حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ فِي السَّفَرِ يُؤَخِّرُ صَلاَةَ الْمَغْرِبِ، حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ. قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَفْعَلُهُ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ، وَيُقِيمُ الْمَغْرِبَ فَيُصَلِّيهَا ثَلاَثًا، ثُمَّ يُسَلِّمُ، ثُمَّ قَلَّمَا يَلْبَثُ حَتَّى يُقِيمَ الْعِشَاءَ، فَيُصَلِّيهَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ وَلاَ يُسَبِّحُ بَيْنَهَا بِرَكْعَةٍ، وَلاَ بَعْدَ الْعِشَاءِ بِسَجْدَةٍ حَتَّى يَقُومَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ.
قوله: "يؤخر صلاة المغرب" لم يبين غاية التأخير، وبينه مسلم عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر بأنه بعد أن يغيب الشفق. وفي رواية عبد الرزاق عن معمر. عن أيوب وموسى بن عقبة عن نافع: فأخر المغرب بعد ذهاب الشفق حتى ذهب هوى من الليل، وللمصنف في الجهاد عن أسلم مولى عمر عن ابن عمر في هذه القصة: حتى كان بعد غروب الشفق نزل، فصلَّى المغرب والعشاء جمعًا بينهما. ولأبي داود عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر في هذه القصة: فسار حتى غاب الشفق وتصوبت النجوم، فنزل فصلَّى الصلاتين جمعًا. وجاءت عن ابن عمر روايات أُخر: أنه صلّى المغرب في آخر الشفق ثم أقام الصلاة. وقد توارى الشفق فصلَّى العشاء. أخرجه أبو داود عن نافع. ولا تعارض بينه وبين ما سبق؛ لأنه كان في واقعة أخرى.
وقوله: "ثم قلّما يلبث حتى يقيم العشاء" فيه إثبات للبث قليل، وذلك نحو ما ثبت في الجمع
[ ١٠ / ٥١٨ ]
بمزدلفة من إناخة الرواحل، ويدل عليه ما تقدم من الطرق التي فيها جمع بينهما وصلاهما جميعًا، وفيه حجة على مَنْ حمل أحاديث الجمع على الجمع الصوري، قال إمام الحرمين: ثبت في الجمع أحاديث نصوص لا يتطرق إليها تأويل. ودليله من حيث المعنى الاستنباط من الجمع بعرفة ومزدلفة، فإن سببه احتياج الحاج إليه لاشتغالهم بمناسكهم، وهذا المعنى موجود في كل الأسفار ولم تتقيد الرخص كالقصر والفطر بالنسك إلى أن قال: ولا يخفى على منصف أن الجمع أرفق من القصر، فإنّ القائم إلى الصلاة لا يشق عليه ركعتان يضمهما إلى ركعتيه. ورفق الجمع واضح لمشقة النزول على المسافر، واحتج به مَنْ قال باختصاص الجمع لمن جدَّ به السير. وسيأتي ذلك في الباب الذي بعده. وقوله: "من جوف الليل" أي: يتهجد.
وروى ابن أبي شيبة عن ابن عمر أنه كان لا يتطوع في السفر قبل الصلاة، ولا بعدها وكان يصلي من الليل. قال القسطلاني: وإذا قلنا بمشروعية الرواتب في السفر وهو مذهبنا، فإن جمع الظهر والعصر قدم سنة الظهر التي قبلها، وله تأخيرها، سواء جمع تقديمًا أو تأخيرًا وتوسطها إن جمع تأخيرًا سواء قدّم الظهر أم العصر وأخّر سنتها الذي بعدها، وله توسيطها إن جَمع تأخيرًا. وقدم الظهر وأخّر عنهما سنة العصر، وله توسطها وتقديمها إن جَمع تأخيرًا، سواء قدّم الظهر أم العصر، وإذا جَمع المغرب والعشاء أخّر سنتيهما مرتبة سنة المغرب، ثم سنة العشاء ثم الوتر، وله توسيط سنة المغرب إن جَمع تأخيرًا وقدّم المغرب، وتوسيط سنة العشاء إن جَمع تأخيرًا وقدّم العشاء، وما سوى ذلك ممنوع.