وسلَّم وبين القبلة، فيكون استقبال الرجل المرأة في الصَّلاة، ولم تكن تشغل النَّبِيَّ ﷺ، فدلَّ على عدم الكراهة، ولا يقال: الترجمة استقبال الرجل الرجل، وفيما ذكر استقبال الرجل المرأة؛ لأنَّا نقول: حكم الرجال والنِّساء واحد إلى آخر ما ذكرنا، وقد ذكرنا: أنَّ الترجمة رويت على ثلاثة أوجه، وهذا الذي ذكرنا في الوجه الواحد، وهو باب استقبال الرجل الرجل وهو يصلِّي، وأما في الوجهين الآخرين فالتطابق ظاهر، فلا يحتاج إلى التكلُّف، قال شيخنا: واتسع الكِرْماني بأنَّ حكم الرجل والمرأة واحد للأحكام الشرعيَّة، ولا يخفى ما فيه. انتهى.
الوجه الثاني: ذكره ابن المنير فقال: لأنَّه يدلُّ على المقصود بطريق الأولى وإن لم يكن تصريح بأنهَّا كانت مستقبلة، فلعلَّها كانت منحرفة أو مستدبرة.
الوجه الثالث: ذكره ابن رُشَيْد فقال: فصَّل البخاريُّ أنَّ شغل المصلِّي بالمرأة إذا كانت في قبلته على أي حالة كانت أشدُّ من شغله بالرجل، ومع ذلك فلم يضرَّ صلاته ﵊؛ لأنَّه غير مشتغل بها، كذلك لا تضرُّ صلاة من لم يشتغل بها، وبالرجل من باب أولى، والكلام على الحديث قد مرَّ في باب الصَّلاة إلى السَّرير؛ لأنَّه أخرجه هناك من وجه آخر.
قوله: (كِلَابًا) أي كالكلاب في حكم قطع الصلاة.
قوله: (رَأَيْتُ) أي أبصرت.
قوله: (وَإِنِّي لَبَيْنَهُ) أي بين النَّبِيِّ ﷺ، وهذه الجملة في محلِّ النَّصب على الحال، وكذلك: (وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ).
قوله: (وَأَكْرَهُ) كذا هو بالواو في رواية الأكثرين، وفي رواية الكُشْمِهيني: <فَأَكْرَهُ> بالفاء.
قوله: (فَأَنْسَلُّ) أي أخرج بالخِفية.
قوله: (وَعَنِ الأَعْمَشِ) أي سُلَيمان المذكور في السَّند السَّابق.
قوله: (عَنْ إِبْرَاهِيْمَ) أي النَّخَعي، ترجمته في باب ظلم دون ظلم.
قوله: (عَنِ الأَسْوَدِ) أي ابن يزيد النَّخَعي، ترجمته في باب من ترك بعض الاختيار في كتاب العلم.
قوله: (عَنْ عَائِشَةَ) أي أمُّ المؤمنين ﵂، ترجمتها في بدء الوحي.
قوله: (نَحْوَهُ) قلت: النَّحو في اللُّغة: القَصْدُ والقِسْمُ والجِهَةُ والقَدْرُ والمِثْلُ، وهو المراد هنا. انتهى.
قال الكِرْماني: قوله: (وَعَنِ الأَعْمَشِ) يحتمل التعليقَ وكونَه من كلام ابن مُسْهِر أيضًا، قال العَيني: خرَّجه بعد البابين في باب: مَن قال: لا يقطع الصَّلاة شيء، والحاصل: أنَّ هذا معطوف على الإسناد الذي قبله، ونبَّه به على أنَّ عليَّ بن مُسْهِر قد روى هذا الحديث عن الأَعْمَش بإسنادين إلى عائشة، أحدهما: عن مسلم عن مَسْروق عن عائشة باللَّفظ المذكور، والآخر: عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة بالمعنى، وأشار إليه بقوله: (نَحْوَه) وهو بالنَّصب، فإن قلت: كيف يقول: (نَحْوَه) ولفظ النحو يقتضي المماثلة بينهما من كلِّ الوجوه، وههنا ليس كذلك؟ قال العَيني: لا نسلِّم إنَّه كذلك، بل يقتضي المشاركة في أصل المعنى المقصود فقط. انتهى.
(١٠٣) (بَابُ الصَّلاة خَلْفَ النَّائِمِ) أي هذا باب في بيان حكم الصَّلاة خلف النَّائم، يعني: تجوز ولا تكره، على ما سنبيِّنه إن شاء الله تعالى.
٥١٢ - قوله: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي ابن مُسَرْهَد،
[ ٢٢ ]
ترجمته في باب من الإيمان أن يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى) أي القطَّان، ترجمته في الباب أيضًا.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ) أي ابن عروة. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي) أَي عُرْوَة بن الزبير. قوله: (عَنْ عائِشَةَ) أي زوج النَّبِيِّ ﷺ، ترجمة هؤلاء الثلاثة في بدء الوحي.
في هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وبصيغة الإفراد في موضع، وفيه العنعنة في موضع.
قوله: (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي وَأَنَا رَاقِدَةٌ مُعتَرِضَةٌ عَلَى فِراشِهِ، فِإِذا أَرادَ أَنْ يُوتِرَ أَيقَظَني فَأَوتَرْتُ) مطابقته للترجمة ظاهرة، فإن قلت: كيف الظُّهور والترجمة خلف النَّائم، والحديث خلف النَّائمة؟ قال العَيني: قد ذكرنا أنَّ الرِّجال والنِّساء واحد في الأحكام الشَّرعيَّة إلَّا ما خصَّه الدليل، أو إنَّه إذا جاز خلف النائمة فخلف النَّائم بالطريق الأولى، أو أراد بالنَّائم الشَّخص النَّائم ذكرًا كان أو أنثى. انتهى.
قلت: قال شيخنا: توسَّع الكِرْماني في قوله: الرِّجال والنِّساء واحد في الأحكام الشَّرعيَّة، ولا يخفى ما فيه. انتهى.
قوله: (كَانَ النَّبِيُّ يُصَلِّي) مثلَ هذا التركيب يفيد التكرار.
قوله: (وَأَنا رَاقِدَةٌ) جملة حالية، وقوله: (مُعْتَرِضَةٌ) صفة بعد صفة.
قوله: (أَنْ يُوْتِرَ) أي إذا أراد أن يصلِّي الوتر.
قوله: (أَيْقَظَنِي) من الإيقاظ.
قال ابن بطَّال: الصَّلاة خلف النَّائم جائزة، إلَّا أنَّ طائفة كرهتها خوفَ ما يحدث من النَّائم، فيشتغل المصلِّي به أو يضحكه فتفسد صلاته، وقال مالك: لا يصلَّى إلى النَّائم إلَّا أن يكون دونه سترة. وهو قول طاوس، وقال مجاهد: أصلِّي وراء قاعد أحبُّ إليَّ من أن أصلِّي وراء نائم.
فإن قلت: روى أبو داود عن ابن عبَّاس أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «لا تصلُّوا خلف النَّائم ولا المتحدِّث»، وأخرجه ابن ماجَهْ أيضًا، وروى البزَّار عنه أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «نُهيتُ أنْ أصلِّيَ إلى النيَّام والمتحدِّثين»، وروى ابن عَدِي عن ابن عُمَر نحوَه، وروى الطَّبَرَاني في «الأوسط» عن أبي هريرة نحوه.
قال العَيني: قال أبو داود: طرق حديث ابن عبَّاس كلُّها واهية، وقال الخطَّابيُّ: هذا الحديث - يعني حديث ابن عبَّاس - لا يصحُّ عن النَّبِيِّ ﷺ لضعف سنده. قال العَيني: وفي سند أبي داود رجل مجهول، وفيه عبد الله بن يعقوب لم يُسَمَّ من حَدَّثَه، قلت: وفي سند ابن ماجَهْ أبو المقدام هشام بن زياد البصري لا يحتجُّ بحديثه، وحديث ابن عُمَر وأبي هريرة ﵄ واهيان أيضًا، وروى البزَّار أيضًا: حدَّثنا أحمد بن يحيى الكوفي حدَّثنا إسماعيل بن صبيح حدَّثنا إسرائيل عن عبد الأعلى الثعلبي عن محمَّد بن الحنفيَّة عن علي ﵁: «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ رأى رجلًا يصلِّي إلى رجلٍ، فأمرَه أنْ يعيدَ الصَّلاة، قالَ: يا رسولَ اللهِ، إنِّي صلِّيتُ وأنتَ تنظرُ إليَّ»، قال: هذا حديث لا نحفظه إلَّا بهذا الإسناد، وكأنَّ هذا المصلِّي كان مستقبل الرجل بوجهه فلم يتنح عن حياله. وقال أبو بكر بن أبي شَيْبَة: حدَّثنا إسماعيل بن عليَّة عن ليث عن مجاهد يرفعه قال: «لا يأتمُّ بنائم ولا متحدِّث»،
[ ٢٣ ]