مالك أنه سأل ابن شهاب، عن قول الله - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]. فقال ابن شهابٍ: كان عمر بن
[ ١٠٢ ]
الخطاب يقرؤها: «إذا نُودي للصلاة من يوم الجمعة، فامضوا إلى ذكر الله».
قال مالك: وإنما السعي في كتاب الله العمل والفعل. يقول الله ﵎: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾ [البقرة: ٢٠٥]. وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى﴾ [عبس: ٨، ٩] وقال: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾ [النازعات: ٢٢] وقال: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل: ٤] قال مالك: فليس السعي الذي ذكر الله تعالى في كتابه بالسعي على الأقدام ولا الاشتداد، وإنما على العمل والفعل.
جعل ابن شهاب قراءة عمر بن الخطاب تفسيرًا لقراءتنا المشهورة، ومثله قرأ عبد الله ابن مسعود.
وقول مالك: «وإنما السعي في كتاب الله العمل والفعل» أي: في هذه الآية. وهذا تفسير مخالف لتفسير ابن شهاب، رأى مالك أنه المناسب للآية. وهذا المعنى للسعي مجاز مشهور في كلام العرب، ومنه تسمية المتوسطين في الصلح بين القبائل سُعاة، قال زهير:
سعى ساعيًا غيض بن مُرة بعد ما تبزل ما بين العشيرة بالدم
وهذا أيضًا كما يقولون: ذهب، أي عمل، قال تعالى: ﴿قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاس﴾ [طه: ٩٧]، وقال الحماسي:
فإن كنت سيدنا سدتنا وإن كنت للخال فاذهب فخل
وليس مالك مريدًا لحمل السعي على المعنى المجازي أينما جاء في كتاب الله. فقد جاء السعي في كتاب الله على حقيقته؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه: ٢٠]. وإنما حمل مالك ﵀ الآيات التي ساقها هنا على محمل المعنى المجازي للسعي؛ لأن بعضها متعين فيه ذلك مثل آية الجمعة؛ إذ لا يكون السعي بمعناه الحقيقي مما يؤمر به؛ إذ لا أثر له في الامتثال، فإن المقصود الوصول إلى الجامع، فهو هنا تمهيد وتوطئة؛ لقوله عقبه: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ
[ ١٠٣ ]
الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩، ١٠] فمعنى: «فاسعوا»: فأقبلوا على ذكر الله واتركوا البيع. وكذلك قوله تعالى: ﴿سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾ [البقرة: ٢٠٥] إذ لا أثر لخصوص السعي في الإنحاء عليه بالفساد، وكذلك قوله تعالى حكاية عن فرعون: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾ [النازعات: ٢٢] فإنه متعين للحمل على معنى الجد في الكيد لموسى؛ إذ ليس السعي على الرجلين من شيم ملك مثل فرعون. ومن فسَّر الآية بالمعنى الحقيقي بأن فرعون لما ذُعر من انقلاب العصا حية فر هاربًا فقد أخطأ المقصود. قال ابن عطية: قال الجمهور: أدبر، كناية عن إعراضه، ويسعى: يجد في حل أمر موسى والرد في وجه شرعه اهـ. وبعض الآي يتحمل المعنى الحقيقي، إلا أنه ضعيف الجدوى، والضُّعف مما يوجب العدول عن الحقيقة مثل قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾ [عبس: ٨]؛ إذ يجوز أن يكون ابن أمٌ مكتوم في مجيئه جاء سعيًا، إلا أن ذلك لا أثر له في غرض ترجيح الإقبال عليه على الإقبال على من استغنى ولم يكن يزكى. وكذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾ [النازعات: ٢٢] يتحمل أن يكون فرعون قام من مجلسه معرضًا مسرعًا من الغضب، إلا أن ذلك لا يناسب حال استعظامه لدى قومه. فتعين أن المعنى على المجاز في: (أدبر) و(يسعى): أي: أعرض وحرص على حشر السحرة إلخ.
ومقصد مالك تعيين المعنى المجازي في الآية والرد على رواية من روى عن ابن مسعود أنه كان يقول: لو قرأتُها: «فاسعوا» لسعيت حتى يسقط ردائي. يريد: توهين قراءة «فاسعوا» بأنها: تفيد وجوب الجري في المشي إلى الجمعة، فابن مسعود من أهل اللسان لا يجهل أن السعي ورد في غير معنى الاشتداد والجري، فلعل ما نسب إليه، إنما هو من كلام بعض رواة قراءته يريدون توجيهها.