك: أسود بهيم، وَهُوَ الَّذِي لَا يخالط لَونه لون سواهُ.
١٩١١ - / ٢٣٦٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالتسْعين بعد الْمِائَة: «على أنقاب الْمَدِينَة مَلَائِكَة، لَا يدخلهَا الطَّاعُون وَلَا الدَّجَّال» .
الأنقاب جمع نقب: وَهُوَ الطَّرِيق بَين الجبلين.
وَقد ذكرنَا الدَّجَّال وتسميته بالمسيح فِي مُسْند ابْن عمر.
ودبر أحد: ظهر الْجَبَل.
١٩١٢ - / ٢٣٦١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالتسْعين بعد الْمِائَة: «من تَوَضَّأ فليستنثر، وَمن استجمر فليوتر» .
الإستنثار: نفض مَا فِي الْأنف بعد استنشاق المَاء. وَيحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى: من تَوَضَّأ فليستنشق؛ لِأَن النثرة الْأنف.
والإستجمار: الإستنجاء بِالْحِجَارَةِ.
وَقَوله: «فليوتر» دَلِيل على وجوب اسْتِيفَاء عدد الثَّلَاث فِي الإستنجاء؛ إِذا كَانَ معقولا أَنه لم يرد بِهِ الْوتر الَّذِي هُوَ الْوَاحِد، لِأَنَّهُ
[ ٣ / ٤٤٩ ]
زِيَادَة وصف على اسْم، والإسم لَا يحصل بِأَقَلّ من وَاحِد، فَعلم أَنه قصد بِهِ مَا زَاد على الْوَاحِد، وَأَدْنَاهُ الثَّلَاث. وَمن أنقى وَأحب الزِّيَادَة اسْتحبَّ لَهُ أَن تكون زِيَادَته وترا لهَذَا الحَدِيث.
وَقَوله: «وَإِذا اسْتَيْقَظَ فليغسل يَده» أما غسل الْيَد عِنْد الانتباه من نوم اللَّيْل فَإِن بعض أَصْحَاب أبي هُرَيْرَة ذكر غسل الْيَد مُطلقًا، وَبَعْضهمْ ذكر الْغسْل ثَلَاثًا، فَمن الَّذين ضبطوا الثَّلَاث جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ عَن أبي هُرَيْرَة، وَعبد الله بن شَقِيق وَأَبُو رزين وَأَبُو صَالح كلهم عَن أبي هُرَيْرَة بِذكر الثَّلَاث. وَمذهب أَحْمد أَن ذَلِك على الْوُجُوب خلافًا للأكثرين.
١٩١٣ - / ٢٣٦٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالتسْعين بعد الْمِائَة: «لَيْسَ على الْمُسلم صَدَقَة فِي عَبده وَلَا فرسه» .
وَالصَّدََقَة هَا هُنَا الزَّكَاة، وَالْمرَاد العَبْد وَالْفرس اللَّذَان للْخدمَة دون مَا يتَّخذ من ذَلِك للتِّجَارَة.
١٩١٤ - / ٢٣٦٣ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالتسْعين بعد الْمِائَة: «من رغب عَن أَبِيه فَهُوَ كفر» .
الْكفْر أَصله التغطية. وَهَذَا يحْتَمل مَعْنيين: أَحدهمَا: أَنه تَغْطِيَة
[ ٣ / ٤٥٠ ]
للصحيح. وَالثَّانِي: أَنه فعل الْكفَّار لَا فعل الْمُسلمين.
١٩١٥ - / ٢٣٦٤ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالتسْعين بعد الْمِائَة: رخص رَسُول الله ﷺ فِي بيع الْعَرَايَا بِخرْصِهَا من التَّمْر، مَا دون خَمْسَة أوسق أَو فِي خَمْسَة أوسق. شكّ الرَّاوِي.
قد سبق الْكَلَام فِي الْعَرَايَا أَنه إِنَّمَا جَازَ لأجل الْحَاجة، فِي مُسْند زيد بن ثَابت، وَلَا يجوز إِلَّا فِيمَا دون خَمْسَة أوسق، لِأَن الرَّاوِي شكّ فأسقطنا الْمَشْكُوك فِيهِ.
١٩١٦ - / ٢٣٦٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالتسْعين بعد الْمِائَة: «يسلم الرَّاكِب على الْمَاشِي» .
الرَّاكِب بِالْإِضَافَة إِلَى الْمَاشِي كَأَنَّهُ مار على قَاعد لمَكَان إسراعه، وَكَذَلِكَ الْمَاشِي مَعَ الْقَاعِد. وَالْمرَاد من السَّلَام الْأمان. والماشي يخَاف الرَّاكِب، والقاعد يخَاف الْمَاشِي، فَأمر بِالسَّلَامِ ليَقَع الْأَمْن.
فَأَما الْعدَد الْكثير فَلهُ زِيَادَة مرتبَة بِالْكَثْرَةِ، فشرع تَسْلِيم النَّاقِص على الْكَامِل، وَكَذَلِكَ الصَّغِير على الْكَبِير.
١٩١٧ - / ٢٣٦٦ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالتسْعين بعد الْمِائَة: «لَا يزَال أحدكُم فِي صَلَاة مَا دَامَت الصَّلَاة تحبسه» .
إِذا قعد الْمُتَوَضِّئ ينْتَظر الصَّلَاة أعطي حكم الْمُصَلِّي، فَإِذا أحدث
[ ٣ / ٤٥١ ]
خرج عَن تِلْكَ الْحَالة.
١٩١٨ - / ٢٣٦٧ - وَفِي الحَدِيث الْمِائَتَيْنِ: «لعن الله السَّارِق يسرق الْبَيْضَة فتقطع يَده، وَيسْرق الْحَبل فتقطع يَده» . فِي هَذَا الحَدِيث ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: أَنه عَنى بالبيضة بيض الْحَدِيد، وبالحبل: الْعَظِيم من حَبل السفن، وكل من هذَيْن يبلغ دَرَاهِم كَثِيرَة، وَهَذَا مَذْكُور فِي الحَدِيث عَن الْأَعْمَش يحكيه عَن الْعلمَاء. وَكَانَ يحيى بن أَكْثَم يذهب إِلَى هَذَا التَّفْسِير ويعجب بِهِ. وَالثَّانِي: أَن الرَّسُول ﷺ لما نزل عَلَيْهِ: ﴿وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا﴾ [الْمَائِدَة: ٣٨] قَالَ هَذَا الحَدِيث أخذا بِظَاهِر الْآيَة، ثمَّ أعلم بِالْوَحْي بعد أَن الْقطع لَا يكون إِلَّا فِي ربع دِينَار فَمَا فَوْقه: وَهَذَا اخْتِيَار ابْن قُتَيْبَة، وَأنكر القَوْل الأول وَقَالَ: لَا يَقُوله إِلَّا من لَا معرفَة لَهُ باللغة ومخارج الْكَلَام، فَإِن هَذَا لَيْسَ بِموضع تَكْثِير لما يَأْخُذهُ السَّارِق، وَلَيْسَ من عَادَة النَّاس أَن يَقُولُوا: قبح الله فلَانا، عرض نَفسه للضرب فِي عقد جَوْهَر وجراب مسك، وَإِنَّمَا الْعَادة أَن يُقَال: تعرض لقطع الْيَد فِي حَبل رث، وَكلما كَانَ أَحْقَر كَانَ أبلغ. وَالثَّالِث: أَن المُرَاد أَنه يقطع فِي السّرقَة حَتَّى فِي الشَّيْء المحتقر إِذا بلغ نِصَابا، فَذكر الْبَيْضَة وَالْحَبل لبَيَان جنس المحتقرات، لِئَلَّا يظنّ أَن الْقطع يخْتَص بنفائس الْأَمْوَال.
١٩١٩ - / ٢٣٦٨ - وَفِي الحَدِيث الأول بعد الْمِائَة: «من تردى من
[ ٣ / ٤٥٢ ]
جبل فَقتل نَفسه فَهُوَ فِي نَار جَهَنَّم يتردى فِيهَا خَالِدا مخلدا فِيهَا أبدا» .
تردى بِمَعْنى سقط.
ويتوجأ بهَا: أَي يضْرب بهَا.
فَإِن قيل: غَايَة هَذِه الْأَشْيَاء أَنَّهَا مَعْصِيّة لَا كفر فِيهَا، فَمَا وَجه الخلود؟ فَالْجَوَاب: أَن ذكر الخلود إِنَّمَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، وَقد رَوَاهُ سعيد المَقْبُري والأعرج عَن أبي هُرَيْرَة وَلم يذكرَا فِيهِ «خَالِدا مخلدا أبدا» قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَهَذَا أصح.
وَقَالَ القَاضِي أَبُو يعلى: هَذَا مَحْمُول على من فعل ذَلِك مستحلا لقَتله ومكذبا بِتَحْرِيم ذَلِك، بِدَلِيل الْأَحَادِيث المروية فِي أَن الْمُسلمين لَا يخلدُونَ.
١٩٢٠ - / ٢٣٦٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي بعد الْمِائَتَيْنِ: «ثَلَاثَة لَا يكلمهم الله: رجل على فضل مَاء بالفلاة يمنعهُ من ابْن السَّبِيل، فَيَقُول الله لَهُ يَوْم الْقِيَامَة: الْيَوْم أمنعك كَمَا منعت فضل مَا لم تعْمل يداك» .
يُرِيد بِهَذَا أَن الله تَعَالَى هُوَ الَّذِي خلق المَاء وأنزله من السَّمَاء وأجراه من الْعُيُون، وَأما تَخْصِيص مَا بعد الْعَصْر بِالْحِنْثِ فَلِأَنَّهُ وَقت يعظمه أهل الْأَدْيَان، وَهُوَ وَقت اجْتِمَاع النَّاس فِيهِ.
وَقَوله فِي الْمُبَايعَة للْإِمَام: «إِن أعطَاهُ وفى» أعلم أَن الْمُبَايعَة يَنْبَغِي
[ ٣ / ٤٥٣ ]
أَن تكون للدّين لَا للدنيا، فَإِذا عكس الْأَمر وَقعت الْعقُوبَة.
١٩٢١ - / ٢٣٧٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث بعد الْمِائَتَيْنِ: «مَا بَين النفختين أَرْبَعُونَ» .
النفخة الأولى فِي الصُّور هِيَ الَّتِي تَمُوت الْخَلَائق عِنْدهَا. والنفخة الثَّانِيَة هِيَ الَّتِي يحيون عِنْدهَا.
وَإِنَّمَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: أَبيت، لِأَنَّهُ إِنَّمَا سمع «أَرْبَعِينَ» وَلم يعين لَهُ.
قَوْله: «ويبلى كل شَيْء من الْإِنْسَان إِلَّا عجب الذَّنب» وَهُوَ العصعص، وَهُوَ الْعظم الَّذِي يجد اللامس مَسّه فِي وسط الْوَرِكَيْنِ.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَمَا فَائِدَة إبْقَاء هَذَا الْعظم دون سَائِر الْجَسَد؟ فقد أجَاب ابْن عقيل فَقَالَ: لله سُبْحَانَهُ فِي هَذَا سر لَا نعلمهُ، لِأَن من ينحت الْوُجُود من الْعَدَم لَا يحْتَاج أَن يكون لفعله شَيْء يبْنى عَلَيْهِ، فَإِن علل هَذَا، فَيجوز أَن يكون الْبَارِي سُبْحَانَهُ جعل ذَلِك للْمَلَائكَة عَلامَة على أَنه يحيي كل إِنْسَان بجواهره بِأَعْيَانِهَا، وَلَا يحصل الْعلم للْمَلَائكَة بذلك إِلَّا بإبقاء عظم من كل شخص ليعلم أَنه إِنَّمَا أَرَادَ بذلك إِعَادَة الْأَرْوَاح إِلَى تِلْكَ الْأَعْيَان الَّتِي هَذَا جُزْء مِنْهَا، كَمَا أَنه لما أمات عُزَيْرًا وَحِمَاره، أبقى عِظَام الْحمار وَكَسَاهَا ليعلم أَن هَذَا المنشأ ذَلِك الْحمار لَا غَيره، وَلَوْلَا إبْقَاء شَيْء لجوزت الْمَلَائِكَة أَن تكون الْإِعَادَة للأرواح إِلَى أَمْثَال الأجساد لَا إِلَى أعيانها.
[ ٣ / ٤٥٤ ]
١٩٢٢ - / ٢٣٧١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع بعد الْمِائَتَيْنِ: «أثقل صَلَاة على الْمُنَافِقين صَلَاة الْعشَاء وَصَلَاة الْفجْر» .
إِنَّمَا ثقلت هَاتَانِ الصَّلَاتَان على الْمُنَافِقين لإيثارهم النّوم وكراهتهم التعسف فِي الْخُرُوج وَالْمَشْي فِي الظلمَة.
والحبو: زحف الصَّغِير.
والعرق: الْعظم الَّذِي تقشر عَنهُ مُعظم اللحوم وَبقيت عَلَيْهِ مِنْهُ بَقِيَّة.
والمرماة يُقَال بِفَتْح الْمِيم وَكسرهَا، قَالَ أَبُو عبيد: وَهِي مَا بَين ظلفي الشَّاة. قَالَ أَبُو سُلَيْمَان: وَقَالَ غير أبي عبيد: المرماة: سهم يتَعَلَّم عَلَيْهِ الرَّمْي. وَقَالَ الْحميدِي: هِيَ السهْم الَّذِي يرْمى بِهِ.
وَقد دلّ هَذَا الحَدِيث على وجوب صَلَاة الْجَمَاعَة.
١٩٢٣ - / ٢٣٧٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس بعد الْمِائَتَيْنِ: «لَا يصومن أحدكُم يَوْم الْجُمُعَة إِلَّا أَن يَصُوم قبله أَو بعده» .
إِفْرَاد يَوْم الْجُمُعَة بالصيام مَكْرُوه عِنْد أَحْمد وَالشَّافِعِيّ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: لَا يكره، والْحَدِيث نَص. وَأما تَخْصِيص لَيْلَة
[ ٣ / ٤٥٥ ]
الْجُمُعَة بِالْقيامِ فمكروه؛ لِأَن السهر يُؤثر فِي وظائف يَوْم الْجُمُعَة وَيمْنَع النشاط لَهَا.
١٩٢٤ - / ٢٣٧٣ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس بعد الْمِائَتَيْنِ: «لِأَن يمتلئ جَوف أحدكُم قَيْحا يرِيه خير من أَن يمتلئ شعرًا» .
قد سبق الْكَلَام فِيهِ فِي مُسْند سعد بن أبي وَقاص، إِلَّا أَن حَدِيث سعد فِيهِ: «حَتَّى يرِيه» وَلَيْسَ هَا هُنَا «حَتَّى» فنرى جمَاعَة من المبتدئين ينصبون «يرِيه» هَا هُنَا جَريا على الْعَادة فِي قِرَاءَة الحَدِيث الَّذِي فِيهِ «حَتَّى»، وَلَيْسَ هَا هُنَا مَا ينصب، سمعته من عبد الله بن أَحْمد النَّحْوِيّ.
١٩٢٥ - / ٢٣٧٤ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع بعد الْمِائَتَيْنِ: «الْإِيمَان بضع وَسِتُّونَ شُعْبَة» .
الْبضْع من الشَّيْء: الْقطعَة مِنْهُ، وَيُقَال: هُوَ من الْوَاحِد إِلَى الْعشْرَة، وَقيل: مَا بَين الثَّلَاث إِلَى التسع.
والشعبة: قِطْعَة من الشَّيْء، وَالْمرَاد بِهَذِهِ الْخِصَال أصُول الْخَيْر من الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال. وَالْإِيمَان إِنَّمَا هُوَ تَصْدِيق الْقلب، وَهَذِه الْخِصَال تنبعث عَنهُ فسميت إِيمَانًا. وَقد سبق فِي مُسْند ابْن عمر تَفْسِير قَوْله: «الْحيَاء شُعْبَة من الْإِيمَان» .
[ ٣ / ٤٥٦ ]
١٩٢٦ - / ٢٣٧٥ - والْحَدِيث الثَّامِن بعد الْمِائَتَيْنِ: قد تقدم فِي مُسْند جَابر بن عبد الله.
١٩٢٧ - / ٢٣٧٦ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع بعد الْمِائَتَيْنِ: «السّفر قِطْعَة من الْعَذَاب» .
السّفر مُشْتَقّ من السّفر وَهُوَ الْكَشْف، يُقَال: سفرت الْمَرْأَة عَن وَجههَا، وأسفر الصُّبْح: إِذا أَضَاء، فَسُمي الْخُرُوج إِلَى الْموضع الْبعيد سفرا لِأَنَّهُ يكْشف عَن أَخْلَاق الْمُسَافِر وأحواله.
وَالْعَذَاب: الْأَلَم المستمر. وَالْمُسَافر يتَأَذَّى بِالْمَشْيِ وَالرُّكُوب والسهر وَغير ذَلِك.
والنهمة: الْحَاجة والإرادة من الشَّيْء، وَالْمرَاد بِالْوَجْهِ الْمَقْصد الَّذِي قَصده فِي السّفر.
١٩٢٨ - / ٢٣٧٧ - وَفِي الحَدِيث الْعَاشِر بعد الْمِائَتَيْنِ: «تعوذوا بِاللَّه من جهد الْبلَاء» .
تعوذوا: بِمَعْنى الجأوا إِلَيْهِ ولوذوا بِهِ.
والجهد: الْمَشَقَّة.
والدرك: الْإِدْرَاك.
[ ٣ / ٤٥٧ ]
والشقاء: الْهَلَاك. وَقد يذكر وَيُرَاد بِهِ الْأَسْبَاب الَّتِي تُؤدِّي إِلَى الْهَلَاك، كالنصب وَغَيره.
والشماتة: الْفَرح ببلية الْعَدو.
وَفِي هَذَا الحَدِيث أَن الْكَلَام المسجوع إِذا لم يكن عَن تكلّف لم يكره.
فَإِن قيل: هَل تَنْفَع الإستعاذة مِمَّا قضي؟ فَالْجَوَاب: أَنَّهَا مِمَّا قضي أَيْضا، فقد يقْضى على الْإِنْسَان بلَاء ويسبق فِي الْقَضَاء أَنه يَدْعُو فَيدْفَع عَنهُ، فَيكون فِي الْقَضَاء الدَّافِع والمدفوع. وَفَائِدَة الدُّعَاء التَّعَبُّد بِهِ وَإِظْهَار الْفَاقَة من العَبْد.
١٩٢٩ - / ٢٣٧٨ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي عشر بعد الْمِائَتَيْنِ: «الْعمرَة إِلَى الْعمرَة كَفَّارَة لما بَينهمَا» .
الْعمرَة مَعْرُوفَة، وَأَصلهَا فِي اللُّغَة الزِّيَارَة. وَالْحج: الْقَصْد.
والمبرور: المقبول، وَقَالَ بعض الْعلمَاء: المبرور: الَّذِي لَا يخالطه شَيْء من المآثم، وَكَذَلِكَ البيع المبرور: الَّذِي لَا شُبْهَة فِيهِ وَلَا خِيَانَة، وَقد سبق بَيَان هَذَا.
وَقَوله: «من حج لله» إِشَارَة إِلَى الْإِخْلَاص.
والرفث: الْكَلَام المستقبح. وَالْفِسْق: الْخُرُوج عَن طَاعَة الله ﷿.
وَقَوله: «كَيَوْم وَلدته أمه» أَي رَجَعَ بِغَيْر ذَنْب.
[ ٣ / ٤٥٨ ]
١٩٣٠ - / ٢٣٧٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي عشر بعد الْمِائَتَيْنِ: «بَيْنَمَا رجل يمشي فَإِذا كلب يَلْهَث يَأْكُل الثرى من الْعَطش» .
اللهث: صَوت النَّفس من شدَّة الإعياء.
وَالثَّرَى هَا هُنَا الأَرْض.
ورقي بِكَسْر الْقَاف: أَي صعد.
وَالْبَغي: الْفَاجِرَة.
ويطيف: يَدُور حولهَا.
وأدلع: أخرج لِسَانه من الْعَطش.
والموق: الْخُف، قَالَ ابْن قُتَيْبَة: الموق: الْخُف، فَارسي مُعرب. قَالَ أَبُو سُلَيْمَان: الموق: نوع من الْخفاف مَعْرُوف وَسَاقه إِلَى الْقصر. وقرأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور اللّغَوِيّ قَالَ: الموق فَارسي مُعرب، وَيجمع على الأمواق. وَفِي حَدِيث عمر أَنه لما قدم الشَّام عرضت لَهُ مخاضة فَنزل عَن بعيره وَنزع موقيه. وَقَالَ النمر بن تولب:
(فترى النعاج بِهِ تمشي خلفة مشي العباديين فِي الأمواق)
العباديون: قوم تزهدوا وَقَالُوا: نَحن عباد الله.
[ ٣ / ٤٥٩ ]
١٩٣١ - / ٢٣٨٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث عشر بعد الْمِائَتَيْنِ: «لَو يعلم النَّاس مَا فِي النداء والصف الأول ثمَّ لم يَجدوا إِلَّا أَن يستهموا عَلَيْهِ لاستهموا» .
النداء: الْأَذَان. والاستهام: الْقرعَة. وَإِنَّمَا قيل فِي الإقراع استهام لِأَنَّهَا سِهَام يكْتب عَلَيْهَا الْأَسْمَاء، فَمن وَقع لَهُ مِنْهَا سهم حَاز الْحَظ الموسوم.
والتهجير: التبكير بِصَلَاة الظّهْر. والهاجرة: نصف النَّهَار.
وَالشُّهَدَاء جمع شَهِيد. وَفِي تَسْمِيَة الشَّهِيد شَهِيدا سَبْعَة أَقْوَال قد ذَكرنَاهَا فِي مُسْند عمر بن الْخطاب.
وَأما المطعون فَهُوَ صَاحب الطَّاعُون، وَهُوَ مرض مَعْرُوف.
والمبطون: صَاحب الْبَطن، وَهُوَ ذُو الإسهال.
وَالْهدم بِفَتْح الدَّال: هُوَ اسْم مَا يَقع، قَالَه لنا ابْن الخشاب.
وَأما بتسكينها فَهُوَ الْفِعْل. وَالَّذِي يَقع هُوَ الَّذِي يقتل، وَيجوز أَن ينْسب الْقَتْل إِلَى الْفِعْل، إِلَّا أَن الأول أظهر.
وَقَوله: «خير صُفُوف الرِّجَال أَولهَا» لأَنهم قد أمروا بالتقدم، فَخَيرهمْ من بَادر الْفَضِيلَة، على عكس حَال النِّسَاء فَإِنَّهُنَّ قد أمرن بالتأخر خوف الإفتتان بِهن.
[ ٣ / ٤٦٠ ]
١٩٣٢ - / ٢٣٨٣ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس عشر بعد الْمِائَتَيْنِ: «ذهب أهل الدُّثُور بِالْأُجُورِ» وَقد سبق فِي مُسْند أبي ذَر.
١٩٣٣ - / ٢٣٨٤ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع عشر بعد الْمِائَتَيْنِ «لَا أجد حمولة» .
الحمولة: مَا يحمل الزَّاد وَالْمَتَاع من الْإِبِل.
وَقَوله: «انتدب الله» أَي أَجَابَهُ إِلَى غفرانه، يُقَال: ندبته للْجِهَاد فَانْتدبَ، أَي أجَاب.
وَقَوله: «قتلت ثمَّ أَحييت» دَلِيل على فضل الشَّهَادَة، وحث على مبادرة الْفَضَائِل وَحمل المشاق فِي تكلفها نظرا إِلَى مآلها.
١٩٣٤ - / ٢٣٨٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن عشر بعد الْمِائَتَيْنِ: فِي ذكر الْخَيل: «رجل ربطها فَأطَال لَهَا فِي مرج أَو رَوْضَة» .
قَوْله: «أَطَالَ لَهَا» أَي أرْخى لَهَا الْحَبل. والطول: الْحَبل الَّذِي يشد بِهِ الدَّابَّة، قَالَ طرفَة:
(لعمرك إِن الْمَوْت مَا أَخطَأ الْفَتى لكالطول المرخى وثنياه بِالْيَدِ)
والطيل لُغَة فِي الطول.
والمرج: أَرض ذَات نَبَات تمرج فِيهَا الدَّوَابّ: أَي ترسل للرعي.
وَالرَّوْضَة: الْمَكَان المخضر.
[ ٣ / ٤٦١ ]
والإستنان: الْعَدو، وَقد شرحناه فِي مُسْند جَابر بن عبد الله.
والشرق: الْموضع الْمشرق: ومشارق الأَرْض: أعاليها.
والتغني: الإستغناء.
وَقَوله: «ثمَّ لم ينس حق الله فِي رقابها وظهورها» عِنْد أبي حنيفَة أَن الزَّكَاة وَاجِبَة فِي الْخَيل، وَعِنْدنَا لَا تجب، وَلنَا فِي هَذَا الحَدِيث وَجْهَان: أَحدهمَا: أَن يدعى نسخه بِمَا قد سبق قبل أوراق من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: «لَيْسَ على الْمُسلم صَدَقَة فِي فرسه وَعَبده» وَبِقَوْلِهِ ﵇: «عَفَوْت لكم عَن صَدَقَة الْخَيل وَالرَّقِيق» وَفِي حَدِيث آخر: «لَيْسَ فِي الْجَبْهَة وَلَا النخة صَدَقَة» .
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الْجَبْهَة: الْخَيل. والنخة الرَّقِيق. وَالثَّانِي: أَن يكون الْحق بِمَعْنى الْمَعْرُوف، كَمَا سبق فِي حَدِيث جَابر أَنه سُئِلَ عَن حق الْإِبِل فَقَالَ: حلبها على المَاء، ومنيحتها وإعارة دلوها. وَمَعْلُوم أَنه لم يجب فِيهَا سوى الزَّكَاة، وَأَن الْحَلب على المَاء والمنحة مَنْدُوب إِلَيْهِمَا.
[ ٣ / ٤٦٢ ]
وَأما قَوْله: «فخرا ورياء» أَي يفاخر بهَا ويري النَّاس كَثْرَة مَاله.
وَقيل: بل يُرِيهم أَنه يُرِيد الْجِهَاد ويضمر غير ذَلِك.
وَقَوله: «ونواء لأهل الْإِسْلَام» أَي معاداة لَهُم، يُقَال: ناوأت الرجل نواء ومناوأة: إِذا عاديته، وَأَصله من ناء إِلَيْك ونؤت إِلَيْهِ: أَي نهضت إِلَيْهِ نهوض المغالبة.
والأشر: التكبر والمرح وَالْعجب. والبطر: الطغيان فِي النِّعْمَة.
وَقَالَ الزّجاج: البطر. أَن يطغى فيتكبر عِنْد الْحق فَلَا يقبله.
يَعْنِي المفردة الَّتِي جمعت على انفرادها حكم الْحَسَنَات والسيئات، وَهِي وَقَوله: «هَذِه الْآيَة الجامعة الفاذة» يَعْنِي المفردة الَّتِي جمعت على انفرادها حكم الْحَسَنَات والسيئات، وَهِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمن يعْمل مِثْقَال ذرة خيرا يره﴾ [الزلزلة: ٧] ومثقال الشَّيْء: زنته. والذرة: أَصْغَر النَّمْل.
والصفائح وَاحِدهَا صفيحة. وَالْإِشَارَة بذلك إِلَى اتساع صفائحها وانبساط أقطارها. فأحمي عَلَيْهَا: أَي أوقد عَلَيْهَا حَتَّى تحمى.
والجبين: مَا عَن يَمِين الْجَبْهَة وشمالها، وهما جبينان. والجبهة: مَوضِع السُّجُود.
وَقَوله: «وَمن حَقّهَا حلبها يَوْم وردهَا» قد ذكرنَا هَذَا فِي مُسْند جَابر، وَبينا أَنه إِنَّمَا يكون قد كَانَ وَاجِبا قبل الزَّكَاة أَو أَن يشار بِالْحَقِّ إِلَى فعل الْمَعْرُوف، وفسرنا هُنَاكَ القاع والقرقر والأخفاف.
والشجاع: الْحَيَّة. والأقرع: الَّذِي لِكَثْرَة مَا فِي رَأسه من السم كَأَنَّهُ قد قرع.
[ ٣ / ٤٦٣ ]
والعقصاء: الملتوية القرنين. والجلحاء: هِيَ الْجَمَّاء الَّتِي لَا قرن لَهَا، والعضباء: الْمَكْسُورَة الْقرن. والعضب فِي الْأذن: قطعهَا.
والأظلاف قد ذَكرنَاهَا فِي مُسْند أبي ذَر.
واليعار: صَوت الشَّاء. والرغاء: صَوت الْبَعِير.
وَقَوله: «لَهُ زَبِيبَتَانِ» قَالَ أَبُو عبيد: هما النكتتان السوداوان فَوق عَيْنَيْهِ، وَهُوَ أوحش مَا يكون من الْحَيَّات وأخبثه. قَالَ: وَيُقَال فِي الزبيبتين إنَّهُمَا الزبدتان اللَّتَان تَكُونَانِ فِي الشدقين إِذا غضب الْإِنْسَان أَو أَكثر الْكَلَام حَتَّى يُزْبِد، قَالَت أم غيلَان بنت جرير الخطفي: رُبمَا أنشدت أبي حَتَّى يتزبب شدقاي. قَالَ الراجز:
(إِنِّي إِذا مَا زبب الأشداق وَكثر الضجاج واللقلاق)
(ثَبت الْجنان مرجم وداق )
اللقلاق: الصَّوْت. والمرجم: الَّذِي يرْجم الْكَلَام.
وَقَوله: «بِلِهْزِمَتَيْهِ» يَعْنِي شدقيه. واللهزمتان: الشدقان.
وَقَوله: «الْخَيل مَعْقُود فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر» قد سبق فِي مُسْند عُرْوَة الْبَارِقي.
١٩٣٥ - / ٢٣٨٦ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع عشر بعد الْمِائَتَيْنِ: «تسموا
[ ٣ / ٤٦٤ ]
باسمي» قد سبق فِي مُسْند جَابر، وَبينا حكمه.
وَقَوله: «من رَآنِي فِي الْمَنَام» قد سبق فِي مُسْند أبي قَتَادَة.
وَقَوله: «من كذب عَليّ» قد تقدم فِي مُسْند عَليّ.
١٩٣٦ - / ٢٣٨٧ - وَفِي الحَدِيث الْعشْرين بعد الْمِائَتَيْنِ: قَالَ رَسُول الله ﷺ لِبلَال: «سَمِعت اللَّيْلَة خشف نعليك» وَفِي رِوَايَة: «دف نعليك فِي الْجنَّة» .
الخشف: الْحَرَكَة وَالصَّوْت الَّذِي لَيْسَ بِالْقَوِيّ. والدف: الْحَرَكَة الْخَفِيفَة أَيْضا.
وَقد حث هَذَا الحَدِيث على إتباع الْوضُوء بِالصَّلَاةِ لِئَلَّا يبْقى الْوضُوء خَالِيا عَن مَقْصُوده.
١٩٣٧ - / ٢٣٨٨ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْعِشْرين بعد الْمِائَتَيْنِ: كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي دَعْوَة، فَرفع إِلَيْهِ الذِّرَاع وَكَانَت تعجبه، فنهس مِنْهَا نهسة.
قَالَ ابْن فَارس: الدعْوَة إِلَى الطَّعَام بِالْفَتْح. والدعوة فِي النّسَب بِالْكَسْرِ. وَحكي عَن أبي عُبَيْدَة أَنه قَالَ: هَذَا أَكثر كَلَام الْعَرَب إِلَّا
[ ٣ / ٤٦٥ ]
عدي الربَاب، فَإِنَّهُم ينصبون الدَّال فِي النّسَب ويكسرونها فِي الطَّعَام.
وَأما الذِّرَاع فَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: هِيَ مُؤَنّثَة، وَجَمعهَا أَذْرع لَا غير.
وَقَالَ ابْن قتبية: الذِّرَاع تذكر وتؤنث، وَمثلهَا الموس والسكين والسبيل وَالطَّرِيق والسوق والدلو وَاللِّسَان، من ذكره قَالَ أَلْسِنَة، وَمن أنثه قَالَ: ألسن، والعنق والعاتق والمتن وَالسِّلَاح والكراع والصاع وَالْحَال والفهر وَالْخمر وَالْعَسَل وَالسُّلْطَان وَالسّلم - وَهُوَ الصُّلْح - والقليب.
وَمِمَّا يكون للذكور وَالْإِنَاث وَفِيه عَلامَة التَّأْنِيث: السخلة تكون للذّكر وَالْأُنْثَى، والبهمة كَذَلِك، والرشأ: ولد الغزال، والعسبارة: ولد الضبع من الذِّئْب، والحية وَالشَّاة، وبطة وحمامة ونعامة، لَا تَقول هَذِه نعَامَة ذكر حَتَّى تَقول: ظليم. وكل هَذِه تجمع بطرح الْهَاء إِلَّا حَيَّة فَإِنَّهُ لَا يُقَال فِي جمعهَا حَيّ. وَمن الْأَسْمَاء المؤنثة الَّتِي لَا أَعْلَام فِيهَا للتأنيث: السَّمَاء وَالشَّمْس والنعل والعصى والرحى وَالدَّار وَالضُّحَى وَدرع الْحَدِيد، وَأما درع الْمَرْأَة وَهُوَ قميصها فمذكر.
والنهس: أَخذ مَا على الْعظم بأطراف الْأَسْنَان.
وَقَوله: «أَنا سيد ولد آدم» أَي: أَنا الْمُقدم عَلَيْهِم. إِن قيل: كَيفَ الْجمع بَين هَذَا وَبَين «لَا تفضلُونِي على يُونُس»؟
فَالْجَوَاب من ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: أَن يكون نَهْيه عَن تفضيله قبل
[ ٣ / ٤٦٦ ]
إِعْلَامه بِأَنَّهُ سيد ولد آدم. وَالثَّانِي: أَن يكون علم، غير أَنه نهى عَن تفضيله على يُونُس لثَلَاثَة أَشْيَاء: أَحدهَا: أَن فِي تَفْضِيل شخص على شخص نوع نقص للْآخر، وَالْمعْنَى: قُولُوا مَا قيل لكم وَلَا تخَيرُوا برأيكم، وَلَيْسَ المُرَاد أَن لَا تعتقدوا تَفْضِيل قوم على قوم، فقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الرُّسُل فضلنَا بَعضهم على بعض﴾ [الْبَقَرَة: ٢٥٣] وَالثَّانِي: أَن يفضل عَلَيْهِ فِي صبره ومعاناة قومه، فَإِن نَبينَا ﵊ لم يفضل الْأَنْبِيَاء بمعاناة قومه بل بموهبة الله ﷿ لَهُ الْفضل.
وَالثَّالِث: أَن يكون دلّ النَّاس على التَّوَاضُع، لِأَنَّهُ إِذا تواضع هُوَ مَعَ شرفه فَغَيره أولى بذلك.
وَالْوَجْه الثَّالِث من الْجَواب: أَن السِّيَادَة التَّقَدُّم، فَأَشَارَ بتقدمه فِي الْقِيَامَة فِي الشَّفَاعَة على الْخلق وَلم يتَعَرَّض بِذكر فضل.
وَأما الصَّعِيد فالأرض المستوية.
وَأما قَول إِبْرَاهِيم: إِنِّي كذب، فَقَالَ أَبُو بكر بن الْأَنْبَارِي: مَعْنَاهُ قلت قولا يشبه الْكَذِب فِي ظَاهر القَوْل وَهُوَ صدق عِنْد الْبَحْث والتفتيش. وسنوضح هَذَا بعد سَبْعَة وَعشْرين حَدِيثا.
والمصراع: أحد شقي الْبَاب. والصرعان فِي اللُّغَة: المثلان، يُقَال: هَذَا صرع هَذَا: أَي مثله، وَيُشبه أَن يكون اشتقاق المصراعين من هَذَا.
وأعضاد كل شَيْء: مَا يشد حوله.
[ ٣ / ٤٦٧ ]
وَأما مَكَّة فَقَالَ ابْن فَارس: قَالَ قوم: سميت مَكَّة لِأَنَّهَا مثابة يؤمها النَّاس من كل فج، وَكَأَنَّهَا هِيَ الَّتِي تجذبهم إِلَيْهَا، من قَول الْعَرَب: امتك الفصيل مَا فِي ضرع النَّاقة: إِذا استقصى. وَقَالَ آخَرُونَ: سميت مَكَّة من قَوْلك: مككت الرجل: إِذا رددت نخوته، قَالَ الشَّاعِر:
(يَا مَكَّة الْفَاجِر مكي مكا وَلَا تمكي مذحجا وعكا)
قَالَ: وَيُقَال: سميت مَكَّة لجهد أَهلهَا.
وَأما مَا بَينهَا وَبَين هجر فمسافة بعيدَة تقطع فِي نَحْو عشْرين يَوْمًا.
وتزلف: تقرب.
وَقَوله: «وَترسل الْأَمَانَة وَالرحم فتقومان جنبتي الصِّرَاط» المُرَاد: أَنه من أدّى الْأَمَانَة وَوصل الرَّحِم نجا، وَمن لم يفعل لم يسلم.
والمكردس: الَّذِي جمعت يَدَاهُ وَرجلَاهُ فِي وُقُوعه.
والخريف يُرَاد بِهِ هَا هُنَا السّنة.
١٩٣٨ - / ٢٣٨٩ - والْحَدِيث الثَّانِي وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: قد تقدم فِي مُسْند عمر.
١٩٣٩ - / ٢٣٩٠ - وَسبق الحَدِيث الثَّالِث وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ:
[ ٣ / ٤٦٨ ]
فِي مُسْند طَلْحَة.
١٩٤٠ - / ٢٣٩١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْعِشْرين بعد الْمِائَتَيْنِ: قَامَ فِينَا رَسُول الله ﷺ فَذكر الْغلُول.
الْغلُول: أَخذ الشَّيْء من الْمغنم فِي سر قبل أَن يقسم.
وَقَوله: «لَا أَلفَيْنِ» أَي: لَا أجدن، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿ألفينا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [الْبَقَرَة: ١٧٠] .
والرغاء: صَوت الْبَعِير. والثغاء: صَوت الشَّاة. أخبرنَا مُحَمَّد ابْن أبي مَنْصُور قَالَ: أخبرنَا ثَابت بن بنْدَار قَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد بن رزمة قَالَ: أخبرنَا أَبُو سعيد السيرافي قَالَ: حَدثنِي ابْن أبي الْأَزْهَر النَّحْوِيّ قَالَ: قَالَ لنا الزبير بن بكار: سَمِعت الْعَرَب تَقول فِي مثل صَوت الْإِنْسَان من ذِي الْحَافِر صَهل الْفرس يصهل صهيلا، وحمحم حَمْحَمَة، وشهق الْحمار، ونهق ينهق نهيقا، وشحج الْبَغْل يشحج ويشحج شحيجا وشحاجا، ورغا الْبَعِير يرغو رُغَاء، وجرجر وهدر وقبقب، وثغت الشَّاة تغثو ثُغَاء، ويعرت تَيْعر يعارا، وثأجت النعجة تثأج، وبغم الظبي يبغم بغاما، ونزب ينزب، وزأر الْأسد يزأر زئيرا، ونأم نئيما، ونهت ونأت، ووعوع الذِّئْب وعوعة، ونهم الْفِيل ينهم نهما، ورقح القرد يرقح رقحا، وضبح الثَّعْلَب يضبح ضباحا، وعوى الْكَلْب يعوي عواء، ونبح أَيْضا، ومأت السنور تموء، وصأت
[ ٣ / ٤٦٩ ]
الْفَأْرَة تصئوا صئيا. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَيُقَال فِي الْحمار يسحل ويسحل، والجمل يرغو ويهدر، والناقة تئط وتحن، واليعار للمعز، والثؤاج للضأن، والتيس ينب ويهب: إِذا أَرَادَ السفاد، وَالذِّئْب يعوي ويتضور: إِذا جَاع، والأفعى تفح بفيها، وتكش بجلدها، قَالَ الشَّاعِر:
(كشيش أَفْعَى أَجمعت لعض فَهِيَ تحك بَعْضهَا بِبَعْض)
والحية تنضنض، وَيُقَال: النضنضة: تحريكها لسانها. وَابْن آوى يعوي. والغراب ينغق بالغين مُعْجمَة، وينعب، والديك يزقو ويسقع، والدجاجة تنق وتنقض: إِذا أَرَادَت الْبيض، والنسر يصفر، وَالْحمام يهدر ويهدل، والمكاء يزقو ويغرد، والقرد يضْحك، والنعام يعار عرارا، يُقَال ذَلِك فِي الظليم، وَالْأُنْثَى تزمر زمارا، وَالْخِنْزِير يقبع، والأرنب تضغب، وَالْعَقْرَب تنق وتصأى، وَيُقَال: صأى الفرخ وَالْخِنْزِير والفيل والفأرة واليربوع يصأى صئيا وصئيا، والضفادع تنقض وتنق، وَكَذَلِكَ الفراريج، وَالْجِنّ تعزف. والشخير من الْفَم، والنخير من المنخرين، والكرير من الصَّدْر، والخرير صَوت المَاء، والغرغرة صَوت الْقدر، والوسواس صَوت الْحلِيّ، والجرس
[ ٣ / ٤٧٠ ]
والجرس صَوت حَرَكَة الْإِنْسَان، والركز الصَّوْت الْخَفي، وَكَذَلِكَ الهمس. وَيُقَال: هجهجت بالسبع: إِذا صحت بِهِ، وَلَا يُقَال ذَلِك لغير السَّبع. وشايعت بِالْإِبِلِ، ونعقت بالغنم، ودجدجت بالدجاجة، وسأسأت بالحمار، وجأجأت بِالْإِبِلِ: دعوتها للشُّرْب، وهأهأت بهَا للعلف. وأشليت الْكَلْب: دَعوته.
وَقَوله: «نفس لَهَا صياح» وَهِي الَّتِي تغل من الْمغنم.
وَقَوله: «رقاع تخفق» وَهُوَ مَا يغل من الثِّيَاب. وَقَالَ أَبُو عبد الله الْحميدِي: المُرَاد بالرقاع مَا عَلَيْهِم من الْحُقُوق الْمَكْتُوبَة فِي الرّقاع.
قلت: وَفِي هَذَا بعد، لِأَن الحَدِيث سيق لذكر الْغلُول.
وَأما الصَّامِت فَهُوَ الذَّهَب وَالْفِضَّة.
١٩٤١ - / ٢٣٩٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْعِشْرين بعد الْمِائَتَيْنِ: «هَلَاك أمتِي على يَد أغيلمة من قُرَيْش» .
الأغيامة جمع غُلَام. وَقد بَينا معنى الْغُلَام فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
وَقَوله: «لَو أَن النَّاس اعتزلوهم» قد أَمر أَحْمد بن حَنْبَل بترك هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ الْخلال: قَالَ عبد الله: قَالَ أبي فِي مَرضه: اضْرِب
[ ٣ / ٤٧١ ]
على هَذَا الحَدِيث، فَإِنَّهُ خلاف الْأَحَادِيث. قَالَ الْخلال: وَحدثنَا الْمَرْوذِيّ قَالَ: بَلغنِي أَن أَبَا عبد الله قَالَ فِي مَرضه: اضربوا من حَدِيثي على حَدِيث أبي هُرَيْرَة: «لَو أَن النَّاس اعتزلوهم» . قَالَ الْمَرْوذِيّ: كنت أسمعهُ يَقُول: هُوَ حَدِيث رَدِيء يحْتَج بِهِ فِي ترك الْجُمُعَة. قَالَ الْخلال: وَكَذَلِكَ قَالَ أَحْمد فِي حَدِيث ثَوْبَان عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: «اسْتَقِيمُوا لقريش مَا استقاموا لكم، فَإِن لم يستقيموا لكم فاحملوا سُيُوفكُمْ على أَعْنَاقكُم فأبيدوا خضراءهم» قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: الْأَحَادِيث خلاف هَذَا، قَالَ ﵇: «اسْمَع وأطع» قلت: فَهَذَا دَلِيل على أَن حَدِيث أبي هُرَيْرَة لم يثبت عِنْد أَحْمد وَإِن كَانَ قد أخرج فِي «الصَّحِيحَيْنِ»، فَيحمل على أَنه وهم من الروَاة. وَيحْتَمل أَن يكون معنى قَوْله: «لَو أَن النَّاس اعتزلوهم» أَي تركُوا الْإِنْكَار عَلَيْهِم ظَاهرا وصبروا على أفعالهم لِئَلَّا تقع فتْنَة، فَهَذَا تَأْوِيل حسن.
١٩٤٢ - / ٢٣٩٣ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْعِشْرين بعد الْمِائَتَيْنِ: «أول زمرة يدْخلُونَ الْجنَّة على صُورَة الْقَمَر» .
الزمرة: الْجَمَاعَة. وَالْإِشَارَة إِلَى نور الْقَمَر لَا إِلَى صورته،
[ ٣ / ٤٧٢ ]
ويوضح هَذَا مَا بعده. وَقد ذكرنَا معنى لَيْلَة الْبَدْر فِي مُسْند سهل بن سعد.
وَقَوله: «لَا يَتَغَوَّطُونَ» أَي لَا يأْتونَ الْغَائِط: وَهُوَ الْمَكَان المطمئن من الأَرْض لقَضَاء الْحَاجة.
وَقَوله: «لَا يَتْفلُونَ» أَي لَا يبصقون. وَقد سبق أَن التفل لَا يكون إِلَّا وَمَعَهُ شَيْء من الرِّيق.
وَقَوله: «مجامرهم الألوة» قَالَ أَبُو عبيد: الألوة: الْعود الَّذِي يتبخر بِهِ، فارسية معربة، وَفِيه لُغَتَانِ: ألوة وألوة.
فَأَما الألنجوج فَقَالَ ابْن السّكيت: اليلنجوج: الْعود، وَيُقَال ألنجوج وألنجج وأنجوج.
وَأما الْحور فَقَالَ مُجَاهِد: هن النقيات الْبيَاض. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الْحور: الشَّدِيدَة بَيَاض الْعين، الشَّدِيدَة سَواد سوادها. قَالَ الزّجاج: وَالْعين: كبار الْعُيُون حسانها، واحدتهن عيناء.
وَقَوله: «على خلق رجل» أَرَادَ بِهِ الطول فِي الْبدن.
[ ٣ / ٤٧٣ ]
١٩٤٣ - / ٢٣٩٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْعِشْرين بعد الْمِائَتَيْنِ: «انتدب الله لمن خرج فِي سَبيله» .
قد تقدم آنِفا معنى انتدب، وَأَنه بِمَعْنى أجَاب وَضمن. وَقد جَاءَ بِأَلْفَاظ مِنْهَا: تكفل، وتوكل، وتضمن.
وَقَوله: «فَهُوَ عَليّ ضَامِن» أَي مَضْمُون.
١٩٤٤ - / ٢٣٩٦ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْعِشْرين بعد الْمِائَتَيْنِ: «مَا من مكلوم يكلم فِي سَبِيل الله» .
الكلوم وَالْكَلَام: الْجِرَاحَات، وَاحِدهَا كلم.
وَقَوله: «فِي سَبِيل الله» إِشَارَة إِلَى الْإِخْلَاص وَصِحَّة الْقَصْد، وَإِنَّمَا تَأتي الْجِرَاحَات على حَالهَا ليبين بهَا فضل الشَّهِيد وفخره، فليجتهد الْمُجَاهِد أَن تكون الكلوم فِيمَا أقبل مِنْهُ لَا فِيمَا أدبر، لِأَنَّهَا إِذا كَانَت فِيمَا أدبر مِنْهُ دلّت على الْهَزِيمَة، فَهُوَ يفتخر بِتِلْكَ ويستحيي من هَذِه، كَمَا قَالَ الْقَائِل:
(ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا وَلَكِن على أقدامنا تقطر الدما)
١٩٤٥ - / ٢٣٩٨ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ: أَي الصَّدَقَة أعظم أجرا؟ قَالَ: «أَن تصدق وَأَنت صَحِيح شحيح» .
[ ٣ / ٤٧٤ ]
اعْلَم أَن الْمُتَصَدّق مخرج لمحبوبه عَن يَده، وَهَذَا المحبوب معد للإنفاق فِي الْأَغْرَاض، ومعظم الْأَغْرَاض تكون فِي الصِّحَّة، فَإِذا كَانَ أخرجه فِي الْمَرَض فقد بَدَت أَمَارَات الإستغناء عَن المَال فَلَا يلْحق بِدَرَجَة الْمُعْطِي فِي الصِّحَّة. أخبرنَا مُحَمَّد بن عمر الأرموي قَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن عَليّ الْمهْدي قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن أَحْمد بن الصَّباح قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن معن قَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حَيَّان قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن كثير قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان عَن أبي إِسْحَاق عَن أبي حَبِيبَة الطَّائِي عَن أبي الدَّرْدَاء قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ: «مثل الَّذِي يعْتق عِنْد الْمَوْت كَمثل الَّذِي يهدي إِذا شبع» .
١٩٤٦ - / ٢٣٩٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ: «اللَّهُمَّ اغْفِر للمحلقين» فَقَالُوا: وللمقصرين. فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِر للمحلقين» حَتَّى أَعَادَهَا ثَلَاثًا، ثمَّ قَالَ: (وللمقصرين» .
وَهَذَا لِأَنَّهُ حلق رَأسه ﷺ فكرر الدُّعَاء لمن وَافقه فِي فعله وَقصر بِمن قصر، وَقد ذكرنَا فِي مُسْند ابْن عمر سَبَب توقفهم عَن الحلاق.
١٩٤٧ - / ٢٤٠١ - والْحَدِيث الرَّابِع وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: قد تقدم فِي مُسْند عبد الله بن أبي أوفى.
[ ٣ / ٤٧٥ ]
١٩٤٨ - / ٢٤٠٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ: «لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى تطلع الشَّمْس من مغْرِبهَا» .
طُلُوع الشَّمْس من مغْرِبهَا آيَة تعم الْكل، وتدل على الصَّانِع المقلب للأشياء، وَقد سبق الْوَعْد بذلك فِي الْقُرْآن، فَإِذا اضطرهم ذَلِك إِلَى التَّصْدِيق لم يقبل إِيمَان من يُؤمن حِينَئِذٍ، وَلَقَد زعم الْمُلْحِدُونَ وَأهل النُّجُوم أَن ذَلِك لَا يكون، فيبين كذبهمْ، وَيظْهر الْقُدْرَة على مَا طلبه الْخَلِيل من نمْرُود بقوله: ﴿فأت بهَا من الْمغرب﴾ [الْبَقَرَة: ٢٥٨] والدجال قد سبقت الْأَخْبَار عَنهُ. وَالدُّخَان مَذْكُور فِي مُسْند ابْن مَسْعُود. وَالدَّابَّة هِيَ الْمَذْكُورَة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا وَقع القَوْل عَلَيْهِم أخرجنَا لَهُم دَابَّة من الأَرْض تكلمهم﴾ [النَّمْل: ٨٢] وَهِي دَابَّة تخرج فِي آخر الزَّمَان تكلم الْإِنْس وتنكت فِي وَجه الْكَافِر نُكْتَة سَوْدَاء فيسود وَجهه، وتنكت فِي وَجه الْمُؤمن نُكْتَة بَيْضَاء فيبيض وَجهه، فَيعرف الْمُؤمن من الْكَافِر. وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي صفتهَا وَمَكَان خُرُوجهَا على مَا ذَكرْنَاهُ فِي «التَّفْسِير»، وَإِنَّمَا تخرج هَذِه الدَّابَّة لعقوبة الْكفَّار وفضيحتهم؛ فَإِنَّهُم رَأَوْا من الْآيَات مَا يشفي وَيَكْفِي فَلم ينتفعوا بِمَا رَأَوْا، فَخَرجُوا بالأغراض عَن فهم الدَّلِيل عَن حيّز الْآدَمِيَّة إِلَى حيّز الْحَيَوَان البهيم، فأخرجت لعقوبتهم دَابَّة.
[ ٣ / ٤٧٦ ]
وَقَوله: «أَو خَاصَّة أحدكُم» أَي مَا يَخُصُّهُ من الْمَوْت الَّذِي يمنعهُ من الْعَمَل. «أَو أَمر الْعَامَّة» يَعْنِي الْقِيَامَة، لِأَنَّهَا تعم النَّاس جَمِيعًا بِالْمَوْتِ، يَقُول: فبادروا الْمَوْت وَالْقِيَامَة بِالْأَعْمَالِ.
١٩٤٩ - / ٢٤٠٤ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ: «سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ» .
الْوَاو عاطفة لكَلَام مُقَدّر تَقْدِيره: وَبِحَمْدِهِ سبحته.
١٩٥٠ - / ٢٤٠٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ: «اللَّهُمَّ اجْعَل رزق آل مُحَمَّد قوتا» .
الْقُوت: مَا مَا يمسك الرمق. يُقَال: مَا عِنْده قوت لَيْلَة وقيت لَيْلَة، فَكَأَنَّهُ طلب مِقْدَار الْكِفَايَة من الرزق؛ لِأَن فضول الدُّنْيَا تشغل الْقلب وَتخرج إِلَى حب الدُّنْيَا.
١٩٥١ - / ٢٤٠٧ - وَفِي الحَدِيث الْأَرْبَعين بعد الْمِائَتَيْنِ: «اسْتَوْصُوا بِالنسَاء» .
يحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أوصوهن، وَقد جَاءَ استفعل بِمَعْنى أفعل، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فليستجيبوا لي﴾ [الْبَقَرَة: ١٨٦] وَقَوله: ﴿ويستجيب الَّذين آمنُوا﴾ [الشورى: ٢٦] وَكَذَلِكَ قَول الشَّاعِر:
( فَلم يستجبه عِنْد ذَاك مُجيب)
وَالثَّانِي: أَن يكون استفعل على أَصله وَهُوَ طلب الْفِعْل، فَيكون
[ ٣ / ٤٧٧ ]
مَعْنَاهُ: اطْلُبُوا الْوَصِيَّة. وَإِنَّمَا خص النِّسَاء بِالذكر لضعفهن واحتياجهن إِلَى من يقوم بأمورهن.
وَقَوله: «فَإِن الْمَرْأَة خلقت من ضلع» فروى السّديّ عَن أشياخه: أَن آدم نَام نومَة فِي الْجنَّة فَاسْتَيْقَظَ فَإِذا عِنْد رَأسه امْرَأَة قَاعِدَة خلقهَا الله تَعَالَى من ضلعه، فَسَأَلَهَا: من أَنْت؟ قَالَت: امْرَأَة. قَالَ: وَلم خلقت. قَالَت: تسكن إِلَيّ. وَقَالَ عبد الله بن عمر: خلقت حَوَّاء من ضلع آدم الْأَيْسَر.
وَقَوله: «وفيهَا عوج» قَالَ ثَعْلَب: العوج عِنْد الْعَرَب بِكَسْر الْعين فِي كل مَا لَا يحاط بِهِ. والعوج بِفَتْح الْعين فِي كل مَا يتَحَصَّل، فَيُقَال: فِي الأَرْض عوج وَفِي الدّين عوج؛ لِأَن هذَيْن يتسعان وَلَا يدركان.
وَفِي الْعَصَا عوج وَفِي السن عوج؛ لِأَنَّهُمَا يحاط بهما ويبلغ كنههما.
١٩٥٢ - / ٢٤٠٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ: «لقد عجب الله من صنيعكما» .
قَالَ ابْن عقيل: الْعجب فِي الأَصْل استغراب الشَّيْء، والإستغراب حَقِيقَة علم مَا لم يعلم، وَإِلَّا فَكل شَيْء أنس بِهِ لَا يتَصَوَّر الْعجب مِنْهُ، كَمَا لَو رأى إِنْسَان حجر المغناطيس يجذب الْحَدِيد وَلم يكن رَآهُ قبلهَا فَإِنَّهُ يعجب، أَو رأى النعام تزدرد الْجَمْر. وَإِذا كَانَ البارئ سُبْحَانَهُ لَا يعزب عَن علمه شَيْء، وَلَا يصدر شَيْء إِلَّا عَن فعله وخلقه، فَأَيْنَ
[ ٣ / ٤٧٨ ]
الْعجب مِنْهُ؟ فَلم يبْق للْحَدِيث معنى إِلَّا أَن يكون فعل فِي حق هَذَا من الثَّوَاب وَالْجَزَاء فعل من أعجبه فعله. وَكَذَلِكَ قَوْله: «ضحك الله» لِأَن الضحك لَا يصدر إِلَّا عَن رَاض غير ساخط، فَيكون الْمَعْنى: يصدر عَنهُ فعل الراضي الضاحك وإثابته.
١٩٥٣ - / ٢٤١٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ: مَا عَابَ رَسُول الله ﷺ طَعَاما قطّ.
اعْلَم أَنه قد يكره الْإِنْسَان شَيْئا وَلَا يكرههُ غَيره، فَإِذا عابه نفر عَنهُ من لم يكرههُ، فَيتْرك فيضيع.
١٩٥٤ - / ٢٤١٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ: إِن رَسُول الله ﷺ انْصَرف من اثْنَتَيْنِ وَخرج سرعَان النَّاس.
السِّين وَالرَّاء مفتوحتان، وَهَكَذَا ضبطناه عَن أشياخنا فِي كتاب ابْن قُتَيْبَة وَغَيره. وَقَالَهُ أَبُو عمر الزَّاهِد بتسكين الرَّاء. قَالَ الْخطابِيّ: الصَّوَاب فتحهما. فَأَما قَوْلهم: سرعَان مَا فعلت، فَفِيهِ ثَلَاث لُغَات: سرعَان وسرعان وسرعان، وَالرَّاء فِيهِ سَاكِنة وَالنُّون نصب أبدا.
وَهَذَا الحَدِيث يدل على أَن من تكلم فِي الصَّلَاة نَاسِيا أَو جَاهِلا بِتَحْرِيم الْكَلَام لم تبطل صلَاته، وَقد ذكرنَا هَذَا وَبينا الْخلاف فِيهِ فِي مُسْند عمرَان بن حُصَيْن. وَقد اعْترض الْخصم علينا بسؤالين:
[ ٣ / ٤٧٩ ]
أَحدهمَا: الطعْن، وَذَلِكَ من جِهَتَيْنِ: إِحْدَاهمَا: أَن رَاوِيه أَبُو هُرَيْرَة، وَإِنَّمَا أسلم فِي سنة سبع، قَالُوا: وَذُو الْيَدَيْنِ قتل ببدر، فَكيف يَحْكِي أَبُو هُرَيْرَة حَالَة مَا شَاهدهَا؟ قَالُوا: وَكَذَلِكَ عمرَان بن حُصَيْن هجرته مُتَأَخِّرَة.
وَالثَّانِي: أَن أَلْفَاظه تخْتَلف، وَذَلِكَ يدل على وهاه. فَتَارَة يرْوى: فَسلم من رَكْعَتَيْنِ، وَتارَة: من ثَلَاث.
وَالسُّؤَال الثَّانِي: أَنهم قَالُوا: هَذَا كَانَ فِي حَال كَون الْكَلَام مُبَاحا فِي الصَّلَاة، وَلِهَذَا تكلم أَبُو بكر وَعمر عَامِدين.
فَالْجَوَاب: أما الطعْن فَلَا وَجه لَهُ؛ لِاتِّفَاق الْأَئِمَّة على الصِّحَّة.
وَأما ذُو الْيَدَيْنِ فاسمه الْخِرْبَاق كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي مُسْند عمرَان بن حُصَيْن، وعاش الْخِرْبَاق بعد رَسُول الله ﷺ، وَإِنَّمَا الْمَقْتُول يَوْم بدر ذُو الشمالين، واسْمه عُمَيْر. وَإِنَّمَا أَخذ الْخصم فِي هَذَا الحَدِيث الزُّهْرِيّ، وَالزهْرِيّ يَقُول فِي هَذِه الْقِصَّة: فَقَامَ ذُو الشمالين. قَالَ أَبُو دَاوُد السجسْتانِي: وهم فِي هَذَا الزُّهْرِيّ لِأَنَّهُ ظن أَن ذَا الشمالين وَذَا الْيَدَيْنِ وَاحِد. وَأما عمرَان فَقَالَ مُحَمَّد بن سعد: أسلم قَدِيما، وغزا مَعَ رَسُول الله ﷺ غزوات. وَأما اخْتِلَاف الْأَلْفَاظ فَإِنَّمَا يروي الثَّلَاث عمرَان بن حُصَيْن لَا أَبُو هُرَيْرَة. ثمَّ الشَّك فِي الْعدَد لَا يقْدَح فِي حفظ أصل الحَدِيث وَثُبُوت الْكَلَام نَاسِيا، وَلَعَلَّه من الروَاة لَا من الصَّحَابَة. ثمَّ حَدِيث أبي هُرَيْرَة أقوى للإتفاق عَلَيْهِ، وَحَدِيث عمرَان انْفَرد بِإِخْرَاجِهِ مُسلم.
[ ٣ / ٤٨٠ ]
وَأما تَحْرِيم الْكَلَام فِي الصَّلَاة فقد بَيناهُ فِي مُسْند ابْن مَسْعُود.
وَأما كَلَام أبي بكر وَعمر وَالنَّاس فِي ذَلِك الْيَوْم فقد تكلمنا عَلَيْهِ فِي مُسْند عمرَان.
فَإِن قيل: لما قضى مَا فَاتَهُ وَقد خرج سرعَان النَّاس، لم لم يقل: يَا بِلَال، نَاد فِي النَّاس ليتموا صلَاتهم؟ فقد أجَاب عَنهُ ابْن عقيل بجوابين، أَحدهمَا: أَنه لم يتَعَرَّض لأمر لَا يلْزمهُم، بل تَركهم كَمَا ترك السَّائِلين عَن مَاء الغدير. وَالثَّانِي: أَن يكون وكل ذَلِك إِلَى عَادَة النَّاس فِي تَبْلِيغ ذَلِك بَعضهم إِلَى بعض، وَلَوْلَا ذَلِك لطال عَلَيْهِ تلبيغ كل مَا يحدث بِهِ.
١٩٥٥ - / ٢٤١٣ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ: نهى أَن يُصَلِّي الرجل مُخْتَصرا.
وَهُوَ وضع الْيَد على الخصر، وَهَذَا يُنَافِي الْخُشُوع والتعبد. قَالَ أَبُو عبيد: وَجَاء فِي حَدِيث: إِنَّه رَاحَة أهل النَّار.
١٩٥٦ - / ٢٤١٤ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ: «أسلم سَالَمَهَا الله» وَفِي سبق فِي مُسْند أبي ذَر.
١٩٥٧ - / ٢٤١٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ: «لم
[ ٣ / ٤٨١ ]
يكذب إِبْرَاهِيم قطّ إِلَّا ثَلَاث كذبات: قَوْله إِنِّي سقيم، وَقَوله: بل فعله كَبِيرهمْ هَذَا. وَقَوله عَن سارة: أُخْتِي» .
اعْلَم أَن الْكَذِب لَا يجوز على الْأَنْبِيَاء بِحَال، فَهَذَا أصل يَنْبَغِي أَن يعْتَقد وَلَا يُنَاقض بأخبار الْآحَاد، فَإِنَّهُ ثَابت بِدَلِيل أقوى مِنْهَا، وَإِنَّمَا الْمَعْنى: أَن إِبْرَاهِيم قَالَ قولا يشبه الْكَذِب. قَالَ أَبُو بكر بن الْأَنْبَارِي: كَلَام إِبْرَاهِيم كَانَ صدقا عِنْد الْبَحْث، وَإِنَّمَا أَرَادَ النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ قولا يشبه الْكَذِب فِي الظَّاهِر وَلَيْسَ بكذب. قَالَ ابْن عقيل: دلَالَة الْعقل تصرف ظَاهر هَذَا اللَّفْظ، وَذَاكَ أَن الْعقل قطع بِأَن الرَّسُول يَنْبَغِي أَن يكون موثوقا بِهِ ليعلم صدق مَا جَاءَ بِهِ عَن الله، وَلَا ثِقَة مَعَ تَجْوِيز الْكَذِب عَلَيْهِ، فَكيف مَعَ وجود الْكَذِب مِنْهُ، وَإِنَّمَا استعير ذكر الْكَذِب لِأَنَّهُ بِصُورَة الْكَذِب فَسَماهُ كذبا مجَازًا، وَلَا يجوز سوى هَذَا.
قلت: وَاعْلَم أَن تِلْكَ الْكَلِمَات إِنَّمَا كَانَت من إِبْرَاهِيم على جِهَة المعاريض، غير أَن الْأَنْبِيَاء يحذرون من كلمة تشبه الْكَذِب، وَلذَلِك يَقُول الْخَلِيل إِذا قيل لَهُ فِي الْقِيَامَة: اشفع لنا: إِنِّي كذبت. وَبَيَان أَنَّهَا كَانَت من جِهَة المعاريض أَنه رُوِيَ عَن الْكسَائي أَنه كَانَ يقف عِنْد قَوْله: ﴿بل فعله﴾ [الْأَنْبِيَاء: ٦٣] وَيَقُول: فعله من فعله وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: مَعْنَاهُ: إِن كَانُوا ينطقون فقد فعله كَبِيرهمْ هَذَا. وَكَذَلِكَ: ﴿إِنِّي سقيم﴾ [الصافات: ٨٩]
[ ٣ / ٤٨٢ ]
أَي سأسقم، فَهُوَ كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إِنَّك ميت﴾ [الزمر: ٣٠] أَي سَتَمُوتُ.
وَقَوله: ﴿لَا تؤاخذني بِمَا نسيت﴾ [الْكَهْف: ٧٣] قَالَ ابْن عَبَّاس: لم ينس، وَلكنه من معاريض الْكَلَام.
وَكَذَلِكَ قَوْله هِيَ أُخْتِي: فقد بَين أَنه أَرَادَ أخوة الْإِسْلَام.
وعَلى هَذَا إِشْكَال مَا زَالَ يختلج فِي نَفسِي وَهُوَ أَن يُقَال: مَا معنى توريته عَن الزَّوْجَة بالأخت؟ وَمَعْلُوم أَن ذكرهَا بِالزَّوْجِيَّةِ أسلم لَهَا؛ لِأَنَّهُ إِذا قَالَ: هَذِه أُخْتِي، قَالَ: زوجنيها. وَإِذا قَالَ: امْرَأَتي، سكت، هَذَا إِذا كَانَ الْملك يعْمل بِالشَّرْعِ، فَأَما إِذا كَانَ كَمَا وصف من جوره وَمد يَده إِلَيْهَا ظلما، فَمَا يُبَالِي أَكَانَت زَوْجَة أَو أُخْتا. وَمَا زلت أبحث عَن هَذَا وأسأل فَلم أجد أحدا يشفي بِجَوَاب، إِلَى أَن وَقع لي أَن الْقَوْم كَانُوا على دين الْمَجُوس، وَفِي دينهم أَن الْأُخْت إِذا كَانَت زَوْجَة كَانَ أَخُوهَا الَّذِي هُوَ زَوجهَا أَحَق بهَا من غَيره، فَكَأَن الْخَلِيل ﵇ أَرَادَ أَن يستعصم من الْجَبَّار بِذكر الشَّرْع الَّذِي يَسْتَعْمِلهُ الْجَبَّار، فَإِذا الْجَبَّار لَا يُرَاعِي جَانب دين، فَنظر الله ﷿ إِلَى خَلِيله بِلُطْفِهِ وكف كف الْفَاجِر.
وَقد اعْترض على هَذَا فَقيل: إِنَّمَا جَاءَ بِمذهب الْمَجُوس زاردشت وَهُوَ مُتَأَخّر عَن زمَان الْخَلِيل. وَالْجَوَاب: أَن لمَذْهَب الْقَوْم أصلا قَدِيما فَادَّعَاهُ زرادشت وَزَاد عَلَيْهِ، وَقد كَانَ نِكَاح الْأَخَوَات جَائِزا فِي زمن آدم، وَقيل: إِنَّمَا حرمه مُوسَى ﵇، وَيدل على أَن دين
[ ٣ / ٤٨٣ ]
الْمَجُوس لَهُ أصل مَا روى أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» أَن النَّبِي ﷺ أَخذ الْجِزْيَة من مجوس هجر. وَمَعْلُوم أَن الْجِزْيَة لَا تُؤْخَذ إِلَّا مِمَّن لَهُ كتاب أَو شبه كتاب. ثمَّ سَأَلت عَن هَذَا بعض عُلَمَاء أهل الْكتاب فَقَالَ: كَانَ من مَذْهَب الْقَوْم أَنه من كَانَ لَهُ زَوْجَة لَا يجوز أَن يتَزَوَّج بهَا إِلَّا أَن يقتل الزَّوْج، فَعلم إِبْرَاهِيم هَذَا فَقَالَ عَن سارة: أُخْتِي، وَكَأَنَّهُ يَقُول: إِن كَانَ الْملك عادلا فَخَطَبَهَا مني أمكن مَنعه، وَإِن كَانَ ظَالِما فَأَخذهَا تخلصت من الْقَتْل.
وَقَوله: مَهيم؟ سُؤال عَن الْحَال والقصة، وَقد سبق هَذَا فِي مُسْند أنس.
وَقَول أبي هُرَيْرَة: فَتلك أمكُم يَا بني مَاء السَّمَاء. قَالَ أَبُو سُلَيْمَان: يَعْنِي الْعَرَب، وَذَلِكَ أَنهم يعيشون بِمَاء السَّمَاء ويتبعون مَوَاضِع الْقطر فِي بواديهم. قَالَ: وَيُقَال: إِنَّمَا أَرَادَ زَمْزَم أنبطها لهاجر فعاشوا بهَا فصاروا كَأَنَّهُمْ أَوْلَادهَا.
وَقَوله: «كبت الْفَاجِر»: أَي صرفه وأذله.
١٩٥٩ - / ٢٤١٦ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ: حَدِيث جريج، وَفِيه أَنه قَالَ: «أُمِّي وصلاتي» .
اعْلَم أَن قلَّة الْعلم أوقع جريجا فِيمَا أوقعه فِيهِ، فَإِن طَاعَة الوالدة
[ ٣ / ٤٨٤ ]
وإجابتها لَازِمَة وَصلَاته كَانَت تَطَوّعا، فَلَمَّا قل علمه قدم التَّطَوُّع على الْوَاجِب.
والمومسة: الْفَاجِرَة، وَجَمعهَا مومسات وميامس. وَأَصْحَاب الحَدِيث يَقُولُونَ مياميس بِزِيَادَة يَاء، قَالَ لنا ابْن الخشاب: لَيْسَ قَوْلهم صَحِيحا.
وَقَوله: يَا بابوس. قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: البابوس: الصَّبِي الرَّضِيع، قَالَ ابْن أَحْمَر:
(حنت قلوصي إِلَى بابوسها جزعا وَمَا حنينك أم مَا أَنْت وَالذكر)
وَلما ترك جريج مَا يجب عَلَيْهِ من إِجَابَة أمه سمع دعاؤها فِيهِ لِأَنَّهَا مظلومة بِمَنْع حَقّهَا، وَلما كَانَ أصل إيثاره لطاعة الله ﷿ نظر إِلَى ذَلِك فأنطق الطِّفْل.
وَالدَّابَّة الفارهة: النشيطة. والشارة الْحَسَنَة: الْجمال الظَّاهِر فِي الْهَيْئَة واللباس. وَأما حِكَايَة رَسُول الله ﷺ ارتضاع الصَّبِي فلزيادة التفهيم للقصة.
١٩٦٠ - / ٢٤١٧ - وَفِي الحَدِيث الْخمسين بعد الْمِائَتَيْنِ: «من نسي وَهُوَ صَائِم فَأكل وَشرب فليتم صَوْمه؛ فَإِنَّمَا أطْعمهُ الله وسقاه» .
هَذَا صَرِيح فِي الرَّد على مَالك فَإِنَّهُ يَقُول: إِن النَّاسِي إِذا أكل بَطل صَوْمه.
[ ٣ / ٤٨٥ ]
١٩٦١ - / ٢٤١٨ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْخمسين بعد الْمِائَتَيْنِ: «فقدت أمة من بني إِسْرَائِيل لَا يدرى مَا فعلت، وَإِنِّي لَا أَرَاهَا إِلَّا الفأر» .
أَي لَا أظنها، وَالظَّاهِر أَنه قَالَ هَذَا بظنه ثمَّ أعلم بعد ذَلِك فَقَالَ مَا سبق فِي مُسْند ابْن مَسْعُود: «إِن الله لم يمسخ مسخا فَيجْعَل لَهُ نَسْلًا وَلَا عَاقِبَة» .
١٩٦٢ - / ٢٤١٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْخمسين بعد الْمِائَتَيْنِ: «لَو آمن بِي عشرَة من الْيَهُود لم يبْق على ظهرهَا يَهُودِيّ إِلَّا أسلم» .
كَأَنَّهُ ﵇ أَشَارَ إِلَى أَن الْقَوْم يقلدون أَحْبَارهم لَا بِالدَّلِيلِ، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُم أُمِّيُّونَ لَا يعلمُونَ الْكتاب إِلَّا أماني﴾ [الْبَقَرَة: ٧٨]
فَإِن قيل: فقد أسلم أَكثر من عشرَة. فَالْجَوَاب: أَن بعض الْعلمَاء يَقُول: مَا أسلم مِنْهُم عشرَة، بل أقل، فَإِن كَانَ كَذَلِك فَلَا إِشْكَال، وَإِلَّا فَالْحَدِيث على أَمريْن: أَحدهمَا: أَن تكون الْإِشَارَة إِلَى الرؤساء الْكِبَار. وَالثَّانِي: إِلَى اجْتِمَاع عشرَة فِي الْإِسْلَام فِي وَقت وَاحِد.
١٩٦٣ - / ٢٤٢١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْخمسين بعد الْمِائَتَيْنِ: أَن امْرَأَة كَانَت تقم الْمَسْجِد فَمَاتَتْ، فَقَالَ: «دلوني على قبرها»
[ ٣ / ٤٨٦ ]
فصلى عَلَيْهَا.
تقم: أَي تكنسه وتنظفه. وَالْقُمَامَة: الكناسة.
وَفِي هَذَا الحَدِيث دَلِيل على جَوَاز الصَّلَاة على الْقَبْر وإعادتها فِي حق من لم يصل.
١٩٦٤ - / ٢٤٢٣ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْخمسين بعد الْمِائَتَيْنِ: «إِذا جلس بَين شعبها الْأَرْبَع ثمَّ جهدها فقد وَجب الْغسْل» .
فِي الشّعب الْأَرْبَع قَولَانِ: أَحدهمَا: اليدان وَالرجلَانِ. وَالثَّانِي: الفخذان والاسكتان: وهما حرفا الْفرج.
وَقَوله جهدها: أَي اجْتهد فِي الْوُصُول إِلَيْهَا، وَالْإِشَارَة إِلَى التقاء الختانين، فَإِنَّهُ مُبين فِي حَدِيث آخر.
وَقد دلّ هَذَا الحَدِيث على أَن قَوْله: «المَاء من المَاء» مَنْسُوخ.
١٩٦٥ - / ٢٤٢٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْخمسين بعد الْمِائَتَيْنِ: «من أعتق شقيصا من مَمْلُوك فَعَلَيهِ خلاصه من مَاله» .
الشّقص والشقيص: الشّرك والنصيب، وَالْأَصْل فِي الشقيص الطَّائِفَة فِي الشَّيْء، وَأهل الْحجاز يَقُولُونَ: هُوَ شقيصي: أَي شَرِيكي.
وَقَوله: «فَإِن لم يكن لَهُ مَال فقوم الْمَمْلُوك ثمَّ استسعى» الْمَعْنى:
[ ٣ / ٤٨٧ ]
إِذا أعتق الْمُعسر نصِيبه سعى العَبْد فِي فكاك مَا قد بَقِي مِنْهُ رَقِيقا حَتَّى يُؤَدِّي إِلَى الَّذِي لم يعْتق قيمَة نصِيبه، فَسُمي تَكْلِيفه للإكتساب استسعاء، وَهَذَا مَذْهَب أبي حنيفَة، وَعَن أَحْمد نَحوه، وَقد أوضحنا هَذَا فِي مُسْند ابْن عمر.
١٩٦٦ - / ٢٤٢٦ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْخمسين بعد الْمِائَتَيْنِ: «الْعُمْرَى مِيرَاث لأَهْلهَا» وَقد شرحناه فِي مُسْند جَابر.
١٩٦٧ - / ٢٤٢٨ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالسِّتِّينَ بعد الْمِائَتَيْنِ: «إِن الله ﷿ تجَاوز لأمتي عَمَّا حدثت بِهِ أَنْفسهَا مَا لم تعْمل أَو تكلم» .
تحديث النَّفس بالشَّيْء والوسواس بِهِ حَرَكَة فِي الْبَاطِن بتخييله وتمثيله، وَالنَّظَر فِي تَحْصِيله، وَمنع ذَلِك من جولانه فِي الْبَاطِن لَا يدْخل تَحت طوق العَبْد، وَإِنَّمَا غَايَة قدرته أَن يعرض عَن مساكنة ذَلِك، وَلَو أَنه حدث نَفسه بِمَعْصِيَة لم يُؤَاخذ، فَأَما إِذا عزم على الْمعْصِيَة فَإِنَّهُ يخرج عَن تحديث النَّفس وَيصير من أَعمال الْقلب، فَإِن عقد النِّيَّة على الْفِعْل من عمل الْقلب، فَحِينَئِذٍ يَأْثَم بنية السِّرّ. وَبَيَان الْفرق بَين الهمة والعزم أَنه لَو حدث نَفسه وَهُوَ فِي الصَّلَاة بقطعها لم تَنْقَطِع، فَإِذا عزم حكمنَا بقطعها، وَكَذَلِكَ إِذا نوى الْإِفْطَار فقد أفطر. وَقد سُئِلَ سُفْيَان الثَّوْريّ: أيؤاخذ العَبْد بالهمة؟ فَقَالَ: إِذا كَانَت عزما. أخبرنَا مُحَمَّد ابْن أبي الْقَاسِم قَالَ: أخبرنَا أَحْمد بن أَحْمد قَالَ: أخبرنَا أَحْمد بن
[ ٣ / ٤٨٨ ]
عبد الله الْحَافِظ قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْفضل قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الْخَالِق قَالَ: حَدثنَا أَبُو همام قَالَ: حَدثنَا مطرف بن مَازِن قَالَ: سَمِعت سُفْيَان الثَّوْريّ يَقُول: الْملكَانِ يجدان ريح الْحَسَنَات والسيئات إِذا عقد الْقلب.
١٩٦٨ - / ٢٤٢٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالسِّتِّينَ بعد الْمِائَتَيْنِ: «إِن عفريتا من الْجِنّ تفلت عَليّ» .
العفريت: المارد الْخَبيث من الْجِنّ. يُقَال: عفريت نفريت وعفر: إِذا كَانَ قَوِيا خبيثا مُنْكرا.
وَقَوله: «تفلت عَليّ» أَي تعرض لي فلتة: أَي فَجْأَة ليغلبني على صَلَاتي.
وَقَوله: «فَذكرت دَعْوَة أخي» وَالْمعْنَى أَن سُلَيْمَان أعطي ملكة الْجِنّ فَلم أرد أَن أزاحمه فِيمَا أعطي.
وَقَوله: «فرددته خاسئا» الخاسئ. المبعد الصاغر، يُقَال: خسأته فخسأ وخسئ وانخسأ: أَي أبعدته فَبعد.
١٩٦٩ - / ٢٤٣٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالسِّتِّينَ بعد الْمِائَتَيْنِ: «أما يخْشَى أحدكُم إِذا رفع رَأسه قبل الإِمَام أَن يحول الله رَأسه رَأس حمَار، أَو يَجْعَل صورته صُورَة حمَار» .
هَذِه اللَّفْظَة الْأَخِيرَة تَأْوِيل من قَالَ: رَأس حمَار فِي البلادة،
[ ٣ / ٤٨٩ ]
وَإِنَّمَا الْمَعْنى أَنه لَو عقل أمره لعرف عَظمَة المعبود، فَأوجب التَّعَبُّد عَلَيْهِ الْخُشُوع، فَإِذا لم يعرف كَانَ كالبهيمة، فَلم يَأْمَن أَن يمسخ بَهِيمَة.
١٩٧٠ - / ٢٤٣١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالسِّتِّينَ بعد الْمِائَتَيْنِ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: أَسْبغُوا الْوضُوء؛ فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: «ويل لِلْعَرَاقِيبِ من النَّار» .
إسباغ الْوضُوء: إِتْمَامه، يُقَال: ثوب سابغ، وَدرع سابغ.
والعراقيب جمع عرقوب، قَالَ الزّجاج: العرقوب: هُوَ الْعصبَة الْوَاصِلَة بَين السَّاق والعقب من وَرَاء الْقدَم، والأعقاب جمع عقب: وَهُوَ مَا أصَاب الأَرْض من مُؤخر الرجل إِلَى مَوضِع الشرَاك، وَالْمعْنَى: ويل لَهَا إِذا عوقبت بالنَّار يَوْم الْقِيَامَة.
١٩٧١ - / ٢٤٣٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالسِّتِّينَ بعد الْمِائَتَيْنِ: أَخذ الْحسن تَمْرَة من تمر الصَّدَقَة، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: «كخ كخ» .
هَذَا زجر للصَّبِيّ وردع لَهُ؛ لِأَن الصَّدَقَة لم تكن تحل لَهُ.
١٩٧٢ - / ٢٤٣٣ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس بعد الْمِائَتَيْنِ: «صُومُوا لرُؤْيَته وأفطروا لرُؤْيَته، فَإِن غمي عَلَيْكُم فأكملوا عدَّة شعْبَان ثَلَاثِينَ» كَذَا فِي رِوَايَة البُخَارِيّ عَن آدم. وَفِي لفظ لمُسلم: «فعدوا ثَلَاثِينَ» وَفِي لفظ لَهُ: «فصوموا ثَلَاثِينَ» .
[ ٣ / ٤٩٠ ]
الأول حجَّة لمن لم ير صَوْم يَوْم الْغَيْم، وهم يدعونَ أَنه حجَّة قَاطِعَة، وَإِذا شِئْنَا أَن نتكلم عَلَيْهِ نصرا لرِوَايَة وجوب الصَّوْم إِذا غم الْهلَال قُلْنَا: هَذَا اللَّفْظ إِنَّمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن آدم عَن شُعْبَة. وَقد رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي ذكره البُخَارِيّ وَقَالَ فِيهِ: «فَإِن غم عَلَيْكُم الشَّهْر فعدوا ثَلَاثِينَ» قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: وَقد روينَا هَذَا الحَدِيث عَن غنْدر وَابْن مهْدي وَابْن علية وَعِيسَى بن يُونُس وشبابة وَعَاصِم بن عَليّ وَالنضْر بن شُمَيْل وَيزِيد بن هَارُون وَأَبُو دَاوُد كلهم عَن شُعْبَة وَلم يذكر أحد مِنْهُم: «فأكملوا عدَّة شعْبَان ثَلَاثِينَ» فَيجوز أَن يكون آدم قَالَ ذَلِك من عِنْده على وَجه التَّفْسِير للْخَبَر، وَإِلَّا فَلَيْسَ لانفراد البُخَارِيّ عَنهُ بِهَذَا من بَين من رَوَاهُ عَنهُ وَجه. وَقد رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فَقَالَ فِيهِ: «فعدوا ثَلَاثِينَ» يَعْنِي عدوا شعْبَان ثَلَاثِينَ. وَقَالَ: أخرجه البُخَارِيّ عَن آدم فَقَالَ فِيهِ: «فعدوا شعْبَان» وَلم يقل: يَعْنِي. وَهَذَا يدل على أَن قَوْله يَعْنِي من بعض الروَاة، وَالظَّاهِر أَنه آدم وَأَنه قَوْله. وَقد روى هَذَا الحَدِيث ابْن عَبَّاس مثل حَدِيث أبي هُرَيْرَة. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وَلم يقل فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس: «فأكملوا عدَّة شعْبَان» غير آدم أَيْضا، وَهَذَا يدل على أَن الْكل تَفْسِير مِنْهُ.
وَمَا ذكرنَا من اللَّفْظ الْأَخير، وَهُوَ قَوْله: «فصوموا ثَلَاثِينَ» يدل على أَن المُرَاد بقوله: «فعدوا» عد رَمَضَان لَا شعْبَان، وَقد رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: «صُومُوا
[ ٣ / ٤٩١ ]
لرُؤْيَته وأفطروا لرُؤْيَته، فَإِن غم عَلَيْكُم فأكملوا الْعدة ثَلَاثِينَ، ثمَّ أفطروا» وَكَذَلِكَ رُوِيَ من حَدِيث رَافع بن خديج. وعَلى هَذَا لَا يبْقى لَهُم حجَّة فِي الحَدِيث.
١٩٧٣ - / ٢٤٣٤ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالسِّتِّينَ بعد الْمِائَتَيْنِ: «لأذودن رجَالًا عَن حَوْضِي» .
أَي لأطردن، يُقَال: ذدته أذوده ذودا: إِذا طردته، وَإِذا وَردت الْإِبِل المَاء فَدخلت فِيهَا غَرِيبَة من غَيرهَا طردت وَضربت حَتَّى تخرج.
وَقَوله: «فيحلئون عَنهُ» أَي يمْنَعُونَ، يُقَال: حلأت الرجل عَن المَاء: إِذا منعته أَن يرد، قَالَ الشَّاعِر:
( . . محلأ عَن سَبِيل الود مصدود)
وَمن روى «يجلون» بِالْجِيم أَرَادَ يطردون، يُقَال: جلا الْقَوْم عَن مَنَازِلهمْ وأجليتهم أَنا: إِذا أخرجتهم.
والقهقرى: الرُّجُوع إِلَى الْخلف.
[ ٣ / ٤٩٢ ]
والهمل: الْمُهْملَة الَّتِي لَيْسَ مَعهَا رَاع وَلَا حَافظ وَلَا يكَاد يسلم مِنْهَا من السبَاع وَغَيرهَا إِلَّا الْقَلِيل. وَقيل: الهمل: مَا يهمل فَلَا يرْعَى وَلَا يسْتَعْمل، بل يتْرك مهملا فيضيع وَيهْلك.
١٩٧٤ - / ٢٤٣٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالسِّتِّينَ بعد الْمِائَتَيْنِ: «بَينا رجل يتبختر» .
التَّبَخْتُر: مشْيَة فِيهَا تمايل.
والحلة: ثَوْبَان من جنس وَاحِد، وَقد ذَكرنَاهَا فِي مُسْند عمر.
والجمة من الْإِنْسَان: مجمع شعر ناصيته، وَهِي جمة إِذا بلغت الْمَنْكِبَيْنِ، فَإِذا كَانَت إِلَى شحمة الْأُذُنَيْنِ فَهِيَ وفرة.
والخسف: غموض ظَاهر الأَرْض وسؤوخها بِمَا عَلَيْهَا.
وَقَوله: «فَهُوَ يتجلجل فِيهَا» الجلجلة: الْحَرَكَة المزعجة، وكل شَيْء حرك وخلط بعضه بِبَعْض فقد جلجل. وَالْمعْنَى أَنه يهوى بِهِ ويزعج فِي الْخَسْف بالحركة العنيفة.
١٩٧٥ - / ٢٤٣٧ - والْحَدِيث السبعون بعد الْمِائَتَيْنِ: قد تقدم فِي مُسْند عَليّ ﵇، وَفِيه: «هلك كسْرَى ثمَّ لَا يكون كسْرَى بعده، وَقَيْصَر ليهلكن ثمَّ لَا يكون قَيْصر بعده» وَقد سبق الْكَلَام فِي اسْم كسْرَى فِي مُسْند عدي بن حَاتِم، وَفِي اسْم قَيْصر فِي مُسْند جَابر بن سَمُرَة،
[ ٣ / ٤٩٣ ]
وفسرنا معنى الحَدِيث هُنَالك.
١٩٧٦ - / ٢٤٣٨ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالسبْعين بعد الْمِائَتَيْنِ: «غزا نَبِي فَقَالَ: لَا يَتبعني رجل ملك بضع امْرَأَة وَهُوَ يُرِيد أَن يَبْنِي بهَا وَلم يبن» .
الْبضْع: الْفرج، والمباضعة: المجامعة.
وَالْبناء بِالْمَرْأَةِ: الدُّخُول بهَا، وأصل ذَلِك أَنهم كَانُوا يبنون بِنَاء لمن أَرَادَ أَن يدْخل بِزَوْجَتِهِ.
والخلفات جمع خلفة: وَهِي النَّاقة الْحَامِل، وَأَرَادَ بِهَذِهِ الْأَشْيَاء الْمَذْكُورَة جمع الْهم، فَإِن الْهم إِذا تفرق ضعف فعل الْجَوَارِح، وَإِذا اجْتمع قوي، وَكَانَ من عَادَة الْأُمَم الْمُتَقَدّمَة أَنهم إِذا غزوا فغنموا نزلت نَار فَأكلت الْغَنَائِم، وَكَأَنَّهُم كَانُوا يحملون بِهَذَا على خلوص النِّيَّة فِي الْغَزَوَات لِئَلَّا يَقع قِتَالهمْ لأجل الْغَنِيمَة، فأبيحت الْغَنَائِم لهَذِهِ الْأمة لطفا بهَا، وَكَأَنَّهَا لما غلب الْإِخْلَاص عَلَيْهَا لم تحتج إِلَى باعث عَلَيْهِ، فَكَانَ الْإِخْلَاص فِي الْجِهَاد أصل قَصدهَا، فَصَارَت الْغَنِيمَة تبعا.
١٩٧٧ - / ٢٤٣٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالسبْعين بعد الْمِائَتَيْنِ: «قيل لبني إِسْرَائِيل: ادخُلُوا الْبَاب سجدا وَقُولُوا حطة، فبدلوا فَدَخَلُوا يزحفون على أستاههم، وَقَالُوا: حَبَّة فِي شَعْرَة» .
[ ٣ / ٤٩٤ ]
من تَأمل هَذَا الحَدِيث علم فرق مَا بَين أمتنَا وَبني إِسْرَائِيل، فَإِن أُولَئِكَ لما أذنبوا دلوا على طَرِيق التَّوْبَة وأتوها متلاعبين بِالدّينِ، وَهَذَا يدل على أَن الذُّنُوب مَا آلمتهم، وَلَا دخل خوف الْجَزَاء عَلَيْهَا فِي قُلُوبهم، وَلَا اكترثوا بالتحذير من عواقبها، وَلَا سروا بِالدّلَالَةِ على طَرِيق النجَاة من شَرها. وَمن كَانَ تلاعبه فِي أصل دينه وَمَعَ نبيه وَفِي بَاب تَوْبَته فَهُوَ فِي غَايَة الْبعد. وَهَذِه الْأمة إِذا أذْنب مذنبهم انْكَسَرَ وَبكى وَاعْتذر، ثمَّ لَا يزَال ينصب ذَنبه بَين عَيْنَيْهِ وَيَوَد أَن لَو مُحي بِكُل مَا يقدر عَلَيْهِ، فَالْحَمْد لله الَّذِي جعلنَا من هَذِه الْأمة.
١٩٧٨ - / ٢٤٤٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالسبْعين بعد الْمِائَتَيْنِ: «كَانَ مُوسَى يغْتَسل وَحده، فَقَالُوا: مَا يمنعهُ أَن يغْتَسل مَعنا إِلَّا أَنه آدر» .
قَالَ ابْن قُتَيْبَة: الآدر: عَظِيم الخصيتين، يُقَال: رجل آدر بَين الأدرة والأدرة. والشرج: أَن تعظم وَاحِدَة وتصغر الْأُخْرَى.
والمويه تَصْغِير المَاء.
وجمح: أسْرع إسراعا لَا يردهُ شَيْء.
وَالْمَلَأ: الْأَشْرَاف.
وطفق: أَخذ فِي الْفِعْل.
[ ٣ / ٤٩٥ ]
وَالنَّدْب: الْأَثر، قَالَ ذُو الرمة:
( ملساء، لَيْسَ بِهِ خَال وَلَا ندب)
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ جَازَ لمُوسَى أَن يمشي بَين بني إِسْرَائِيل مَكْشُوف الْعَوْرَة؟ فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن مُوسَى كَانَ فِي خلْوَة كَمَا بَين فِي الحَدِيث، فَلَمَّا تبع الْحجر لم يكن عِنْده أحد، فاتفق أَنه جَازَ على قوم فرأوه، وجوانب الْأَنْهَار وَإِن خلت لَا يُؤمن وجود قريب مِنْهَا، فَبنى مُوسَى الْأَمر وَأَنه لَا يرَاهُ أحد على مَا رَآهُ من خلاء الْمَكَان، فاتفق من رَآهُ. وَالثَّانِي: أَن مُوسَى إِنَّمَا نزل إِلَى المَاء مؤتزرا، فَلَمَّا خرج يتبع الْحجر وَهُوَ مبتل بِالْمَاءِ تبين أَنه لَيْسَ بآدر، لِأَن الأدرة تبين تَحت الثَّوْب المبتل بِالْمَاءِ، سمعته من الْحسن عَن أبي بكر النَّيْسَابُورِي الْفَقِيه.
وَقَوله: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِين آذوا مُوسَى﴾ [الْأَحْزَاب: ٦٩] أَي لَا تُؤْذُوا مُحَمَّد كَمَا آذَى بَنو إِسْرَائِيل مُوسَى. وَقد اخْتلف الْعلمَاء بِمَاذَا آذوا مُوسَى على أَرْبَعَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنهم قَالُوا: آدر، كَمَا ذكرنَا. وَالثَّانِي: أَنه صعد الْجَبَل وَمَعَهُ هَارُون فَمَاتَ هَارُون فَقَالُوا: أَنْت قتلته، قَالَه عَليّ بن أبي طَالب. وَالثَّالِث: أَن قَارون اسْتَأْجر بغية لتقذف مُوسَى بِنَفسِهَا على مَلأ من بني إِسْرَائِيل فعصمها الله وبرأ مُوسَى من ذَلِك، قَالَه أَبُو الْعَالِيَة. وَالرَّابِع: أَنهم رَمَوْهُ بِالسحرِ وَالْجُنُون،
[ ٣ / ٤٩٦ ]
حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيّ.
وَقَوله: ﴿وَكَانَ عِنْد الله وجيها﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: حظيا، لَا يسْأَله شَيْئا إِلَّا أعطَاهُ.
١٩٧٩ - / ٢٤٤١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالسبْعين بعد الْمِائَتَيْنِ: «إِنَّمَا جعل الإِمَام ليؤتم بِهِ» وَسبق بَيَان الحَدِيث فِي مُسْند جَابر بن عبد الله.
١٩٨٠ - / ٢٤٤٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالسبْعين بعد الْمِائَتَيْنِ: «إِذا أنفقت الْمَرْأَة من كسب زَوجهَا من غير أمره فَلهُ نصف أجره» .
وَأما إنفاقها من كَسبه عَن غير أمره فَالْمُرَاد بِهِ مَا جعله بحكمها كالملك لَهَا وَلم يأمرها بالتصدق مِنْهُ، فلهَا أجر الصَّدَقَة وَله أجر الْكسْب.
وَالْمرَاد بِالصَّوْمِ النَّافِلَة، فَإِنَّهُ لَا يجوز لَهَا إِلَّا بِإِذْنِهِ، لِأَنَّهُ رُبمَا أرادها. وَلَا يجوز لَهَا أَن تَأذن فِي بَيته إِلَّا بِإِذْنِهِ.
١٩٨١ - / ٢٤٤٣ - والْحَدِيث السَّادِس وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: قد تقدم فِي مُسْند أبي ذَر.
١٩٨٢ - / ٢٤٤٤ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالسبْعين بعد الْمِائَتَيْنِ:
[ ٣ / ٤٩٧ ]
«خلق الله آدم وَطوله سِتُّونَ ذِرَاعا» وَفِي بعض الرِّوَايَات: «خلق الله آدم على صورته، ثمَّ قَالَ لَهُ: اذْهَبْ فَسلم على أُولَئِكَ الْمَلَائِكَة فاستمع مَا يحيونك بِهِ. فَقَالَ: السَّلَام عَلَيْكُم، فَقَالُوا: السَّلَام عَلَيْك وَرَحْمَة الله، فزادوه: وَرَحْمَة الله» .
أما قَوْله: «خلق الله آدم على صورته» فللناس فِيهِ ثَلَاثَة مَذَاهِب: أَحدهَا: مَذْهَب جُمْهُور السّلف وَهُوَ السُّكُوت عَن تَفْسِير هَذَا وَأَمْثَاله. وَالثَّانِي: أَن الْهَاء رَاجِعَة إِلَى آدم، فَيكون الْمَعْنى: أَنه خلقه على تِلْكَ الْحَال وَلم يَنْقُلهُ من نُطْفَة إِلَى علقَة، وَهَذَا مَذْهَب أبي سُلَيْمَان الْخطابِيّ. وَالثَّالِث: أَنَّهَا ترجع إِلَى الله سُبْحَانَهُ، فَهِيَ مُضَافَة إِضَافَة ملك لَا إِضَافَة ذَات، كَمَا أضَاف الرّوح الَّتِي نفخت فِي آدم إِلَيْهِ فَقَالَ: ﴿ونفخت فِيهِ من روحي﴾ [ص: ٧٢] وَهَذَا مَذْهَب ابْن عقيل. قَالَ: وَإِنَّمَا خص آدم بِإِضَافَة الصُّورَة إِلَيْهِ لخصيصة فِيهِ، وَهِي السلطنة الَّتِي تشاكل الإلهية استعبادا وسجودا واستخداما وأمرا نَافِذا وسياسات يعمر بهَا الْبِلَاد وَيصْلح بهَا من أَمر الْعباد، وَلَيْسَ فِي الْجِنّ وَالْمَلَائِكَة من يجْتَمع على طَاعَته نَوعه وقبيله سوى الْآدَمِيّ، وَهَذِه الصُّورَة هِيَ حَال، وَالصُّورَة قد تقع على الْحَال، فَهَذَا مَوضِع حمل الصُّورَة على الصُّورَة، وَهِي حمل حَال الْخلَافَة والمملكة والسلطنة على حَال الإلهية.
وَأما التَّحِيَّة هَا هُنَا فَهِيَ السَّلَام. وَقَوله: السَّلَام عَلَيْك قد سبق فِي مُسْند ابْن مَسْعُود.
[ ٣ / ٤٩٨ ]
فَأَما الزِّيَادَة على الْمُسلم فَهُوَ أَنه إِذا قَالَ: السَّلَام عَلَيْكُم، قيل لَهُ: وَعَلَيْكُم السَّلَام وَرَحْمَة الله، فَإِذا قَالَ هَذَا كُله قيل لَهُ مثله وَزيد: وَبَرَكَاته، أَو يُقَال لَهُ: وَعَلَيْكُم السَّلَام، فَيكون ذَلِك رد الْكل، وَإِلَى هَذَا يَنْتَهِي السَّلَام.
١٩٨٣ - / ٢٤٤٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالسبْعين بعد الْمِائَتَيْنِ: «رأى عِيسَى بن مَرْيَم رجلا يسرق، فَقَالَ لَهُ: أسرقت؟ قَالَ: كلا، وَالَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ. فَقَالَ عِيسَى: آمَنت بِاللَّه وكذبت عَيْني» .
فَإِن قَالَ قَائِل: أَعلَى الْيَقِين الْمُشَاهدَة، فَكيف يكذب وَيقدم قَول زاعم؟ فَالْجَوَاب: من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن النَّاظر إِلَى الشَّيْء قد لَا يتثبت فِي نظره فَلَا يحصل لَهُ الْيَقِين. وَالثَّانِي: أَن يكون هَذَا من المعاريض، وَيكون تَقْدِيره: كذبت عَيْني فِي غير هَذَا.
١٩٨٤ - / ٢٤٤٦ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالسبْعين بعد الْمِائَتَيْنِ: «اشْترى رجل عقارا» .
وَالْعَقار: الضَّيْعَة وَالنَّخْل.
١٩٨٥ - / ٢٤٤٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّمَانِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ: «لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى تقتتل فئتان عظيمتان دعواهما وَاحِدَة. .»
الفئة: الْجَمَاعَة.
[ ٣ / ٤٩٩ ]
وَالدَّعْوَى: الإنتماء، كَمَا فسرناه دَعْوَى الْجَاهِلِيَّة فِي مُسْند جَابر. وَمعنى «دعواهما وَاحِدَة» انتماؤهما إِلَى دين وَاحِد.
وَقَوله: «حَتَّى يبْعَث دجالون» أصل الْبَعْث الإثارة. والدجال: الْكذَّاب. وَقبض الْعلم قد سبق فِي مُسْند أنس.
وَقَوله: «يتقارب الزَّمَان» قد فسرناه فِي أول هَذَا الْمسند.
واللقحة وَاحِد اللقَاح: وَهِي النَّاقة ذَات اللَّبن، وَيُقَال: الملاقيح والملاقح أَيْضا للحوامل.
ولاط فلَان حَوْضه يلوطه ويليطه: إِذا طينه بالطين وسد خروقه ليحفظ لَهُ المَاء فِي سقِي دوابه. وأصل اللوط اللصوق، يُقَال: لَا يلتاط هَذَا بصفري: أَي لَا يلتصق بقلبي.
والأكلة: اللُّقْمَة. قَالَ لنا شَيخنَا أَبُو مَنْصُور اللّغَوِيّ: الْأكلَة بِالضَّمِّ: اللُّقْمَة، والأكلة بِالْفَتْح: الْمرة، والإكلة بِالْكَسْرِ: الْحَالة.
١٩٨٦ - / ٢٤٤٨ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي والثمانين بعد الْمِائَتَيْنِ: «اشْتَدَّ غضب الله على قوم فعلوا بِنَبِيِّهِ - يُشِير إِلَى رباعيته - اشْتَدَّ غضب الله على رجل يقْتله رَسُول فِي سَبِيل الله» .
الرّبَاعِيّة مبينَة فِي مُسْند ابْن مَسْعُود. وَإِنَّمَا اشْتَدَّ غضب الله على
[ ٣ / ٥٠٠ ]
رجل يقْتله رَسُول الله، لِأَن الرَّسُول يُرْجَى مِنْهُ الرَّحْمَة، فَإِذا اشْتَدَّ غَضَبه وَأخرج إِلَى الْقَتْل دلّ على أَن الْمَقْتُول فِي غَايَة الشَّقَاء. وَقد قتل ﵇ أبي بن خلف يَوْم أحد.
١٩٨٧ - / ٢٤٤٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي والثمانين بعد الْمِائَتَيْنِ: «تَحَاجَّتْ الْجنَّة وَالنَّار» .
وَقد تكلمنا عَلَيْهِ فِي مُسْند أبي سعيد، وفسرنا هُنَاكَ معنى المتكبرين والضعفاء.
وَقَوْلها: أُوثِرت: أَي خصصت.
والسقط: المزدرى بِهِ.
وَقَوله: «وغرتهم» الْغرَّة كالغفلة، والغر: الَّذِي لم يجرب الْأُمُور.
وَالْعجز جمع عَاجز، وَكَأَنَّهُم عجزوا عَن اكْتِسَاب الدُّنْيَا شغلا باكتساب الْآخِرَة.
وَقَوله: «يضع قدمه» قد تكلمنا على هَذَا فِي مُسْند أنس، وَبينا معنى قطّ قطّ، وتكلمنا هُنَاكَ فِي قَوْله: «وينشئ للجنة خلقا» .
وَفِي بعض أَلْفَاظ هَذَا الحَدِيث: «يضع رجله» مَكَان قَوْله «قدمه» وَهُوَ من رِوَايَة مُحَمَّد بن رَافع، وَكَانَ رجلا صَالحا، ظن أَن الْقدَم
[ ٣ / ٥٠١ ]
بِمَعْنى الرجل. وَقد ذكرنَا هَذَا فِي مُسْند أنس أَيْضا. وَبينا أَن الرجل تكون بِمَعْنى الْجَمَاعَة، كَمَا يُقَال رجل من جَراد.
١٩٨٨ - / ٢٤٥٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث والثمانين بعد الْمِائَتَيْنِ: «الْعين حق» وَقد تكلمنا عَلَيْهِ فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
وَقَوله: لعن الْوَاصِلَة. قد ذكرنَا الْوَاصِلَة والواشمة فِي مُسْند ابْن عمر.
١٩٨٩ - / ٢٤٥١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع والثمانين بعد الْمِائَتَيْنِ: «نَحن الْآخرُونَ السَّابِقُونَ» وَقد تقدم هَذَا فِي هَذَا الْمسند.
وَفِي هَذَا الحَدِيث: «وَالله لِأَن يلج أحدكُم بِيَمِينِهِ فِي أَهله آثم لَهُ عِنْد الله من أَن يُعْطي كَفَّارَته الَّتِي افْترض الله عَلَيْهِ» وَفِي لفظ: «من استلج فِي أَهله بِيَمِينِهِ فَهُوَ أعظم، لَيْسَ تغني الْكَفَّارَة» .
لج واستلج واستلجج فِي يَمِينه، من اللجاج: وَهُوَ أَن يسْتَمر على حكم الْيَمين وَترك التَّكْفِير وَهُوَ يعلم أَن الْحِنْث أفضل، كَأَنَّهُ حلف أَلا يصل قرَابَته وَلَا يطَأ زَوجته، فإقامته على ذَلِك شَرّ لَهُ من أَن يكفر وَإِن كَانَت الْكَفَّارَة لَيست شرا.
وَقَوله: «لَيْسَ تغني الْكَفَّارَة» كَأَنَّهُ إِشَارَة إِلَى إثمه فِي قَصده أَلا يبر
[ ٣ / ٥٠٢ ]
وَلَا يفعل الْخَيْر، فَلَو كفر لم تدفع الْكَفَّارَة سوء ذَلِك الْقَصْد.
وَبَعْضهمْ يفتح نون تغني، من قَول عُثْمَان: أغنها عَنَّا: أَي اصرفها عَنَّا واتركها، فَيكون الْمَعْنى أَن الْكَفَّارَة لَا يَنْبَغِي أَن تتْرك.
١٩٩٠ - / ٢٤٥٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس والثمانين بعد الْمِائَتَيْنِ: «لَا يشر أحدكُم إِلَى أَخِيه بِالسِّلَاحِ، فَإِنَّهُ لَا يدْرِي لَعَلَّ الشَّيْطَان ينزغ فِي يَده فَيَقَع فِي حُفْرَة من النَّار» .
قد فسره أَبُو عبد الله الْحميدِي على أَن نيزع بالغين الْمُعْجَمَة وَقَالَ: النزغ: الْفساد، وَمِنْه: ﴿نَزغ الشَّيْطَان بيني وَبَين إخوتي﴾ [يُوسُف: ١٠٠] أَي أفسد، قَالَ: فَنهى عَن الْإِشَارَة بالحديد خوفًا من أَن يتَّفق الْفساد فِي ذَلِك فيأثم، وَيحْتَمل أَن يكون ينْزع بِالْعينِ، من نزعت فِي الْقوس: إِذا مددتها، فَيكون الْمَعْنى: لَعَلَّ الشَّيْطَان يمد يَده عِنْد الْإِشَارَة فيجرح الْمُسلم أَو يقْتله.
١٩٩١ - / ٢٤٥٣ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس والثمانين بعد الْمِائَتَيْنِ: «لَا يقل أحدكُم: أطْعم رَبك، وَليقل: سَيِّدي، مولَايَ. وَلَا يقل أحدكُم: عَبدِي وَأمتِي، وَليقل: فَتَاي وَفَتَاتِي وَغُلَامِي» .
المُرَاد بهَا نفي الْمُشَاركَة فِيمَا هُوَ اسْم علم لله ﷿، فَإِن
[ ٣ / ٥٠٣ ]
الرب من أَسمَاء الْحق - سُبْحَانَهُ - الْأَعْلَام، وَكَذَلِكَ العَبْد إِنَّمَا يُضَاف غَالِبا إِلَى الله ﷿.
١٩٩٢ - / ٢٤٥٤ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع والثمانين بعد الْمِائَتَيْنِ: «لَوْلَا بَنو إِسْرَائِيل لم يخنز اللَّحْم، وَلَوْلَا حَوَّاء لم تخن أُنْثَى زَوجهَا» .
قَوْله: «لم يخنز اللَّحْم» لم يتَغَيَّر وينتن. قَالَ أَبُو عبيد: خنز يخنز، وخنز يخنز، وخزن يخزن، وَقَالَ طرفَة:
(ثمَّ لَا يخزن فِينَا لَحمهَا إِنَّمَا يخزن لحم المدخر)
وَيُقَال: صل اللَّحْم وأصل، وخم وأخم، وثنت ونثت: إِذا أروح وَتغَير.
وَأما خِيَانَة حَوَّاء زَوجهَا فَإِنَّهَا كَانَت فِي ترك النَّصِيحَة فِي أَمر الشَّجَرَة لَا فِي غير ذَلِك. وَالْمرَاد أَن بني إِسْرَائِيل لما نهوا أَن يدخروا فخالفوا فسد اللَّحْم، واطردت الْحَال فِيهِ عِنْد كل مدخر. وَلما خانت حَوَّاء زَوجهَا اطردت الْحَال فِي بناتها.
١٩٩٣ - / ٢٤٥٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن والثمانين بعد الْمِائَتَيْنِ: «لَا ينظر الله إِلَى من جر إزَاره بطرا» .
[ ٣ / ٥٠٤ ]
البطر: الطغيان عِنْد النِّعْمَة. وَالْمعْنَى أَن الله معرض عَنهُ غير مقبل عَلَيْهِ.
١٩٩٤ - / ٢٤٥٦ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع والثمانين بعد الْمِائَتَيْنِ: «لَا يتمنين أحدكُم الْمَوْت، إِمَّا محسنا فَلَعَلَّهُ يزْدَاد، أَو مسيئا فَلَعَلَّهُ يستعتب» .
اعْلَم أَن تمني الْمَوْت اخْتِيَار من العَبْد لنَفسِهِ مَا يظنّ فِيهِ الْخيرَة، والخيرة غَائِبَة عَن الْآدَمِيّ لَا يعلمهَا، وَالْمُؤمن إِذا بَقِي ازْدَادَ خيرا أَو تَابَ من شَرّ.
والإستعتاب: الرُّجُوع عَن الْإِسَاءَة إِلَى الْإِحْسَان.
١٩٩٥ - / ٢٤٥٧ - وَفِي الحَدِيث التسعين بعد الْمِائَتَيْنِ: «وَلَقَاب قَوس أحدكُم فِي الْجنَّة خير مِمَّا تطلع عَلَيْهِ الشَّمْس أَو تغرب» .
القاب: الْقدر. وَقيل: القاب من الْقوس: مَا بَين المقبض إِلَى السية، وَلكُل قَوس قابان. وسية الْقوس: طرفها.
والغدو: أول النَّهَار، والغدوة: الفعلة الْوَاحِدَة. والرواح: من زَوَال الشَّمْس إِلَى اللَّيْل. والروحة: الفعلة الْوَاحِدَة.
١٩٩٦ - / ٢٤٥٨ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالتسْعين بعد الْمِائَتَيْنِ: «إِذا قَاتل أحدكُم أَخَاهُ فليجتنب الْوَجْه، فَإِن الله خلق آدم على صورته» .
قد أوسعنا الْكَلَام فِي هَذَا قبل عشرَة أَحَادِيث، وَبينا أَن كثيرا من
[ ٣ / ٥٠٥ ]
السّلف كَانَ يسكت عَن الْكَلَام فِي هَذَا. وَقد قَالَ قوم: المُرَاد بِهَذَا الحَدِيث أَن الله تَعَالَى خلق آدم على صُورَة هَذَا الْمَضْرُوب، فَيَنْبَغِي أَن يحترم لأجل آدم.
١٩٩٧ - / ٢٤٦٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالتسْعين بعد الْمِائَتَيْنِ: «يضْحك الله إِلَى رجلَيْنِ» .
قد ذكرنَا أَن أَكثر السّلف كَانُوا يمتنعون من تَفْسِير مثل هَذَا ويمرونه كَمَا جَاءَ، وَيَنْبَغِي أَن تراعى قَاعِدَة فِي هَذَا قبل الإمرار: وَهِي أَنه لَا يجوز أَن يحدث لله صفة، وَلَا تشبه صِفَاته صِفَات الْخلق، فَيكون معنى إمرار الحَدِيث الْجَهْل بتفسيره. وَقَالَ الْخطابِيّ: الضحك الَّذِي يعتري الْبشر عِنْدَمَا يستخفهم الْفَرح أَو يستفزهم الطَّرب غير جَائِز على الله سُبْحَانَهُ، وَإِنَّمَا هَذَا مثل مَضْرُوب لهَذَا الصَّنِيع الَّذِي يحل مَحل الْعجب عِنْد الْبشر، فَإِذا رَأَوْهُ أضحكهم. وَمعنى يضْحك فِي صفة الله ﷿ الْإِخْبَار عَن الرِّضَا بِفعل أحد هذَيْن وَالْقَبُول للْآخر ومجازاتهما على صنيعهما الْجنَّة مَعَ تبَاين مقاصدهما.
١٩٩٨ - / ٢٤٦١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالتسْعين بعد الْمِائَتَيْنِ: «الْمُؤمن يَأْكُل فِي معى وَاحِد» قد سبق الْكَلَام عَلَيْهِ فِي مُسْند أبي مُوسَى.
[ ٣ / ٥٠٦ ]
١٩٩٩ - / ٢٤٦٥ - وَمَا بعد هَذَا قد تقدم إِلَى الحَدِيث الثَّامِن وَالتسْعين بعد الْمِائَتَيْنِ،، فِيهِ: «لَوْلَا أَن أشق على أمتِي لأمرتهم بِالسِّوَاكِ مَعَ كل صَلَاة» .
وَفِي هَذَا دَلِيل على أَن مُطلق الْأَمر يَقْتَضِي الْوُجُوب: لِأَنَّهُ أعلمهم أَنه لَو أَمر لوَجَبَ. وَلَا يحسن أَن يُقَال: يجوز أَن يَأْمُرهُم وَيكون أَمر ندب، لِأَنَّهُ لَا يصرف أمره إِلَى النّدب إِلَّا بِقَرِينَة، وَهُوَ بِهَذَا القَوْل قد ندب.
٢٠٠٠ - / ٢٤٦٦ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالتسْعين بعد الْمِائَتَيْنِ: «حجبت النَّار بالشهوات ﷺ وحجبت الْجنَّة بالمكاره» وَفِي لفظ: «حفت» .
حجبت بِمَعْنى سترت. وَالشَّيْء لَا يُوصل إِلَيْهِ إِلَّا بعد كشف ستره ومجاوزه مَا حف بِهِ، وَقد سبق هَذَا فِي مُسْند أنس.
٢٠٠١ - / ٢٤٦٧ - وَفِي الحَدِيث الثلاثمائة: «لَيْسَ الْغنى عَن كَثْرَة الْعرض، وَلَكِن الْغنى غنى النَّفس» .
الْعرض: جَمِيع الْأَمْوَال. وَالْمرَاد بِهِ أَنه من افْتَقَرت نَفسه لم يغنه شَيْء، وافتقارها يكون بالشره فَلَا يغنيها مَا يكفيها، وأنشدوا فِي هَذَا الْمَعْنى:
[ ٣ / ٥٠٧ ]
(غنى النَّفس لمن يعقل خير من غنى المَال)
(وَفضل النَّاس فِي الْأَنْفس لَيْسَ الْفضل فِي الْحَال)
٢٠٠٢ - / ٢٤٦٨ - وَفِي الحَدِيث الأول بعد الثلاثمائة: «لَا يصل أحدكُم فِي الثَّوْب الْوَاحِد لَيْسَ على عَاتِقه مِنْهُ شَيْء» .
قَالَ الزّجاج: صفحة الْعُنُق من مَوضِع الرِّدَاء من الْجَانِبَيْنِ يُقَال لَهَا العاتق.
وَهَذَا الحَدِيث يدل على مَذْهَبنَا، فَإِن عندنَا أَن ستر الْمَنْكِبَيْنِ وَاجِب فِي صَلَاة الْفَرْض دون النَّفْل. وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: لَا يجب فيهمَا وَإِنَّمَا يسْتَحبّ.
٢٠٠٣ - / ٢٤٦٩ - والْحَدِيث الثَّانِي بعد الثلاثمائة: قد تقدم فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
٢٠٠٤ - / ٢٤٧٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث بعد الثلاثمائة: «دَعونِي مَا تركتكم؛ إِنَّمَا أهلك من كَانَ قبلكُمْ سُؤَالهمْ وَاخْتِلَافهمْ على أَنْبِيَائهمْ» .
قد بَين فِي الحَدِيث سَبَب قَوْله هَذَا، وَهُوَ أَنه لما قَالَ: «أَيهَا
[ ٣ / ٥٠٨ ]
النَّاس، قد فرض عَلَيْكُم الْحَج فحجوا» . قَالَ رجل: كل عَام؟ فَسكت، حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: «لَو قلت نعم لَوَجَبَتْ وَلما اسْتَطَعْتُم» ثمَّ قَالَ: «ذروني مَا تركتكم» فَأَرَادَ مِنْهُم ﷺ أَن يقومُوا بظواهر الْأَوَامِر من غير تعمق وتكلف، فَإِن قَوْله: «قد فرض عَلَيْكُم الْحَج» يَكْفِي فِي امْتِثَال هَذَا حجَّة وَاحِدَة، فالسؤال: هَل هُوَ كل عَام؟ تكلّف وتعمق. وَمثل هَذَا جرى لبني إِسْرَائِيل حِين قَالَ لَهُم: (اذبحوا بقرة) فَلَو اعْترضُوا بقرة فذبحوها كَانُوا قد عمِلُوا بِمُقْتَضى الْخطاب، وَلَكنهُمْ شَدَّدُوا فَشدد عَلَيْهِم.
وَقَوله: «إِذا أَمرتكُم بِأَمْر فَأتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم» قد دلّ على وجوب الْمَقْدُور عَلَيْهِ من جَمِيع المأمورات، فَإِن من لم يُمكنهُ الصَّلَاة قَاعِدا صلى على جنب، وَكَذَلِكَ إِذا وجد من المَاء بعض مَا يَكْفِي فِي الطَّهَارَة فَإِنَّهُ يَسْتَعْمِلهُ ثمَّ يتَيَمَّم لما بَقِي، إِن كَانَت جَنَابَة فَلَا خلاف فِي الْمَذْهَب، وَإِن كَانَ وضُوءًا فَفِيهِ لِأَصْحَابِنَا وَجْهَان، وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ، الْمَنْصُور عندنَا وَعِنْدهم اسْتِعْمَاله. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: لَا يلْزم اسْتِعْمَاله فِي الطهارتين.
٢٠٠٥ - / ٢٤٧١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع بعد الثلاثمائة: «لَا يَأْتِي ابْن آدم النّذر بِشَيْء لم أكن قدرته» . وَقد تكلمنا عَلَيْهِ فِي مُسْند ابْن عمر.
٢٠٠٦ - / ٢٤٧٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس بعد الثلاثمائة: أَن رجلا
[ ٣ / ٥٠٩ ]
خرج بِصَدقَة فَوَقَعت فِي يَد سَارِق، ثمَّ خرج بِصَدقَة فَوَقَعت فِي يَد زَانِيَة .
وَهَذَا الحَدِيث يدل على أَن الثَّوَاب يكون بنية الْمُتَصَدّق وَإِن لم يُصَادف أَهلا.
٢٠٠٧ - / ٢٤٧٣ - والْحَدِيث السَّادِس بعد الثلاثمائة: قد سبق فِي مُسْند جَابر بن عبد الله.
٢٠٠٨ - / ٢٤٧٤ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع بعد الثلاثمائة: «كَانَت امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابناهما، فجَاء الذِّئْب فَذهب بِابْن إِحْدَاهمَا، فَقَالَت لصاحبتها: إِنَّمَا ذهب بابنك، فتحاكمتا إِلَى دَاوُد، فَقضى بِهِ للكبرى، فَقَالَ سُلَيْمَان: ائْتُونِي بالسكين أشقه بَينهمَا، فَقَالَت الصُّغْرَى: لَا تفعل، هُوَ ابْنهَا، فَقضى بِهِ للصغرى» .
أما دَاوُد ﵇ فَرَأى استواءهما فِي الْيَد فَقدم الْكُبْرَى لأجل السن، وَأما سُلَيْمَان ﵇ فَرَأى الْأَمر مُحْتملا، فاستنبط فَأحْسن، فَكَانَ أحد فطنة من دَاوُد، وَكِلَاهُمَا حكم بالإجتهاد، لِأَنَّهُ لَو كَانَ دَاوُد حكم بِالنَّصِّ لم يسع سُلَيْمَان أَن يحكم بِخِلَافِهِ، وَلَو كَانَ مَا حكم بِهِ نصا لم يخف على دَاوُد.
وَهَذَا الحَدِيث يدل على أَن الفطنة والفهم موهبة لَا بِمِقْدَار السن،
[ ٣ / ٥١٠ ]
قَالَ أَبُو بكر الْخَطِيب: وَفِيه دَلِيل على أَن الْحق فِي جِهَة وَاحِدَة، لِأَن سُلَيْمَان لَو وجد مساغا أَلا ينْقض على دَاوُد حكمه لفعل.
٢٠٠٩ - / ٢٤٧٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن بعد الثلاثمائة: «يَد الله ملأى، لَا يغيضها نَفَقَة، سحاء اللَّيْل وَالنَّهَار» .
يغيض: ينقص.
والسحاء: الدائمة الصب. يُقَال: سَحَابَة سحوح: أَي كَثِيرَة الصب. وَفرس مسح: أَي سريعة شَدِيدَة الْعَدو، تشبه بانصباب الْمَطَر.
وَقَوله: «بِيَدِهِ الْمِيزَان» قَالَ أَبُو سُلَيْمَان: ذكر الْمِيزَان مثل، وَإِنَّمَا هُوَ قسمه بِالْعَدْلِ بَين الْخلق، يخْفض من يَشَاء وَيرْفَع من يَشَاء، ويوسع على من يَشَاء، كَمَا يصنع الْوزان عِنْد الْوَزْن.
قَوْله: «وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْفَيْض وَالْقَبْض» الْفَيْض من فاض الشَّيْء، فيشار بِهَذَا إِلَى سَعَة الْعَطاء. وَالْقَبْض ضد الْبسط، فيشار بِهَذَا إِلَى الْمَنْع، وَهُوَ أليق لمقابلته الْإِعْطَاء.
٢٠١٠ - / ٢٤٧٨ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي عشر بعد الثلاثمائة: «إِن لله مَلَائِكَة سيارة فضلا» . أَي يزِيدُونَ على كتاب النَّاس ويفضلون عَنْهُم.
٢٠١١ - / ٢٤٧٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي عشر بعد الثلاثمائة: «الْوَلَد
[ ٣ / ٥١١ ]
للْفراش، وللعاهر الْحجر» .
الْمَعْنى: الْوَلَد لصَاحب الْفراش وَهُوَ الزَّوْج؛ لِأَن الزَّانِي لَا فرَاش لَهُ. وَقَالَ قوم: الْفراش: الزَّوْج، وَاحْتَجُّوا بقول جرير:
(باتت تعارضه وَبَات فراشها . .)
قَالَ ابْن فَارس: وعَلى هَذَا يجوز أَن يكون الزَّوْج قد استعير لَهُ اسْم الْمَرْأَة كَمَا اشْتَركَا فِي اللبَاس وَالزَّوْج.
والعهر: الزِّنَا. وَمعنى قَوْله: «للعاهر الْحجر» أَي: لَا حَظّ لَهُ فِي نسب الْوَلَد، كَمَا تَقول: لَهُ التُّرَاب، أَي لَا شَيْء لَهُ.
٢٠١٢ - / ٢٤٨٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث عشر بعد الثلاثمائة: قضى رَسُول الله ﷺ إِذا تشاجروا فِي الطَّرِيق بسبعة أَذْرع.
تشاجروا واشتجروا بِمَعْنى تنازعوا وَاخْتلفُوا. قَالَ أَبُو سُلَيْمَان: وَوجه هَذَا الحَدِيث أَن يكون هَذَا فِي الطَّرِيق الشارعة الَّتِي هِيَ معبر النَّاس، وَقد يكون ذَلِك فِي الطَّرِيق الْوَاسِع من شوارع الْمُسلمين يقْعد فِي حافتيه قوم من الباعة يرتفقون بهَا، فَإِن كَانَ الشَّارِع الْمَتْرُوك فِيهِ للمارة سَبْعَة أَذْرع لم يمنعوا من الْقعُود فِيهِ والإرتفاق بِهِ، وَإِن كَانَ ذَلِك
[ ٣ / ٥١٢ ]
أقل منعُوا لِئَلَّا تضيق الطَّرِيق على أَهلهَا.
٢٠١٣ - / ٢٤٨١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع عشر بعد الثلاثمائة: «يعْقد الشَّيْطَان على قافية رَأس أحدكُم إِذا هُوَ نَام ثَلَاث عقد، يضْرب على كل عقدَة مَكَانهَا: عَلَيْك ليل طَوِيل فارقد» .
قافية الرَّأْس: مؤخره، وَقفا كل شَيْء وقافيته: آخِره، وَمِنْه سمي آخر بَيت الشّعْر قافية. قَالَ أَبُو عبيد: فَكَأَن معنى الحَدِيث: على قفا أحدكُم ثَلَاث عقد للشَّيْطَان.
وَقَوله: «عَلَيْك ليل طَوِيل» أَي يَقُول لَهُ ذَلِك. وَمَتى مَا انتبه الْإِنْسَان وَقد أَخذ حظا من نَومه يَكْفِيهِ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يتعلل عَن الْقيام، فَإِنَّهُ رُبمَا أَخذه النّوم إِلَى الْفجْر، وَقد كَانَ سُفْيَان الثَّوْريّ يَقُول: إِذا انْتَبَهت لم أقل نَفسِي. وَكَانَ آخر من الْعباد يَقُول: إِذا انْتَبَهت ثمَّ عدت أَنَام فَلَا أَنَام الله عَيْني.
٢٠١٤ - / ٢٤٨٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس عشر بعد الثلاثمائة: «إِذا نظر أحدكُم إِلَى من فضل عَلَيْهِ فِي المَال والخلق فَلْينْظر إِلَى من هُوَ أَسْفَل مِنْهُ» .
هَذَا من أحسن الْأَدَب، وَبِه يطيب الْعَيْش، فَإِن النَّفس تحب أَلا يفوقها أحد فِي شَيْء، فَإِذا نظرت إِلَى من قد فاقها انْكَسَرت، وَرُبمَا
[ ٣ / ٥١٣ ]
تسخطت مَا هِيَ فِيهِ، فَإِذا نظرت إِلَى من دونهَا عرفت قدر النِّعْمَة فَشَكَرت.
وأجدر بِمَعْنى أَحَق.
والازدراء: الاحتقار.
وَمَا أحسن مَا قَالَ بعض الْعَرَب:
(إِذا شِئْت أَن تحيا غَنِيا فَلَا تكن على حَالَة إِلَّا رضيت بِدُونِهَا)
٢٠١٥ - / ٢٤٨٤ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع بعد الثلاثمائة: «إيَّاكُمْ وَالظَّن؛ فَإِن الظَّن أكذب الحَدِيث» .
المُرَاد بِهَذَا الظَّن القَوْل بِمُقْتَضى الظَّن، فَإِنَّهُ حكم على مَا لم يتَيَقَّن فَلذَلِك كَانَ أكذب الحَدِيث، فَأَما خواطر الْقلب فَإِنَّهَا لَا تملك فَلَا ينْهَى عَنْهَا. قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ: الظَّن ظنان: فَظن هُوَ إِثْم: وَهُوَ أَن يظنّ وَيتَكَلَّم بِهِ، وَظن لَيْسَ بإثم: وَهُوَ أَن يظنّ وَلَا يتَكَلَّم بِهِ.
وَمَا بعد هَذَا من الحَدِيث قد سبق إِلَى قَوْله: «وَلَا تجسسوا» والتجسس: التبحث وَالِاسْتِقْصَاء والفحص عَن بواطن الْأُمُور، وَأكْثر مَا يُقَال ذَلِك فِي الشَّرّ، والجاسوس: صَاحب سر الشَّرّ، والناموس: صَاحب سر الْخَيْر.
وَأما قَوْله: «وَلَا تحسسوا» بِالْحَاء فَقَالَ قوم - مِنْهُم أَبُو عُبَيْدَة: الْجِيم والحاء بِمَعْنى، فعلى هَذَا إِنَّمَا ذكره تَأْكِيدًا، فَخَالف بَين اللفظتين، كَقَوْل الشَّاعِر:
[ ٣ / ٥١٤ ]
( . . وألفى قَوْلهَا كذبا ومينا)
قَالَ قوم - مِنْهُم يحيى بن أبي كثير: التَّجَسُّس بِالْجِيم: الْبَحْث عَن عورات النَّاس، وَبِالْحَاءِ: الِاسْتِمَاع لحَدِيث الْقَوْم. وَكَانَ أَبُو بكر ابْن مقسم يذهب بِالْجِيم إِلَى الإجتهاد فِي الطّلب، وَيَقَع على جَمِيع الْجَوَارِح، وَيذْهب بِالْحَاء إِلَى التسمع وَمد الْعين، من قَوْلك: أحسست الشَّيْء: إِذا سَمِعت حسه.
والمنافسة: الْحِرْص على الشَّيْء بِطَلَب طَالبه الإنفراد بِهِ، وَذَلِكَ إِذا كَانَ فِي طلب الدُّنْيَا أوجب التباغض، وَأما احتقار الْمُسلمين فَإِنَّمَا ينشأ من الْكبر.
٢٠١٦ - / ٢٤٨٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن عشر بعد الثلاثمائة: «لَا يُؤمن أحدكُم الَّذِي لَا يَأْمَن جَاره بوائقه» وَفِي لفظ: «لَا يدْخل الْجنَّة. .» .
قَالَ أَبُو عبيد: البوائق: الغوائل وَالشَّر، يُقَال: أَصَابَتْهُم بائقة: أَي داهية، وباقتهم تبوقهم بوقا، وَكَذَلِكَ فقرتهم الفاقرة، وصلتهم الصالة، والصالة: الداهية.
فَإِن قيل: فَهَل يخرج بِهَذَا من الْإِيمَان؟ فَالْجَوَاب: يخرج من كَمَال الْإِيمَان وَيُمكن أَن يُقَال إِن هَذِه الصّفة لَيست من صِفَات الْمُؤمن.
[ ٣ / ٥١٥ ]
فَإِن قيل: فَهَل يمْنَع هَذَا دُخُول الْجنَّة؟ فقد سبق مثل هَذَا مشروحا فِي مُسْند ابْن مَسْعُود.
٢٠١٧ - / ٢٤٨٦ - والْحَدِيث التَّاسِع عشر بعد الثلاثمائة: قد سبق فِي مُسْند أبي مُوسَى.
٢٠١٨ - / ٢٤٨٧ - وَفِي الحَدِيث الْعشْرين بعد الثلاثمائة: «نعم المنيحة اللقحة منيحة، وَالشَّاة الصفي تَغْدُو بِإِزَاءِ وَتَروح بِإِنَاء» .
المنيحة: الْعَطِيَّة، وَهِي هَا هُنَا عَارِية يمنح قوم لَبنهَا ثمَّ يردونها.
واللقحة بِكَسْر اللَّام: الشَّاة الَّتِي لَهَا لبن. وَبِفَتْحِهَا: الْمرة الْوَاحِدَة من الْحَلب. وَقيل: فِيهِ لُغَتَانِ: كسر اللَّام وَفتحهَا.
وَالشَّاة الصفي والناقة الصفي: الْكَثِيرَة اللَّبن. وصفايا الْإِبِل: الغزار مِنْهَا.
والصبوح: الشّرْب فِي وَقت الْغَدَاة. والغبوق: شرب الْعشي.
وَفِي هَذَا الحَدِيث كَلِمَات أخر كلهَا قد سبق شرحها.
٢٠١٩ - / ٢٤٨٨ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْعِشْرين بعد الثلاثمائة: بعث رَسُول الله ﷺ عمر على الصَّدَقَة، فَقيل: منع ابْن جميل وخَالِد ابْن الْوَلِيد وعباس بن عبد الْمطلب، فَقَالَ: «مَا ينقم ابْن جميل إِلَّا أَن
[ ٣ / ٥١٦ ]
كَانَ فَقِيرا فأغناه الله وَرَسُوله، وَأما خَالِد فَإِنَّكُم تظْلمُونَ خَالِدا، قد احْتبسَ أدراعه وأعبده» - وَفِي لفظ: «وأعتاده - فِي سَبِيل الله. وَالْعَبَّاس بن عبد الْمطلب فَهِيَ عَلَيْهِ صَدَقَة وَمثلهَا مَعهَا» - وَفِي رِوَايَة: «فَهِيَ عَليّ وَمثلهَا مَعهَا» .
قَوْله: «مَا ينقم» أَي مَا يكره، يُقَال: نقم ينقم، ونقم ينقم، وَالْمعْنَى: أَنه لَا ينقم شَيْئا، قَالَ الله ﷿: ﴿وَمَا نقموا مِنْهُم إِلَّا أَن يُؤمنُوا بِاللَّه﴾ [البروج: ٨] وأنشدوا:
(مَا نقم النَّاس من أُميَّة إِلَّا أَنهم يحلمون إِن غضبوا)
(وَأَنَّهُمْ سادة الْمُلُوك وَلَا يصلح إِلَّا عَلَيْهِم الْعَرَب)
وَالْمعْنَى: مَا ينقمون مِنْهُم شَيْئا، وَهَذَا من جنس قَول الشَّاعِر:
(وَلَا عيب فيهم غير أَن سيوفهم بِهن فلول من قراع الْكَتَائِب)
أَي لَا عيب فيهم أصلا.
وَقَوله: «تظْلمُونَ خَالِدا» فِيهِ أَرْبَعَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه اعتذر لخَالِد، فَكَأَنَّهُ يَقُول: من تبرع بِمَا لَا يجب من الْوَقْف كَيفَ يبخل بِالْوَاجِبِ عَلَيْهِ. وَالثَّانِي: أَن يكون خَالِد طُولِبَ بِالزَّكَاةِ عَن أَثمَان الدروع والأعبد لكَونهَا من مَال التِّجَارَة فَأخْبر النَّبِي ﷺ أَنه لَا زَكَاة عَلَيْهِ، لِأَن المزكى قد خرج عَن يَده. وَالثَّالِث: أَن يكون خَالِد قد
[ ٣ / ٥١٧ ]
تصدق بِتِلْكَ الدروع والأعبد على الْمُجَاهدين على وَجه الْقيمَة فِي الزَّكَاة فحسبها لَهُ. وَالرَّابِع: أَن لفظ هَذَا الحَدِيث الأول: أَمر رَسُول الله ﷺ بِصَدقَة، وَظَاهر هَذَا يدل على أَنَّهَا تطوع فَلذَلِك عذره.
وَأما الأعتاد فَقَالَ الْخطابِيّ: أعتاد: كل مَا أعده الرجل من سلَاح ومركوب وَآلَة الْجِهَاد. وَيُقَال: أعتدت الشَّيْء للرجل: إِذا هيأته لَهُ.
وَأما قَوْله فِي صَدَقَة الْعَبَّاس: «فَهِيَ عَلَيْهِ وَمثلهَا مَعهَا» فَقَالَ أَبُو عبيد: نرى أَنه كَانَ أخر الصَّدَقَة عَاميْنِ وَلَيْسَ وَجه ذَلِك إِلَّا حَاجَة الْعَبَّاس إِلَيْهَا. قَالَ: وَيجوز للْإِمَام أَن يؤخرها إِذا كَانَ على وَجه النّظر ثمَّ يَأْخُذهَا بعد. قَالَ لنا ابْن نَاصِر: وَيجوز أَن يكون قد قَالَ: هِيَ عَلَيْهِ بتَشْديد الْيَاء وَلم يبين ذَلِك الرَّاوِي. وَأما من روى «فَهِيَ عَلَيْهِ» فقد روى الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث مُوسَى بن طَلْحَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «إِنَّا كُنَّا احتجنا فتعجلنا من الْعَبَّاس صَدَقَة مَاله سنتَيْن» وَبِهَذَا الحَدِيث قُلْنَا نَحن وَأَبُو حنيفَة: يجوز تَعْجِيل زَكَاة سنتَيْن. وَيحْتَمل
[ ٣ / ٥١٨ ]
أَن يكون الْمَعْنى: هِيَ عَليّ: أَي أَنا أؤديها عَنهُ لما لَهُ عَليّ من الْحق، وَلِهَذَا قَالَ: «عَم الرجل صنو أَبِيه» والصنو: الْمثل. قَالَ الْخطابِيّ: وَفِي حَدِيث مُوسَى بن عقبَة: «فَهِيَ لَهُ وَمثلهَا مَعهَا» أَي فَهِيَ عَلَيْهِ، وَله بِمَعْنى عَلَيْهِ، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿لَهُم اللَّعْنَة﴾ [الرَّعْد: ٢٥]
٢٠٢٠ - / ٢٤٩٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْعِشْرين بعد الثلاثمائة: «الْغَرْقَد من شجر الْيَهُود» .
الْغَرْقَد: شجر لَهُ شوك. وَقد ذَكرْنَاهُ فِي مُسْند عَليّ ﵇.
٢٠٢١ - / ٢٤٩١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْعِشْرين بعد الثلاثمائة: «إِن فرس الْمُجَاهِد ليستن فِي طوله» .
أَي ليعدو فِي حبله الَّذِي قد شدّ بِهِ. وَقد سبق هَذَا فِي هَذَا الْمسند. وَالَّذِي بعده أَيْضا.
٢٠٢٢ - / ٢٤٩٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي من أَفْرَاد البُخَارِيّ: أَن رَسُول الله ﷺ قضى فِيمَن زنا وَلم يحصن بِنَفْي عَام وبإقامة
[ ٣ / ٥١٩ ]
الْحَد عَلَيْهِ.
إِذا زنى الْمُكَلف وَجب عَلَيْهِ الْحَد، فَإِن كَانَ مُحصنا فحده الرَّجْم حَتَّى يَمُوت، وَهل يجلد قبل الرَّجْم أم لَا؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد.
والمحصن من كَانَ بَالغا قد جَامع فِي نِكَاح صَحِيح من هُوَ على مثل حَاله، فَإِن اخْتَلَّ شَرط من ذَلِك فِي أَحدهمَا فَلَا إِحْصَان لَهما. فَإِن زنا مُحصن بِغَيْر مُحصن رجم الْمُحصن وَجلد الآخر وَغرب. وَإِن كَانَ الزَّانِي غير مُحصن وَهُوَ حر فحده مائَة جلدَة وتغريب عَام، وَهُوَ المُرَاد فِي هَذَا الحَدِيث بِنَفْي عَام. وَهَذَا النَّفْي عندنَا وَاجِب، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يجب، والْحَدِيث نَص.
وَقَوله: بِإِقَامَة الْحَد: أَي مَعَ إِقَامَة الْحَد: وَهُوَ الْجلد.
٢٠٢٣ - / ٢٤٩٦ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: «خير الصَّدَقَة مَا كَانَ عَن ظهر غنى، وابدأ بِمن تعول» .
وَاعْلَم أَن الصَّدَقَة نَافِلَة، وإغناء النَّفس والأهل وَاجِب، فَإِذا أغنوا حسنت الصَّدَقَة بعد ذَلِك، فَهَذَا معنى قَوْله: «وابدأ بِمن تعول» .
فَإِن قيل: فَكيف الْجمع بَين هَذَا وَبَين قَوْله: «أفضل الصَّدَقَة جهد مقل»؟ .
فَالْجَوَاب: من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون جهد الْمقل بعد إغناء من يلْزم إغناؤه، فَكَأَنَّهُ يستسل من فواضل الْغنى شَيْئا فَيتَصَدَّق بِهِ.
[ ٣ / ٥٢٠ ]
وَالثَّانِي: أَن الْمقل إِذا آثر وصبر فَهُوَ غَنِي بِالصبرِ.
وَقَوله: «وَالْيَد الْعليا» قد سبق تَفْسِيرهَا فِي مُسْند ابْن عمر.
وَقَوله: «وَمن يستعفف يعفه الله» قد فسرناه فِي مُسْند أبي سعيد.
٢٠٢٤ - / ٢٤٩٧ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: قلت: يَا رَسُول الله، إِنِّي شَاب، وَإِنِّي أَخَاف على نَفسِي الْعَنَت، وَلَا أجد مَا أَتزوّج بِهِ، كَأَنَّهُ يسْتَأْذن فِي الإختصاء، قَالَ: فَسكت عني، ثمَّ قلت مثل ذَلِك مرَارًا، فَقَالَ: «جف الْقَلَم بِمَا أَنْت لَاق، فاختص على ذَلِك أَو ذَر» .
الْعَنَت: الزِّنَا، وأصل الْعَنَت الْحمل على مشقة لَا تطاق، وَإِنَّمَا ذكر الْقدر ليمنعه من ذَلِك الْفِعْل. وَالْمعْنَى: مَا تقدر أَن تخرج على الْمَقْدُور.
وَقَوله: «فاختص» لَيْسَ بِأَمْر، وَإِنَّمَا الْمَعْنى: إِن فعلت أَو لم تفعل فلابد من نُفُوذ الْقدر. وَقد رَأينَا بعض جهال الْأَحْدَاث تزهد فِي صباه، فَلَمَّا اشتدت عَلَيْهِ الْعُزُوبَة جب نَفسه. وَكُنَّا قد سمعنَا عَن بعض القدماء أَنه جب نَفسه حَيَاء من الله ﷿. فَانْظُر إِلَى مَا يصنع الْجَهْل بأَهْله، فَأول مَا يُقَال لهَذَا: لَيْسَ لَك أَن تتصرف إِلَّا بِإِذن الله ﷿، وَهَذَا أَمر لَا يُقَال: مَا أذن فِيهِ، بل قد حرمه. ثمَّ يَنْبَغِي أَن يعلم أَن الله تَعَالَى وضع هَذَا الْأَمر لحكمة هِيَ إِيجَاد النَّسْل، فَمن
[ ٣ / ٥٢١ ]
تسبب فِي قطع النَّسْل فقد ضاد الْحِكْمَة. ثمَّ من النِّعْمَة على الرجل خلقه رجلا وَلم يَجْعَل امْرَأَة، فَإِذا جب نَفسه اخْتَار النَّقْص على التَّمام، ثمَّ إِنَّه يفعل مَا نهي عَنهُ، فَلَو مَاتَ فِي ذَلِك اسْتحق النَّار، ثمَّ يكابد شدَّة لَا تُوصَف، ثمَّ يمْنَع نَفسه لَذَّة عاجلة وَوُجُود ولد يذكر بِهِ أَو يُثَاب عَلَيْهِ، ثمَّ قد كَانَ نسبه مُتَّصِلا من آدم إِلَيْهِ فتسبب لقطع ذَلِك الْمُتَّصِل، ثمَّ قد شوه نَفسه، ثمَّ هُوَ أبعد مِمَّا رجاه؛ فَإِن قطع الْآلَة لَا تزيل مَا فِي الْقلب من الشَّهْوَة، فالشهوة فِي الْقلب على حَالهَا والفكر فِي ذَلِك لَا يَنْقَطِع، وَالْعجب من ذَلِك المتزهد الأحمق الَّذِي استحيا من الله ﷿ مِمَّا وَضعه الله تَعَالَى، فَلَو شَاءَ الله تَعَالَى لم يضع هَذَا فِي النَّفس، فنعوذ بِاللَّه من الْجَهْل، فَإِنَّهُ ظلمات بَعْضهَا فَوق بعض.
٢٠٢٥ - / ٢٤٩٨ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس: «إِنِّي لأستغفر الله وَأَتُوب إِلَيْهِ فِي الْيَوْم أَكثر من سبعين مرّة» .
اعْلَم أَن هفوات الطباع لَا يسلم مِنْهَا أحد، فالأنبياء وَإِن عصموا من الْكَبَائِر لم يعصموا من الصَّغَائِر، ثمَّ يَتَجَدَّد للطبع غفلات يفْتَقر إِلَى الاسْتِغْفَار.
٢٠٢٦ - / ٢٥٠٠ - والْحَدِيث الثَّامِن: قد سبق فِي مُسْند أبي أَيُّوب.
٢٠٢٧ - / ٢٥٠١ - وَالتَّاسِع فِي مُسْند ابْن عمر.
[ ٣ / ٥٢٢ ]
٢٠٢٨ - / ٢٥٠٢ - وَفِي الحَدِيث الْعَاشِر: أُتِي رَسُول الله ﷺ بشارب فَقَالَ: «اضْرِبُوهُ» فمنا الضَّارِب بِيَدِهِ، والضارب بنعله، والضارب بِثَوْبِهِ.
كَانَت إِقَامَة الْحَد فِي زمن رَسُول الله ﷺ تَارَة بِالْأَيْدِي، وَتارَة بِالْجَرِيدِ، وَتارَة بالثياب، وَكَانَ الْمَقْصُود الإيلام بِالضَّرْبِ. وَقد ذكرنَا فِي مُسْند عَليّ الْكَلَام على الْحَد.
قَوْله: فَقَالَ بعض الْقَوْم: أخزاك الله. قَالَ ابْن فَارس: الْمَعْنى: أبعده ومقته.
وَقَوله: «وَلَا تعينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَان» وَذَاكَ لِأَن مُرَاد الشَّيْطَان إذلال الْمُسلم، وَالْحَد يَكْفِي طهره، فَلَا يجوز أَن يُضَاف إِلَيْهِ مَا لم يشرع فَيكون ذَلِك تعاطيا على الشَّرْع، ثمَّ من أَيْن يَأْمَن الْمُعير أَن يلقى مَا لَقِي.
٢٠٢٩ - / ٢٥٠٤ - وَقد سبق الحَدِيث الثَّانِي عشر فِي مُسْند ابْن عمر.
٢٠٣٠ - / ٢٥٠٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث عشر: «الشَّمْس وَالْقَمَر يكوران يَوْم الْقِيَامَة» .
[ ٣ / ٥٢٣ ]
اخْتلف الْعلمَاء فِي معنى هَذَا التكوير، فروى عَطِيَّة عَن ابْن عَبَّاس: أَنه الذّهاب والتعطيل. وَقَالَ مُجَاهِد: هُوَ الاضمحلال. وَقَالَ قَتَادَة: يذهب ضوءهما. وَقَالَ غَيره: تجمع الشَّمْس وَالْقَمَر ويرمى بهما فِي الْبَحْر، وَقيل: فِي النَّار.
٢٠٣١ - / ٢٥٠٦ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع عشر: ذكر الَّذِي اسْتقْرض ألف دِينَار ثمَّ اتخذ خَشَبَة فنقرها وَوضع فِيهِ ألف دِينَار، ثمَّ زجج موضعهَا.
قَالَ أَبُو سُلَيْمَان: معنى قَوْله زجج: سوى مَوضِع النقر وَأَصْلحهُ، وَأَحْسبهُ مأخوذا من تزجيج الحواجب: وَهُوَ حذف زَوَائِد الشّعْر، فَشبه مَا يكون من تَسْوِيَة النقر بذلك، وَإِن كَانَ النقر قد وَقع فِي طرف الْخَشَبَة فَشد عَلَيْهَا زجا لم يُنكر ذَلِك.
٢٠٣٢ - / ٢٥٠٧ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس عشر: «أريقوا على بَوْل الْأَعرَابِي سجلا من مَاء» .
السّجل: الدَّلْو الْكَبِير. وَقد ذكرنَا حكم الحَدِيث فِي مُسْند أنس.
٢٠٣٣ - / ٢٥٠٨ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس عشر: «إِن الله تَعَالَى قَالَ:
[ ٣ / ٥٢٤ ]
من عادى لي وليا فقد آذنته بِالْحَرْبِ» .
فِي هَذَا الحَدِيث إشكالات سَبْعَة: أَحدهَا: أَن يُقَال: كَيفَ يعادي الْإِنْسَان الْأَوْلِيَاء والأولياء قد تركُوا الدُّنْيَا وانفردوا عَن الْخلق، فَإِن جهل عَلَيْهِم جَاهِل حلموا، والعداوة إِنَّمَا تكون عَن خُصُومَة؟ والإشكال الثَّانِي: قَوْله: «فقد آذنته بِالْحَرْبِ» وَكَيف يتَصَوَّر الْحَرْب بَين الْخَالِق والمخلوق؟ والمحارب مناظر وَهَذَا الْمَخْلُوق فِي أسر قَبْضَة الْخَالِق. والإشكال الثَّالِث: «وَمَا تقرب إِلَيّ عَبدِي بِشَيْء أحب إِلَيّ مِمَّا افترضت عَلَيْهِ» وَالْعَادَة قد جرت بِأَن التَّقَرُّب يكون بِمَا لَا يجب كالهدايا إِلَى الْمُلُوك دون أَدَاء الْخراج، فَإِن مؤدي اللَّازِم لَا يكَاد يحمد، وَإِنَّمَا يشْكر من فعل مَا لَا يجب. وَالرَّابِع: أَن يُقَال: فَإِذا كَانَت الْفَرَائِض أفضل القربات، فَكيف أثمرت النَّوَافِل الْمحبَّة وَلم تثمرها الْفَرَائِض؟ وَالْخَامِس: قَوْله: «كنت سَمعه وبصره وَيَده» فَمَا صُورَة هَذَا؟ وَالسَّادِس: قَوْله: «وَلَئِن سَأَلَني لأعطينه» وَكم قد رَأينَا من عَابِد وَصَالح يَدْعُو ويبالغ وَلَا يرى إِجَابَة. وَالسَّابِع: قَوْله: «وَمَا ترددت عَن شَيْء» والتردد إِنَّمَا يَقع إِذا أشكلت الْمصلحَة فِي العواقب، وَذَلِكَ ينشأ عَن ضعف التَّدْبِير، وَالْحق ﷿ منزه عَن ذَلِك.
وَالْجَوَاب: أما الْإِشْكَال الأول: فَإِن معاداة الْأَوْلِيَاء يَقع من أَرْبَعَة أوجه: أَحدهَا: أَن يعاديهم الْإِنْسَان عصبية لغَيرهم، كَمَا يعادي الرافضي أَبَا بكر وَعمر. وَالثَّانِي: مُخَالفَة لمذهبهم كَمَا يعادي أهل الْبدع أَحْمد ابْن حَنْبَل. وَالثَّالِث: احتقارا لَهُم، فَيكون الْفِعْل بهم فعل الْأَعْدَاء،
[ ٣ / ٥٢٥ ]
كَمَا كَانَ بعض الْجُهَّال يحصب أويسا الْقَرنِي. وَالرَّابِع: أَنه قد يكون بَين الْوَلِيّ وَبَين النَّاس معاملات وخصومات وَلَيْسَ كل الْأَوْلِيَاء ينفردون فِي الزوايا، فَرب ولي فِي السُّوق.
وَأما الْإِشْكَال الثَّانِي: فَإِن الْإِنْسَان إِنَّمَا خُوطِبَ بِمَا يعقل، وَنِهَايَة الْعَدَاوَة الْحَرْب، ومحاربة الله ﷿ للْإنْسَان أَن يهلكه، وَتَقْدِير الْكَلَام: فقد تعرض لإهلاكي إِيَّاه.
وَأما الْإِشْكَال الثَّالِث: فَإِن فِي أَدَاء الْوَاجِبَات احتراما لِلْأَمْرِ وتعظيما لِلْأَمْرِ، وَبِذَلِك الإنقياد تظهر عَظمَة الربوبية، وَيبين ذل الْعُبُودِيَّة.
وَأما الرَّابِع: فَإِنَّهُ لما أدّى الْمُؤمن جَمِيع الْوَاجِبَات ثمَّ زَاد بالتنفل وَقعت الْمحبَّة لقصد التَّقَرُّب، لِأَن مؤدي الْفَرْض رُبمَا فعله خوفًا من الْعقَاب، والمتقرب بالنفل لَا يَفْعَله إِلَّا إيثارا للْخدمَة والقرب، فيثمر لَهُ ذَلِك مَقْصُوده.
وَأما الْخَامِس: فَإِن قَوْله: «كنت سَمعه وبصره» مثل، وَله أَرْبَعَة أوجه: أَحدهمَا: كنت كسمعه وبصره فِي إيثاره أَمْرِي، فَهُوَ يحب طَاعَتي ويؤثر خدمتي كَمَا يحب هَذِه الْجَوَارِح. وَالثَّانِي: أَن كليته مَشْغُولَة، فَلَا يصغي بسمعه إِلَّا إِلَى مَا يرضيني، وَلَا يبصر إِلَّا عَن أَمْرِي. وَالثَّالِث: أَن الْمَعْنى أَنِّي أحصل لَهُ مقاصده كَمَا يَنَالهُ بسمعه وبصره. وَالرَّابِع: كنت لَهُ فِي العون والنصرة كبصره وَيَده اللَّذين يعاونانه على عدوه.
[ ٣ / ٥٢٦ ]
وَأما السَّادِس: فَإِنَّهُ مَا سُئِلَ ولي قطّ إِلَّا وَأجِيب، وَإِلَّا أَنه قد تُؤخر الْإِجَابَة لمصْلحَة، وَقد يسْأَل مَا يظنّ فِيهِ مصلحَة وَلَا يكون فِيهِ مصلحَة فيعوض سواهُ.
وَأما السَّابِع فَجَوَابه من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون التَّرَدُّد للْمَلَائكَة الَّذين يقبضون الْأَرْوَاح، فأضافه الْحق ﷿ إِلَى نَفسه لِأَن ترددهم عَن أمره، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّل إِلَّا بِأَمْر رَبك﴾ [مَرْيَم: ٦٤] وَتردد الْمَلَائِكَة إِنَّمَا يكون لإِظْهَار كَرَامَة الْآدَمِيّ كَمَا تردد ملك الْمَوْت إِلَى آدم وَإِبْرَاهِيم ومُوسَى وَنَبِينَا ﷺ، فَأَما أَن يكون التَّرَدُّد لله فمحال فِي حَقه، وَهَذَا مَذْهَب الْخطابِيّ. فَإِن اعْترض على هَذَا فَقيل: مَتى أَمر الْملك بِقَبض الرّوح لم يجز لَهُ التَّرَدُّد فَكيف يتَرَدَّد؟ فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون إِنَّمَا تردد فِيمَا لم يجْزم لَهُ فِيهِ على وَقت، كَمَا رُوِيَ: «أَنه لما بعث ملك الْمَوْت إِلَى الْخَلِيل قيل لَهُ: تلطف بعبدي» . وَالثَّانِي: أَن يكون تردد رقة ولطف بِالْمُؤمنِ، لَا أَنه يُؤَخر الْقَبْض، فَإِنَّهُ إِذا نظر إِلَى قدر الْمُؤمن من احترمه فَلم تنبسط يَده لقبض روحه، وَإِذا ذكر أَمر الْإِلَه لم يكن لَهُ يَد فِي امتثاله.
وَالثَّانِي: أَنه خطاب لنا بِمَا نعقل، وَقد تنزه الرب ﷿ عَن حَقِيقَته كَمَا قَالَ: «من أَتَانِي يمشي أَتَيْته هرولة» فَكَمَا أَن أَحَدنَا يتَرَدَّد فِي ضرب وَلَده فيأمره التَّأْدِيب بضربه وتمنعه الْمحبَّة، فَإِذا أخبر بالتردد فهمنا قُوَّة محبته لَهُ بِخِلَاف عَبده فَإِنَّهُ لَا يتَرَدَّد فِي ضربه، فَأُرِيد تفهيمنا تَحْقِيق الْمحبَّة للْوَلِيّ بِذكر التَّرَدُّد. وَمن الْجَائِز أَن يكون تركيب الْوَلِيّ يحْتَمل خمسين سنة، فيدعو عِنْد الْمَرَض فيعافى ويقوى تركيبه فيعيش عشْرين أُخْرَى، فتغيير التَّرْكِيب والمكتوب من الْأَجَل كالتردد، وَذَلِكَ
[ ٣ / ٥٢٧ ]
ثَمَرَة الْمحبَّة.
٢٠٣٤ - / ٢٥٠٩ - والْحَدِيث السَّابِع عشر: قد تقدم فِي مُسْند ابْن مَسْعُود.
٢٠٣٥ - / ٢٥١٠ - وَالثَّامِن عشر قد تقدم فِي مُسْند كَعْب بن مَالك.
٢٠٣٦ - / ٢٥١١ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع عشر: «إِذا وسد الْأَمر إِلَى غير أَهله فانتظر السَّاعَة» .
أَي أسندت الْولَايَة والإمارة.
٢٠٣٧ - / ٢٥١٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْعِشْرين: «إِن أَيُّوب خر عَلَيْهِ رجل جَراد من ذهب» .
أَي جمَاعَة من جَراد، وَهَذَا من أَسمَاء الْجَمَاعَات الَّتِي لَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا، يُقَال: رجل من جَراد، وسرب من ظباء، وخيط من نعام، وعانة من حمير.
٢٠٣٨ - / ٢٥١٦ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْعِشْرين: «خفف على دَاوُد الْقُرْآن» .
[ ٣ / ٥٢٨ ]
يَعْنِي الْقِرَاءَة لكتابه الزبُور.
٢٠٣٩ - / ٢٥١٧ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْعِشْرين: «من يرد الله بِهِ خيرا يصب مِنْهُ» .
عَامَّة الْمُحدثين يقرءونه بِكَسْر الصَّاد يجْعَلُونَ الْفِعْل لله ﷿، وَسمعت أَبَا مُحَمَّد، ابْن الخشاب يفتح الصَّاد، وَهُوَ أحسن وأليق.
وَاعْلَم أَن سَلامَة الْبدن وَالْمَال توجب غَفلَة وإعراضا، فَإِن وجد الشُّكْر فَلَا عَن حرقة. وَالْبَلَاء يكسر النَّفس عَن أشرها وشرها وشرهها، ويثمر صدق اللجأ إِلَى الله سُبْحَانَهُ، وَيحصل ثَوَاب الْآخِرَة.
٢٠٤٠ - / ٢٥٢٤ - وَمَا بعد هَذَا قد تقدم إِلَى الحَدِيث الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ، وَفِيه: «يلقى إِبْرَاهِيم آزر وعَلى وَجه آزر قترة وغبرة، فَينْظر فَإِذا هُوَ بذيخ ملتطخ» .
آزر اسْم أَبِيه.
والقترة: الظلمَة. وَقَالَ الزّجاج: سَواد كالدخان. والغبرة: الْغُبَار، وَقَالَ مقَاتل: سَواد وكآبة.
والذيخ: ذكر الضباع.
وملتطخ: أَي بعذرة ونجاسة. وَالْمعْنَى: أَنه يمسخ آزر ويغير حَاله.
[ ٣ / ٥٢٩ ]
٢٠٤١ - / ٢٥٢٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ: «إِن الله يحب العطاس وَيكرهُ التثاؤب» .
إِن قَالَ قَائِل: لَيْسَ العطاس دَاخِلا تَحت الْكسْب وَلَا التثاؤب، فَمَا حِيلَة العَبْد فِي تَحْصِيل المحبوب وَنفي الْمَكْرُوه؟ فَالْجَوَاب: أَن العطاس إِنَّمَا يكون مَعَ انفتاح المسام وخفة الْبدن وتيسير الحركات، وَسبب هَذِه الْأَشْيَاء تَخْفيف الْغذَاء والتقلل من الْمطعم، فَأَما التثاؤب فَإِنَّهُ يكون مَعَ ثقل الْبدن وامتلائه واسترخائه للنوم، فَحَمدَ العطاس لِأَنَّهُ يعين على الطَّاعَة، وذم التثاؤب لِأَنَّهُ يثبط عَن الْخَيْر.
وَإِنَّمَا يضْحك الشَّيْطَان من قَول المتثائب «هَا» لمعنيين: أَحدهمَا: أَنه يرى ثَمَرَة تحريضه على الشِّبَع فيضحك فَرحا بِأَن أثمرت شجرات غرسه. وَالثَّانِي: أَن الْمسنون للمتثائب أَن يَكْظِم وَيحبس مَا اسْتَطَاعَ، فَإِذا ترك الْأَدَب وَقَالَ: «هَا» ضحك الشَّيْطَان لقلَّة أدبه.
وَأما التشميت فقد سبق تَفْسِيره فِي مُسْند أبي مُوسَى.
والبال: الْحَال.
وَلما أبان العطاس عَن صَلَاح - على مَا بَينا - ناسب ذَلِك أَن يَقُول الْعَاطِس: الْحَمد لله، وَلما كَانَ ذَلِك الصّلاح برحمة الله ناسب ذَلِك أَن يُقَال للعاطس: يَرْحَمك الله: أَي يزيدك رَحْمَة، وَلما قَامَ الرَّاد بِحَق الْمُسلم ناسب ذَلِك أَن يَقُول: وَيصْلح بالكم، أَي يصلح حالك بالسلامة وَالنعْمَة كَمَا أصلح حَالي بالعطاس.
[ ٣ / ٥٣٠ ]
٢٠٤٢ - / ٢٥٢٦ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالثَّلَاثِينَ: «إِن هَذَا الدّين يسر» .
يحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن الشَّرِيعَة سهلة فَلَا يَنْبَغِي التَّشْدِيد على النَّفس. وَالثَّانِي: أَن يكون الْمَعْنى: إِنَّمَا ينَال الدّين بالتلطف، وَيدل على هَذَا الْوَجْه قَوْله: «وَلنْ يشاد الدّين أحد إِلَّا غَلبه» .
وَقَوله: «فسددوا» أَي استعملوا السداد وَالصَّوَاب وقاربوا ذَلِك إِذا عجزتم عَنهُ.
والدلجة: سير اللَّيْل. وَذكر الغدوة والروحة والدلجة مثل للتلطف؛ فَإِن الْمُسَافِر لَو قطع اللَّيْل وَالنَّهَار بالسير انْقَطع، وَإِنَّمَا يسير الغدوة والروحة وشيئا من اللَّيْل ليجمع بَين قطع الطَّرِيق والتلطف بالرواحل.
وَقَوله: «الْقَصْد الْقَصْد» الْمَعْنى: اقتصدوا فِي الْعِبَادَة وَلَا تحملوا مِنْهَا مَا لَا تطيقونه.
وَقَوله: «لن يُنجي أحدا مِنْكُم عمله» قد تقدم فِي مُسْند جَابر بن عبد الله.
٢٠٤٣ - / ٢٥٢٧ - والْحَدِيث الْخَامِس وَالثَّلَاثُونَ: قد تقدم فِي مُسْند أنس.
٢٠٤٤ - / ٢٥٢٨ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالثَّلَاثِينَ: «أعذر الله إِلَى
[ ٣ / ٥٣١ ]
امْرِئ أخر أَجله حَتَّى بلغ سِتِّينَ سنة» .
أعذر: أَي أَقَامَ الْعذر فِي تَطْوِيل التَّعْمِير.
وَاعْلَم أَن الْأَسْنَان أَرْبَعَة: سنّ الصَّبِي، وَسن الشَّبَاب، وَسن الكهولة، وَسن الشيخوخة. فسن الصَّبِي هُوَ الَّذِي يكون فِيهِ الْبدن دَائِم النشوء والنمو، وَهُوَ إِلَى خمس عشرَة سنة. وَسن الشَّبَاب هُوَ الَّذِي يتكامل فِيهِ النمو ويبتدئ عَقِيبه بالإنحطاط، ومنتهاه فِي غَالب الْأَحْوَال خمس وَثَلَاثُونَ سنة، وَقد يبلغ أَرْبَعِينَ. وَبَعْضهمْ يُسمى مَا بَين الثَّلَاثِينَ إِلَى الْأَرْبَعين سنّ الْوُقُوف، كَأَن الْقُوَّة وقفت فِيهِ. ثمَّ من الْأَرْبَعين يَأْخُذ فِي النَّقْص، قَالَ الشَّاعِر:
(كَأَن الْفَتى يرقى من الْعُمر سلما إِلَى أَن يجوز الْأَرْبَعين وينحط)
وَسن الكهول الَّذِي قد تبين فِيهِ الإنحطاط وَالنُّقْصَان مَعَ بَقَاء من الْقُوَّة، ومنتهاه فِي أَكثر الْأَحْوَال سِتُّونَ سنة، فَمن بلغ السِّتين فقد انْتهى وَأثر فِيهِ ضعف الْقُوَّة وجاءته نذر الْمَوْت وَدخل فِي سنّ الْمَشَايِخ، وَفِي ذَلِك الزَّمَان يزِيد انحطاط الْقُوَّة ويقوى ظُهُور الضعْف إِلَى آخر الْعُمر.
وَقد أخبرنَا مُحَمَّد بن الْقَاسِم قَالَ: أخبرنَا حمد بن أَحْمد قَالَ: أخبرنَا أَحْمد بن عبد الله الْحَافِظ قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عَليّ قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن حَكِيم قَالَ: حَدثنَا أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ قَالَ: حدثونا
[ ٣ / ٥٣٢ ]
عَن يحيى بن يمَان قَالَ: سَمِعت سُفْيَان الثَّوْريّ يَقُول: من بلغ سنّ النَّبِي ﷺ فليرتد لنَفسِهِ كفنا.
٢٠٤٥ - / ٢٥٣١ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالثَّلَاثِينَ: «يَقُول الله تَعَالَى: مَا لعبدي الْمُؤمن عِنْدِي جَزَاء إِذا قبضت صَفيه من أهل الدُّنْيَا ثمَّ احتسبه إِلَّا الْجنَّة» .
الصفي: الْمُصْطَفى كَالْوَلَدِ وَالْأَخ وكل مَحْبُوب مُؤثر.
٢٠٤٦ - / ٢٥٣٢ - وَفِي الحَدِيث الْأَرْبَعين: «قَالَ الله تَعَالَى: ثَلَاثَة أَنا خصمهم يَوْم الْقِيَامَة: رجل أعْطى بِي ثمَّ غدر. وَرجل بَاعَ حرا فَأكل ثمنه. وَرجل اسْتَأْجر أَجِيرا فاستوفى مِنْهُ وَلم يُعْطه أجره» .
قَوْله: «أعْطى بِي» أَي حلف بِي، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ اجترأ على ربه ﷿. وَأما الَّذِي بَاعَ حرا فَلِأَنَّهُ إِنَّمَا يضْرب الرّقّ على الْكَافِر، فَأَما الْمُؤمن فَإِنَّهُ عبد لله خَالص، فَمن بَاعه بَاعَ عبدا لله خَالِصا، وَمن جنى على عَبده فخصمه سَيّده. وَأما الَّذِي اسْتَأْجر أَجِيرا، فَإِن الْأَجِير وثق بأمانة الْمُسْتَأْجر، فَإِن خَان الْأَمَانَة تولى الله جزاءه.
٢٠٤٧ - / ٢٥٣٣ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْأَرْبَعِينَ: «مَا أَسْفَل الْكَعْبَيْنِ من الْإِزَار فَفِي النَّار» .
قَالَ أَبُو سُلَيْمَان: هَذَا يتَأَوَّل على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن مَا دون
[ ٣ / ٥٣٣ ]
الْكَعْبَيْنِ من قدم صَاحبه فِي النَّار عُقُوبَة على فعله. وَالثَّانِي: أَن الْمَعْنى: أَن فعل ذَلِك مَعْدُود فِي أَفعَال أهل النَّار» .
٢٠٤٨ - / ٢٥٣٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْأَرْبَعِينَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: حفظت من رَسُول الله ﷺ وعاءين، فَأَما أَحدهمَا فبثثته، وَأما الآخر فَلَو بثثته قطع هَذَا البلعوم» .
الْوِعَاء: مَا يوضع فِيهِ الشَّيْء.
وبثثته بِمَعْنى نشرته وفرقته. وَالْمرَاد بِهِ الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ.
والبلعوم: مجْرى الطَّعَام.
وَلقَائِل أَن يَقُول: كَيفَ استجاز كتم الحَدِيث عَن رَسُول الله ﷺ وَقد قَالَ: «بلغُوا عني» وَكَيف يَقُول رَسُول الله ﷺ مَا إِذا ذكر قتل رَاوِيه؟ وَكَيف يستجيز الْمُسلمُونَ من الصَّحَابَة الأخيار وَالتَّابِعِينَ قتل من يروي عَن رَسُول الله ﷺ؟ فَالْجَوَاب: أَن هَذَا الَّذِي كتمه لَيْسَ من أَمر الشَّرِيعَة؛ فَإِنَّهُ لَا يجوز كتمانها، وَقد كَانَ أَبُو هُرَيْرَة يَقُول: لَوْلَا آيَة فِي كتاب الله مَا حدثتكم، وَهِي قَوْله: ﴿إِن الَّذين يكتمون مَا أنزلنَا من الْبَينَات وَالْهدى﴾ [الْبَقَرَة: ١٥٩] فَكيف يظنّ بِهِ أَن يكتم شَيْئا من الشَّرِيعَة بعد هَذِه الْآيَة، وَبعد أَمر رَسُول الله ﷺ أَن يبلغ عَنهُ، وَقد كَانَ يَقُول لَهُم: «ليبلغ الشَّاهِد مِنْكُم الْغَائِب» . وَإِنَّمَا هَذَا المكتوم مثل أَن يَقُول:
[ ٣ / ٥٣٤ ]
فلَان مُنَافِق، وستقتلون عُثْمَان، و«هَلَاك أمتِي على يَدي أغيلمة من قُرَيْش» بَنو فلَان، فَلَو صرح بِأَسْمَائِهِمْ لكذبوه وقتلوه.
٢٠٤٩ - / ٢٥٣٦ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ: كنت ألزم رَسُول الله ﷺ بشبع بَطْني حِين لَا آكل الخمير وَلَا ألبس الْحَرِير.
وَالْمرَاد بالخمير: خبز الخمير.
وَقَوله: وَلَا ألبس الْحَرِير. كَذَا وَقع بِخَط الْحميدِي، وَإِنَّمَا هُوَ الحبير: وَهُوَ الثِّيَاب الْحبرَة.
والعكة: ظرف الْعَسَل.
٢٠٥٠ - / ٢٥٣٧ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْأَرْبَعِينَ: فِي الْإِمَارَة: «فَنعم الْمُرضعَة وبئست الفاطمة» .
يَعْنِي أَن الْأَمر وَالنَّهْي فِي الْإِمَارَة لذيد، والمؤاخذة بِحَق الْإِمَارَة فِي الْقِيَامَة صَعب كالفطام على الصَّبِي.
٢٠٥١ - / ٢٥٤٢ - وَفِي الحَدِيث الْخمسين: أهديت للنَّبِي ﷺ شَاة فِيهَا سم، وَقَالُوا: أردنَا أَن نعلم إِن كنت نَبيا لم يَضرك.
وَقد سبق بَيَان هَذَا، وَبينا أَن الْمَرْأَة الَّتِي سمته اسْمهَا زَيْنَب، وَأَنه قَتلهَا. وَهَذَا كَانَ فِي غزَاة خَيْبَر.
[ ٣ / ٥٣٥ ]
وَقَوْلهمْ: إِن كنت نَبيا لم يَضرك. جهل مَحْض؛ لِأَن الْأَنْبِيَاء بشر، فَمَا يُؤْذِي الْبشر يؤذيهم.
٢٠٥٢ - / ٢٥٤٣ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْخمسين: «حرم مَا بَين لابتي الْمَدِينَة على لساني» .
اللابة: الْحِجَارَة السود. وَقد ذكرنَا حُدُود حرم الْمَدِينَة فِي مُسْند عَليّ ﵇.
٢٠٥٣ - / ٢٥٤٧ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْخمسين: قَالَت الْأَنْصَار: اقْسمْ بَيْننَا وَبينهمْ النّخل. قَالَ: «لَا، يكفونا الْعَمَل ويشركونا فِي الثَّمَرَة» .
هَذَا كَانَ حِين قدم الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَة، فَإِنَّهُم دخلوها فُقَرَاء فمنحهم الْأَنْصَار من أَمْوَالهم الْكثير، فَلَمَّا افتتحت خَيْبَر أعادوا منائحهم عَلَيْهِم على مَا بَينا فِي مُسْند أنس.
٢٠٥٤ - / ٢٥٤٩ - والْحَدِيث السَّابِع وَالْخَمْسُونَ: قد تقدم فِي مُسْند أنس أَيْضا.
٢٠٥٥ - / ٢٥٥٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْخمسين: «الَّذِي يخنق
[ ٣ / ٥٣٦ ]
نَفسه يخنقها فِي النَّار» .
يَعْنِي أَنه يفعل ذَلِك بِنَفسِهِ، كَأَنَّهُ يضْطَر إِلَى ذَلِك الْفِعْل عُقُوبَة لما فعل بِنَفسِهِ.
٢٠٥٦ - / ٢٥٥٣ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالسِّتِّينَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: إِن كنت لأشد الْحجر على بَطْني من الْجُوع.
أما شدّ الْحجر فعادة كَانَت الْعَرَب إِذا اشْتَدَّ بهم الْجُوع وخوى الْبَطن فَإِنَّهُ لَا يُمكن مَعَ ذَلِك انتصاب الْقَامَة، فَيَأْخُذ أحدهم الْحجر الَّذِي يكون بطول الْكَفّ إِلَّا أَنه خَفِيف فيشده على الْبَطن فَيرد الْقَامَة بعض الرَّد.
والقدح: السهْم.
وَالنعَم: الْإِبِل، وحمرها: أفضلهَا.
٢٠٥٧ - / ٢٥٥٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالسِّتِّينَ: لجأوا إِلَى فدفد.
الفدفد: الأَرْض المستوية.
وَقَوله: «اقتلهم بددا» ذكره ابْن السّكيت فِي كتاب «الْأَلْفَاظ» بِفَتْح الْبَاء، وَقَالَ: الْعَرَب تَقول: اقتلهم بددا، والبدد: التَّفَرُّق، وَيُقَال: بُد رجلَيْهِ فِي المقطرة: أَي فرقهما.
[ ٣ / ٥٣٧ ]
والدبر: النَّحْل.
وَفِيه: فَقَامَ أَبُو سروعة إِلَى خبيب فَقتله. أَبُو سروعة اسْمه عقبَة بن الْحَارِث، كَانَ خبيب قد قتل أَبَاهُ يَوْم بدر، فَلَمَّا أسر خبيب اشْتَرَاهُ مِنْهُ الْحَارِث فَقتله عقبَة، ثمَّ أسلم وروى عَن رَسُول الله ﷺ، وَأخرج لَهُ فِي الصَّحِيح مَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٢٠٥٨ - / ٢٥٥٥ - والْحَدِيث الثَّالِث وَالسِّتُّونَ: قد تقدم فِي مُسْند ابْن عمر.
٢٠٥٩ - / ٢٥٥٦ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالسِّتِّينَ: «تعس عبد الدِّينَار وَالدِّرْهَم» .
فِي تعس لُغَتَانِ: فتح الْعين وَكسرهَا، وَمعنى تعس: عثر فَسقط لوجهه.
والقطيفة: نوع من الأكسية.
قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: الخميصة عِنْد الْعَرَب كسَاء مربح أسود لَهُ علمَان.
وَقَوله: «إِن أعطي رَضِي» يَعْنِي أَنه يعْمل للدنيا.
وانتكس قَالَ ابْن السّكيت: سقط على رَأسه، تَقول: نكست
[ ٣ / ٥٣٨ ]
الشَّيْء: إِذا قلبته.
وَقَوله: «شيك» أَي أصَاب الشوك جسده.
فَلَا انتقش: أَي فَلَا قدر على إِخْرَاجه من بدنه وَلَا اسْتَطَاعَ، يُقَال: نقشت الشوك: إِذا استخرجته.
وطوبى «فعلى» من الطّيب، وأصل طُوبَى: طيبي، فقلبت الْيَاء للضمة قبلهَا واوا، كَذَلِك قرأته على شَيخنَا أبي مَنْصُور.
وَقَوله: «إِن كَانَ فِي الحراسة، وَإِن كَانَ فِي السَّاقَة» الْمَعْنى أَنه خامل الذّكر لَا يقْصد السمو، فَأَيْنَ اتّفق لَهُ كَانَ فِيهِ.
٢٠٦٠ - / ٢٥٥٧ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالسِّتِّينَ: قَالَ: يَا رَسُول الله ﷺ، أوصني، قَالَ: «لَا تغْضب» .
فَإِن قيل: الْغَضَب جبلة فِي الْآدَمِيّ فَكيف يُؤمر بصرفها؟ فَالْجَوَاب: أَن الْغَضَب لَهُ جوالبه وثمرات، فَمن جوالبه الْكبر، فَإِذا رَاض الْإِنْسَان نَفسه بِاسْتِعْمَال التَّوَاضُع ذلت. وَمن ثَمَرَات الْغَضَب السب وَالضَّرْب وَمَا يعود بثلب دين الغضبان وبدنه قبل أَذَى المغضوب عَلَيْهِ، فَإِن بعض النَّاس استشاط يَوْمًا من الْغَضَب فصاح، فنفث الدَّم وَأَدَّاهُ ذَلِك إِلَى السل. وَضرب رجل رجلا على فَمه فَانْكَسَرت أَصَابِع الضَّارِب وَلم يكبر أَذَى الْمَضْرُوب. وَقد أثر غضب خلق كثير فِي بطشهم بأولادهم وأهاليهم وتطليق زوجاتهم، ثمَّ طَالَتْ ندامتهم وَفَاتَ الإستدراك، فقد روينَا فِي الحَدِيث: «أَن الله تَعَالَى يَقُول: يَا ابْن
[ ٣ / ٥٣٩ ]
آدم، اذْكُرْنِي حِين تغْضب أذكرك حِين أغضب، فَلَا أمحقك فِيمَن أمحق» فَكَأَن النَّبِي ﷺ نَهَاهُ عَن جوالب الْغَضَب وثمراته ومساكنته، وَقد أَمر بمداواته إِذا عرض، فَقَالَ فِي حَدِيث أبي ذَر: «إِذا غضب أحدكُم وَهُوَ قَائِم فليجلس، فَإِذا ذهب عَنهُ الْغَضَب وَإِلَّا فليضطجع» وَهَذَا لِأَن الْقَائِم متهيء للحركة والبطش، والقاعد دونه فِي هَذَا الْمَعْنى، والمضطجع مَمْنُوع مِنْهُمَا، وَإِنَّمَا أمره بذلك لِئَلَّا يبدر مِنْهُ فِي حَال قِيَامه وقعوده مَا ينْدَم عَلَيْهِ فِيمَا بعد، وَقد قَالَ الْأَحْنَف بن قيس: مَا اعْترض التثبت فِي الْغَضَب إِلَّا قهر سُلْطَان العجلة. وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء: أول الْغَضَب جُنُون وَآخره نَدم.
٢٠٦١ - / ٢٥٥٨ - والْحَدِيث السَّادِس وَالسِّتُّونَ: قد تقدم فِي مُسْند سهل بن سعد.
٢٠٦٢ - / ٢٥٦٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالسِّتِّينَ: نهى رَسُول الله عَن كسب الْإِمَاء.
قَالَ أَبُو سُلَيْمَان: كَانَ لأهل مَكَّة وَلأَهل الْمَدِينَة إِمَاء عَلَيْهِنَّ ضَرَائِب، تخدمن النَّاس: يخبزن ويسقين المَاء، إِلَى غير ذَلِك من الصناعات، ويؤدين الضرائب إِلَى ساداتهن. وَالْإِمَاء إِذا دخلن تِلْكَ المداخل وتبذلن ذَلِك التبذل لم يُؤمن أَن يكون مِنْهُنَّ الْفُجُور وَأَن
[ ٣ / ٥٤٠ ]
يكسبن بالسفاح، فَنهى عَن كَسْبهنَّ تَنْزِيها، وَمَتى لم يكن لعملهن وَجه مَعْلُوم يكتسبن بِهِ فَهُوَ أبلغ فِي النَّهْي وَأَشد فِي الْكَرَاهَة. وَقد روى أَبُو دَاوُد السجسْتانِي من حَدِيث رِفَاعَة بن رَافع عَن النَّبِي ﷺ أَنه نهى عَن كسب الْأمة إِلَّا مَا عملت بِيَدَيْهَا، وَقَالَ بأصابعه هَكَذَا نَحْو الْخبز والغزل والنفش، يَعْنِي نفش الصُّوف.
٢٠٦٣ - / ٢٥٦١ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالسِّتِّينَ: «لَو دعيت إِلَى كرَاع أَو ذِرَاع لَأَجَبْت» .
والكراع: كرَاع الشَّاة، قَالَ ابْن قُتَيْبَة: الكراع من الْإِنْسَان إِلَى مَا دون الرّكْبَة، وَمن الدَّوَابّ مَا دون الكعب. قلت: وَقد غلط من فسره بكراع الغميم؛ لِأَن الذِّرَاع يُنَاسب الكراع لَا الْمَكَان.
٢٠٦٤ - / ٢٥٦٢ - وَفِي الحَدِيث السّبْعين: «عجب الله من قوم يدْخلُونَ الْجنَّة فِي السلَاسِل» .
الْمَعْنى أَنهم يحملون على الْإِسْلَام بالكره، وعَلى هَذَا يحْتَمل ذكر الْجنَّة وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون المُرَاد بِالْجنَّةِ الْإِسْلَام، لِأَن مآل الدَّاخِل فِيهِ إِلَى الْجنَّة، فَسُمي بهَا. وَالثَّانِي: أَن يكون الْمَعْنى أَنهم أكْرهُوا على الْإِسْلَام، فَلَو بقوا على كراهتم لِلْإِسْلَامِ لم يدخلُوا الْجنَّة، وَكَانَ السَّبَب الْإِكْرَاه فِي الأول.
[ ٣ / ٥٤١ ]
وَقد ذكرنَا معنى الْعجب الْمُضَاف إِلَى الله ﷿ فِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ من هَذَا الْمسند.
وَقد سبق مَا بعد هَذَا.
٢٠٦٥ - / ٢٥٦٦ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالسبْعين: «الرَّهْن يركب بِنَفَقَتِهِ، وَيشْرب لبن الدّرّ إِذا كَانَ مَرْهُونا، وعَلى الَّذِي يركب وَيشْرب النَّفَقَة» .
عِنْد أَحْمد - ﵀ - يجوز أَن يركب الرَّهْن ويحلب ويستخدم بِمِقْدَار النَّفَقَة عَلَيْهِ على شَرط أَن يجْرِي الْعدْل فِي ذَلِك بِمُقْتَضى هَذَا الحَدِيث، وَلَيْسَ لَهُ أَن ينْتَفع بِهِ فِي غير هَذَا، وَهَذَا مَذْهَب أبي حنيفَة وَمَالك. وَقَالَ الشَّافِعِي - ﵀ -: يجوز اسْتِخْدَام العَبْد الْمَرْهُون وَالْجَارِيَة، وركوب الدَّابَّة وَأخذ أجرتهَا، وجز الصُّوف، وحلب اللَّبن.
٢٠٦٦ - / ٢٥٦٧ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالسبْعين: كُنَّا عِنْد أبي هُرَيْرَة وَعَلِيهِ ثَوْبَان ممشقان من كتَّان، فَقَالَ: بخ بخ.
الممشق: الْمَصْبُوغ بالمشق: وَهُوَ الْمغرَة بِفَتْح الْغَيْن.
وَقَوله: بخ بخ، قد سبقت فِي مُسْند أنس.
[ ٣ / ٥٤٢ ]
٢٠٦٧ - / ٢٥٦٩ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالسبْعين: أَعْطَانِي سبع تمرات إِحْدَاهُنَّ حَشَفَة شدت من مضاغي.
الحشف: أردأ التَّمْر.
والمضاغ: الطَّعَام يمضغ. وَكَأَنَّهُ يَقُول: قويت فِي مضغي فطال زمَان التَّمَتُّع بهَا.
٢٠٦٨ - / ٢٥٧٣ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي والثمانين: أَن رَسُول الله ﷺ عرض على قوم الْيَمين فَأَسْرعُوا، فَأمر أَن يُسهم بَينهم فِي الْيَمين: أَيهمْ يحلف.
ويسهم بِمَعْنى يقرع. وَإِنَّمَا فعل هَذَا فِي حق الَّذين تَسَاوَت درجاتهم فِي أَسبَاب الإستحقاق، مثل أَن يكون الشَّيْء فِي يَدي اثْنَيْنِ، كل وَاحِد مِنْهُم يَدعِيهِ وَيُرِيد أَن يحلف ويستحقه.
٢٠٦٩ - / ٢٥٧٤ - والْحَدِيث الثَّانِي وَالثَّمَانُونَ: قد سبق فِي مُسْند أبي ابْن كَعْب.
٢٠٧٠ - / ٢٥٧٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث والثمانين: مَا من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ أحد أَكثر حَدِيثا عَنهُ مني إِلَّا مَا كَانَ من عبد الله بن عَمْرو؛ فَإِنَّهُ كَانَ يكْتب وَلَا أكتب.
[ ٣ / ٥٤٣ ]
اعْلَم أَن الله تَعَالَى بَارك لأبي هُرَيْرَة، فقد ذكرنَا أَنه روى أَكثر من خَمْسَة آلَاف حَدِيث، وَأَن عبد الله بن عَمْرو لم يضْبط عَنهُ أَكثر من سَبْعمِائة حَدِيث، مَعَ أَنه قَالَ: حفظت عَن رَسُول الله ﷺ ألف مثل، وَقد عَاشَ بعد أبي هُرَيْرَة سِتّ سِنِين، وَقيل: سبع سِنِين.
٢٠٧١ - / ٢٥٧٦ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع والثمانين: أَتَيْنَا رَسُول الله ﷺ وَهُوَ بِخَيْبَر، فَقلت لَهُ: أسْهم لي، فَقَالَ بعض بني سعيد بن الْعَاصِ: لَا تسهم لَهُ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: هَذَا قَاتل ابْن قوقل. فَقَالَ ابْن سعيد ابْن الْعَاصِ: وَاعجَبا لوبر تدلى علينا من قدوم شَاة.
اسْم هَذَا الْقَائِل أبان بن سعيد بن الْعَاصِ، وَلَا أَدْرِي من يَعْنِي بِابْن قوقل، إِلَّا أَن النُّعْمَان بن مَالك بن ثَعْلَبَة الْأنْصَارِيّ، وثعلبة هُوَ قوقل، كَانَ يَقُول للخائف قوقل حَيْثُ شِئْت، فَإنَّك آمن. وَقتل النُّعْمَان يَوْم أحد شَهِيدا، وَالَّذِي قَتله صَفْوَان بن أُميَّة، وَقتل من القواقلة يَوْمئِذٍ الْعَبَّاس بن عبَادَة، قَتله صَفْوَان أَيْضا.
والتدلي: تعلق من علو إِلَى سفل، وَقد بَين فِي اللَّفْظ الآخر من الحَدِيث: يَا وَبرا تحدر من رَأس ضَأْن. والوبر بتسكين الْبَاء: دويبة طحلاء، وَمعنى طحلاء أَنَّهَا تشبه الطحال، فَمَعْنَى تدلى: وَقع أَو تعلق.
والقدوم: مَا يقدم من الشَّاة: وَهُوَ رَأسهَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ احتقاره وَأَنه
[ ٣ / ٥٤٤ ]
لَا قدر لَهُ عِنْده، فشبهه بالوبر الَّذِي يتدلى من رَأس الضَّأْن فِي قلَّة الْمَنْفَعَة والمبالاة، كَذَا فسره بعض الْعلمَاء، وَقد رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فَقَالَ: تدلى علينا من قدوم ضال، بِاللَّامِ، قَالَ الْخطابِيّ: الْوَبر: دويبة يُقَال إِنَّهَا تشبه السنور، وأحسب أَنَّهَا تُؤْكَل، لِأَنِّي وجدت بعض السّلف يُوجب فِيهَا الْفِدْيَة. قَالَ: وقدوم ضان، بالنُّون: اسْم مَوضِع: جبل أَو ثنية، وَهُوَ فِي أَكثر الرِّوَايَات ضال، بِاللَّامِ.
وَقَوله: ينعى عَليّ: أَي يعيب عَليّ. وَقد ذكر البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث على وَجه آخر: قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: بعث رَسُول الله ﷺ أَبَانَا على سَرِيَّة من الْمَدِينَة قبل نجد، فَقدم أبان وَأَصْحَابه على النَّبِي ﷺ بِخَيْبَر بَعْدَمَا افتتحها، قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: فَقلت: يَا رَسُول الله، لَا تقسم لَهُم، فَقَالَ أبان: وَأَنت بِهَذَا يَا وبر تحدر من رَأس ضَأْن. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: «يَا أبان، اجْلِسْ» وَلم يقسم لَهُم.
وَقَوله: أَنْت بِهَذَا الْكَلَام، ويروى: أَنْت بهَا. أَي: أَنْت بِهَذِهِ الْكَلِمَة، فَهَذَا على مَذْهَب الْعَرَب فِي الإختصار والحذف. وَكَانَ ابْن عمر إِذا أصَاب فِي رميه الهدف قَالَ: أَنا بهَا، أَي: أَنا الفائز بالإصابة.
وَفِي هَذَا الحَدِيث من الْفِقْه أَن الْغَنِيمَة لمن شهد الْوَقْعَة دون من لحقهم بعد إحرازها. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: من لحق الْجَيْش بعد أَخذ
[ ٣ / ٥٤٥ ]
الْغَنِيمَة وَقبل قسمتهَا فَهُوَ شريك الْغَانِمين.
٢٠٧٢ - / ٢٥٧٧ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس والثمانين: «مَا بعث الله ﷿ نَبيا إِلَّا رعى الْغنم» فَقَالَ أَصْحَابه: وَأَنت؟ فَقَالَ: «نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مَكَّة» .
وَقد سبق وَجه الْحِكْمَة فِي رعي الْغنم فِي مُسْند جَابر. وَقد روى هَذَا الحَدِيث سُوَيْد بن سعيد عَن عَمْرو بن يحيى بِإِسْنَادِهِ فَقَالَ: «كنت أرعاها بالقراريط» قَالَ سُوَيْد: يَعْنِي كل شَاة بقيراط. قَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ: قراريط مَوضِع، وَلم يرد بذلك القراريط من الْفضة.
وَهَذَا أصح؛ لِأَن سويدا لَا يعْتَمد على قَوْله.
٢٠٧٣ - / ٢٥٧٨ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس والثمانين: اتبعت رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: «ابغني أحجارا أستنفض بهَا» .
ابغني بِمَعْنى ابغ لي، تَقول: بغيت لَك كَذَا وَكَذَا، وبغيتك كَذَا: أَي طلبته لَك، قَالَ الله ﷿: ﴿يبغونكم الْفِتْنَة﴾ [التَّوْبَة: ٤٧] أَي يَبْغُونَ لكم.
وأستنفض بهَا: أَي أزيل عني الْأَذَى. وَالْإِشَارَة إِلَى الإستجمار؛ لِأَن المستجمر ينفض عَن نَفسه أَذَى الْحَدث بالأحجار.
[ ٣ / ٥٤٦ ]
٢٠٧٤ - / ٢٥٧٩ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع والثمانين: «تنتهك ذمَّة الله» .
أَي يستباح مَالا يحل. وَسَيَأْتِي بَيَان هَذَا الحَدِيث فِي أَفْرَاد مُسلم من هَذَا الْمسند إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٢٠٧٥ - / ٢٥٨٠ - والْحَدِيث الثَّامِن وَالثَّمَانُونَ: قد سبق فِي مُسْند جَابر.
٢٠٧٦ - / ٢٥٨١ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع والثمانين: «إِذا وَقع الذُّبَاب فِي شراب أحدكُم فليغمسه ثمَّ لينزعه؛ فَإِن فِي أحد جناحيه دَاء وَالْآخر شِفَاء» .
قد تعجب قوم من اجْتِمَاع الدَّاء والدواء فِي شَيْء وَاحِد وَلَيْسَ بعجيب، فَإِن النحلة تعسل من أَعْلَاهَا وتلقي السم من أَسْفَلهَا، والحية الْقَاتِل سمها يدْخلُونَ لَحمهَا فِي الدرياق، ويدخلون الذُّبَاب فِي أدوية الْعين ويسحقونه مَعَ الإثمد ليقوى الْبَصَر، ويأمرون بستر وَجه الَّذِي يعضه الْكَلْب من الذُّبَاب، وَيَقُولُونَ: إِن وَقع عَلَيْهِ تعجل هَلَاكه.
وَقد دلّ هَذَا الحَدِيث على أَنه إِذا مَاتَ فِي المَاء الْيَسِير مَا لَيست لَهُ نفس سَائِلَة لم ينجس، خلافًا لأحد قولي الشَّافِعِي.
[ ٣ / ٥٤٧ ]
٢٠٧٧ - / ٢٥٨٢ - وَفِي الحَدِيث التسعين: «إِذا قضى الله الْأَمر فِي السَّمَاء ضربت الْمَلَائِكَة أَجْنِحَتهَا خضعانا لقَوْله كَأَنَّهُ سلسلة على صَفْوَان، فَإِذا فزع عَن قُلُوبهم قَالُوا مَاذَا قَالَ ربكُم» .
الخضعان والخضوع: التطامن.
والصفوان: الْحجر الأملس، وَإِذا جرت السلَاسِل عَلَيْهِ أزعجت الْقُلُوب بِالرُّعْبِ.
وفزع عَن قُلُوبهم: أزيل عَنْهَا الْفَزع.
٢٠٧٨ - / ٢٥٨١ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالتسْعين: «من صلى فِي ثوب فليخالف بَين طَرفَيْهِ» .
وَالْمرَاد يكمل السّتْر والإستيثاق مِنْهُ.
٢٠٧٩ - / ٢٥٨٢ - والْحَدِيث الثَّانِي وَالتِّسْعُونَ: قد تقدم فِي مُسْند ابْن عَبَّاس وَغَيره.
٢٠٨٠ - / ٢٥٨٦ - والْحَدِيث الأول من أَفْرَاد مُسلم: قد تقدم فِي هَذَا الْمسند، فِي الرَّابِع وَالتسْعين بعد الْمِائَة.
٢٠٨١ - / ٢٥٨٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: أَن رَسُول الله ﷺ حِين قفل
[ ٣ / ٥٤٨ ]
من غَزْوَة خَيْبَر سَار لَيْلَة حَتَّى إِذا أدْركهُ الْكرَى عرس وَقَالَ لِبلَال: «اكلأ لنا اللَّيْل» .
قفل: بِمَعْنى رَجَعَ.
والكرى: النّوم.
وعرس: نزل فِي سَفَره فِي آخر اللَّيْل.
واكلأ: بِمَعْنى احفظ، يُقَال: كلأك الله، وَأَصله الْهَمْز وَقد يُخَفف.
وَقَوله: فاقتادوا رواحلهم. إِن قيل: كَيفَ اشْتغل بالرحل عَن تَعْجِيل الْقَضَاء؟ وَكَيف خَفِي الْوَقْت عَن رَسُول الله ﷺ وَهُوَ لَا ينَام قلبه؟ فقد أجبنا عَن ذَلِك فِي مُسْند عمرَان بن حُصَيْن.
٢٠٨٢ - / ٢٥٨٨ - وَقد سبق الحَدِيث الثَّالِث فِي مُسْند ابْن عمر.
٢٠٨٣ - / ٢٥٨٩ - وَالرَّابِع: فِي مُسْند زيد بن ثابث.
٢٠٨٤ - / ٢٥٩١ - وَالسَّادِس: فِي مُسْند ابْن عَبَّاس. وَفِيه المزادة المجبوبة: يَعْنِي المقطوعة.
والجب: الْقطع.
[ ٣ / ٥٤٩ ]
٢٠٨٥ - / ٢٥٩٢ - وَالسَّابِع: فِي مُسْند أبي حميد السَّاعِدِيّ.
٢٠٨٦ - / ٢٥٩٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن: «يدْخل الْجنَّة أَقوام أفئدتهم مثل أَفْئِدَة الطير» .
هَؤُلَاءِ قوم رقت قُلُوبهم فَاشْتَدَّ خوفهم من الْآخِرَة وَزَاد على الْمِقْدَار، فشبههم بالطير الَّتِي تفزع من كل شَيْء وتخافه.
٢٠٨٧ - / ٢٥٩٤ - وَقد سبق الحَدِيث التَّاسِع.
٢٠٨٨ - / ٢٥٩٥ - وَفِي الْعَاشِر: «وَلَا هِيَ أرسلتها تَأْكُل من خشَاش الأَرْض، ترمرم» .
يَقُولُونَ: الْبَقر ترمرم من كل الشّجر.
وخشاش الأَرْض: هوامها.
وَقد سبق مَا بعد هَذَا.
٢٠٨٩ - / ٢٥٩٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث عشر: «كفى بِالْمَرْءِ كذبا أَن يحدث بِكُل مَا سمع» .
كذبا أَي تَكْذِيبًا. وَذَلِكَ لِأَن من حدث بِكُل مَا سمع من غير أَن يُمَيّز بَين مَا تقبله الْعُقُول مِمَّا لَا تقبله، أَو من يصلح أَن يسمع مَا
[ ٣ / ٥٥٠ ]
يحدث بِهِ مِمَّن لَا، نسب إِلَى الْكَذِب
٢٠٩٠ - / ٢٥٩٩ - والْحَدِيث الرَّابِع عشر: قد سبق فِي مُسْند عبَادَة. وَفِيه: «إِلَّا مَا اخْتلفت ألوانه» يَعْنِي أجناسه.
٢٠٩١ - / ٢٦٠١ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس عشر: «إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة فَلَا صَلَاة إِلَّا الْمَكْتُوبَة» .
وَهَذَا لِأَنَّهُ قد صَار الحكم لَهَا، وَلَا يَنْبَغِي أَن يتشاغل بالأنقص مَعَ حُضُور الْأَكْمَل، وَقد قَالَ أَبُو حنيفَة: من كَانَ خَارج الْمَسْجِد وَلم يخْش فَوَات الرُّكُوع فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة من الْفجْر صلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ دخل، والْحَدِيث يرد هَذَا.
٢٠٩٢ - / ٢٦٠٢ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع عشر: «أَيْن المتحابون بجلالي» .
أَي أَنهم اجْتمعت قُلُوبهم فِي الْمحبَّة لتعظيمي.
٢٠٩٣ - / ٢٦٠٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن عشر: «من اشْترى طَعَاما فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يكتاله» وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ لمروان: أحللت بيع الرِّبَا، أحللت بيع الصكاك وَقد نهى رَسُول الله ﷺ عَن بيع الطَّعَام حَتَّى يسْتَوْفى.
[ ٣ / ٥٥١ ]
الصكاك: رقاع كَانَت تكْتب لَهُم فِي أَرْزَاقهم بأطعمة، وَكَانُوا يبيعون مَا فِي الصكاك قبل اسْتِيفَائه. وَقد سبق هَذَا الحَدِيث فِي مُسْند ابْن عَبَّاس وَابْن عمر.
٢٠٩٤ - / ٢٦٠٥ - وَقد سبق الحَدِيث الْعشْرُونَ فِي مُسْند ابْن مَسْعُود.
٢٠٩٥ - / ٢٦٠٦ - وَالْحَادِي وَالْعشْرُونَ فِي مُسْند سهل بن سعد.
٢٠٩٦ - / ٢٦٠٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْعِشْرين: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «سَمِعْتُمْ بِمَدِينَة جَانب مِنْهَا فِي الْبر وجانب فِي الْبَحْر؟» .
وَهَذِه قسطنطينة، وَقد بيّنت فِي الحَدِيث الثَّانِي وَالسبْعين الَّذِي يَأْتِي.
٢٠٩٧ - / ٢٦١٢ - وَقد سبق مَا بعد هَذَا إِلَى الحَدِيث السَّابِع وَالْعِشْرين وَفِيه: «الْمُؤمن الْقوي خير وَأحب إِلَى الله من الْمُؤمن الضَّعِيف» .
الْإِشَارَة بِالْقُوَّةِ هَا هُنَا إِلَى الْعَزْم والحزم والإحتياط لَا إِلَى قُوَّة الْبدن.
وَقد سبق مَا بعد هَذَا.
[ ٣ / ٥٥٢ ]
٢٠٩٨ - / ٢٦١٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّلَاثِينَ: «من عرض عَلَيْهِ ريحَان فَلَا يردهُ، فَإِنَّهُ خَفِيف الْمحمل طيب الرّيح» .
كَأَن الْإِشَارَة بالريحان إِلَى مَا لَهُ من ريح طيبَة.
٢٠٩٩ - / ٢٦١٦ - والْحَدِيث الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ قد سبق فِي مُسْند ابْن عمر.
٢١٠٠ - / ٢٦١٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ: نهى عَن بيع الْحَصَاة، وَعَن بيع الْغرَر.
وَقد بَينا فِيمَا تقدم أَنهم كَانُوا يجْعَلُونَ عَلامَة إِيجَاب البيع رمي حَصَاة، فَنهى عَن هَذَا، وَجعل الْإِيجَاب وَالْقَبُول عَلامَة شَرْعِيَّة.
وَبيع الْغرَر مثل بيع اللَّبن فِي الضَّرع، فَإِنَّهُ رُبمَا لَا يكون فِيهِ لبن، أَو يكون قَلِيلا وَهُوَ يَظُنّهُ كثيرا.
٢١٠١ - / ٢٦١٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ: «إِذا دعِي أحدكُم إِلَى طَعَام وَهُوَ صَائِم فَلْيقل: إِنِّي صَائِم» .
قد بَينا أَنه إِنَّمَا تجب الْإِجَابَة إِلَى طَعَام الْعرس.
وَقَوله: «فَلْيقل إِنِّي صَائِم» أَي فليعرفهم عذره فِي ترك الْأكل لِئَلَّا يستوحشوا لانقباضه.
وَقَوله: «فَليصل» قَالَ أَبُو عبيد: أَي فَليدع لَهُم بِالْبركَةِ وَالْخَيْر،
[ ٣ / ٥٥٣ ]
وكل دَاع مصل، قَالَ الْأَعْشَى:
(عَلَيْك مثل الَّذِي صليت فاغتمضي يَوْمًا، فَإِن لجنب الْمَرْء مُضْطَجعا)
أَي: ليكن لَك مثل الَّذِي دَعَوْت لي بِهِ.
٢١٠٢ - / ٢٦١٩ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالثَّلَاثِينَ: «إِن الله تَعَالَى يبْعَث ريحًا من الْيمن، فَلَا تدع أحدا فِي قلبه مِثْقَال حَبَّة من إِيمَان إِلَّا قَبضته» .
هَذَا يكون عِنْد قيام السَّاعَة.
٢١٠٣ - / ٢٦٢٠ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالثَّلَاثِينَ: «لَا يقْعد قوم يذكرُونَ الله إِلَّا حفتهم الْمَلَائِكَة» .
حفتهم: أحاطت بهم.
والسكينة «فعيلة» من السّكُون.
وَنَفس: فرج. والتنفيس: التَّخْفِيف.
٢١٠٤ - / ٢٦٢١ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالثَّلَاثِينَ: «الْعِزّ إزَارِي، والكبرياء رِدَائي» .
قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: معنى الْكَلَام: أَن الْكِبْرِيَاء وَالْعَظَمَة
[ ٣ / ٥٥٤ ]
صفتان لله اخْتصَّ بهما لَا يشركهُ فيهمَا أحد، وَلَا يَنْبَغِي لمخلوق أَن يتعاطاهما؛ لِأَن صفة الْمَخْلُوق التَّوَاضُع والتذلل. وَضرب الرِّدَاء والإزار مثلا، يَقُول - وَالله أعلم: كَمَا لَا يُشْرك الْإِنْسَان فِي رِدَائه وَإِزَاره أحد، فَكَذَلِك لَا يشركني فِي الْكِبْرِيَاء وَالْعَظَمَة مَخْلُوق.
٢١٠٥ - / ٢٦٢٢ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالثَّلَاثِينَ: «إِن لكم أَن تنعموا وَلَا تبتئسوا» .
المبتئس: الحزين الذَّلِيل، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا تبتئس بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [هود: ٣٦] أَي لَا تحزن وَلَا تضعف وَلَا يضيق صدرك.
وَأما يبأس فَفِيهِ لُغَتَانِ: يبأس ويبئس، وَالْمعْنَى: لَا يرى الْبُؤْس: وَهُوَ شدَّة الْحَاجة.
٢١٠٦ - / ٢٦٢٤ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالثَّلَاثِينَ: «دِينَار أنفقته فِي سَبِيل الله، ودينار أنفقته فِي رَقَبَة، أعظمها أجرا الَّذِي أنفقته على أهلك» .
وَجه هَذَا أَن النَّفَقَة على الْأَهْل وَاجِبَة، وَلَيْسَ الْوَاجِب كالنفل.
٢١٠٧ - / ٢٦٢٥ - وَفِي الحَدِيث الْأَرْبَعين: هم النَّاس بنحر بعض حمائلهم.
[ ٣ / ٥٥٥ ]
الحمائل والحمالات جمع حمل. وَقد سبق الحَدِيث فِي مُسْند أبي سعيد.
٢١٠٨ - / ٢٦٢٩ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ: «وَمن مس الْحَصَا فقد لغى» .
وَهَذَا لِأَن مس الْحَصَى يظْهر مِنْهُ صَوت كَمَا يظْهر من الْمُتَكَلّم صَوت.
٢١٠٩ - / ٢٦٣٠ - والْحَدِيث الْخَامِس وَالْأَرْبَعُونَ: قد كشفناه فِي مُسْند ابْن مَسْعُود.
٢١١٠ - / ٢٦٣١ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْأَرْبَعِينَ: «اثْنَتَانِ فِي النَّاس هما بهم كفر: الطعْن فِي النّسَب، والنياحة على الْمَيِّت» .
فِي المُرَاد بالْكفْر وَجْهَان: أَحدهمَا: أَن يكون كفر النِّعْمَة، فَإِن من طعن فِي نسب غَيره فقد كفر بِنِعْمَة الله عَلَيْهِ بسلامته من ذَلِك الطعْن، وَمن ناح على ميت فقد كفر نعْمَة الله عَلَيْهِ إِذْ لم يكن هُوَ الْمَيِّت.
وَالثَّانِي: أَن يكون الْمَعْنى: أَنَّهُمَا من أَفعَال الْكفَّار لَا من خلال الْمُسلمين.
٢١١١ - / ٢٦٣٢ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ: «أَيُحِبُّ أحدكُم أَن يجد ثَلَاث خلفات» .
الخلفة: النَّاقة الْحَامِل، وَجَمعهَا خلفات.
[ ٣ / ٥٥٦ ]
٢١١٢ - / ٢٦٣٣ - والْحَدِيث الثَّامِن وَالْأَرْبَعُونَ: قد تقدم فِي مُسْند عَليّ ﵇.
وَقد سبق مَا بعده.
٢١١٣ - / ٢٦٣٦ - والْحَدِيث الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ: قد تقدم فِي مُسْند أبي سعيد.
٢١١٤ - / ٢٦٣٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْخمسين: «أقرب مَا يكون العَبْد من ربه وَهُوَ ساجد، فَأَكْثرُوا الدُّعَاء» .
إِنَّمَا كَانَ السُّجُود موطن قرب لِأَنَّهُ غَايَة ذل الْآدَمِيّ، فَلذَلِك تقرب من مَوْلَاهُ.
٢١١٥ - / ٢٦٣٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْخمسين: كَانَ رَسُول الله ﷺ يَقُول فِي سُجُوده: «اللَّهُمَّ اغْفِر لي ذَنبي كُله، دقه وجله» .
أَي قَلِيله وَكَثِيره، قَالَ الشَّاعِر:
(بَكت وأدقت فِي البكا وأجلت )
أَي أَتَت بِقَلِيل الْبكاء وَكَثِيره. والجلة: الْإِبِل المسان.
٢١١٦ - / ٢٦٤٠ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْخمسين: «تعرض أَعمال النَّاس فِي كل جُمُعَة مرَّتَيْنِ، فَيغْفر فِي ذَلِك الْيَوْم لكل امْرِئ لَا يُشْرك بِاللَّه
[ ٣ / ٥٥٧ ]
شَيْئا، إِلَّا امْرأ كَانَت بَينه وَبَين أَخِيه شَحْنَاء، فَيُقَال: اتْرُكُوا - أَو اركوا، وَفِي لفظ: أنظروا هذَيْن حَتَّى يفيئا» .
الشحناء: الْعَدَاوَة.
واركوا هذَيْن: أخروهما حَتَّى يرجعا عَن التقاطع. يُقَال: ركاه يركوه: إِذا أَخّرهُ. وأنظروا: أخروا. وَقد ذكرنَا حكم هَذَا الحَدِيث فِي مُسْند أبي أَيُّوب.
٢١١٧ - / ٢٦٤٢ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْخمسين: «أعوذ بِكَلِمَات الله التامات» .
قد شرحنا هَذَا فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
٢١١٨ - / ٢٦٤٤ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْخمسين: «اللَّهُمَّ أصلح لي ديني الَّذِي هُوَ عصمَة أَمْرِي» .
أَي بِهِ أستمسك، وَعَلِيهِ فِي نجاتي أعول.
٢١١٩ - / ٢٦٤٥ - والْحَدِيث السِّتُّونَ: قد تقدم فِي مُسْند سعد بن أبي وَقاص.
[ ٣ / ٥٥٨ ]
٢١٢٠ - / ٢٦٤٦ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالسِّتِّينَ: «يَمِينك على مَا يصدقك بِهِ صَاحبك» وَفِي لفظ: «الْيَمين على نِيَّة المستحلف» .
وَمعنى الحَدِيث أَنَّك إِذا تأولت فِي يَمِينك لم ينفعك تأويلك.
٢١٢١ - / ٢٦٤٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالسِّتِّينَ: أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ على جبل حراء، فَتحَرك.
وَقد تقدم فِي مُسْند أنس أَنه صعد أحدا. وَكَذَلِكَ روى سهل بن سعد: أحدا. وَأحد بِالْمَدِينَةِ وحراء بِمَكَّة، فقد اتّفق صُعُوده مَعَ أَصْحَابه على الجبلين، وتزلزل الجبلان تَحْتهم. وَقد ذكرنَا فِي مُسْند أنس عِلّة تحرّك الْجَبَل. وَذكرنَا حراء فِي مُسْند ابْن مَسْعُود.
٢١٢٢ - / ٢٦٤٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالسِّتِّينَ: أَن سعد بن عبَادَة قَالَ: أَرَأَيْت الرجل يجد مَعَ امْرَأَته رجلا، أَيَقْتُلُهُ؟ قَالَ: «لَا» . قَالَ: بلَى وَالَّذِي أكرمك بِالْحَقِّ. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: «اسمعوا إِلَى مَا يَقُول سيدكم. إِنَّه لغيور، وَأَنا أغير مِنْهُ، وَالله أغير مني» .
قَوْله: «اسمعوا» إِشَارَة إِلَى الْخَزْرَج لِأَنَّهُ نقيبهم، فَقَالَ: «اسمعوا إِلَى مَا يَقُول سيدكم» لِأَنَّهُ قَالَ: بلَى، فِي مُقَابلَة قَول الرَّسُول ﷺ: «لَا» . وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك لشدَّة غيرته لَا لقصد الْمُخَالفَة. وَأما غيرَة
[ ٣ / ٥٥٩ ]
الْحق ﷿ فقد تكلمنا عَلَيْهَا فِي مُسْند ابْن مَسْعُود.
٢١٢٣ - / ٢٦٤٩ - والْحَدِيث الرَّابِع وَالسِّتُّونَ: قد تقدم فِي مُسْند عدي ابْن حَاتِم.
٢١٢٤ - / ٢٦٥٠ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالسِّتِّينَ: ثمَّ يَدْعُو أَصْغَر وليد.
الْوَلِيد: الصَّبِي الصَّغِير، وَجمعه ولدان، وَجمع وليدة ولائد.
٢١٢٥ - / ٢٦٥٢ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالسِّتِّينَ: «إِذا قَالَ الرجل: هلك النَّاس، فَهُوَ أهلكهم» . «أهلكهم» على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: بِضَم الْكَاف، وَالْمعْنَى: هُوَ أَشَّدهم هَلَاكًا؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ ذَلِك لأحد مَعْنيين: إِمَّا للإزراء عَلَيْهِم والإحتقار لَهُم وتفضيل نَفسه، أَو للْقطع عَلَيْهِم بِاسْتِحْقَاق الْعقُوبَة، فَكَأَنَّهُ يقنطهم من رَحْمَة الله. وَالْوَجْه الثَّانِي: بِفَتْح الْكَاف، على معنى: هُوَ الَّذِي يحكم عَلَيْهِم بِالْهَلَاكِ بِرَأْيهِ لَا بِدَلِيل من أَدِلَّة الشَّرْع.
وَالْأول أظهر وَأشهر.
٢١٢٦ - / ٢٦٥٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالسِّتِّينَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ
[ ٣ / ٥٦٠ ]
إِذا كَانَ فِي سفر وأسحر. أَي دخل فِي وَقت السحر، يَقُول: «سمع سامع بِحَمْد الله» أَي انْتَشَر ذَلِك وَأظْهر فَسَمعهُ السامعون.
وَقَوله: «وَحسن بلائه علينا» الْبلَاء: النعم.
وَمعنى: صاحبنا: احفظنا، وَمن صَحبه الله فقد حفظه.
٢١٢٧ - / ٢٦٥٤ - والْحَدِيث التَّاسِع وَالسِّتُّونَ: قد تقدم فِي مُسْند أبي طَلْحَة.
٢١٢٨ - / ٢٦٥٥ - وَفِي الحَدِيث السّبْعين: «رغم أنف عبد» .
أَي الْتَصق بالرغام وَهُوَ التُّرَاب.
٢١٢٩ - / ٢٦٥٦ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالسبْعين: أَرَادَت عَائِشَة أَن تشتري جَارِيَة فتعتقها. وَهُوَ حَدِيث بَرِيرَة. وَسَيَأْتِي مشروحا فِي مُسْند عَائِشَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَفِيه «إِنَّمَا الْوَلَاء لمن أعتق» وَقد تقدم فِي مُسْند ابْن عمر.
٢١٣٠ - / ٢٦٥٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالسَّبْعُونَ: قد أُشير إِلَيْهِ فِي هَذَا الْمسند آنِفا.
[ ٣ / ٥٦١ ]
٢١٣١ - / ٢٦٥٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالسبْعين: «من حمل علينا السِّلَاح فَلَيْسَ منا» .
أَي لَيْسَ على أَخْلَاقنَا.
والغش خلاف النصح، وَإِظْهَار مَا لَيْسَ فِي الْبَاطِن.
٢١٣٢ - / ٢٦٥٩ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالسبْعين: «فَيلقى العَبْد فَيَقُول: أَي فل، ألم أكرمك» .
فل ترخيم فلَان.
وَقَوله: «ألم أسودك» أَي أجعلك سيدا. وَالسَّيِّد: الَّذِي يفوق قومه فينقادون لَهُ.
وترأس: تصير رَئِيسا.
وترتع. قَالَ الْحميدِي: كَأَن الأَصْل ترتع بِالتَّاءِ، وَأما أَصْحَاب الْعَرَبيَّة وَأهل اللُّغَة فَقَالُوا: تربع بِالْبَاء: تَأْخُذ المرباع. والمرباع: مَا كَانَ يَأْخُذهُ الرئيس من الْغَنِيمَة. قَالَ: وترتع أَيْضا مُمكن، أَي تتنعم وتنبسط فِيمَا شِئْت.
قَوْله: «فَإِنِّي أنساك» أَي أتركك من الرَّحْمَة.
وَقَوله لِلْمُؤمنِ: «هَا هُنَا إِذا» أَي أَنه يرفعهُ ويكرمه.
[ ٣ / ٥٦٢ ]
وَقد سبق مَا بعد هَذَا.
٢١٣٣ - / ٢٦٦٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالسبْعين: فتساورت لَهَا: أَي ثرت وانزعجت وتطلعت.
وَقَوله: فَوقف وَلم يلْتَفت فَصَرَخَ برَسُول الله ﷺ: على مَاذَا أقَاتل النَّاس؟
هَذَا من حسن الْأَدَب؛ لِئَلَّا يرجع عَن حَاجَة قد توجه إِلَيْهَا وَمَا قَضَاهَا.
٢١٣٤ - / ٢٦٦٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي والثمانين: «إِذا سافرتم فِي الخصب فأعطوا الْإِبِل حظها من الأَرْض» .
أَي مكنوها من المرعى، وارفقوا بهَا فِي السّير.
«وَإِذا سافرتم فِي السّنة» يَعْنِي الجدب والشدة وَعدم المرعى «فبادروا بهَا نقيها» والنقي: السّمن، وَقد عبروا بالنقي عَن مخ الْعِظَام وشحم الْعين اسْتِدْلَالا على الْقُوَّة وَالسمن، وَالْمعْنَى: بَادرُوا بهَا الْخُرُوج من تِلْكَ الشدَّة مَا دَامَ بهَا نقي وفيهَا قُوَّة.
والتعريس: نزُول آخر اللَّيْل.
وَقَوله: «فَاجْتَنبُوا الطّرق» أَي لَا تنزلوا على الْجواد.
٢١٣٥ - / ٢٦٦٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث والثمانين: «لَا تصْحَب
[ ٣ / ٥٦٣ ]
الْمَلَائِكَة رفْقَة فِيهَا كلب أَو جرس» .
أما الْكَلْب فلنجاسته. وَأما الجرس فَلِأَن صَوته يشغل الْقلب فيذهله عَن الْفِكر فِي الْخَبَر، وَرُبمَا أطرب، وَلذَلِك سَمَّاهَا: «مَزَامِير الشَّيْطَان» .
٢١٣٦ - / ٢٦٧٠ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس والثمانين: «الْأَرْوَاح جنود مجندة، فَمَا تعارف مِنْهَا ائتلف، وَمَا تناكر مِنْهَا اخْتلف» .
قَالَ أَبُو سُلَيْمَان: معنى الحَدِيث الْإِخْبَار عَن مُبْتَدأ كَون الْأَرْوَاح وتقدمها الأجساد الَّتِي هِيَ ملابستها على مَا رُوِيَ فِي الحَدِيث: «إِن الله خلق الْأَرْوَاح قبل الأجساد بِكَذَا وَكَذَا» فَأعْلم النَّبِي ﷺ أَنَّهَا خلقت أول مَا خلقت على قسمَيْنِ من ائتلاف وَاخْتِلَاف، كالجنود المجندة إِذا تقابلت وتواجهت. وَمعنى تقَابل الْأَرْوَاح مَا جعلهَا الله عَلَيْهِ من السَّعَادَة والشقاوة من مبدأ الْكَوْن، الأجساد الَّتِي فِيهَا الْأَرْوَاح تلتقي فِي الدُّنْيَا فتأتلف وتختلف على حسب مَا جعلت عَلَيْهِ من التشاكل والتنافر فِي بَدْء الْخلقَة، فترى الْبر الْخَيْر يحب شكله وينفر عَن ضِدّه، وَكَذَلِكَ الْفَاجِر. وَفِي هَذَا دَلِيل على أَن الْأَرْوَاح لَيست بأعراض؛ فَإِنَّهَا قد كَانَت مَوْجُودَة قبل الأجساد، وَأَنَّهَا تبقى بعد فنَاء الأجساد. وَيُؤَيّد هَذَا قَوْله ﵇: «أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي حواصل طير خضر تعلق من
[ ٣ / ٥٦٤ ]
شجر الْجنَّة» .
وَفِي هَذَا الحَدِيث: «النَّاس معادن» وَقد سبق تَفْسِيره.
٢١٣٧ - / ٢٦٧١ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس والثمانين: «إِذا قَامَ أحدكُم من مَجْلِسه ثمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَق بِهِ» .
وَهَذَا لِأَن الْمجْلس لمن جلس فِيهِ، ولابد أَن يعرض للْإنْسَان حوائج لَازِمَة، فَجعل عِنْد الذّهاب فِيهَا كَأَنَّهُ لم يرح.
٢١٣٨ - / ٢٦٧٢ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالثَّمَانُونَ: قد سبق فِي مُسْند سعد.
٢١٣٩ - / ٢٦٧٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالثَّمَانُونَ: قد تكلمنا عَلَيْهِ فِي مُسْند ابْن عمر.
٢١٤٠ - / ٢٦٧٤ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع والثمانين: «من قتل وزغة فِي أول ضَرْبَة فَلهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَة، وَمن قَتلهَا فِي الضَّرْبَة الثَّانِيَة فَلهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَة» لدوّنَ الأولى.
كَأَن الْإِشَارَة بِهَذَا إِلَى توقير ثَوَاب الْإِقْدَام والشجاعة على الضعْف والجبن.
[ ٣ / ٥٦٥ ]
٢١٤١ - / ٢٦٧٥ - وَفِي الحَدِيث التسعين: «لَا يَجْزِي ولد عَن وَالِده إِلَّا أَن يجده مَمْلُوكا فيشتريه فيعتقه» .
اعْلَم أَن من اشْترى أَبَاهُ عتق عَلَيْهِ بِنَفس الشرى من غير أَن يتَلَفَّظ بِالْعِتْقِ، وَإِنَّمَا ذكر الْعتْق بعد الشرى لِأَنَّهُ بِالشِّرَاءِ تسبب إِلَى الْعتْق، وَهَذَا مَذْهَب الْجُمْهُور، إِلَّا أَن دَاوُد أَخذ بِظَاهِر الحَدِيث وَقَالَ: لَا يعْتق عَلَيْهِ بِالشِّرَاءِ حَتَّى يعتقهُ. وَكَانَ ابْن عقيل يستحسن مَذْهَب دَاوُد فِي هَذَا وَيَقُول: مَا أحسن مَا قَالَ؛ لِأَن لفظ الحَدِيث مَعَه، وَالْمعْنَى أَيْضا؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يجزى إِذا أعتق. قَالَ: وَنحن نقُول: إِذا تسبب فِي الْعتْق كَانَ حرا.
٢١٤٢ - / ٢٦٧٦ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالتسْعين: «منعت الْعرَاق درهمها وقفيزها» .
الْمَعْنى: ستمنع، فَلَمَّا كَانَ إِخْبَارًا عَن متحتم الْوُقُوع حسن الْإِخْبَار عَنهُ بِلَفْظ الْمَاضِي تَحْقِيقا لكَونه، يدل عَلَيْهِ أَنه فِي بعض الْأَلْفَاظ: «كَيفَ أَنْتُم إِذا لم تجتبوا دِينَارا وَلَا درهما»، وَقد كَانَ بعض الْعلمَاء يَقُول: إِنَّمَا منعُوا هَذَا لأَنهم أَسْلمُوا. قَالَ: وَهَذَا إِخْبَار عَن إِجْمَاع الْكل على الْإِسْلَام. وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء، لِأَنَّهُ قد سبق صَرِيحًا فِي هَذَا الْمسند فِي الحَدِيث السَّابِع والثمانين من أَفْرَاد البُخَارِيّ: قَالَ
[ ٣ / ٥٦٦ ]
أَبُو هُرَيْرَة: كَيفَ أَنْتُم إِذا لم تجتبوا دِينَارا وَلَا درهما. قيل: وَكَيف؟ قَالَ: تنهتك ذمَّة الله وَذمَّة رَسُوله، فيشد الله قُلُوب أهل الذِّمَّة فيمنعون مَا فِي أَيْديهم. وَقَالَ الْخطابِيّ: معنى الحَدِيث أَن هَذِه الْبِلَاد ستفتح للْمُسلمين وَيُوضَع عَلَيْهَا الْخراج شَيْئا مُقَدرا بالمكاييل والأوزان، وسيمنع ذَلِك فِي آخر الزَّمَان.
والمدي: مكيال لأهل الشَّام، يُقَال: إِنَّه يسع خَمْسَة عشر مكوكا.
والإردب: مكيال لأهل مصر، يُقَال: إِنَّه يسع أَرْبَعَة وَعشْرين صَاعا.
٢١٤٣ - / ٢٦٨٢ - وَقد سبق مَا بعد هَذَا إِلَى الحَدِيث السَّابِع وَالتسْعين، وَفِيه: «صنفان من أهل النَّار لم أرهما: قوم مَعَهم سياط كأذناب الْبَقر يضْربُونَ بهَا النَّاس، وَنسَاء كاسيات عاريات» .
الْإِشَارَة بأصحاب السِّيَاط يشبه أَن يكون للظلمة من أَصْحَاب الشَّرْط.
وَفِي قَوْله: «كاسيات عاريات» ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: أَنَّهُنَّ يلبسن ثيابًا رقاقا تصف مَا تحتهَا، فهن كاسيات فِي الظَّاهِر، عاريات فِي الْمَعْنى. وَالثَّانِي: أَنَّهُنَّ يكشفن بعض أجسامهن، فهن عاريات، أَي بَعضهنَّ منكشف. وَالثَّالِث: كاسيات من نعم الله ﷿ عاريات من الشُّكْر.
وَفِي قَوْله: «مائلات مميلات» أَرْبَعَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَن الْمَعْنى
[ ٣ / ٥٦٧ ]
وَاحِد، كَمَا يُقَال: جاد مجد. وَالثَّانِي: مائلات إِلَى الشَّرّ مميلات للرِّجَال إِلَى الإفتتان بِهن. وَالثَّالِث: مائلات زائغات عَن طَاعَة الله، مميلات: أَي معلمات غَيْرهنَّ الدُّخُول فِي مثل فعلهن. وَالرَّابِع: مائلات: أَي متبخترات فِي مشيتهن، مميلات أعطافهن وأكتافهن.
قَوْله: «رؤوسهن كأسنمة البخت» فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنَّهُنَّ يعظمن رؤوسهن بِمَا يصلنه من الشّعْر وبالخمر عَلَيْهِنَّ فَيُشبه أسنمة البخت فِي ارتفاعها. وَالثَّانِي: أَنَّهُنَّ يطمحن إِلَى الرِّجَال وَلَا يغضضن، وَلَا ينكسن رؤوسهن.
وَقَوله: «لم أرهما» أَي سَيكون بعدِي.
٢١٤٤ - / ٢٦٨٤ - وَقد سبق الحَدِيث الثَّامِن وَالتِّسْعُونَ.
٢١٤٥ - / ٢٦٨٥ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالتسْعين: «لَا يَجْتَمِعَانِ فِي النَّار اجتماعا يضر أَحدهمَا الآخر» قيل: من هم يَا رَسُول الله؟ قَالَ: «مُؤمن قتل كَافِرًا ثمَّ سدد» .
الْمَعْنى أَنه إِن دخل الْمُؤمن النَّار بمعاصيه أخرج، فَلَا يتساوى مكثه وَمكث الْكَافِر، وَلَا يجْتَمع مَعَه فِيمَا هُوَ فِيهِ.
٢١٤٦ - / ٢٦٨٦ - وَفِي الحَدِيث الأول بعد الْمِائَة: «من سَأَلَ النَّاس
[ ٣ / ٥٦٨ ]
أَمْوَالهم تكثرا» .
والتكثر: مَا فَوق الْحَاجة.
٢١٤٧ - / ٢٦٨٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي بعد الْمِائَة: كَانَ رَسُول الله ﷺ يكره الشكال من الْخَيل.
الشكال فِي الْفرس: أَن يكون فِي رجله الْيُمْنَى بَيَاض، وَفِي يَده الْيُسْرَى أَو فِي يَده الْيُمْنَى وَرجله الْيُسْرَى. وَقد جَاءَ هَذَا مُبينًا فِي الحَدِيث عَن سُفْيَان الثَّوْريّ. وَقَالَ أَبُو عبيد: هُوَ أَن يكون ثَلَاث قَوَائِم مِنْهُ محجلة وَوَاحِدَة مُطلقَة، أَخذ من الشكال الَّذِي تشكل بِهِ الْخَيل لِأَنَّهُ يكون فِي ثَلَاث قَوَائِم، أَو تكون الثَّلَاث مُطلقَة وَرجل محجلة، وَلَا يكون الشكال إِلَّا فِي الرجل، لَا يكون فِي الْيَد.
٢١٤٨ - / ٢٦٨٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث بعد الْمِائَة: خرج رَسُول الله ﷺ فَإِذا هُوَ بِأبي بكر وَعمر فَقَالَ: «مَا أخرجكما؟» قَالَا: الْجُوع. قَالَ: «وَأَنا» .
إِن قَالَ قَائِل: كَيفَ أظهرُوا مَا كِتْمَانه أفضل؟ فَالْجَوَاب: أَن أَبَا بكر وَعمر لم يبدآ بِذكر ذَلِك، إِنَّمَا سَأَلَهُمَا عَن سَبَب خروجهما، والصدق وَاجِب، وكتمان الْحَال فَضِيلَة، فآثرا فعل الْوَاجِب. على أَنه إِنَّمَا
[ ٣ / ٥٦٩ ]
يكتم مثل هَذَا لخوف رِيَاء وَسُمْعَة، وَأما إِذا أظهر لمثل الرَّسُول، أَو لمريد يقْصد الإتباع والإقتداء فَلَا بَأْس بِهِ. وَأما قَول رَسُول الله ﷺ: «وَأَنا» فَإِنَّهُ مِمَّا قواهما بِهِ على مَا هما فِيهِ، فَجمع فِي إخبارهما بِحَالهِ شَيْئَيْنِ: أَحدهمَا: أَن يصبرا، فقد ابْتُلِيَ هُوَ. وَالثَّانِي: أَن يبشرهما بِأَنَّهُ قد سلك بكما فِي طريقي.
وَأما الرجل الَّذِي أَتَوْهُ فَهُوَ أَبُو الْهَيْثَم مَالك بن التيهَان، شهد الْعقبَة مَعَ السّبْعين، وَهُوَ أحد النُّقَبَاء الإثني عشر، وَشهد بَدْرًا وأحدا والمشاهد كلهَا مَعَ رَسُول الله ﷺ.
وَقَوله: مرْحَبًا وَأهلا، الْمَعْنى: أتيت رحبا: أَي سَعَة، وَأهلا أَي: أتيت أَهلا لَا غربا، فأمن وَلَا تستوحش. وَيَقُولُونَ أَيْضا: وسهلا، أَي أتيت سهلا لَا حزنا، وَهَذَا كُله فِي مَذْهَب الدُّعَاء، كَمَا تَقول: لقِيت خيرا.
وَقَوْلها: يستعذب: أَي يطْلب المَاء العذب.
والعذق بِكَسْر الْعين: الكباسة، وَهُوَ الَّذِي تسميه الْعَامَّة العثق.
والمدية: السكين.
والحلوب: ذَات الدّرّ وَاللَّبن.
وَقَوله: «لتسألن» أَي عَن شكر هَذَا، فَإِن تسهيل حُصُوله وسهولة تنَاوله من النعم الَّتِي يَنْبَغِي أَن تشكر.
[ ٣ / ٥٧٠ ]
٢١٤٩ - / ٢٦٨٩ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع بعد الْمِائَة: «تقيء الأَرْض أفلاذ كَبِدهَا أَمْثَال الأسطوان من الذَّهَب وَالْفِضَّة» .
أَي تخرج الْكُنُوز المدفونة فِيهَا. قَالَ ابْن السّكيت: الفلذ لَا يكون إِلَّا للبعير، وَهُوَ قِطْعَة من كبده، وفلذة وَاحِدَة، وَجَمعهَا فلذ وأفلاذ: وَهِي الْقطع المقطوعة طولا. وَسمي مَا فِي بَاطِن الأَرْض كبدا تَشْبِيها بالكبد الَّذِي فِي بطن الْبَعِير، وَكَذَلِكَ قَوْله تقيء، وقيئها: إخْرَاجهَا.
والأسطوان: العمود، والأساطين: الأعمدة. وَيحْتَمل أَن يكون هَذَا قبيل الْقِيَامَة وهم فِي شغل، وَيحْتَمل أَن يكون فِي الْقِيَامَة.
٢١٥٠ - / ٢٦٩٠ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس بعد الْمِائَة: «ثَلَاثَة لَا يكلمهم الله: شيخ زَان، وَملك كَذَّاب، وعائل مستكبر» .
هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة أبعد النَّاس مِمَّا تعاطوه، فَإِن شبق الشَّبَاب يغلب أَصْحَابه فيقصدون قَضَاء الوطر لَا الْمُخَالفَة، وَالشَّيْخ إِنَّمَا يَزْنِي على تكلّف، فالمعصية فِي حَقه أقوى من الإلتذاذ. وَأما الْملك فَلَيْسَ فَوْقه أحد يحْتَاج إِلَى مكاذبته، فقد أَتَى ذبنا لَا معنى لَهُ. والعائل: الْفَقِير، والتكبر مَعَ الْفقر لَا وَجه لَهُ. وَهَذِه الذُّنُوب قبيحة مِمَّن كَانَت، وَلكنهَا من هَؤُلَاءِ أقبح، كَمَا أَن الْمعاصِي من كل أحد قبيحة، لَكِنَّهَا من الْعلمَاء أقبح.
[ ٣ / ٥٧١ ]
٢١٥١ - / ٢٦٩١ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس بعد الْمِائَة: «إِن الله طيب لَا يقبل إِلَّا طيبا» .
هَذَا إِخْبَار عَن كَمَال صِفَاته الَّتِي لَا يدخلهَا نقص وَلَا عيب، كَمَا أَن الله جميل.
وَقَوله: «لَا يقبل إِلَّا طيبا» يَعْنِي بِهِ الْحَلَال.
والأشعث: الَّذِي قد تغير شعر رَأسه وَتَلَبَّدَ لبعد عَهده بالدهن والإمتشاط.
وَقد بَين الحَدِيث أَن أكل الْحَرَام يمْنَع من إِجَابَة الدُّعَاء، وَنبهَ على أَن جَمِيع الْمعاصِي تمنع.
٢١٥٢ - / ٢٦٩٢ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع بعد الْمِائَة: قَالَ أَبُو جهل: هَل يعفر مُحَمَّد وَجهه بَين أظْهركُم؟
تعفير الْوَجْه: إلصاقه بِالتُّرَابِ، وَيُقَال للتراب العفر.
وَقَوله: فَمَا فَجِئَهُمْ مِنْهُ أَي: فَمَا بادرهم مِنْهُ إِلَّا نكوصه على عقبه. وينكص: يرجع إِلَى خَلفه.
والعقب: مُؤخر الْقدَم.
والإختطاف: الإستلاب بِسُرْعَة.
[ ٣ / ٥٧٢ ]
و﴿كلا﴾ بِمَعْنى حَقًا. و﴿الْإِنْسَان﴾ هَا هُنَا أَبُو جهل، كَانَ إِذا أصَاب مَالا أشر وبطر فِي لِبَاسه ومراكبه وَطَعَامه. ﴿أَن رَآهُ﴾ أَي أَن رأى نَفسه.
و﴿الرجعى﴾ الْمرجع.
﴿أَرَأَيْت﴾ تعجيب للمخاطب، وَإِنَّمَا كررها لتأكيد التعجيب.
وَالْمرَاد بالناهي أَو جهل. وَكَانَ قد رأى النَّبِي ﷺ يُصَلِّي فَقَالَ: ألم أَنْهَك عَن هَذَا؟ وَالْمرَاد بِالْعَبدِ مُحَمَّد ﷺ. أَرَأَيْت إِن كَانَ الْمنْهِي عَن الْهدى، أَرَأَيْت إِن كذب الناهي. قَالَ الْفراء: الْمَعْنى: أَرَأَيْت الَّذِي ينْهَى عبدا إِذا صلى وَهُوَ كَاذِب مول عَن الذّكر، فَأَي شَيْء أعجب من هَذَا؟ وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: تَقْدِيره: أرأيته مصيبا؟ ألم يعلم - يَعْنِي أَبَا جهل - بِأَن الله يرى ذَلِك فيجازيه؟ ﴿كلا﴾ أَي لَا يعلم ذَلِك ﴿لَئِن لم ينْتَه﴾ عَن تَكْذِيب مُحَمَّد وَشَتمه وإيذائه ﴿لنسفعا بالناصية﴾ والسفع: الْأَخْذ. والناصية: مقدم الرَّأْس. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: سفعت بِيَدِهِ: أَي أخذت بهَا.
وَقَالَ الزّجاج: يُقَال: سفعت بالشَّيْء: إِذا قبضت عَلَيْهِ وجذبته جذبا شَدِيدا. وَالْمعْنَى: ليجزن ناصيته إِلَى النَّار.
قَوْله: ﴿نَاصِيَة﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هِيَ بدل فَلذَلِك جرها. وَقَالَ الزّجاج: الْمَعْنى بناصية. صَاحبهَا كَاذِب خاطىء، كَمَا يُقَال: نَهَاره
[ ٣ / ٥٧٣ ]
صَائِم وليله قَائِم، أَي هُوَ صَائِم فِي نَهَاره وقائم فِي ليله.
﴿فَليدع نَادِيه﴾ أَي أهل نَادِيه، وهم أهل مَجْلِسه فليستنصر بهم.
﴿سَنَدع الزَّبَانِيَة﴾ قَالَ عَطاء: هم الْمَلَائِكَة الْغِلَاظ الشداد. وَقَالَ مقَاتل: هم خَزَنَة جَهَنَّم. وَقَالَ قَتَادَة: الزَّبَانِيَة فِي كَلَام الْعَرَب: الشَّرْط. وَقَالَ الْفراء: كَانَ الْكسَائي يَقُول: لم أسمع للزبانية بِوَاحِد، ثمَّ قَالَ بِأخرَة: وَاحِد الزَّبَانِيَة زبني، فَلَا أَدْرِي أقياسا مِنْهُ أم سَمَاعا.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: وَاحِد الزَّبَانِيَة زبنية: وَهُوَ كل متمرد من إنس أَو جَان.
وَيُقَال: فلَان زبنية عفرية. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: هُوَ مَأْخُوذ من الزَّبْن: وَهُوَ الدّفع، كَأَنَّهُمْ يدْفَعُونَ أهل النَّار إِلَيْهَا، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْن دُرَيْد: الزَّبْن: الدّفع، يُقَال: نَاقَة زبون، إِذا زبنت حالبها ودفعته برجلها، وتزابن الْقَوْم: تدارؤوا.
وَقَوله: ﴿كلا﴾ أَي لَيْسَ الْأَمر على مَا عَلَيْهِ أَبُو جهل. ﴿لَا تطعه﴾ فِي ترك الصَّلَاة. ﴿واسجد﴾ أَي صل لله ﴿واقترب﴾ إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ. هَذَا قَول الْجُمْهُور: أَن قَوْله: ﴿واقترب﴾ خطاب للنَّبِي ﷺ. وَقد قيل: إِنَّه خطاب لأبي جهل، ثمَّ فِي الْمَعْنى قَولَانِ: أَحدهمَا: اسجد أَنْت يَا مُحَمَّد واقترب أَنْت يَا أَبَا جهل من النَّار، قَالَه زيد بن أسلم. وَالثَّانِي: واقترب أَنْت يَا أَبَا جهل من مُحَمَّد، تهددا لَهُ: أَي لَو اقْتَرَبت لهلكت.
٢١٥٣ - / ٢٦٩٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن بعد الْمِائَة: «ضرس الْكَافِر -
[ ٣ / ٥٧٤ ]
أَو نَاب الْكَافِر - مثل أحد، وَغلظ جلده مسيرَة ثَلَاث» .
فِي تَعْظِيم خلق أهل النَّار خمس فَوَائِد: إِحْدَاهُنَّ: زِيَادَة عَذَابهمْ، لِأَنَّهُ كلما عظم الْعُضْو كثر عَذَابه لاتساع محَال الْأَلَم. وَالثَّانيَِة: لتشويه الْخلقَة. وَالثَّالِثَة: ليزدحموا، فَإِن الإزدحام نوع عَذَاب، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مُقرنين فِي الأصفاد﴾ [إِبْرَاهِيم: ٤٩] وَالرَّابِعَة: ليستوحش بَعضهم من بَعضهم، فَإِن الْأَشْخَاص الهائلة المستبشعة عَذَاب أَيْضا.
وَالْخَامِسَة: أَن يكون جَمِيع أَجزَاء الْكَافِر الَّتِي انفصلت مِنْهُ فِي الدُّنْيَا حَال كفره أُعِيدَت إِلَيْهِ لتذوق جَمِيع أَجْزَائِهِ الْعَذَاب.
٢١٥٤ - / ٢٦٩٦ - والْحَدِيث الْحَادِي عشر بعد الْمِائَة: قد سبق فِي مُسْند ابْن عمر.
٢١٥٥ - / ٢٧٠٠ - والْحَدِيث الْخَامِس عشر بعد الْمِائَة: قد تقدم فِي مُسْند أبي الدَّرْدَاء.
٢١٥٦ - / ٢٧٠٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن عشر بعد الْمِائَة: تَذَاكرنَا لَيْلَة الْقدر عِنْد رَسُول الله ﷺ، فَقَالَ: «أَيّكُم يذكر حِين طلع الْقَمَر وَهُوَ مثل شقّ جَفْنَة» .
[ ٣ / ٥٧٥ ]
الشق: النّصْف. والجفنة: جَفْنَة الطَّعَام. شبه الْقَمَر فِيمَا بعد الْعشْرين بشق الْجَفْنَة. وَقيل: أَرَادَ بِهِ لَيْلَة سبع وَعشْرين.
٢١٥٧ - / ٢٧٠٤ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع عشر بعد الْمِائَة: «فَإِن فِي عُيُون الْأَنْصَار شَيْئا» .
يَعْنِي بعض مَا لَا يسْتَحبّ من زرقة أَو صغر أَو نَحْو ذَلِك.
والأواقي جمع أُوقِيَّة، وَقد ذكرنَا وَزنهَا فِي مُسْند جَابر.
وَعرض الْجَبَل: جَانِبه.
٢١٥٨ - / ٢٧٠٦ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْعِشْرين بعد الْمِائَة: كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ إِذْ سمع وجبة.
الوجبة: السقطة من علو إِلَى أَسْفَل بِصَوْت مزعج كصوت الْهدم، يُقَال: وَجب الْحَائِط.
وَقَوله: يهوي فِي النَّار: أَي يسْقط، يُقَال: هوى الشَّيْء: كَأَنَّهُ ألقِي فِي هوة بِسُرْعَة. والمهواة: الحفرة الْبَعِيدَة القعر، والقعر: نِهَايَة عمق الشَّيْء.
٢١٥٩ - / ٢٧٠٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْعِشْرين بعد الْمِائَة: «إِذا قَامَ أحدكُم من اللَّيْل فليفتتح الصَّلَاة بِرَكْعَتَيْنِ خفيفتين» .
إِنَّمَا أَمر بِهَذَا لتدريج الْبدن إِلَى الْعِبَادَة لِئَلَّا يهجم على التَّطْوِيل فِي
[ ٣ / ٥٧٦ ]
أول مرّة.
٢١٦٠ - / ٢٧١٠ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْعِشْرين بعد الْمِائَة: «أَن رجلا زار أَخا لَهُ فِي قَرْيَة أُخْرَى، فأرصد الله تَعَالَى على مدرجته ملكا فَقَالَ: هَل لَك عَلَيْهِ من نعْمَة تربها؟» .
أرصد: أَقَامَ رصدا: أَي منتظرا لَهُ.
والمدرجة: الطَّرِيق، وَجَمعهَا مدارج.
وتربها: تراعيها لتدوم لَك.
وَفِي هَذَا الحَدِيث فضل زِيَارَة الإخوان، وَهَذَا أَمر بَقِي اسْمه وَذهب رسمه، فَإِن الإخوان فِي الله ﷿ أعز من الكبريت الْأَحْمَر، وَكَانَ أَبُو الْحسن بن الفاعوس الزَّاهِد ينشد:
(مَا هَذِه الْألف الَّتِي قد زدتم فدعوتم الخوان بالإخوان)
(مَا صَحَّ لي أحد أصيره أَخا فِي الله حَقًا لَا وَلَا الشَّيْطَان)
(إِمَّا مول عَن ودادي مَا لَهُ وَجه، وَإِمَّا من لَهُ وَجْهَان)
٢١٦١ - / ٢٧١١ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْعِشْرين بعد الْمِائَة: «يَقُول الله ﷿: مَرضت فَلم تعدني» .
لما أَقَامَ الْمُؤمن ربه ﷿ مقَام نَفسه كَمَا أخبر عَنهُ فِي قَوْله:
[ ٣ / ٥٧٧ ]
«فَكنت سَمعه الَّذِي يسمع بِهِ، وبصره الَّذِي يبصر بِهِ» أَقَامَ الْحق ﷿ نَفسه مقَام عَبده فَقَالَ: «مَرضت» أَي مرض عَبدِي، وَهَذَا من بَاب الْكَرم فِي الْجَزَاء ومقابلة الشَّيْء بِأَفْضَل مِنْهُ، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فاذكروني أذكركم﴾ [الْبَقَرَة: ١٥٢] وَقَوله: «من ذَكرنِي فِي نَفسه ذكرته فِي نَفسِي» .
٢١٦٢ - / ٢٧١٢ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْعِشْرين بعد الْمِائَة: «كَانَ زَكَرِيَّا نجارا» .
اعْلَم أَن الْأَنْبِيَاء لما بعثوا داعين لِلْخلقِ إِلَى الْحق ﷿ لم يطلبوا من الْخلق جَزَاء، وَلم يكن بُد من الجريان مَعَ الْأَسْبَاب، فاشتغل كل مِنْهُم بِسَبَب، فَكَانَ آدم حراثا، ونوح نجارا، وَكَذَلِكَ زَكَرِيَّا، وَإِدْرِيس خياطا، وَكَذَلِكَ لُقْمَان، وَدَاوُد زرادا، وَإِبْرَاهِيم زراعا، وَكَذَلِكَ لوط، وَصَالح تَاجِرًا، ومُوسَى وَشُعَيْب وَمُحَمّد ﷺ رُعَاة، وَهَذِه سيرة الْعلمَاء من بعدهمْ وَالصَّالِحِينَ، فَكَانَ أَبُو بكر الصّديق وَعُثْمَان بن عَفَّان وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَطَلْحَة وَابْن سِيرِين وَمَيْمُون بن مهْرَان بزازين، وَكَانَ الزبير وَعَمْرو بن الْعَاصِ وعامر بن كريز جزارين، وَكَانَ سعد بن أبي وَقاص يبري النبل، وَعُثْمَان بن طَلْحَة الحَجبي خياطا، وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ يَبِيع السختيان - وَيُونُس ابْن عبيد جزارا، وَمَالك بن دِينَار وراقا يكْتب الْمَصَاحِف، وَكَانَ سعيد
[ ٣ / ٥٧٨ ]
ابْن الْمسيب يحتكر الزَّيْت، وسُفْيَان الثَّوْريّ يباضع.
وَاعْلَم أَن الإشتغال بِالْكَسْبِ والتسبب إِلَى الْغنى عَن النَّاس يحفظ الدّين، وَيمْنَع من الرِّيَاء، وَيكون أدعى إِلَى قبُول القَوْل. وَقد سبق مدح الْكسْب وَالْمَال فِي مُسْند أبي سعيد، وَالله الْمُوفق.
٢١٦٣ - / ٢٧١٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة: «إِذا قَامَ أحدكُم من اللَّيْل فاستعجم الْقُرْآن على لِسَانه فليضطجع» .
استعجم بِمَعْنى لم يتَوَجَّه لَهُ فِيهِ وَجه الْقِرَاءَة، يُقَال: استعجم: إِذا لم يفهم.
٢١٦٤ - / ٢٧١٦ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة: «أَيّمَا قَرْيَة أتيتموها وأقمتم فِيهَا فسهمكم فِيهَا، وَأَيّمَا قَرْيَة عَصَتْ الله وَرَسُوله فَإِن خمسها لله وَلِرَسُولِهِ ثمَّ هِيَ لكم» .
أما الْقرْيَة الَّتِي يأتونها ويقيمون فِيهِ فَهِيَ مَا فتح صلحا، وَذَلِكَ على ضَرْبَيْنِ: أَحدهمَا: أَن يصالحونا على أَن ملك الأَرْض لنا ونقرها فِي أَيْديهم بالخراج، فَهَذِهِ تصير وَقفا بَين الْمُسلمين. وَالثَّانِي: أَن نصالحهم على أَن ملكهَا لَهُم وَلنَا الْخراج عَنْهَا، فَهَذَا الْخراج فِي حكم الْجِزْيَة.
وَأما الْقرْيَة الَّتِي عَصَتْ الله فَهِيَ الَّتِي تفتح عنْوَة، فَحكمهَا حكم الْغَنِيمَة، وَالْغنيمَة تقسم خَمْسَة أَخْمَاس: فَخمس مِنْهَا لله وَلِلرَّسُولِ
[ ٣ / ٥٧٩ ]
يقسم على خَمْسَة أسْهم: سهم لله وَلِلرَّسُولِ يصرف فِي الْمصَالح، وَسَهْم لِذَوي الْقُرْبَى وهم بَنو هَاشم وَبَنُو الْمطلب، وَسَهْم لِلْيَتَامَى والفقراء، وَسَهْم للْمَسَاكِين، وَسَهْم لأبناء السَّبِيل، وَأَرْبَعَة أخماسها لمن شهد الْوَقْعَة، وَهُوَ معنى قَوْله «لكم» .
وَقَوله: «أتيتموها وأقمتم فِيهَا» أَي فتحتموها صلحا.
٢١٦٥ - / ٢٧١٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة: «خلق الله الْبَريَّة يَوْم السبت» .
الْبَريَّة: الأَرْض. وَذكر ابْن جرير وَغَيره من الْعلمَاء أَن كل يَوْم من هَذِه الْأَيَّام مِقْدَاره ألف سنة، وَلَا أَدْرِي لم قَالُوا هَذَا، وَإِنَّمَا أَخَذُوهُ من قَوْله تَعَالَى: ﴿ويستعجلونك بِالْعَذَابِ وَلنْ يخلف الله وعده وَإِن يَوْمًا عِنْد رَبك كألف سنة مِمَّا تَعدونَ﴾ [الْحَج: ٤٧] وَتلك إِشَارَة إِلَى أَيَّام الْآخِرَة. فَأَما الْأَيَّام الَّتِي هِيَ السبت والأحد. . فَهِيَ الَّتِي عرف مقدارها.
فَإِن قيل: فالقرآن يدل على أَن خلق الْأَشْيَاء فِي سِتَّة أَيَّام، وَهَذَا الحَدِيث يدل على أَنَّهَا فِي سَبْعَة.
فَالْجَوَاب: أَن السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا خلق فِي سِتَّة أَيَّام، وَخلق آدم من الأَرْض، وَالْأُصُول خلقت فِي سِتَّة، وآدَم كالفرع من بَعْضهَا.
٢١٦٦ - / ٢٧١٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة: قَالَ
[ ٣ / ٥٨٠ ]
أَبُو هُرَيْرَة: إِنَّمَا أتوضأ فِي أثوار أقط أكلتها، لِأَنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: «توضأوا مِمَّا مست النَّار» .
الأثوار جمع ثَوْر. والثور: الْقطعَة من الأقط: والأقط شَيْء يعْمل من اللَّبن ويجفف. وَهَذَا الحَدِيث مَنْسُوخ، روى ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ أكل عرقا أَو كَتفًا ثمَّ مضى إِلَى الصَّلَاة وَلم يتَوَضَّأ.
وَقَالَ ابْن مَسْعُود: كَانَ رَسُول الله ﷺ يَأْكُل اللَّحْم ثمَّ يقوم إِلَى الصَّلَاة وَلم يمس مَاء. وَقد أخبرنَا مُحَمَّد بن أبي مَنْصُور قَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن أَحْمد الْخياط قَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن عَليّ بن حَمْزَة قَالَ: أَنبأَنَا يزِيد بن عبد الصَّمد قَالَ: حَدثنَا عَليّ بن عَيَّاش قَالَ: أخبرنَا شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر قَالَ: كَانَ آخر الْأَمريْنِ من رَسُول الله ﷺ ترك الْوضُوء مِمَّا مست النَّار. وَكَذَلِكَ قَالَ مُحَمَّد بن مسلمة.
٢١٦٧ - / ٢٧١٩ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة: «ليهلن ابْن مَرْيَم بفج الروحاء» .
والإهلال: رفع الصَّوْت بِالتَّلْبِيَةِ.
[ ٣ / ٥٨١ ]
وَقَوله: «أَو ليثنيهما» أَي يجمع بَين الْحَج وَالْعمْرَة.
٢١٦٨ - / ٢٧٢٠ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة: «بَينا رجل بفلاة» .
الفلاة: الْمَفَازَة، وَالْجمع فلوات وفلا.
والحديقة: الأَرْض ذَات النّخل وَالشَّجر.
والسحاب: الْغَمَام، سمي سحابا لإنسحابه فِي الْهَوَاء.
والحرة: أَرض ذَات حِجَارَة سود.
والشراج: مسايل المَاء من الأَرْض المرتفعة إِلَى السهل، وَاحِدهَا شرج وشرجة.
والمسحاة مَأْخُوذَة من السحو، تَقول: سحوت الشَّيْء أسحاه وأسحوه: إِذا قشرته، سحوا وسحيا، فَأَنا أسحى وأسحي وأسحو، ثَلَاث لُغَات.
٢٧٢٢ - / ٢١٦٩ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة: «من صلى صَلَاة لم يقْرَأ فِيهِ بِفَاتِحَة الْكتاب فَهِيَ خداج» .
قَالَ أَبُو عبيد: معنى خداج نُقْصَان، مثل خداج النَّاقة إِذا ولدت ولدا نَاقص الْخلق أَو لغير تَمام، يُقَال: خدجت النَّاقة: إِذا أَلْقَت وَلَدهَا قبل أَوَان النِّتَاج وَإِن كَانَ تَامّ الْخلق، وأخدجت: إِذا ألقته نَاقص الْخلق وَإِن كَانَ لتَمام الْحمل، وَمِنْه قيل لذِي الثدية: إِنَّه مُخْدج الْيَد:
[ ٣ / ٥٨٢ ]
أَي ناقصها. قَالَ الزّجاج: خدجت النَّاقة وأخدجت بِمَعْنى، وَهُوَ أَن تلقي وَلَدهَا لغير تَمام. وَقَالَ أَبُو بكر بن الْأَنْبَارِي: قَوْله: «فَهِيَ خداج» أَي فَهِيَ ذَات خداج: أَي ذَات نُقْصَان فحذفت ذَات وأقيم الخداج مقَامهَا على مَذْهَبهم فِي الإختصار. قَالَ: وَيجوز أَن يكون خداج بِمَعْنى مخدجة: أَي نَاقِصَة، فأحل الْمصدر مَحل الْفِعْل، كَمَا قَالُوا: عبد الله إقبال وإدبار، يُرِيدُونَ: مقبل ومدبر.
وَهَذَا الحَدِيث يدل على تعْيين الْفَاتِحَة، فَإِن الصَّلَاة النَّاقِصَة بَاطِلَة.
وَقَوله: «قسمت الصَّلَاة بيني وَبَين عَبدِي» يُرِيد بِالصَّلَاةِ الْقِرَاءَة، وَلِهَذَا فسره بقوله: «فَإِذا قَالَ العَبْد: الْحَمد لله» وَبَيَان الْقِسْمَة أَن نصف الْفَاتِحَة ثَنَاء على الله ﷿، فَهُوَ يخْتَص بِهِ، وَنِصْفهَا دُعَاء فَهُوَ يخْتَص بِالْعَبدِ.
وَفِي هَذَا الحَدِيث دَلِيل على أَن الْبَسْمَلَة لَيست من الْفَاتِحَة، من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه ابْتَدَأَ بقوله: «الْحَمد» وَلَو كَانَت الْبَسْمَلَة مِنْهُ لبدأ بهَا. وَالثَّانِي: أَنه قسمهَا نِصْفَيْنِ، فَجعل نصفهَا ثَنَاء وَنِصْفهَا دُعَاء، وَلَو كَانَت الْبَسْمَلَة مِنْهَا كَانَت آيَات الثَّنَاء أَرْبعا وَنصفا، وآيات الدُّعَاء اثْنَتَيْنِ وَنصفا.
[ ٣ / ٥٨٣ ]
٢١٧٠ - / ٢٧٢٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة: «لَا يغْتَسل أحدكُم فِي المَاء الدَّائِم وَهُوَ جنب» .
الدَّائِم: الْوَاقِف، وَلَا يَخْلُو أَن يكون دون الْقلَّتَيْنِ، فَإِنَّهُ يصير باغتسال الْجنب فِيهِ مُسْتَعْملا، فَيمْتَنع رفع الْأَحْدَاث بِهِ، أَو يزِيد على الْقلَّتَيْنِ فدوام اغتسال الْجنب مِنْهُ يُوجب استقذاره.
٢١٧١ - / ٢٧٢٤ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة: «فذلكم الرِّبَاط» .
أَي قَائِم مقَام المرابطة فِي الْجِهَاد. وأصل الرِّبَاط أَن يرْبط هَؤُلَاءِ خيولهم وَهَؤُلَاء خيولهم.
٢١٧٢ - / ٢٧٢٥ - وَفِي الحَدِيث الْأَرْبَعين بعد الْمِائَة: «لَا يَنْبَغِي لصديق أَن يكون لعانا» .
الصّديق: من تكَرر مِنْهُ الصدْق. وَاللّعان: من تكَرر مِنْهُ اللَّعْن، فَلَا تصلح هَذِه الْحَال لصَاحب هَذِه الْحَال.
٢١٧٣ - / ٢٧٢٧ - والْحَدِيث الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَة: قد تقدم فِي مُسْند ابْن عمر.
٢١٧٤ - / ٢٧٢٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَة: «أَو
[ ٣ / ٥٨٤ ]
أعْطى فاقتنى» أَي ادخره لنَفسِهِ فِي الْآخِرَة.
٢١٧٥ - / ٢٧٣٠ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَة: «يَبِيع دينه بِعرْض الدُّنْيَا» .
الْعرض: مَا يعرض من الدُّنْيَا، وَيدخل فِيهِ جَمِيع المَال.
٢١٧٦ - / ٢٧٣١ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَة: «اتَّقوا اللاعنين» قَالُوا: وَمَا اللاعنان؟ قَالَ: «الَّذِي يتخلى فِي طَرِيق النَّاس أَو فِي ظلهم» .
يتخلى: يَتَّخِذهُ خلاء لقَضَاء الْحَاجة، فَإِن ذَلِك سَبَب للعن من فعله، فَسمى الْمَكَان لاعنا لِأَنَّهُ سَبَب للعن.
وَطَرِيق النَّاس: الْموضع المطروق بِالْمَشْيِ فِيهِ.
وظلهم: كل مَا يَسْتَظِلُّونَ بِهِ من حَائِط أَو شَجَرَة.
٢١٧٧ - / ٢٧٣٥ - وَفِي الحَدِيث الْخمسين بعد الْمِائَة: «لتؤدن الْحُقُوق إِلَى أَهلهَا يَوْم الْقِيَامَة» .
أَصْحَاب الحَدِيث يضمون التَّاء ويفتحون الدَّال على مَا لم يسم فَاعله. وَأهل اللُّغَة يمْنَعُونَ من ذَلِك، قَالَ لي أَبُو مُحَمَّد الخشاب: لَا يجوز إِلَّا بِضَم الدَّال، لِأَنَّهَا لَو كَانَت مَفْتُوحَة لَكَانَ: لتؤدين بياء.
[ ٣ / ٥٨٥ ]
فَإِن قيل: فَكيف يُقَال: لتؤدن أَنْتُم حَتَّى يُقَاد للشاة؟ فَالْجَوَاب: أَن هَذَا لجنس المخلوقين، الْمَعْنى: لتؤدن أَنْتُم يَا بني آدم حَتَّى يُقَاد للشاة.
والجلحاء: الَّتِي لَا قرن لَهَا.
والقرناء: ذَات الْقرن.
٢١٧٨ - / ٢٧٣٦ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْخمسين بعد الْمِائَة: «مَا نقصت صَدَقَة من مَال» .
قد اعْترض معترض فَقَالَ: كَيفَ يخبر الرَّسُول ﷺ بِمَا يُنَافِي الْحَقَائِق، وَنحن نعلم أَن من تصدق من دِينَار بقيراط نقص؟ فَأجَاب الْعلمَاء فَقَالُوا: إِن الرَّسُول ﷺ لم يقْصد هَذَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَن الْبركَة تخلف الْجُزْء الْمُنْفَصِل فَيكون كَأَنَّهُ لم يزل. وَوَقع لي فِي هَذَا جَوَاب آخر ينطبق على أصل السُّؤَال، فَقلت: للْإنْسَان داران، فَإِذا نقل بعض مَاله بِالصَّدَقَةِ إِلَى الدَّار الْأُخْرَى لم ينقص مَاله حَقِيقَة، وَقد جَاءَ فِي الحَدِيث: «فيربيها لأحدكم حَتَّى تكون كالجبل» وَصَارَ كمن بعث بعض مَاله إِلَى إِحْدَى داريه أَو قسمه فِي صندوقين، فيراد من هَذَا أَن مَا خرج مِنْك لم يخرج عَنْك.
وَقَوله: «وَمَا زَاد الله عبدا بِعَفْو إِلَّا عزا» وَذَاكَ لِأَن الْعَافِي فِي مقَام الْوَاهِب والمتصدق، فيعز بذلك.
وَقَوله: «وَمَا تواضع أحد لله إِلَّا رَفعه الله» أَي رفع قدره فِي الْقُلُوب
[ ٣ / ٥٨٦ ]
لإخلاصه فِي التَّوَاضُع.
٢١٧٩ - / ٢٧٣٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْخمسين بعد الْمِائَة: «المستبان مَا قَالَا فعلى البادئ مَا لم يعْتد الْمَظْلُوم» .
وَهَذَا لِأَن البادئ ظَالِم بابتدائه بالسب، فَجَوَابه جَزَاء، فَإِذا اعْتدى الْمَظْلُوم كَانَ عَلَيْهِ إِثْم.
٢١٨٠ - / ٢٧٣٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْخمسين بعد الْمِائَة: «أَتَدْرُونَ مَا الْغَيْبَة؟ ذكر أَخَاك بِمَا يكره» .
الْغَيْبَة: ذكر الْغَائِب بِمَا فِيهِ مِمَّا يكرههُ، وَإِذا لم يكن ذَلِك فِيهِ كَانَ بهتانا، والبهت: الْكَذِب الَّذِي يتحير مِنْهُ ويعجب من إفراطه، وَالْعرب تَقول: «يَا للبهيتة» .
وَقد سبق مَا بعد هَذَا وَمِنْه ظَاهر إِلَى:
٢١٨١ - / ٢٧٤٥ - الحَدِيث السِّتين بعد الْمِائَة: «قَالَ الله تَعَالَى: «من عمل عملا أشرك فِيهِ معي غَيْرِي تركته وشركه» .
اعْلَم أَن الْأَعْمَال ثَلَاثَة: عمل خَالص لله، وَهُوَ مَا لم يقْصد بِهِ سواهُ، فَهَذَا المقبول. وَعمل لأجل الْخلق، لولاهم مَا عمل، فَهَذَا الْمَرْدُود، وَهُوَ المُرَاد بقوله فِي الحَدِيث الآخر: «إِنَّمَا قَرَأت ليقال:
[ ٣ / ٥٨٧ ]
فلَان قَارِئ» . وَعمل يجْتَمع فِيهِ قصد الْحق والخلق، مثل أَن يُصَلِّي قَاصِدا للثَّواب ثمَّ يدرج فِي ضمن ذَلِك قصد مِدْحَة الْخلق، وَأَن يروه بِعَين التَّعَبُّد، فَهَذَا المُرَاد بالشرك فِي هَذَا الحَدِيث، وَهُوَ إِلَى الرَّد أقرب.
٢١٨٢ - / ٢٧٤٦ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالسِّتِّينَ بعد الْمِائَة: «سِيرُوا، سبق المفردون» قَالُوا: وَمَا المفردون؟ قَالَ: «الذاكرون الله كثيرا وَالذَّاكِرَات» .
هَذَا الحَدِيث يرْوى بِفَتْح الرَّاء وبكسرها، وَالْكَسْر أشهر. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: المفردون: الَّذين هلك أقرانهم ولداتهم وطالت أعمارهم فانفردوا لذكر الله ﷿ وعبادته. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: هم المنقطعون عَن النَّاس لذكر الله ﷿، فكأنهم أفردوا أنفسهم للذّكر. والفارد والفرد فِي اللُّغَة: الثور الوحشي لإنفراده عَن الْإِنْس بالإنس. وَقَالَ غَيره: استولى عَلَيْهِم الذّكر فأفردهم عَن كل شَيْء إِلَّا عَن الله ﷿، فهم يفردونه بِالذكر وَلَا يضمون إِلَيْهِ سواهُ.
٢١٨٣ - / ٢٧٤٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالسِّتِّينَ بعد الْمِائَة: «فَكَأَنَّمَا
[ ٣ / ٥٨٨ ]
يسفهم المل» .
المل وَالْملَّة: التُّرَاب الْحَار والرماد. وَفِي معنى يسفهم قَولَانِ: أَحدهمَا: يسفي فِي وجههم. وَالثَّانِي: يُطعمهُمْ، وَهُوَ الْأَظْهر، من قَوْلك: سففت الدَّوَاء أسفه، وَالْمعْنَى: أَنَّك مَنْصُور عَلَيْهِم، فقد انْقَطع احتجاجهم عَلَيْك بِحَق الْقَرَابَة كَمَا يَنْقَطِع كَلَام من سف الْملَّة، وَمثل هَذَا قَول الْعَرَب: بفيك الإثلب: أَي الْحجر الَّذِي يسكت النَّاطِق، وَمَعَهُ هَذَا فقد دخل عَلَيْهِم الْإِثْم فِي أديانهم بِفعل مَا لَا يجوز فِي حَقك كَمَا يدْخل على من يتَنَاوَل الرماد الْحَار من الْأَلَم والتنغيص.
والظهير: العون.
وَقد سبق مَا بعد هَذَا الحَدِيث إِلَى:
٢١٨٤ - / ٢٧٥٠ - الحَدِيث الْخَامِس وَالسِّتِّينَ بعد الْمِائَة وَفِيه: «من خير معاش النَّاس لَهُم رجل مُمْسك عنان فرسه فِي سَبِيل الله، يطير على مَتنه كلما سمع هيعة أَو فزعة طَار عَلَيْهِ يَبْتَغِي الْقَتْل مظانه. أَو رجل فِي رَأس شعفة» .
المعاش: الْعَيْش.
ويطير على مَتنه: يسْرع بركضه وَهُوَ على ظَهره.
والهيعة: الصَّوْت المفزع الْمخوف من عَدو أَو غَيره، قَالَ الطرماح:
[ ٣ / ٥٨٩ ]
(أَنا ابْن حماة الْمجد من آل مَالك إِذا جعلت خور الرِّجَال تهيع»
أَي تجبن وتضعف. والخور جمع خوار: وَهُوَ الضَّعِيف.
وَقَوله: «يَبْتَغِي الْقَتْل مظانه» أَي فِي مظانه. ومظان الشَّيْء: مَكَانَهُ الَّذِي يظنّ وجوده فِيهِ، أَو وقته. ومظنة الشَّيْء: معدنه.
والشعفة: الْوَاحِدَة من شعفات الْجبَال: وَهِي أعاليها. والشعبة وَالْجمع الشعاب: وَهِي الطّرق فِي الْجبَال.
٢١٨٣ - / ٢٧٥١ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالسِّتِّينَ بعد الْمِائَة: أَتَى النَّبِي ﷺ أعمى فَقَالَ: لَيْسَ لي قَائِد قَالَ: «هَل تسمع النداء بِالصَّلَاةِ؟» قَالَ: نعم. قَالَ: «فأجب» .
الْأَعْمَى هُوَ ابْن أم مَكْتُوم.
وَفِي هَذَا الحَدِيث دَلِيل على وجوب الْجَمَاعَة.
٢١٨٦ - / ٢٧٥٢ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالسِّتِّينَ: «لَو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بِقوم يذنبون فيستغفرون فَيغْفر لَهُم» .
هَذَا دَلِيل على أَن المُرَاد من العَبْد الذل؛ فَإِن المذنب منكسر لذنبه، منكس الرَّأْس لجرمه، وَبِهَذَا يبين ذل الْعُبُودِيَّة وَيظْهر عز الربوبية، وَفِيه تَقْوِيَة لرجاء المذنب فِي الْعَفو.
٢١٨٧ - / ٢٧٥٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالسِّتِّينَ بعد الْمِائَة: «يقطع
[ ٣ / ٥٩٠ ]
الصَّلَاة الْكَلْب وَالْمَرْأَة وَالْحمار» وَقد تكلمنا على هَذَا فِي مُسْند أبي ذَر.
٢١٨٨ - / ٢٥٧٦ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالسبْعين بعد الْمِائَة: «لَا يفرك مُؤمن مُؤمنَة؛ إِن كره مِنْهَا خلقا رَضِي آخر» .
الفرك بِكَسْر الْفَاء: البغض، يُقَال: فرك يفرك فركا، وَرجل مفرك: إِذا أبغضته النِّسَاء.
وَالْمرَاد من الحَدِيث أَن المؤمنة يحملهَا الْإِيمَان على اسْتِعْمَال خِصَال محمودة يُحِبهَا الْمُؤمن، فَيحمل مَا لَا يُحِبهُ لما يُحِبهُ.
٢١٨٩ - / ٢٧٦١ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالسبْعين بعد الْمِائَة: «لَا يشربن أحد مِنْكُم قَائِما، فَمن نسي فليستقئ» .
أَي فليستدع الْقَيْء. وَهَذَا مِمَّا يَدعِي قوم أَنه مَنْسُوخ. وَالصَّحِيح أَن الشّرْب قَائِما مَكْرُوه، وَذكر الْقَيْء للْمُبَالَغَة. وَقد سبق هَذَا فِي مُسْند عَليّ ﵇.
٢١٩٠ - / ٢٧٦٢ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالسبْعين بعد الْمِائَة: «سَيكون فِي آخر أمتِي أنَاس يحدثونكم بِمَا لم تسمعوا أَنْتُم وَلَا آباؤكم، فإياكم وإياهم» .
[ ٣ / ٥٩١ ]
الْإِشَارَة بِهَذَا إِلَى الْكَذَّابين، ويوضحه أَن فِي بعض أَلْفَاظ الحَدِيث: «يكون فِي آخر الزَّمَان دجالون كذابون يأتونكم من الْأَحَادِيث بِمَا لم تسمعوا» وَفِي هَذَا تحذير من أهل الْكَذِب. وَإِنَّمَا يعرف الْكذَّاب من نقلة الحَدِيث بالبحث عَنهُ وَالنَّظَر فِيمَا قيل فِيهِ من قدح. وَقد تورع جمَاعَة من جهلة المتزهدين عَن سَماع الْقدح فِي الْكَذَّابين، قَالُوا: هَذَا غيبَة، وَلم يعلمُوا أَنه قصد لتصحيح الصَّحِيح وإفساد الْفَاسِد، وَلَوْلَا جهابذة النَّقْل لأدخل فِي الشَّرِيعَة مَا يُفْسِدهَا، وَلَقَد أدخلُوا وبالغوا، غير أَن الله تَعَالَى لَا يخلي كل زمن من ناقد يَنْفِي عَن الحَدِيث كذب الْكَذَّابين وتحريف الْجَاهِلين، حفظا لشريعته، وَالله غَالب على أمره.
٢١٩١ - / ٢٧٦٤ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالسبْعين بعد الْمِائَة: قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: أتيت حَائِطا فَلم أجد لَهُ بَابا، فَإِذا ربيع يدْخل، فاحتفرت فَدخلت على رَسُول الله ﷺ.
والحائط: الْبُسْتَان.
وَالربيع: الْجَدْوَل.
واحتفرت: افتعلت من الْحفر، فَكَأَنَّهُ حفر ليتسع لَهُ مَوضِع الدُّخُول.
وَقَوله: فَضرب بَين ثديي. الثديان معروفان. قَالَ الزّجاج:
[ ٣ / ٥٩٢ ]
ومغرز الثدي يُقَال لَهُ الثندوة.
وأجهشت بالبكاء: أَي تهيأت لَهُ.
وركبني عمر: أَي لَحِقَنِي.
وَقَوله: أخْشَى أَن يتكل عَلَيْهَا النَّاس: أَي يقتنعون بهَا ويتركون التَّعَبُّد.
وَهَذَا الحَدِيث يدل على أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يَقُول بِرَأْيهِ، إِذْ لَو كَانَ أَمر بذلك عَن وَحي لما تَركه لقَوْل عمر.
وَفِي الحَدِيث تَنْبِيه على أَنه يَنْبَغِي للمصحوب أَن يحمل انبساط الصاحب إِذا علم صِحَة قَصده وَقُوَّة محبته، وَأَن عمر لم يقْصد خلاف رَسُول الله ﷺ، وَإِنَّمَا رأى الْمصلحَة للْمُسلمين فَلذَلِك حمله وَلم يُنكر عَلَيْهِ.
٢١٩٢ - / ٢٧٦٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّمَانِينَ بعد الْمِائَة: «الْخمر من هَاتين الشجرتين: النَّخْلَة والعنبة» .
الْإِشَارَة إِلَى مُعظم مَا يتَّخذ مِنْهُ الْخمر. وَقد ذكرنَا هَذَا فِي مُسْند عمر.
٢١٩٣ - / ٢٧٦٦ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي والثمانين بعد الْمِائَة: أتيت أُمِّي فصرت إِلَى الْبَاب، فَإِذا هُوَ مُجَاف.
[ ٣ / ٥٩٣ ]
المجاف: المغلق.
وخشف الْقدَم: صَوته وحركته.
وخضحضة المَاء: صَوت تحريكه.
٢١٩٤ - / ٣٧٦٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة: خرج رجل من الْمَسْجِد بعد مَا أذن، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: أما هَذَا فقد عصى أَبَا الْقَاسِم.
يشبه أَن يكون أَبُو هُرَيْرَة سمع من رَسُول الله ﷺ نهيا عَن الْخُرُوج بعد الْأَذَان، ثمَّ إِن الْأَذَان إِنَّمَا هُوَ استدعاء للغائبين، فَإِذا خرج الْحَاضِر فقد فعل ضد المُرَاد.
٢١٩٥ - / ٢٧٦٩ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع والثمانين بعد الْمِائَة: فِي حَدِيث فتح مَكَّة: بعث رَسُول الله ﷺ الزبير على إِحْدَى المجنبتين.
المجنبة: قِطْعَة من الْعَسْكَر تسير فِي أحد جَانِبي الْعَسْكَر.
والحسر جمع حاسر: وَهُوَ الَّذِي لَا درع لَهُ وَلَا مغفر.
والراجل أَكثر مَا يكون حاسرا، هَكَذَا لفظ الحَدِيث وَهَذَا تَفْسِيره.
وَقد رَوَاهُ ابْن قُتَيْبَة فَقَالَ: الْحَبْس بِالْبَاء الساكنة قبل السِّين، وَقَالَ: هم الرجالة، سموا بذلك لتحبسهم عَن الركْبَان فِي السّفر وتأخرهم، قَالَ: وأحسب الْوَاحِد حَبِيسًا، «فعيل» بِمَعْنى «مفعول» .
قَالَ: وَيجوز أَن يكون: حابسا، كَأَنَّهُ يحبس من يسير من الركْبَان بمسيره.
[ ٣ / ٥٩٤ ]
وَأما البياذقة فَقيل: إِنَّهُم الرجالة، سموا بياذقا لخفة حركتهم وَسُرْعَة تقلبهم إِذْ لم يتكلفوا حمل السِّلَاح.
والكتبية: قِطْعَة من الْعَسْكَر مجتمعة.
وَقَوله: «ووبشت قُرَيْش» أَي: جمعت جموعا من قبائل شَتَّى.
والأوباش والأوشاب: الأخلاط.
وَقَوله: وَقَالَ بِيَدِهِ على الْأُخْرَى. يُشِير إِلَى حصادهم بِالْقَتْلِ.
وَقَوله: وأحفى بِيَدِهِ. أَي أَشَارَ بحافتها وَصفا للحصد وَالْقَتْل.
وَقَوله: أبيدت خضراء قُرَيْش: أَي أهلكت واستؤصلت.
وخضراؤها: سوادها ومعظمها، وَالْعرب تعبر بِالسَّوَادِ عَن الْكَثْرَة.
وَقَوله: «من دخل دَار أبي سُفْيَان فَهُوَ آمن» قَالَ ثَابت الْبنانِيّ: إِنَّمَا قَالَ هَذَا رَسُول الله ﷺ لِأَنَّهُ كَانَ إِذا أوذي بِمَكَّة دخل دَار أبي سُفْيَان فأمن، فكافأه على هَذَا بِهَذَا القَوْل.
والضن: الْبُخْل وَالشح. يُقَال: ضننت بالشَّيْء بِكَسْر النُّون، أضن بِفَتْح الضَّاد، وضننت بِفَتْح النُّون، أضن بِكَسْر الضَّاد لُغَة أُخْرَى.
وَقَوله: اسْتَلم الْحجر: أَي لمسه بِيَدِهِ.
وسية الْقوس: طرفها.
وأناموه: قَتَلُوهُ.
٢١٩٦ - / ٢٧٧٠ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس والثمانين بعد الْمِائَة: «من
[ ٣ / ٥٩٥ ]
خرج عَن الطَّاعَة وَفَارق الْجَمَاعَة فَمَاتَ مَاتَ ميتَة جَاهِلِيَّة» .
الْإِشَارَة إِلَى طَاعَة الْأُمَرَاء. وَقد ذكرنَا هَذَا، وشرحنا معنى الْميتَة الْجَاهِلِيَّة فِي مُسْند ابْن عمر.
وَقَوله: «من قَاتل تَحت راية عمية» قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: هُوَ الْأَمر الْأَعْمَى الَّذِي لَا يستبان وَجهه بالعصبية. وَكَذَلِكَ قَالَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه: هَذَا فِي قتال الْقَوْم فِي العصبية. والعصبية نصْرَة الْقَوْم على هواهم، وَإِن خَالف الشَّرْع.
والقتلة مَكْسُورَة الْقَاف: الْحَالة، كالقعدة والجلسة وَالركبَة. وَإِنَّمَا قَالَ: «قتلة جَاهِلِيَّة» لِأَن بَعضهم كَانَ يقتل بَعْضًا عصبية للآخرين.
٢١٩٧ - / ٢٧٧١ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس والثمانين بعد الْمِائَة: «ثمَّ يخلف قوم يحبونَ السمانة» .
الْمَعْنى: أَنهم يكثرون المطاعم فَيحدث عَن ذَلِك السّمن. وَقد قيل: إِن الْمَعْنى: يُرِيدُونَ الإستكثار من الْأَمْوَال، وَيدعونَ مَا لَيْسَ لَهُم من الشّرف، ويفخرون بِمَا لَيْسَ فيهم من الْخَيْر، فاستعار السّمن لهَذِهِ الْأَحْوَال.
٢١٩٨ - / ٢٧٧٢ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع والثمانين بعد الْمِائَة: «ينْطَلق بِهِ إِلَى ربه» يَعْنِي الْمُؤمن، فَيَقُول: «انْطَلقُوا بِهِ إِلَى آخر الْأَجَل» يُشِير
[ ٣ / ٥٩٦ ]
إِلَى الْبَعْث. وَذكر روح الْكَافِر، فَرد رَسُول الله ﷺ ريطة كَانَت عَلَيْهِ على أَنفه.
الريطة: كل ملاءة لم تكن لفقين، وَجَمعهَا ريط. ورياط.
وَحكى ابْن السّكيت: أَن كل ثوب رَقِيق لين فَهُوَ ريط. وَإِنَّمَا ردهَا على أَنفه ليعلم بنتن ريح روح الْكَافِر.
٢١٩٩ - / ٢٧٧٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن والثمانين بعد الْمِائَة: «أفضل الصّيام بعد رَمَضَان شهر الله الْمحرم» .
قَالَ أَبُو عبيد: إِنَّمَا نسبه إِلَى الله ﷿ - والشهور كلهَا لَهُ - لتشريفه وتعظيمه، وكل مُعظم ينْسب إِلَيْهِ. وَإِنَّمَا خصّه بقوله: «الْمحرم» دون بَاقِي الْمُحرمَات لِأَنَّهُ كَانَ مَعْرُوفا بذلك الإسم.
[ ٣ / ٥٩٧ ]