روى أَبُو هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ فِيمَا يحْكى عَن ربه سُبْحَانَهُ
الْكِبْرِيَاء رِدَائي وَالْعَظَمَة إزَارِي فَمن نَازَعَنِي فِي وَاحِد مِنْهُمَا قَذَفته فِي النَّار // أخرجه الْأَمَام أَحْمد //
وَمن اقْترب مني شبْرًا اقْتَرَبت مِنْهُ ذِرَاعا وَمن اقْترب مني ذِرَاعا اقْترب مِنْهُ باعا وَمن ذَكرنِي فِي نَفسه ذكرته فِي نَفسِي وَمن ذَكرنِي فِي مَلأ ذكرته فِي مَلأ خير مِنْهُ وَأطيب وَمن جَاءَنِي يمشي جِئْته أهرول وَمن جَاءَنِي يُهَرْوِل جِئْته سعيا
وَأعلم أَن معنى قَوْله الْكِبْرِيَاء رِدَائي وَالْعَظَمَة إزَارِي أَي ذَلِك صفة من صفاتي وَأَنا الْمُخْتَص بِهِ دون غَيْرِي فَمن نَازَعَنِي فِي ذَلِك بِأَن تكبر وتعظم على النَّاس أدخلته وَهَكَذَا كَمَا تَقول الْعَرَب
إِن فلَانا شعاره ودثاره الزّهْد والودع أَي صفته ونعته وَلَيْسَ يُرِيد بذلك نفس الشعار وَلَا عين الدثار
[ ٣١٦ ]
وَأعلم أَن الْعَرَب قد تعبر مرّة بالرداء عَن الدّين وَمرَّة بالرداء عَن السَّيْف وَمرَّة بالرداء عَن الْعَطِيَّة فَيَقُولُونَ
فلَان غمر الرِّدَاء إِذا كَانَ وَاسع الْعَطِيَّة وَإِن كَانَ قصير الرِّدَاء إِذا كَانَ وَاسع الْعَطِيَّة وَإِن كَانَ قصير الرِّدَاء وَكَذَلِكَ يعبرون عَن صِفَاته بالرداء فَيَقُولُونَ رِدَاء فلَان وَإِزَاره الفسوق والمروق عَن الطَّاعَة أَي نَعته وَصفته قَالَ كثير
(غمر الرِّدَاء إِذا تَبَسم ضَاحِكا غلقت لضحكته رِقَاب المَال)
وَقد يجْعَلُونَ الرِّدَاء الْحسن والنضارة إِذا كَانَ ذَلِك ونعته صفته كَمَا قَالَ الْقَائِل
(وَهَذَا رِدَائي عِنْده يستعيره ليسلبني نَفسِي آمال بن حنظل) يَعْنِي يَا مَالك بن حَنْظَلَة
وَقد قيل فِي معنى الرِّدَاء الَّذِي هُوَ الدّين مَا حكى عَن عَليّ ﵁ أَنه قَالَ
من أَرَادَ الْبَقَاء وَلَا بَقَاء فليخفف الرِّدَاء وليباكر الْغَدَاء وَليقل غشيان النِّسَاء
قَالَ بَعضهم أَرَادَ بِهِ الدّين أَو يسمون السَّيْف رِدَاء لِأَنَّهُ يتقلد كَمَا يرتدي بالرداء توسعا
فَأَما معنى قَوْله من تقرب مني شبْرًا إقتربت مِنْهُ ذِرَاعا فَيحْتَمل أوجها
أَحدهَا أَن يكون مَعْنَاهُ الْإِخْبَار بِسُرْعَة الْإِجَابَة لمن أطاعه وَدعَاهُ وتقرب إِلَيْهِ وَأَرَادَ بالإقتراب قرب الْمنزلَة والخطوة لَدَيْهِ لَا قرب الْمسَافَة والمساحة فَيكون هَذَا
[ ٣١٧ ]
الْكَلَام تَشْبِيها وتمثيلا
وَيحْتَمل أَن يكون أَرَادَ بِهِ من أَتَانِي مسرعا بِالطَّاعَةِ أَتَيْته بالثواب أسْرع من إِتْيَانه
وَيحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ على معنى مَا قَالَ جلّ وَعز ﴿من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا﴾
أَي من أَطَاعَنِي طَاعَة وَاحِدَة جازيته عَلَيْهَا عشرا وَيكون ذَلِك إِخْبَارًا عَن مَا يفعلهم من تَضْعِيف الثَّوَاب
وَيحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ أَي أَزِيد إِلَى المتقرب إِلَى شكر نعمتي نعما كَمَا وعدت الشَّاكِرِينَ من الزِّيَادَة
وَأما الْمَشْي والهرولة فتوسع وَهَذَا كَمَا قَالَت الْعَرَب فلَان مَوضِع فِي الضَّلَالَة
والإيضاح الْإِسْرَاع فِي السّير وَلَيْسَ يُرَاد بِهِ هَهُنَا نفس السّير وَإِنَّمَا المُرَاد الْإِسْرَاع فِي الضَّلَالَة وعَلى ذَلِك معنى قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿وَالَّذين سعوا فِي آيَاتنَا معاجزين﴾
وَالسَّعْي هُوَ الْعَدو والإسراع فِي الْمَشْي وَلَيْسَ يُرَاد بذلك أَنهم مَشوا بل المُرَاد بذلك استعجالهم الْمعاصِي ومبادرتهم إِلَى فعلهَا
وَأما قَوْله ﵊ إِذا ذَكرنِي فِي نَفسه ذكرته فِي نَفسِي فَذكر
[ ٣١٨ ]
العَبْد لله تَعَالَى فِي نَفسه أَن يكون بِحَيْثُ لَا يُعلمهُ أحد غَيره وَلَا يطلع عَلَيْهِ سواهُ قَالَ عِيسَى ﵇ ﴿تعلم مَا فِي نَفسِي وَلَا أعلم مَا فِي نَفسك﴾
أَي تعلم مَا أخبئه وَمَا أستره وأضمره وَلَا علم لي بِمَا فِي غيبك مِمَّا أخفيته عني
وَأعلم أَن النَّفس فِي كَلَام الْعَرَب على معَان
مِنْهَا نفس منفوسة مركبة مجسمة ذَات روح وَتَعَالَى الله أَن يكون كَذَلِك علوا كَبِيرا
وَمِنْهَا النَّفس بِمَعْنى الدَّم وَالْعرب تَقول لَهُ نفس سَائِلَة وَلَيْسَ لَهُ نفس سَائِلَة وتريد بذلك الدَّم
وَمِنْه مَا يُقَال للْمَرْأَة نفسَاء إِذا سَالَ دَمهَا على النّفاس وَتَعَالَى الله عَن الْوَصْف بذلك أَيْضا
وَمِنْهَا نفس بِمَعْنى إِثْبَات الذَّات وَهَذَا كَمَا قَالَ الْعَرَب هَذَا نفس الْأَمر يُرِيدُونَ بِهِ إِثْبَات الْأَمر لَا أَن لَهُ نفسا منفوسة مجسمة وعَلى هَذَا الْمَعْنى يُوصف الله تَعَالَى بِأَن لَهُ نفسا وَقد أخبر الله تَعَالَى بذلك فِي آي من كِتَابه
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿كتب على نَفسه الرَّحْمَة﴾
[ ٣١٩ ]
وَقَوله ﴿تعلم مَا فِي نَفسِي وَلَا أعلم مَا فِي نَفسك﴾
وَقَوله ﴿ويحذركم الله نَفسه﴾
وَقد قَالَ أهل التَّأْوِيل فِي ذَلِك قَوْلَيْنِ
مِنْهُم من قَالَ مَعْنَاهُ يحذركم الله عُقُوبَته
وَمِنْهُم من قَالَ يحذركم الله إِيَّاه
وَزعم بعض أهل التَّأْوِيل أَن النَّفس بِمَعْنى الْغَيْب أَيْضا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿تعلم مَا فِي نَفسِي﴾ أَي فِي غيبي ﴿وَلَا أعلم مَا فِي نَفسك﴾ أَي فِي غيبك
وَمِنْهُم من قَالَ إِن معنى قَوْله ﴿وَلَا أعلم مَا فِي نَفسك﴾ يرجع إِلَى نفس عِيسَى وَأَنه أضَاف نَفسه إِلَى الله من طَرِيق الْملك والخلق يُرِيد بذلك أَن نَفسِي لَك خلقا وملكا وَلَا أعلم مَا فِي ملكك مِمَّا خلقته إِلَّا مَا علمتني
وَمعنى الْخَبَر على الْوَجْه الَّذِي يَصح من هَذِه التأويلات أَن من أخْلص لي فِي الطَّاعَة وأخفى علمه وخلصه من النِّفَاق والرياء أخفيت ثَوَابه وَهَذَا كَمَا ذكره فِي قَوْله تَعَالَى
[ ٣٢٠ ]
﴿فَلَا تعلم نفس مَا أُخْفِي لَهُم من قُرَّة أعين﴾
وَقَوله ﵊ مخبرا عَن الله تَعَالَى أَنه قَالَ
أَعدَدْت لعبادي الصَّالِحين مَالا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر // أخرجه الْأَمَام أَحْمد //
فَأَما قَوْله من ذَكرنِي فِي مَلأ ذكرته فِي مَلأ خير مِنْهُ وَأطيب فقد قَالَ بعض أهل الْعلم
إِن المُرَاد بالملأ الْمَلَائِكَة وَأَنه تَعَالَى يشهدهم على مَا يفعل بِهِ من الكرامات ويمدحه ويثني عَلَيْهِ عِنْدهم وَقد جعل قوم هَذَا الْخَبَر حجَّة فِي تَفْضِيل الْمَلَائِكَة على الْمُؤمنِينَ من بني آدم
وَمن ذهب إِلَى تَفْضِيل الْأَنْبِيَاء والأولياء من الْآدَمِيّين على الْمَلَائِكَة فَإِنَّهُ يُجيب من ذَلِك
بِأَن معنى قَوْله خير مِنْهُ يرجع إِلَى الذّكر كَأَنَّهُ قَالَ بِذكر خير من ذكره وَأطيب
[ ٣٢١ ]
مِنْهُ لأجل أَن ذكر العَبْد لله دُعَاء وتضرع وَذكر الله للْعَبد إِظْهَار رَحمته وكرامته وَذَلِكَ خير للْعَبد وأنفع
وَأعلم أَنه إِذا احْتمل هَذَا الْكَلَام مَا حملناه وساغ فِي مَعْنَاهُ مَا ذَكرْنَاهُ وَكَانَ فِيهِ تَنْزِيه الله عَن مشابهة خلقه مَعَ إِعْطَاء الْخَبَر معنى صَحِيحا وَفَائِدَة كَثِيرَة كَانَ حمله على ذَلِك أولى من حمله على مَا لَا يَلِيق بِاللَّه جلّ ذكره
[ ٣٢٢ ]