على باب وقت الظُّهر للاهتمام به، وقال شيخنا: لأنَّ لفظ الإبراد يستلزم أن يكون بعد الزَّوال لا قبله؛ إذ وقت الإبراد هو ما إذا انحطَّت قوَّة الوهج من حرِّ الظَّهيرة، فكأنَّه أشار إلى أوَّل وقت الظُّهر، أو أشار إلى حديث جابر بن سَمُرَة قال: كان بلال يؤذِّن الظُّهر إذا دحضت الشَّمس. أي مالت
٥٣٣ - ٥٣٤ - قوله: (حَدَّثَنَا أيُّوْبُ بنُ سُلَيْمَان بنِ بِلَالٍ) أي المدني، مات سنة أربع وثلاثين ومائتين.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ) أي عبد الحميد بن أبي أُويس الأَصْبَحي، توفِّي سنة ثنتين ومائة.
قوله: (عَنْ سُلَيْمَانَ) أي ابن بلال والد أيُّوب المذكور.
قوله: (قَالَ صَالِحٌ) أي ابن كيْسان.
قوله: (حَدَّثَنَا الأَعْرَجُ) أي عبد الرحمن بن هُرمُز.
قوله: (وَغَيْرُهُ) أي غير الأعرج، قال شيخنا: هو أبو سلمة بن عبد الرحمن فيما أظنُّ، وقد رواه أبو نُعَيم في «المستخرج» من وجه آخر عن أيُّوب بن سُلَيمان فلم يقل فيه: وغيره. انتهى.
قوله: (عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ) أي عبد الرحمن بن صخر ﵁.
قوله: (وَنافِعٌ مَولَى عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ) بالرفع عطف على الأعرج.
قوله: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ) أي ابن الخطَّاب ﵄.
قوله: (أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ) أي أبو هريرة وابن عُمَر.
في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في ثلاث مواضع، وبصيغة التثنية من الماضي في موضع واحد، وفيه العنعنة في أربع مواضع، وفيه القول في ثلاث مواضع، وفيه أنَّ رواته كلُّهم مدنيُّون، وفيه صحابيان وثلاثة من التَّابعين، وهم صالح بن كَيْسان، فإنَّه رأى عبد الله بن عُمَر، قاله الواقدي والأعرج ونافع، وفيه أنَّ أبا بكر من أقران أيُّوب، وفيه أنَّ أيُّوب روى عن والده سُلَيمان هنا بواسطة، قال شيخنا: تارة يروي عنه بواسطة، وتارة بلا واسطة. انتهى.
قوله: (عَنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ إنَّه قَالَ: إِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ؛ فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ).
مطابقته للترجمة من حيث إنَّ المراد بقوله: (فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ) هي صلاة الظُّهر؛ لأنَّ الإبراد إنَّما يكون في وقت يشتدُّ الحرُّ فيه، وذلك وقت الظُّهر، ولهذا صرَّح بالظُّهر في حديث أبي سعيد حيث قال: «أَبْرِدُوا بالظُّهْرِ؛ فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» على ما يأتي في آخر هذا الباب، والبخاري حمل المطلق على المقيَّد في هذه الترجمة.
قوله: (أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ) أي أبو هريرة وابن عُمَر حدَّثا من حدَّث صالح بن كَيْسان، ويحتمل أن يعود الضَّمير في (أَنَّهُمَا) إلى الأعرج ونافع، أي أنَّ الأعرج ونافعًا حدَّثاه، أي صالح بن كَيْسان عن شيخيهما بذلك، ووَقَعَ في رواية الإسماعيلي أنهما حدَّثا بغير ضمير، فلا يحتاج إلى التقدير المذكور.
قوله: (إِذَا اشَتَدَّ الحَرَّ) من الاشتداد من باب الافتعال، وأصله: اشتدد، أدغمت الدَّال الأولى في الثانية.
قوله: (فَأَبْرِدُوا) -بفتح الهمزة- من الإبراد، قال الزَّمَخشَري في «الفائق»: حقيقة الإبراد الدخول في البرد، والباء للتعدية، والمعنى: إدخال الصَّلاة في البرد، ويقال: معناه: افعلوها في وقت البرد، وهو الزَّمان الذي يتبيَّن فيه شدَّة انكسار الحرِّ؛ لأنَّ شدَّة الحرِّ تذهب الخشوع. وقال السَّفَاقُسي: (أَبْرِدُوا) أي ادخلوا في وقت الإبراد مثل أظلم: دخل في الظَّلام، وأمسى:
[ ٤٨ ]
دخل في المساء، قال شيخنا: وأظهر إذا دخل في الظَّهيرة، ومثله في المكان: أنجد إذا دخل نجدًا، وأَتْهَم إذا دخل تِهامة. انتهى.
وقال الخطَّابيُّ: الإبراد: انكسار شدَّة حرِّ الظَّهيرة، وذلك أنَّ فتور حرِّها بالإضافة إلى وقت الهاجرة بردٌ، وليس ذلك بأن يؤخِّر إلى آخر بردَي النَّهار وهو برد العشي؛ إذ فيه الخروج عن قول الأئمَّة.
قوله: (بِالصَّلَاةِ) وفي حديث أبي ذرٍّ الذي يأتي بعد هذا الحديثُ عن الصلاة، والفرق بينهما: أنَّ الباء هو الأصل، وأما (عَنْ) ففيه تضمين معنى التأخير، أي تأخَّروا عنها مبرِّدين، وقيل: هما بمعنى واحد؛ لأن عَنْ تأتي بمعنى الباء كما يقال: رميت عن القوس، أي بالقوس، وقيل: الباء زائدة، والمعنى: أبردوا الصَّلاة.
وقوله: (بِالصَّلَاةِ) بالباء هو رواية الأكثرين، وفي رواية الكُشْمِيهَني: <عَنِ الصَّلَاةِ> كما في حديث أبي ذرٍّ، وقال شيخنا: قوله: (بِالصَّلَاةِ) الباء للتعدية، وقيل: زائدة، ومعنى (أَبْرِدُوا): أخِّروا، على سبيل التضمين، أي أخَّروا الصلاة.
قال العَيني: قوله: للتعدية غيرُ صحيح؛ لأنَّه لا يجمع في تعدية اللازم بين الهمزة والباء، فافهم، وقوله: على سبيل التَّضمين أيضًا غير صحيح؛ لأنَّ معنى التَّضمين في رواية (عَنْ) كما ذكرنا، لا في رواية الباء، فافهم، وقد ذكرنا: أنَّ المراد من الصَّلاة هي صلاة الظُّهر. انتهى.
قلت: ما قاله شيخنا صحيح يشهد له قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] فإن قلت: قال العلماء باللَّغة: إنَّ سرى وأسرى بمعنىً واحد، أقول: قال صاحب المفردات: وقيل: أسرى ليست من لفظة سَرَى، إنَّما هي من السَّراة وهو أرض واسعة، فقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] أي ذهب به في سَراةٍ من الأرض، وقوله: على سبيل التَّضمين، لم يقل فيه على رواية الباجي يُعترض بهذا. انتهى.
قوله: (فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ) الفاء فيه للتعليل، أراد أنَّ علَّة الأمر بالإبراد هي شدَّة الحرِّ، واختلف في حكمة هذا التأخير، فقيل: دفع المشقَّة لكون شدَّة الحرِّ مما يذهب الخشوع، وقيل: لأنَّه وقت تسجر فيه جهنَّم كما روى مسلم من حديث عَمْرو بن عَبَسَةَ حيث قال له ﵇: «اقصرْ عنِ الصَّلاة عندَ استواءِ الشَّمسِ؛ فإنَّها ساعةٌ تسجرُ فيها جهنَّمُ». انتهى. فهذه الحالة ينتشر فيها العذاب.
فإن قلت: الصَّلاة سبب الرحمة، وإقامتها مظنَّة دفع العذاب، فكيف أمر ﵇ بتركها في هذه الحالة؟ أجيب عنه بجوابين، أحدهما قاله اليعمري: بأن التعليل إذا جاء من جهة الشَّارع وجب قبوله وإن لم يفهم معناه، والآخر من جهة أهل الحكمة، وهو استنباط ابن المنيِّر، وهو أنَّ هذا الوقت وقت ظهور الغضب، فلا ينجع فيه الطلب إلَّا ممن أُذن له في ذلك كما في حديث الشَّفاعة، حيث اعتذر الأنبياء كلُّهم للأمم بذلك سوى رسول الله ﷺ؛ فإنَّه أُذن له في ذلك.
قلت: في تعليل أهل الحكمة هذا نظر؛ فإنَّه ﵇ قال في الكسوف: «إنَّ اللهَ يُخَوْفُ بِهِ عِبَادَهُ»، وقال: «إِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَافزَعُوا إلى الصَّلَاةِ»، والذي يظهر أنَّ تعليله بذلك إرشادٌ إلى تحقيق المشقَّة، قال شيخنا: ويمكن أن يقال: سَجْر جهنَّم سبب فتحها، وفتحُها سبب وجود شدَّة الحرِّ،
[ ٤٨ ]
وهو مظنَّة المشقَّة الَّتي هي مظنَّة سلب الخشوع فناسب ألَّا يُصلَّى فيها، لكن يردُّ عليه أنَّ سجرها مستمرٌّ في جميع السنة، والإبراد مختصٌّ بشدَّة الحرِّ فيها متغايران، فحكمة الإبراد دفع المشقَّة، وحكمة الترك وقت سَجْرها لكونه وقت ظهور أثر الغضب، والله أعلم. انتهى.
قوله: (مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) -بفتح الفاء وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره حاء مهملة- وهو سطوع الحرِّ وفورانه، وقال شيخنا: فيح جهنم سِعَة انتشارها وتنفُّسها، ومنه: مكان أفيح، أي متسع، وهذا كناية عن شدِّة استعارها. انتهى. ويقال بالواو: فَوَح، وفاحت القدرة تفوح إذا غلت، وقال ابن سيده: فاح الحرُّ يفيح فيحًا سطع وهَاجَ، قال شيخنا: وظاهره أنَّ مَثار وهج الحرِّ في الأرض من فيح جهنَّم حقيقة، وقيل: هو من مجاز التشبيه، أي كأنَّه نار جهنَّم في الحرِّ، والأوَّل أولى، ويؤيِّده الحديث الآتي: «اشتكت النَّار إلى ربِّها، فأذِّن لها بنفسين» وسيأتي البحث فيه. انتهى.
وأما لفظ جهنَّم فقد قال قُطْرُب: زَعَمَ يُونُس إنَّه اسم أعجمي، وفي «الزاهر» لابن الأَنْباري: قال أكثر النَّحويين: هي أعجميَّة لذا لا تجري للتعريف والعجمة، وقيل: إنَّه عربي، ولم تجرِ للتعريف والتأنيث، وفي «المغيث»: هي تعريف (^١) كهنَّام بالعبرانيَّة، وذكره في «الصِّحاح» في الرُّباعي ثمَّ قال: هو ملحق بالخماسي لتشديد الحرف الثالث، وفي «المحكم»: سُمِّيت جهنَّم لبعد قعرها، ولم يقولوا فيها: جهنام، ويقال: بئر جهنام بعيدة القعر، وبه سُمِّيت جهنَّم، وقال أبو عمرو: جهنام اسم وهو الغليظ البعيد القعر. انتهى.
فيه: الأمر بالإبراد في صلاة الظهر، واختلفوا في كيفيَّة هذا الأمر، فحكى القاضي عياض وغيره: أنَّ بعضهم ذهب إلى أنَّ الأمر فيه للوجوب، وقال شيخنا: وغفل الكِرْماني فنقل الإجماع على عدم الوجوب، قال العَيني: لا يقال: إنَّه غفل، بل الذين نقل عنهم فيه الإجماع كأنَّهم لم يعتبروا كلام من ادَّعى الوجوب فصار كالعدم، وأجمعوا على أنَّ الأمر للاستحباب، قال شيخنا: والأمر بالإبراد أمر استحباب، وقيل: أمر إرشاد، وقيل: بل هو للوجوب.
وقال جمهور أهل العلم: يستحبُّ تأخير الظهر في شدَّة الحرِّ إلى أن يبرد الوقت وينكسر الوهج، وخصَّه بعضهم بالجماعة، فأما المنفرد فالتعجيل في حقِّه أفضل، وهذا قول أكثر المالكيَّة والشافعي، لكن خصَّه أيضًا بالبلد الحارِّ، وقيد الجماعة بما إذا كانوا ينتابون مسجدًا من بُعد، فلو كانوا مجتمعين أو كانوا يمشون في كُنٍّ فالأفضل في حقِّهم التعجيل، والمشهور عن أحمد التسوية من غير تخصيص ولا قيد، وهو قول إِسْحاق والكوفيين وابن المنذر، واستدلَّ له التِّرْمِذي بحديث أبي ذرٍّ الآتي بعد هذا؛ لأنَّ في روايته أنَّهم كانوا في سفر، وهي رواية للمصنِّف أيضًا ستأتي قريبًا، قال: فلو كان على ما ذهب إليه الشافعي لم يأمر بالإبراد لاجتماعهم في السَّفر وكانوا لا يحتاجون إلى أن ينتابوا من البعد، قال التِّرْمِذي: والأوَّل أولى بالاتباع. وتعقَّبه الكِرْماني بأن العادة في العسكر الكثير تفرُّقهم في أطراف المنزل للتخفيف وطلب المرعى، فلا نسلِّم اجتماعهم في تلك
_________________
(١) كذا في الأصل، ولعل الصواب: تعريب.
[ ٤٩ ]
الحال. انتهى.
قال شيخنا: وأيضًا فلم تجر عادتهم باتِّخاذ خِباء كبير يجمعهم، بل كانوا يتفرَّقون في ظلال الشجر، وليس هناك كنٌّ يمشون فيه، فليس في سياق الحديث ما يخالف ما قاله الشافعي، وغايته إنَّه استنبط من النصِّ العامِّ - وهو الأمر بالإبراد - معنى يخصِّصه، وذلك جائز على الأصحِّ في الأصول، لكنَّه مبني على أنَّ العلَّة في ذلك تأذِّيهم بالحرِّ في طريقهم، وللمتمسِّك بعمومه أن يقول: العلَّة فيه تأذِّيهم بحرِّ الرمضاء في جباههم حالة السجود، ويؤيِّده حديث أنس: «كنَّا إذا صلَّينا خلفَ النَّبِيِّ ﷺ بالظَّهائرِ سجدنا على ثيابِنا اتِّقاءَ الحرِّ» وسيأتي قريبًا. والجواب عن ذلك: أنَّ العلَّة الأولى أظهر، فإن الإبراد لا يزيل الحرَّ عن الأرض، وذهب بعضهم إلى أنَّ تعجيل الصَّلاة أفضل مطلقًا، وقالوا: معنى (أَبْرِدُوا): صلُّوا في أوَّل الوقت، أخذًا من برد النَّهار وهو أوَّله، وهو تأويل بعيد، ويرده قوله: (فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) إذ التعليل بذلك يدلُّ على أنَّ المطلوب التأخير، وحديث أبي ذرٍّ الآتي صريح في ذلك حيث قال: (انتظر)، والحامل لهم على ذلك حديث خباب «شَكَوْنَا إِلَى رَسُوْلِ اللهِ ﷺ حَرَّ الرَّمْضَاءِ فَلَمِ يُشْكِنَا» أي لم يزل شكوانا، وهو حديث صحيح رواه مسلم، وتمسَّكوا أيضًا بالأحاديث الدالة على فضيلة أوَّل الوقت، وبأنَّ الصَّلاة حينئذ أكثر مشقَّة فتكون أفضل.
والجواب عن حديث خَبَّاب: إنَّه محمول على أنَّهم طلبوا تأخيرًا زائدًا عن وقت الإبراد، وهو زوال حرِّ الرمضاء، وذلك قد يستلزم خروج الوقت، فلذلك لم يجبهم، أو هو منسوخ بأحاديث الإبراد؛ فإنها متأخِّرة عنه، واستدلَّ له الطَّحاوي بحديث المغيرة بن شُعْبَة قال: (كنَّا نصلِّي معَ رسولِ اللهِ ﷺ الظُّهرَ بالهاجرةِ، ثمَّ قالَ لنا: أبردوا بالصَّلاة) الحديث، وهو حديث رجاله ثقات، رواه أحمد وابن ماجَهْ وصحَّحه ابن حبَّان، ونقل الخَلَّال عن أحمد إنَّه قال: هذا آخر الأمرين من رسول الله ﷺ، وجمع بعضهم بين الحديثين بأنَّ الإبراد رخصة والتعجيل أفضل، وهو قول من قال: إنَّه أمر إرشاد، وعكسه بعضهم فقال: الإبراد أفضل، وحديث خباب يدلُّ على الجواز.
والجواب عن أحاديث أوَّل الوقت: إنَّها عامَّة أو مطلقة، والأمر بالإبراد خاصٌّ، ولا التفات إلى من قال: التعجيل أكثر مشقَّة فيكون أفضل؛ لأنَّ الأفضليَّة لم تنحصر في الأشقِّ، بل قد يكون الأخفُّ أفضل كما في قصر الصَّلاة في السَّفر. انتهى.
قال العَيني: فإن قلت: ما القرينة الصارفة للأمر عن الوجوب وظاهر الكلام يقتضيه؟
قلت: لما كانت العلَّة فيه دفع المشقَّة عن المصلِّي لشدَّة الحرِّ، وكان ذلك للشفقة عليه فصار من باب النَّفع له، فلو كان للوجوب يصير عليه ويعود الأمر على موضعه بالنَّقض.
وقال شيخنا: وحديث خَبَّاب هو الصارف للأمر عن الوجوب، كذا قيل، وفيه نظر؛ لأن ظاهره المنع من التأخير، وقيل: معنى قول خَبَّاب: (فَلَمْ يُشْكِنَا) أي لم يحوجنا إلى شكوى بل أذَّن لنا في الإبراد. حُكِي عن ثعلب، ويردُّه أنَّ في الخبر زيادة رواها ابن المنذر بعد قوله: (فَلَمْ يُشْكِنَا) وقال: «إِذَا زَالَتِ الشَّمس فَصَلُّوا». انتهى.
وفي «التَّوضيح»:
[ ٤٩ ]
اختلف الفقهاء في الإبراد بالصَّلاة، فمنهم من لم يردَّه، وتأوَّل الحديث على إيقاعها في برد الوقت وهو أوَّله، والجمهور من الصحابة والتَّابعين وغيرهم على القول به، ثمَّ اختلفوا فقيل: إنَّه عزيمة، وقيل: واجب تعويلًا على صيغة الأمر، وقيل: رخصة، ونصَّ عليه في «البويطي»، وصحَّحه الشيخ أبو علي من الشافعيَّة، وأغرب النَّوَوي فوصفه في «الروضة» بالشذوذ، لكنَّه لم يحكِه قولًا، وبنوا على ذلك: أنَّ من صلَّى في بيته أو مشى في كُنٍّ إلى المسجد هل يسنُّ له الإبراد؟ إن قلنا: رخصة، لم يسنَّ له؛ إذ لا مشقَّة عليه في التعجيل، وإن قلنا: سنَّة، أبرد وهو الأقرب لورود الأثر به مع ما اقترن به من العلَّة من أنَّ شدَّة الحرِّ من فيح جهنَّم، وقال صاحب «الهداية» من أصحابنا: يستحبُّ الإبراد بالظُّهر في أيَّام الصَّيف، ويستحبُّ تقديمه في أيَّام الشِّتاء.
فإن قلت: يعارض حديث الإبراد حديث إمامة جبريل ﵇؛ لأنَّ إمامته في العصر في اليوم الأوَّل فيما إذا صار ظلُّ كلِّ شيء مثله، فدلَّ ذلك على خروج وقت الظُّهر، وحديث الإبراد دلَّ على عدم خروج وقت الظُّهر؛ لأنَّ اشتداد الحرِّ في ديارهم في ذلك الوقت، قال العَيني: الآثار إذا تعارضت لا ينقضي الوقت الثابت بيقين بالشكِّ، وما لم يكن ثابتًا بيقين هو وقت العصر لا يثبت بالشكِّ.
فإن قلت: هل في الإبراد تحديد؟ قلت: روى أبو داود والنَّسائي والحاكم من حديث ابن مسعود ﵁ قال: «كان قدر صلاة رسول الله ﷺ الظُّهر في الصَّيف ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام، وفي الشِّتاء خمسة أقدام إلى سبعة أقدام»، فهذا يدلُّ على التحديد.
اعلم أنَّ هذا الأمر مختلف في الأقاليم والبلدان، ولا يستوي في جميع المدن والأمصار، وذلك لأنَّ العلَّة في طول اللَّيل وقصره هو زيادة ارتفاع الشَّمس في السَّماء وانحطاطها، فكلَّما كانت أعلى وإلى محاذاة الرؤوس في مجراها أقرب كان الظلُّ أقصر، وكلَّما كانت أخفض ومن محاذاة الرؤوس أبعد كان الظلُّ أطول، وكذلك ظلال الشِّتاء تراها أبدًا أطول من ظلال الصَّيف في كلِّ مكان، وكانت صلاة رسول الله ﷺ بمكَّة والمدينة - وهما من الإقليم الثَّاني - ثلاثةَ أقدام، ويذكرون أنَّ الظلَّ فيهما في أوَّل الصَّيف في شهر آذار ثلاثة أقدام وشيء، ويشبه أن تكون صلاته إذا اشتدَّ الحرُّ متأخِّرة من الوقت المعهود قبله، فيكون الظلُّ عند ذلك خمسة أقدام، وأما الظلُّ في الشِّتاء فإنَّهم يذكرون إنَّه في تشرين الأوَّل خمسة أقدام أو خمسة وشيء، وفي الكانون سبعة أقدام أو سبعة وشيء، فقول ابن مسعود منزَّل على هذا التقدير في ذلك الإقليم دون سائر الأقاليم والبلدان الَّتي هي خارجة عن الإقليم الثَّاني. انتهى.
قلت: الأقاليم سبعة: فالأوَّل من جهة خطِّ الاستواء، والإقليم الثَّاني ثلاثة، ففي الأوَّل بحر الصِّين وبحر الهند والنوبة والحبشة، وفي الثَّاني الصِّين والهند والسند ومكران وكرمان وخليج فارس وجزيرة العرب وغير ذلك، وكلُّ إقليم يمتدُّ ما بين الخافقين طولًا، أي يكون كلُّ إقليم من الأقاليم السبعة على شكل طولي فيكون عرضه قدرًا قليلًا، وهو ما يوجب تفاضل نصف ساعة في مقادير النَّهار الأطول. انتهى.
وفي «التَّوضيح»: اختلف
[ ٥٠ ]