أعلم أَن وصف الله بِالْحَيَاءِ على معنى مَا يُوصف الْمَخْلُوق من الْحيَاء الَّذِي هُوَ مِنْهُ انقباض وَتغَير وَتجمع لَا يجوز لإستحالة كَونه جسما متغيرا تحله الْحَوَادِث وَأما أَن يُوصف بِالْحَيَاءِ على معنى التّرْك فَصَحِيح وَقد عبرت الْعَرَب عَن سَبَب الشَّيْء بإسمه فَلَمَّا كَانَ الْحيَاء سَببا لترك المستحيا مِنْهُ كَانَ معنى مَا قَالَ إِن الله ﷿ ليستحي لَا يتْرك يَدي العَبْد خاليتين من خير إِذا رفعهما إِلَيْهِ فِي الدُّعَاء
وعَلى ذَلِك يتَأَوَّل أَيْضا قَوْله ﷺ
إِن الله ليستحي أَن يعذب المتورع قيل يَا رَسُول الله وَمن المتورع
[ ٢٩٤ ]
قَالَ الَّذِي يُحَاسب نَفسه قبل أَن يُحَاسب // أخرجه الْأَمَام أَحْمد //
وَمعنى ذَلِك ترك تعذيبه
وعَلى ذَلِك يتَأَوَّل قَوْله ﷿ ﴿إِن الله لَا يستحيي أَن يضْرب مثلا﴾ أَي لَا يتْرك
والإستحياء من الله تَعَالَى التّرْك لِأَن المستحيي يتْرك للحياء أَشْيَاء كَمَا يتْرك للْإيمَان وَيَنْقَطِع بِالْحَيَاءِ عَن الْمعاصِي كَمَا يَنْقَطِع بِالْإِيمَان عَنْهَا وَلِهَذَا قَالَ رَسُول الله ﷺ
الْحيَاء شُعْبَة من الْإِيمَان
وَقَالَ أَبُو وَائِل عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁
إِن آخر مَا حفظ من كَلَام النُّبُوَّة إِذا لم تستح فَاصْنَعْ مَا شِئْت
يُرِيد إِذا لم يستح الرجل ركب كل فَاحِشَة وقارف كل قَبِيح وَلم يحجزه عَن ذَلِك دين وَلَا حَيَاء
[ ٢٩٥ ]
فَأَما معنى قَوْله ﷺ إِن الله حَيّ ستير فقد فسرنا معنى الْحيَاء وَمعنى ستير أَي سَاتِر يستر على عباده كثيرا من عيوبهم وَلَا يظهرها عَلَيْهِم وستير بِمَعْنى سَاتِر كَمَا جَاءَ قدير بِمَعْنى قَادر وَعَلِيم بِمَعْنى عَالم وَإِذا حمل الْخَبَر على مَا ذكرنَا صَحَّ المُرَاد وَبَطل قَول من توهم فِيهَا التَّشْبِيه