اعْلَم أَن معنى قَوْله وَنفخ فِيهِ من روحه
وَمعنى قَوْله ﴿ونفخت فِيهِ من روحي﴾ وَمعنى جَمِيع ذَلِك إِضَافَة إِلَيْهِ من طَرِيق الْملك وَالْفِعْل وَقد بَينا أَن أَفعاله ﷿ لَا تغيره وَلَا تحله وَإِنَّمَا تحدث بقوله كن
[ ٢٢٧ ]
فَيكون وَأَن بَعْضهَا يُضَاف إِلَيْهِ بِالْوَصْفِ الْخَاص إتباعا لَهُ فِيمَا خص بِهِ نَفسه لفائدة متجددة إِمَّا للتنويه بِشَأْنِهِ وَالرَّفْع من حَاله وَقد علمنَا أَن جملَة الْأَرْوَاح مخلوقة لَهُ ﷿ فَخص بَعْضهَا بِالْإِضَافَة إِلَى نَفسه كَمَا خص بعض الْبيُوت بِالْإِضَافَة إِلَى نَفسه وَإِن كَانَ كلهَا ملكا لَهُ وفعلا للتنويه بذكرها والتشريف وَالدّلَالَة على فَضلهَا وَشرف أمرهَا
وَأما قَوْله فَقَالَ لَهُ رَبك رَحِمك الله حِين عطس آدم ﵇ فقد بَينا معنى مُخَاطبَة الله تَعَالَى لمن يُرِيد أَن يخاطبه وَأَن ذَلِك تَارَة يكون بإسماع بِلَا وَاسِطَة وَلَا ترجمان وَذَلِكَ نوع من التَّخْصِيص للدلالة على شرف المكلم على هَذَا الْوَجْه لِأَنَّهُ مُكَلم لجَمِيع الْمُكَلّفين بِالْأَمر وَالنَّهْي وَإِنَّمَا كَلمهمْ بوسائط الرُّسُل والمبلغين عَنهُ إِلَيْهِم
فَأَما قَوْله فسبقت لَهُ من ربه رَحمته فَمَعْنَى ذَلِك الْوَعْد بِالرَّحْمَةِ لِأَن نفس
[ ٢٢٨ ]
الرَّحْمَة لَا يَصح فِيهَا تَأَخّر وَتقدم بِحَدّ وَنِهَايَة لأجل أَنَّهَا عندنَا صفة من صِفَات ذَاته لم يزل مَوْصُوفا وَإِنَّمَا أَرَادَ هَهُنَا مَا هُوَ دلَالَة على الرَّحْمَة الَّتِي تنَاوله من قبل الله جلّ ذكره لِأَن الْكَائِن عَن الشَّيْء والمتعلق بِهِ قد يُسمى بإسمه
كَمَا يُقَال لما يظْهر من قدرَة الله من أَفعاله أَنَّهَا قدرَة الله وَتَحْقِيق ذَلِك أَنه هُوَ الْكَائِن عَن قدرته
كَذَلِك مَا يَبْدُو من النعم عَن سَابق الرَّحْمَة قد يُسمى رَحْمَة على التَّوَسُّع فِي الْكَلَام
وَقد رُوِيَ فِي بعض أَلْفَاظ هَذَا الحَدِيث سبقت رَحْمَتي غَضَبي // أخرجه البُخَارِيّ //
وَوجه السُّؤَال فِيهِ على أصلنَا أَنا نقُول إِن رَحْمَة الله صفة من صِفَات ذَاته وَكَذَلِكَ غَضَبه وَرضَاهُ وَلَا يَصح فِيمَا سَبيله ذَلِك أَن يكون مَسْبُوقا وَأَن يتَقَدَّم أَحدهمَا صَاحبه لِأَن ذَلِك يُوجب حدث الْمُتَأَخر مِنْهَا
[ ٢٢٩ ]
وَوجه الْجَواب عَن ذَلِك يرد على النَّحْو الَّذِي بَينا من تَسْمِيَة المصادر عَن الشَّيْء بإسمه لما بَينهمَا من التَّعَلُّق وَكَذَلِكَ الظَّاهِر من نعم الله وفضله الَّذِي سبق إِلَى الْخلق فِي الدُّنْيَا ابْتِدَاء وأولا عَن رَحمته لَهُم فِي الْأَزَل وَكَذَلِكَ مَا يظْهر من نقمه وعقوبته وغضبه الَّذِي لم يزل يُسمى بِهِ توسعا لِأَنَّهَا عَنهُ تكون وتحدث فَلَمَّا كَانَ ذَلِك سائغا فِي اللُّغَة لم يُنكر أَن يكون مَعْنَاهُ أَن الله ﷿ ابْتَدَأَ الْخلق بنعمته وَمِنْه وعفوه وستره وَأخر الْعقُوبَة وَالْجَزَاء على السَّيِّئَات إِلَى العقبى وَالدَّار الْآخِرَة
فَسمى مَا سبق ظُهُوره من فعله النعم لَهُم فِي الدُّنْيَا رَحْمَة وَمَا أَخّرهُ عَنْهُم إِلَى العقبى من الْعقُوبَة غَضبا على معنى مَا ذكرنَا من تَسْمِيَة الشَّيْء بإسم مَا يحدث عَنهُ وَيظْهر مِنْهُ
وَقد بَينا فِيمَا قبل تَأْوِيل الرَّحْمَة وَالْغَضَب وَالرِّضَا على أصولنا وَأَن حَقِيقَة ذَلِك يرجع على أصولنا وقواعد مذاهبنا إِلَى مَا سبق وجوده لَا بِمدَّة وَتقدم كَونه لائقا بِهِ كَون سَائِر المكونات من إِرَادَة الله جلّ ذكره الْأَنْعَام على من علم أَنه ينعم عَلَيْهِ إِذا خلقه والإنتقام مِمَّن علم أَنه أهل لِأَن ينْتَقم مِنْهُ وَمَا يظْهر من النعم والنقم فِيمَا لَا يزَال عَن الرَّحْمَة وَالرِّضَا وَالْغَضَب فِيمَا لم يزل بذلك بِمَا بَينهمَا من التَّعَلُّق وَأَن أَحدهمَا يُسمى بإسم صَاحبه لِأَنَّهُ عَنهُ يَقع وعَلى حسب تعلقه فِيمَا سبق يحدث وعَلى ذَلِك تتأول الْأَلْفَاظ فِي الدُّعَاء إِذا قيل
اللَّهُمَّ ارحمنا وَارْضَ عَنَّا
من قبل أَن مَا هُوَ من صِفَات الذَّات لَا يَصح فِيهَا الطّلب وَالسُّؤَال وَإِنَّمَا يَصح الطّلب وَالسُّؤَال فِيمَا طَرِيقه طَرِيق الْفِعْل فَيسْأَل أَن يفعل ذَلِك
[ ٢٣٠ ]
وعَلى هَذَا الْوَجْه يتَأَوَّل معنى الدُّعَاء فَيُقَال إِن المسؤول بِهَذَا الدُّعَاء هُوَ المرجو أَن يحدث عَن رَحمته وَرضَاهُ لَا نفس الرَّحْمَة وَالرِّضَا
وَنَظِير ذَلِك أَيْضا فِي الدُّعَاء قَوْلهم
اللَّهُمَّ اغْفِر لنا علمك فِينَا وشهادتك علينا
وَنَفس الْعلم لَا يغْفر وَكَذَلِكَ نفس الشَّهَادَة وَإِنَّمَا تتَعَلَّق الْمَغْفِرَة بالمعلوم والمشهود
وعَلى ذَلِك يتَأَوَّل قَوْلهم رَضِي الله عَن فلَان ورحمه لِأَن ذَلِك لَيْسَ بِخَبَر عَن تقدم الرِّضَا وَالرَّحْمَة لَهُ وَإِنَّمَا معنى ذَلِك الدُّعَاء والطلب لِأَن يفعل مَا إِذا فعله كَانَ عَن رِضَاهُ وَرَحمته فاختصر اللَّفْظ فِي الدُّعَاء إختصارا وَالْمعْنَى غير مُشكل وَلَا ملبس
وَأما معنى قَوْله ﵇ ثمَّ رَجَعَ آدم ﵇ فَقَالَ لَهُ هَذِه تحيتك
فَمَعْنَى ذَلِك أَنه رَجَعَ إِلَى مَسْأَلته ومخاطبته وَقد فسره بقوله فَقَالَ لَهُ وَبَين أَن ذَلِك يرجع إِلَى السُّؤَال وَالْخطاب وَلَيْسَ كل رُجُوع رُجُوعا إِلَى الْمَكَان فِي الْمَكَان بل قد يكون ذَلِك رُجُوعا عَن فعل إِلَى فعل وأخذا فِي شَيْء بعد شَيْء وعودا إِلَى مثل مَا كَانَ فِيهِ بَدَأَ من طَرِيق الْفِعْل وَالْحكم لَا من طَرِيق التنقل والتحول من مَكَان إِلَى مَكَان
[ ٢٣١ ]