اعْلَم أَن الْفَرح فِي كَلَام الْعَرَب على وُجُوه
مِنْهَا الْفَرح بِمَعْنى السرُور من ذَلِك قَوْله ﷿ ﴿حَتَّى إِذا كُنْتُم فِي الْفلك وجرين بهم برِيح طيبَة وفرحوا بهَا﴾
أَي سروا بهَا فَهَذَا الْمَعْنى لَا يَلِيق بِاللَّه ﷿ لِأَنَّهُ يقْضِي جَوَاز الشَّهْوَة
[ ١٨٦ ]
وَالْحَاجة وَعَلِيهِ نيل الْمَنْفَعَة
وَمِنْهَا الْفَرح بِمَعْنى البطر والأشر من ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تفرحوا بِمَا آتَاكُم﴾
وَقَوله ﴿إِن الله لَا يحب الفرحين﴾
وَقَوله تَعَالَى ﴿إِنَّه لفرح فخور﴾
يَعْنِي بذلك فَرح البطر والأشر وَمِنْه قَول الشَّاعِر
(وَلست بمفراح إِذا الدَّهْر سرني وَلَا جازع من صرفه المتقلب) أَي لست ببطر وَلَا أشر وَإِن وَافقنِي الدَّهْر وساعدني
وَالْوَجْه الثَّالِث من الْفَرح أَن يكون بِمَعْنى الرِّضَا من قَوْله ﷿ ﴿كل حزب بِمَا لديهم فَرِحُونَ﴾ أَي راضون
وَلما كَانَ من يسر بالشَّيْء قد رضيه قيل إِنَّه فَرح على أَنه هُوَ بِهِ رَاض
وَمعنى الْخَبَر يحمل على ذَلِك لِأَن البطر وَالسُّرُور لَا يليقان بِاللَّه وَيكون معنى ذَلِك أَن الله تَعَالَى أرْضى بتوبة العَبْد من رضَا من وجد ضالته
[ ١٨٧ ]
وَاعْلَم أَن أصل الرِّضَا على أصولنا إِنَّمَا يتَعَلَّق بِمن فِي الْمَعْلُوم أَنه يوافي ربه على الْإِيمَان وَالطَّاعَة وَأَن من وَفقه الله تَعَالَى للتَّوْبَة من مَعَاصيه فقد رَضِي أَن يكون مثابا على الْخَيْر مَقْبُولًا مِنْهُ الطَّاعَة وَالْعِبَادَة وَلم يزل الله عندنَا رَاضِيا عَمَّن يعلم أَنه يَمُوت على الْإِيمَان مزكيا مادحا مثنيا عَلَيْهِ بِالْإِيمَان وَالْخَيْر وَالْبر
وَتَكون فَائِدَة الْخَبَر على مَا ذكرنَا تعريفنا أَن الله ﷿ هُوَ التائب على العَبْد ليتوب كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿ثمَّ تَابَ عَلَيْهِم ليتوبوا﴾
وَيدل على صِحَة مَا نقُول
أَن الله ﷿ هُوَ الْخَالِق لأعمال الْعِبَادَة والموفق للخير مِنْهَا وَأَن مَا يسْتَعْمل فِي الْخَيْر مِنْهَا لَا يصلح أَن يسْتَعْمل فِي الشَّرّ وَإِذا كَانَ كَذَلِك أَفَادَ هَذَا الْخَبَر تَعْرِيف صِحَة مَا نقُول فِي الرِّضَا وَأَن الطَّاعَة عَن رضَا الله تَعَالَى تحصل للْعَبد لَا عَن العَبْد وَأَنه هُوَ الَّذِي يُعينهُ ويوفقه لَهُ وَأَن من علمه أَهلا لذَلِك يسر لَهُ طَرِيق ذَلِك كَمَا أَن من يسر بالشَّيْء ييسر لَهُ الطَّرِيق وَكَذَلِكَ تثبت هَذِه الصّفة بِتِلْكَ الْحَالة
وعَلى نَحْو ذَلِك مَا ذكرنَا أَيْضا يتَأَوَّل قَوْله ﵊ فِي البشبشة وَذَلِكَ أَن مَعْنَاهُ يُقَارب معنى الْفَرح وَالرِّضَا بِمَا يحصل فِي التبشبش لما يبش مِنْهُ الْعَرَب تَقول
رَأَيْت لفُلَان بشابة وبشاشه أَي فَرحا وَتقول فلَان هش بش فَرح
[ ١٨٨ ]
إِذا كَانَ مُنْطَلقًا فِيمَا يحدث لَهُ رضَا بِهِ وعَلى هَذِه الطَّرِيقَة يكون معنى الْخَبَر إِن الله ﷿ قد رَضِي وَطْء الواطئين للمساجد للذّكر وَالصَّلَاة وَأَعَانَهُمْ عَلَيْهِ وَيسر لَهُم التَّقَرُّب بِهِ إِلَيْهِ وَسَهل عَلَيْهِم طَرِيق الْإِخْلَاص فِيهِ كمن يقدم عَلَيْهِ غائبه إِذا ابْتَدَأَ فِي تيسير الْأُمُور الَّتِي يرضاها لَهُ ويحلها بِهِ فَيُقَال لَهُ عِنْد ذَلِك تبشبش لَهُ
وَاعْلَم أَن الْعَرَب كَلَامهم استعادات أَلا ترى إِلَى قَوْله ﷿ ﴿فأذاقها الله لِبَاس الْجُوع وَالْخَوْف﴾
بِمَعْنى الإبتلاء والإختبار وَإِن كَانَ أصل الذَّوْق بالفم وَلذَلِك تَقول الْعَرَب
نَاظر فلَانا ذُقْ مَا عِنْده
وَيَقُولُونَ ذُقْ الْقوس بالنزع ليعلم لينها وصلابتها
كَذَلِك قَوْله تبشبش الله وَالله أفرح يرجع مَعْنَاهُ فِي التَّحْقِيق إِلَى إِظْهَار الْأَفْعَال المرضية فِيمَن يَتُوب عَلَيْهِ من الْمعاصِي ويوفقه للطاعة تَشْبِيها بِحَال أَحَدنَا إِذا ظهر لَهُ مَا يسره ويؤنسه وَإِن لم يكن لائقا بِاللَّه ﷿ وَإِنَّمَا أُرِيد بِهِ التَّقْرِيب على الإفهام بِالْخِطَابِ الْمُعْتَاد الْجَارِي بَين أَهله
وَيحْتَمل أَن يكون ﷺ قصد بِذكر هَذِه الْأَلْفَاظ فِي التَّوْبَة وَالطَّاعَة وَالْعِبَادَة وَحُضُور الْمَسَاجِد وَالذكر ترغيبا فِي التَّوْبَة وحثا على فعلهَا إِذا دَعَا إِلَيْهَا بأقرب مَا يدعى إِلَى مثله من الْأَلْفَاظ لتكثر الدَّوَاعِي إِلَى فعلهَا والمبادرة إِلَيْهَا إِذا خَاطب أَهلهَا
[ ١٨٩ ]
بأبلغ الْأَلْفَاظ فِيهَا
ثمَّ إِن وُجُوه الإستعارات وَتَحْقِيق الْمعَانِي صَحِيح ثَابت عِنْد أهل الْمعرفَة بهَا فَلَا تلبس عَلَيْهِم وَلَا تخيل أَن المُرَاد هُوَ الْمَعْنى الصَّحِيح الَّذِي يجوز عَلَيْهِ جلّ ذكره دون مَا لَا يجوز وَهَذَا كَسَائِر مَا وصف الله جلّ ذكره بِهِ من أَوْصَاف ذَاته وَفعله مِمَّا يَقع مُشْتَركا بَينه وَبَين خلقه فَيكون لَهُ مِنْهُ مَعْنَاهُ الَّذِي يَصح فِي وَصفه ويليق بِحكمِهِ وَلغيره إِذا جرى عَلَيْهِ نَحْو مَا يجوز عَلَيْهِ وَلَا يجوز أَن يستوحش من إِطْلَاق مثل هَذَا اللَّفْظ إِذا ورد بِهِ سمع لِأَن النّظر يكْشف عَن الصَّحِيح من الْمَعْنيين والجائز من الْحكمَيْنِ عَلَيْهِ واللغة لَا يُمكن دَفعهَا والسمع لَا سَبِيل إِلَى رده إِذا صَحَّ
وَالنَّظَر الحكم الْفَاصِل بَين الْخَطَأ وَالصَّوَاب فِيهِ كَسَائِر الْأَلْفَاظ الْمُطلقَة الْمُشْتَركَة وَمَا ذكرنَا مِمَّا قيل فِي معنى مَا ورد من اطلاق لفظ الضحك هُوَ قريب من هَذَا الْمَعْنى
[ ١٩٠ ]