الفرع التاسع: فيمن هو أول الصحابة إسلامًا.
فقال ابن عباس وغيره: أولهم إسلامًا أبو بكر الصديق لقوله، رضي الله تعالى عنه، كما في الترمذي: "كُنْتُ أوَّلَ مَنْ أَسْلَمْ"، ولقوله - ﷺ - لِعمرو بن عَبسة لما سأله؛ من معك على هذا الأمر؟ قال: "حُرٌّ وعَبْد". يعني أبا بكر وبلالًا. رواه مسلم.
[ ١ / ٤٥ ]
وقال جابر وغيره: أولهم إسلامًا علي ابن أبي طالب، لما روي مرفوعًا عن سَلْمان الفارسي، أنه قال: قال - ﷺ -: "أول هذه الأمةِ ورودًا على الحوض أولُهم إسلامًا علي بن أبي طالب". ولقوله، رضي الله تعالى عنه: "صلَّيتُ مَع النبيِّ - ﷺ - لا يُصَلِّي معه غَيري إلا خديجة". وقال على المنبر: "لَقَدْ صَلَّيْتُ قبلَ أن تُصليَ النّاس سبعًا".
قلت: لعل هذا لم يصح عنه، رضي الله تعالى عنه، لأن الصلاة إنما نزلت ليلة الإسراء، ومعلوم أن أبا بكر إذ ذاك مسلم؛ وقد قيل: إنه سمي الصديق لتصديقه بالإسراء؛ فكيف يصدر هذا من علي، رضي الله تعالى عنه؟! وادعى الحاكم الإجماع على أن عليًا هو أول من أسلم، ودعواه مردودة غير مقبولة، قال مَعْمَر عن الزُّهري: أولهم إسلامًا زيد بن حارثِة. وقال قَتادة وأبو إسحاق: أول الناس إسلامًا خديجة، أم المؤمنين.
وادّعى الثَّعْلَبيُّ الاتفاق على ذلك؛ فقال: الخلاف إنما هو فيمن أسلم بعدها. قالَ النووي: هذا القول هو الصواب عند جماعة من المحققين.
وقال ابن إسحاق: أول من آمن خديجة، ثم علي وهو ابن عشر، ثم زيد، ثم أبو بكر فأظهر إسلامه، ودعا إلى الله ﷾؛ فأسلم بدعائه عثمان، والزبير، وعبد الرحمن بن عَوْف، وسعد بن أبي وَقاص، وطَلْحة بن عبيد الله، فكان هؤلاء النفر الثمانية أسبق الناس إسلامًا.
قلت: على هذا القول ذهب الشِّنْقِيْطِيُّ في نظمه حين قال:
أولُ الناسِ بِالنَّبي اقْتِداءً أُمُّ أبنائِهِ الكرامِ الجُدودِ
فعليٌّ ثُمَّ ابنُ حارثةَ الكَلْـ بِيُّ زيدٌ مولى النَّبيِّ المجيدِ
ثُمَّ إذ آمَن الصِّديقُ دَعا الناسَ فَجَاءَت عِصَابَةٌ كالفَريدِ
وهْي عثمانُ والزُّبَيرُ وابنُ عَوْفٍ وطَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ
وقيل: أولهم إسلامًا بلال، لخبر مسلم السابق. قلت: ليس في خبر مسلم دلالة على أسبَقِيَّة بلال في الإِسلام لأبي بكر؛ فإن غاية ما في الحديث أنهما معه، ﵊، على الإِسلام، ولم يبين
[ ١ / ٤٦ ]
أسبَقِيَّةً لأحدهما على الآخر.
قال ابن الصَّلاح: للجمع بين الأقوال، والأورع أن يقال: أول من أسلم من الرجال الأحرار، أبو بكر، ومن الصبيان علي، ومن النساء خديجة، ومن الموالي زيد، ومن العبيد بلال. وحكي هذا عن أبي حنيفة، رضي الله تعالى عنه. وفي المسألة أقوال أُخر.
وإلى هذا الفرع أشار العراقي بعد قوله السابق: "قيل بل أهل القبلتين "، فقال:
واخْتَلَفْ أيُّهمُ أسْلَمَ قَبْلَ مَنْ سَلَفْ
قِيْلَ أبو بَكْرٍ وقيلَ بلْ عَلِي ومُدَّعي إجْماعِهِ لَم يُقْبَل
وقِيلَ زَيْدٌ وادَّعى وِفَاقًا بَعْضٌ عَلى خَدِيجَةَ اتِّفاقا