إعلم أَن هَذَا الحَدِيث من الْأَخْبَار الْمَشْهُورَة عَن أهل النَّقْل وَبَعضهَا يبين معنى بعض فَمن ذَلِك أَن لفظ الضحك مُشْتَرك الْمَعْنى فِي اللُّغَة وَيخْتَلف أَحْكَامه بإختلاف من يُضَاف إِلَيْهِ ذَلِك ويوصف بِهِ وَلَيْسَ هُوَ من الْأَلْفَاظ الَّتِي تخْتَص بِمَعْنى وَاحِد حَتَّى لَا يَلِيق بِهِ غَيره فَمن ذَلِك أَن الْعَرَب تَقول فِي تكشير أَسْنَان الْإِنْسَان وثغر فِيهِ إِذا وَقع على وَجه مَخْصُوص ضحك وَكَذَلِكَ تَقول ضحِكت الأَرْض بالنبات إِذا ظهر فِيهَا النَّبَات وانفتق عَن زهره وَكَذَلِكَ قَالَت الْعَرَب لطلع النّخل إِذا انفتق عَنهُ كافوره الضحك لأجل أَن ذَلِك يَبْدُو مِنْهُ مَعَ الْبيَاض الظَّاهِر كبياض الثغر يَقُولُونَ ضحك الطلعة إِذا ظهر مِنْهَا مَا كَانَ مستترا وَكَذَلِكَ قَالَ الْقَائِل يضاحك الشَّمْس مِنْهَا كَوْكَب شَرق
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي ينشد فِي الرّبيع
(أما ترى الأَرْض قد أعطتك زهرتها مخضرة فاكتسى بِالنورِ عاليها)
(للسماء بكاء فِي جوانبها وللربيع ابتسام فِي نَوَاحِيهَا)
يُرِيد الإبتسام ظُهُور النَّبَات فِيهَا وطلوع النُّور عَلَيْهَا وَأنْشد بَعضهم فِي معنى ذَلِك
(كل يَوْم باقحوان جَدِيد يضْحك الرَّوْض من بكاء السَّمَاء)
[ ١٣٨ ]
وَكَذَلِكَ وَضحك المزن بهَا يُرِيد بالمزن السَّحَاب ويضحك الْبَرْق الَّذِي ظهر مِنْهُ وببكائه الْمَطَر
وَحكى عَن بَعضهم أَن الْعَرَب تَقول للطريق الْوَاضِح الْبَين هَذَا طَرِيق ضَاحِك وَهَذَا طَرِيق لاحب إِذا أَرَادوا وَصفه بالظهور
وَاعْلَم أَن معنى مرجع الضحك فِي جَمِيع هَذَا الَّذِي ذكرنَا إِلَى الْبَيَان والظهور
وَأَن كل من أبدى أمرا كَانَ يستره فَإِنَّهُ يُقَال لَهُ ضحك
وَكَذَلِكَ يُقَال لمن أبرز المكتوم وَأظْهر المستور ذَلِك
فعلى هَذَا معنى الْخَبَر فِي قَوْله ﵊ يضْحك الله أَي يُبْدِي ﷿ من فَضله ونعمه وتوفيقه لهذين المقتولين المتقولين فِي سَبِيل الله اللَّذين قتل أَحدهمَا صَاحبه ثمَّ قتل قَاتله بِالشَّهَادَةِ ثَانِيًا من بعد تَوْبَته من قَتله وَبَين من ثوابهما وَأظْهر من كرامته لَهما
وَكَذَلِكَ معنى مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ فِي الْخَبَر الآخر أَنه قَالَ
[ ١٣٩ ]
ضحِكت لضحك رَبِّي أَي أظهرت أَنا عَن أسناني بِفَتْح فمي لإِظْهَار رَبِّي سُبْحَانَهُ فَضله وَكَرمه لمن قَالَ هَذَا القَوْل وَهُوَ قَوْله اللَّهُمَّ اغْفِر لي ذُنُوبِي إِنَّه لَا يغْفر الذُّنُوب أحد غَيْرك
وَإِذا كَانَ الضحك مِمَّا اسْتعْمل فِي اللُّغَة على وُجُوه مَخْصُوصَة
مِنْهَا تكشير الْأَسْنَان وَفتح الْفَم
وَمِنْهَا ظُهُور المكتوم من الْأُمُور وبروز المستور من الْفِعْل وَكَانَ يَسْتَحِيل وصف الله ﷿ بالجوارح والعينين لحلول الْحَوَادِث فِي ذَاته وَجب أَن يكون مَحْمُولا على مَا يَصح وَيجوز فِي وَصفه وَذَلِكَ هُوَ الْإِبَانَة عَن فَضله والإظهار لنعمه وَكَذَلِكَ قَالَ ﷺ لأبي رزين الْعقيلِيّ لما قَالَ لَهُ يَا رَسُول الله أيضحك رَبنَا
فَقَالَ لن نعدم من رب يضْحك خيرا
[ ١٤٠ ]
وَهَذَا مِنْهُ ﷺ إِشَارَة إِلَى وصف الله تَعَالَى ذكره وتقدست أسماؤه بِالْقُدْرَةِ على فضل النعم وكشف الكرب والستار عَن الخفيات
والكشف عَن الْأُمُور المستورة فرقا بَينه وَبَين الْأَصْنَام وَالَّتِي لَا يُرْجَى مِنْهَا خير وَلَا شَرّ
وَإِذا كَانَ ذَلِك رُجُوعا إِلَى الْقُدْرَة على الْأَفْعَال بِالدفع والنفع فقد صَحَّ مَا قُلْنَاهُ وَبَين ﵊ بذلك عَمَّا إِلَيْهِ أَشَرنَا
فَأَما مَا بَين لَك من الْخَبَر الْمَرْوِيّ فِي هَذَا الْمَعْنى بقوله ﷺ لأبي رزين الْعقيلِيّ
لن نعدم من رب يضْحك خيرا أَي يُبْدِي من فَضله وَيظْهر مِنْهُ مننه مَا يُبْدِي الضاحك وَمِمَّا يستر عَنهُ تَشْبِيها فِي معنى إِظْهَار مَا كَانَ مكتما وإبداء مَا كَانَ مخفيا
وَإِذا احْتمل التَّأْوِيل مَا ذكرنَا واستحال وصف الله تَعَالَى بالجوارح والأبعاض وَجب أَن يحمل مَا قُلْنَا
[ ١٤١ ]