٥٣٢- (٥) عن أبي ذر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين،
_________________
(١) فيه أنه يجزئ وضع اليدين في التراب للتيمم، ولا يجب ضربة التراب. وفيه أن الضربة الواحدة كافية. (فمسح وجهه وذراعيه) الذراع- بكسر الذال- الساعد ومن الطرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى. قال الحافظ: الثابت في حديث أبي جهيم بلفظ: يديه، لا ذراعيه فإنها رواية شاذة مع ما في أبي الحويرث من الضعف-انتهى. (ثم رد على) أي: السلام، فيه دليل على استحباب الطهارة لذكر الله. (ولم أجد هذه الرواية) أي: بهذا اللفظ، أي: نقلت هذا الحديث هنا تبعًا للمصنف ولم أجده. (في الصحيحين) وروايتهما مذكورة في أول الفصل الثالث من هذا الباب. (ولا في كتاب الحميدي) أي: الجمع بين الصحيحين للحميدي، فالاعتراض وارد على صاحب المصابيح حيث ذكر هذا الحديث في الصحاح الموضوع في اصطلاحه لحديث الشيخين أو أحدهما. (ولكن ذكره) أي: صاحب المصابيح. (في شرح السنة) من كتبه بإسناده من حديث الشافعي، عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى عن أبي الحويرث عن الأعرج عن أبي جهيم بن الصمة، فكأنه غفل عنه في المصابيح. (وقال: هذا حديث حسن) قيل: في تحسينه نظر لأن شيخ الشافعي إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى قد ضعفه عامة المحدثين. وشيخ شيخه أبا الحويرث متكلم فيه، وأيضًا هو منقطع لأن ما بين الأعرج وأبي جهيم، عمير كما في رواية البخاري وغيره. ونص عليه أيضًا البيهقي وغيره كما تقدم في كلام الشوكاني أنه أخرجه البيهقي من طريق الشافعي وتكلم فيه. قلت: أصل الحديث متفق عليه، لكن ليس في روايتهما ذكر الذراع، ولاحت الجدار بالعصا، ولا أنه سلم عليه وهو يبول، بل فيه: أنه أقبل النبي - ﷺ - من نحو بئر جمل، فلقيه رجل، فسلم عليه - الحديث. كما سيأتي في الفصل الثالث.
(٢) قوله: (الطيب) أي: الطاهر. (وضوء المسلم) بفتح الواو، أي: طهوره، وأطلق عليه اسم الوضوء مجازًا لأن الغالب في الطهور هو الوضوء، قاله السندي. وقال القاري: بفتح الواو لأن التراب بمنزلة الماء في صحة الصلاة. وقيل: بضم الواو، أي: استعمال الصعيد على الوجه المخصوص كوضوء المسلم، فهو تشبيه بليغ، وعلى التقديرين يفيد أن التيمم رافع للحدث، فيصلي بواحد ما شاء من الفرائض والنوافل. قلت: ومما يؤيد ذلك أن الله تعالى جعل التيمم عوضًا عن الماء عند عدمه، والأصل أنه قائم مقامه في جميع أحكامه، فلا يخرج عن ذلك إلا بدليل، ويجوز لمن تطهر بالصعيد الطيب ما يفعله المتطهر بالماء. قال الخطابي: يحتج بهذا الحديث من يرى أن للمتيمم أن يجمع بتيممه بين صلوات ذوات عدد، وهو مذهب أصحاب الحديث – انتهى. (وإن لم يجد الماء) إن وصلية. (عشر سنين) المراد منه الكثرة
[ ٢ / ٢٢٨ ]
فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير» . رواه أحمد، والترمذي، وأبوداود. وروى النسائي نحوه إلى قوله: عشر سنين.
_________________
(١) والمبالغة لا المدة المقدرة أي: التحديد، والمعنى: أن له أن يفعل التيمم مرة بعد أخرى وإن بلغت مدة عدم الماء واتصلت إلى عشر سنين، وليس في معنى: أن التيمم دفعة واحدة يكفيه لعشر سنين، قاله الخطابي. وفيه دلالة على أن خروج الوقت غير ناقص للتيمم بل حكمه حكم الوضوء، وما صح عن ابن عمر: أنه تيمم لكل صلاة وإن لم يحدث. محمول على الاستحباب. وفيه دليل على جواز التيمم لرفع الجنابة عند عدم الماء لأنه - ﷺ - جعل الصعيد طهور للمسلم، كما في رواية الترمذي وغيره، وهو بعمومه يشمل الطهور من الحدثين الأصغر والأكبر معًا لإطلاقه وعدم تقييده بأحدهما قلت: ويؤيده أيضًا سبب ورود الحديث كما في رواية أحمد وأبي داود، وحاصله: أنه قال: أبو ذر: اجتويت المدينة، فأمرني رسول الله - ﷺ - بإبل، فكنت فيها، فأتيت رسول الله - ﷺ - فقلت: هلك أبوذر، قال: ما حالك؟ قلت: أتعرض للجنابة وليس قربي ماء. قال: الصعيد طهور، الخ. (فإذا وجد الماء) أي: كافيًا لغسله، أو وضوئه. (فليمسه) بضم الياء وكسر الميم من الإمساس. (بشرته) بفتحتين، ظاهر الجلد، أي: فليوصل الماء إلى بشرته وجلده، يعني فليتوضأ، أو يغتسل. (فإن ذلك) أي: الإمساس. (خير) أي: من الخيور، وليس معناه أن كليهما جائز عند وجود الماء، لكن الوضوء أو الغسل خير، بل المراد أن الوضوء أو الغسل فرض عند وجود الماء، والخيرية لا ينافي الفرضية، ونظيره قوله تعالى: ﴿أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرًا وأحسن مقيلًا﴾ [٢٤:٢٥] ووقع في رواية لأحمد (ج٥:ص١٤٦): فإذا وجدت الماء فأمس بشرتك. وفي رواية لأبي داود: فأمس جلدك. وهذا أمر وهو للوجوب. واستدل بقوله: فإذا وجد الماء فليمس بشرته. على وجوب الإعادة على من وجد الماء قبل الفراغ من الصلاة. قال الشوكاني: وهو استدلال صحيح، لأن هذا الحديث مطلق فيمن وجده بعد الوقت، ومن وجده قبل خروجه، وحال الصلاة، وبعدها. وحديث أبي سعيد الآتي مقيد بمن وجد الماء في الوقت بعد الفراغ من الصلاة، فتخرج هذه الصورة بحديث أبي سعيد وتبقى صورة وجود الماء قبل الدخول في الصلاة بعد فعل التيمم، وبعد الدخول في الصلاة قبل الفراغ منها، داخلتين تحت إطلاق الحديث. (رواه أحمد) (ج٥: ص١٨، ١٤٦،١٥٥) . (والترمذي) وقال: هذا حديث حسن صحيح. (وأبوداود) وسكت عنه، ونقل المنذري تصحيح الترمذي، وأقره، وأخرجه أيضًا الحاكم (ج١:ص١٨٦،١٨٧) والبيهقي (ج١:ص٢١٢،٢٢٠) والدارقطني (ص٦٨) وابن حبان في صحيحه، والأثرم، وصححه أيضًا أبوحاتم والحاكم ووافقه الذهبي على تصحيحه في تلخيصه. وفي الباب عن أبي هريرة، أخرجه البزار، وصححه ابن القطان، لكن قال الدارقطني في العلل: إرساله أصح. وعن عمران بن حصين، وهو الحديث الثاني من الفصل الأول.
[ ٢ / ٢٢٩ ]
٥٣٣- (٦) وعن جابر، قال: «خرجنا في السفر، فأصاب رجلًا منا حجر، فشجه في رأسه، فاحتلم، فسأل أصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء. فاغتسل فمات. فلما قدموا على النبي - ﷺ - أخبر بذلك. قال: قتلوه، قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا! فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده» .
_________________
(١) قوله: (خرجنا في سفر) قيل: "في" تعليلية أي: خرجنا لإرادة سفر، وقيل: الجار والمجرور في محل نصب على أنه حال، أي: خرجنا مسافرين. (فشجه في رأسه) الشج كسر الرأس خاصة وجرحه، وقد يستعمل في غيره، وضمير المفعول للرجل، وذكر الرأس لزيادة التأكيد، فإن الشج هو كسر الرأس، ففيه تجريد والمعنى: فجرحه في رأسه. (وأنت تقدر على الماء) الجملة حال، حملوا الوجدان على حقيقته، ولم يعلموا أن الوجدان عند الضرورة في حكم الفقدان. (أخبر) بالبناء للمجهول. (قتلوه) أسند القتل إليهم لأنهم تسببوا له بتكليفهم له باستعمال الماء مع وجود الجرح في رأسه ليكون أدل على الإنكار عليهم. (قتلهم الله) أي: لعنهم، إنما قاله زجرًا وتهديدًا. وفيه أن صاحب الخطأ الواضح غير معذور، لأنه عابهم بالفتوى بغير علم، وألحق بهم الوعيد بأن دعا عليهم، وجعلهم في الإثم قتلة له. (ألا سألوا) بفتح الهمزة وتشديد اللام حرف تحضيض دخل على الماضي فأفاد التنديم. (فإنما شفاء العي) بكسر العين وتشديد الياء هو التحير في الكلام، وعدم الضبط، كذا في الصحاح. وفي النهاية ولسان العرب: العي بكسر العين الجهل، والمعنى: أن الجهل داء شفاءه السؤال والتعلم. (إنما كان يكفيه) أي: الرجل المحتلم. (أن يتيمم) أولًا. (ويعصب) بتشديد الصاد المكسورة، أي: يشد. (على جرحه) بضم الجيم. (خرقة) بكسر الخاء، أي: حتى لا يصل الماء إلى الجرح. (ثم يمسح عليها) أي: على الخرقة بالماء. والحديث دليل على جواز العدول إلى التيمم لخشية الضرر وعلى وجوب المسح على الجبائر، ومثله حديث على ﵁ قال: أمرني رسول الله - ﷺ - أن أمسح على الجبائر. أخرجه ابن ماجه، وهو ضعيف اتفق الحفاظ على ضعفه، وصح عن ابن عمر: أنه مسح على الجبيرة، ويؤيد وجوب المسح أيضًا ما قيل من أنه عضو تعذر غسله بالماء، فمسح ما فوقه كشعر الرأس، وقياسا على مسح أعلى الخفين، وعلى العمامة، وهذا القياس يقوي النص. ثم في حديث جابر هذا دليل على أنه يجمع بين التيمم والمسح على الجبيرة، وغسل سائر الجسد بالماء، وهو الجمع بين التيمم والغسل، ولم ير أحد الأمرين كافيًا دون الآخر. وفيه مخالفة القياس، وهو الجمع بين البدل والمبدل منه. فقيل: الحديث ضعيف لأن في سنده زبير بن خريق، وهو لين الحديث، وقد برواية الجمع بين التيمم والغسل، وهو مع كونه غير قوي في الحديث، قد خالف الأوزاعي كما سيأتي، فرواية الجمع بين
[ ٢ / ٢٣٠ ]
رواه أبوداود.
٥٣٤- (٧) ورواه ابن ماجه، عن عطاء بن رباح، عن ابن عباس.
_________________
(١) التيمم والغسل ضعيفة لا تثبت بمثلها حكم شرعي وقيل: الواو في قوله: ويعصب. بمعنى أو. (رواه أبوداود) من طريق زبير بن خريق، عن عطاء بن أبي رباح عن جابر وسكت عنه، وصححه ابن السكن. وقال ابن أبي داود: تفرد به الزبير بن خريق. وكذا قال الدارقطني (ص٧٠) قال: وليس بالقوى، وخالفه الأوزاعي، فرواه عن عطاء عن ابن عباس، وهو الصواب. ونقل ابن السكن عن ابن أبي داود أن حديث الزبير بن خريق أصح من حديث الأوزاعي. قال: وهذا أمثل ما ورد في المسح على الجبيرة. وقال البيهقي في المعرفة: هذا الحديث يعني حديث زبير بن خريق، عن عطاء بن جابر أصح ما روى في هذا الباب مع اختلاف في إسناده قد بيناه في كتاب السنن- انتهى. قال الدارقطني: واختلف فيه أي: في حديث الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس، على الأوزاعي، فقيل: عنه عن عطاء. وقيل: بلغني عن عطاء، وأرسل الأوزاعي آخره، فقال: عن عطاء، عن النبي - ﷺ -. وهو الصواب. قلت: هي رواية ابن ماجه، والدارمي. واختلف في أن الأوزاعي سمع هذا الحديث عن عطاء، فقال: أبوحاتم وأبوزرعة: لم يسمعه الأوزاعي من عطاء إنما سمعه من إسماعيل بن مسلم عن عطاء، بين ذلك ابن أبي العشرين في روايته عن الأوزاعي، ورواه الحاكم في المستدرك (ج١:ص١٢٨) من حديث بشر بن بكر، عن الأوزاعي: حدثنا عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس به. قال الحاكم: وقد رواه الهقل بن زياد، وهو من أثبت أصحاب الأوزاعي، ولم يذكر سماع الأوزاعي من عطاء - انتهى. ونقل العلامة أبوالطيب في تعليق المغني (ص٧٠) عن الحاكم أنه قال: بعد رواية الحديث من طريق بشر بن بكر بتصريح سماع الأوزاعي من عطاء ما لفظه: بشر بن بكر ثقة مأمون، وقد أقام إسناده، وهو صحيح على شرطهما - انتهى. قلت: ويمكن الجمع بين الروايتين بأن يكون الأوزاعي سمعه من عطاء بلا واسطة، ثم سمعه من إسماعيل بن مسلم عن عطاء أو بالعكس، والله أعلم. وحديث جابر أخرجه أيضًا الدارقطني والبيهقي.
(٢) قوله: (ورواه ابن ماجه) من طريق الأوزاعي. (عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس) وكذا أبوداود أخرجه من طريق الأوزاعي لكن بلاغًا عن عطاء عن ابن عباس عقيب رواية عطاء عن جابر، ولعل وجه التخصيص بتخريج ابن ماجه أن رواية أبي داود عن ابن عباس مختصرة ليس فيها ما أرسله الأوزاعي بآخره، وهو قوله: قال عطاء: وبلغنا أن رسول الله - ﷺ - قال: لو غسل جسده وترك رأسه حيث أصابه الجرح. وحديث ابن عباس أخرجه أيضًا أحمد والدارقطني، والحاكم والبيهقي، لكن لم يقع في رواية عطاء هذه عن ابن عباس ذكر للتيمم فيه، فثبت أن الزبير بن خريق تفرد بسياقه، نبه على ذلك ابن القطان. قال الحافظ: لكن روى ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم (ج١:ص١٦٥) من حديث الوليد بن عبيد الله بن أبي رباح، عن عمه عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس: أن رجلًا أجنب في شتاء، فسأل، فأمر بالغسل، فمات، فذكر ذلك للنبي - ﷺ -، فقال: ما لهم قتلوه قتلهم الله، ثلاثًا، قد جعل الله الصعيد أو التيمم طهورًا.
[ ٢ / ٢٣١ ]
٥٣٥- (٨) وعن أبي سعيد الخدري، قال: «خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمما صعيدًا طيبًا، فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة بوضوء، ولم يعد الآخر. ثم أتيا رسول الله - ﷺ - فذكرا ذلك. فقال للذي لم يعد: أصبت السنة، أجزأتك صلاتك» . وقال: للذي توضأ وأعاد:
_________________
(١) قال الحاكم: هذا حديث صحيح، ووافقه الذهبي. وقال الحافظ: والوليد بن عبيد الله ضعفه الدارقطني، وقواه من صحح حديثه هذا، وله شاهد ضعيف جدًا من رواية عطية عن أبي سعيد الخدري رواه الدارقطني ولم يقع في رواية ابن أخي عطاء أيضًا ذكر المسح على الجبيرة، فهو من إفراد الزبير بن خريق - انتهى. وعطاء بن أبي رباح - بفتح الراء والموحدة- واسم أبي رباح أسلم، القرشي مولاهم، أبومحمد المكي، ثقة، فقيه، فاضل، لكنه كثير الإرسال. قال ابن سعد: كان من مولدي الجند، ونشأ بمكة، وهو مولى لبنى فهر أو الجمح، وانتهت إليه فتوى أهل مكة وإلى مجاهد في زمانهما. وأكثر ذلك إلى عطاء، سمعت بعض أهل العلم يقول: كان عطاء أسود، أعور، أفطس، أشل، أعرج، ثم عمى بعد، وكان ثقة فقيهًا، عالمًا، كثير الحديث. وذكر أبوداود العيوب المذكورة، وزاد: وقطعت يده مع ابن الزبير، وروى عن ابن عباس أنه قال: تجتمعون إلي يا أهل مكة! وعندكم عطاء. وكذا روى عن ابن عمر. وقال أبوحنيفة: ما رأيت فيمن لقيت أفضل من عطاء. وقال الأوزاعي: مات عطاء يوم مات وهو أرضى أهل الأرض عند الناس. مات سنة (١١٥) وقيل (١١٤) وله ثمان وثمانون سنة، وفضائله كثيرة، بسط ترجمته الحافظ في تهذيب التهذيب (ج٧:ص١٩٩-٢٠٣) وقال الذهبي في التذكرة (ج١:ص٨٦): مناقب عطاء في العلم والزهد والتأله كثيرة. مات على الأصح في رمضان سنة (١١٤) وقيل (١١٥) بمكة.
(٢) قوله: (فحضرت الصلاة) أي: حان وقتها. (فتيمما صعيدًا) أي: قصداه على الوجه المخصوص، فالمراد به المعنى اللغوي، أو فتيمما بالصعيد، على نزع الخافض، وأريد به المعنى الشرعي. (ثم وجدا الماء في الوقت) أي: في وقت الصلاة التي صلياها، وفيه رد على من تأول الحديث بأنهما وجدا الماء بعد الوقت. (فأعاد أحدهما الصلاة بوضوء) إما ظنًا بأن الأولى باطلة، أو احتياطًا. (ولم يعد الآخر) على ظن أن تلك الصلاة صحيحة. (فذكرا ذلك) أي: ما وقع لهما. (أصبت السنة) أي: الطريقة الشرعية الثابتة بالسنة، يعني وافقت الحكم المشروع، وهذا تصويب لاجتهاد وتخطئة لاجتهاد الآخر. (وأجزأتك صلاتك) أي: كفتك عن القضاء. والإجزاء عبارة عن كون الفعل مسقطًا للإعادة. قال القاري: وهو تفسير لما سبق، أي: لأنها وقعت في وقتها. والماء مفقود، فالواجب التراب. (وأعاد) أي: الصلاة في الوقت.
[ ٢ / ٢٣٢ ]
لك الأجر مرتين» . رواه أبوداود والدارمي، وروى النسائي نحوه.
٥٣٦- (٩) وقد روى هو وأبوداود أيضًا عن عطاء بن يسار مرسلًا.
_________________
(١) (لك الأجر مرتين) أجر الصلاة بالتراب، وأجر الصلاة بالماء، فإن كلًا منهما صحيحة تترتب عليها مثوبة، لكون الله لا يضيع عمل عامل. وفيه أن الخطأ في الاجتهاد لا ينافي الأجر في العمل المبني عليه. والظاهر ثبوت الأجر له، ولمن تبعه على وجه يصح، ولا يستلزم ثبوت الأجر له أصابته، فإن النبي - ﷺ - قد أثبت لمن أخطأ في اجتهاده أجرًا كما في الصحيحين وغيرهما، فهذا الذي أعاد الصلاة بالوضوء قد أخطأ في اجتهاده، وثبت له الأجر كما ثبت للحاكم المخطئ في اجتهاده. وفي الحديث من الفقه: أن السنة تعجيل الصلاة للتيمم في أول وقتها كهو للمتطهر بالماء، فلا يجب الطلب والتلوم له، أي: الإنتظار. وفيه أيضًا أن من صلى بالتيمم ثم وجد الماء بعد الفراغ من الصلاة لا يجب عليه الإعادة. (رواه أبوداود والدارمي) أي: مسندًا بذكر أبي سعيد، وأخرجه أيضًا الدارقطني والحاكم (ج١:ص١٢٨) وصححه على شرط الشيخين. (وروى النسائي نحوه) أيضًا.
(٢) قوله: (وقد روى هو) أي: النسائي. (وأبوداود أيضًا عن عطاء بن يسار مرسلًا) قال الدارقطني: تفرد به عبد الله بن نافع عن الليث، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد موصولًا، وخالفه ابن المبارك، فأرسله، وكذا قال الطبراني في الأوسط: لم يروه متصلًا إلا ابن نافع. وقال أبوداود: رواه غير ابن نافع، عن الليث، عن عميرة بن أبي ناجية، عن بكر عن عطاء مرسلًا. قال: وذكر أبي سعيد فيه ليس بمحفوظ. قال الحافظ: لكن هذه الرواية رواها ابن السكن في صحيحه من طريق أبي الوليد الطيالسي، عن الليث، عن عمرو بن الحارث وعميرة بن أبي ناجية جميعًا، عن بكر موصولًا. قال أبوداود: ورواه ابن لهيعة عن بكر فزاد بين عطاء وأبي سعيد أباعبد الله مولى إسماعيل بن عبيد الله - انتهى. وابن لهيعة ضعيف، فلا يلتفت لزيادته، ولا يعل بها رواية الثقة عمرو بن الحارث ومعه عميرة بن أبي ناجية، وقد وثقه النسائي، وابن حبان، ويحيى بن بكير، وأثنى عليه أحمد بن صالح، وابن يونس، وأحمد بن سعيد بن أبي مريم. وله شاهد من حديث ابن عباس، رواه اسحق بن راهوية في مسنده. وعطاء بن يسار يكنى أبا محمد الهلالي المدني مولى ميمونة زوج النبي - ﷺ - ثقة فاضل، صاحب مواعظ وعبادة، من صغار الطبقة الوسطى من التابعين. وقال المصنف: كان من التابعين المشهورين بالمدينة، كان كثير الرواية عن ابن عباس. مات بالإسكندرية سنة (٩٤) وقيل سنة (٩٧) وقيل (١٠٣) وقيل (١٠٤) وهو ابن (٨٤) سنة.
[ ٢ / ٢٣٣ ]