أعلم أَن الشجنة فِي كَلَام الْعَرَب هُوَ الشعبة من الشَّيْء والقطعة مِنْهُ وَمِنْه يُقَال شَجَرَة متشجنة أَي متفرعة كَثِيرَة الأغصان وَمِنْه مَا حكى عَنهُ أَنه قَالَ لإياس بن مُعَاوِيَة
الحَدِيث ذُو شجون فَقَالَ شجونه خير مِنْهُ وَمعنى الشجون أَن ينشعب من الحَدِيث أَحَادِيث كالوادي الَّذِي تتشعب مِنْهُ المجاري وَيتَفَرَّع عَنهُ الْأَنْهَار من الْجِهَات
[ ٣٠١ ]
وَمعنى قَوْله تعلّقت بمنكبي الرَّحْمَن أَي اعتصمت بِاللَّه ولاذت بِهِ هَذِه كلمة تَقُولهَا الْعَرَب عِنْد الإستظهار والإستجارة يَقُولُونَ استظهرت بفلان واستجرت بِهِ وتعلقت بحبله وَقَالَ الشَّاعِر فِي مثل هَذَا الْمَعْنى
(علقت بِحَبل من حبال مُحَمَّد أمنت بِهِ من طَارق الْحدثَان)
(تغطيت من دهري بِظِل جنَاحه فعيني ترى دهري وَلَيْسَ يراني)
أَي اعتصمت بِهِ وَالله جلّ ذكره يَقُول ﴿مَا من دَابَّة إِلَّا هُوَ آخذ بناصيتها﴾
أَي هُوَ قَادر على تصريفها كَيفَ شَاءَ والعربي يَقُول لصَاحبه إِذا أطاعه
ناصيتي بِيَدِك وزمامي بِيَدِك وقيادي بِيَدِك وَلَيْسَ ثمَّ زِمَام وَلَا قياد وَلَا نَاصِيَة وَإِنَّمَا هُوَ مثل للمطيع والمطاع
وَكَذَلِكَ قَوْله فتعلقت بمنكبي الرَّحْمَن أَي استجارت واعتصمت فَالله تَعَالَى لَا يُوصف وَإِنَّمَا هُوَ مثل للمطيع والمطاع
وَكَذَلِكَ قَوْله فتعلقت بمنكبي الرَّحْمَن أَي استجارت واعتصمت فَالله تَعَالَى لَا يُوصف بالمنكب تَعَالَى على ذَلِك علوا كَبِيرا
وَأعلم أَن النَّبِي ﷺ إِنَّمَا خاطبنا على لُغَة الْعَرَب فَإِذا ورد مِنْهُ الْخطاب حمل على مُقْتَضى حكم اللُّغَة فَإِذا كَانَ مُحْتملا لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا لَهُ مخرج فِي اللُّغَة وَتَأْويل صَحِيح لَا يَقْتَضِي تَشْبِيها وَلَا يُؤَدِّي إِلَى محَال فِي وصف الله جلّ ذكره وَالثَّانِي يَقْتَضِي تَشْبِيها وتكييفا وتمثيلا كَانَ أولى مَا حمل عَلَيْهِ من الْوَجْهَيْنِ مَا لَا يُؤَدِّي إِلَى وصف الله جلّ ذكره بالجوارح والآلات
على أَنه وَإِن حمل على مَا يتوهمه المشبهة من مَنْكِبي الْجَارِحَة لم يَصح مَعْنَاهُ
[ ٣٠٢ ]
من قبل ان الرَّحِم لَا يَصح عَلَيْهَا التَّعَلُّق وَإِنَّمَا هُوَ حق لِلْقَرَابَةِ من طَرِيق النّسَب فَعلم أَن ذَلِك مثل وَالْمرَاد بِهِ مَا ذكرنَا أَنه إِنَّمَا أَرَادَ تَأْكِيد أَمر الرَّحِم والحث على وَصلهَا والزجر عَن قطعهَا فَأخْبر عَن ذَلِك بأبلغ مَا يكون من التَّأْكِيد
وَاعْلَم أَن مِثَال هَذَا أَيْضا من آي الْكتاب قَوْله تَعَالَى ﴿أَن تَقول نفس يَا حسرتى على مَا فرطت فِي جنب الله﴾
وَذَلِكَ أَنه كَلَام مَحْمُول على نوع من التَّوَسُّع فِي عَادَة الْعَرَب فِي المخاطبة بِمثلِهِ يَقْتَضِي من مَعْنَاهُ أَن المُرَاد بِهِ بأَمْره وَقد انْتَشَر فِي كَلَامهم أَنهم يَقُولُونَ
كبر فلَان فِي جنب فلَان وهم يُرِيدُونَ بذلك فِي طَاعَته وخدمته والتقرب إِلَيْهِ كَذَلِك معنى هَذِه الْآيَة أَن النُّفُوس تظهر الحسرات يَوْم الْقِيَامَة على مَا وَقع من التَّفْرِيط مِنْهَا فِي طَاعَة الله وَالَّذِي يُؤَيّد هَذَا الْمَعْنى ويوضحه أَن التَّفْرِيط لَا يَقع فِي جنب الصّفة وَلَا فِي جنب الْجَارِحَة وَلما قرب بِذكرِهِ التَّفْرِيط علم أَن المُرَاد بِهِ مَا قُلْنَا أَن مَعْنَاهُ التَّقْصِير فِي طَاعَة الله والتفريط فِي عِبَادَته
[ ٣٠٣ ]