فَإِن قيل فَمَا تَقولُونَ فِيمَا روى أَبُو أُمَامَة عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (مَا تقرب العَبْد إِلَى الله سُبْحَانَهُ بِمثل مَا خرج مِنْهُ يَعْنِي الْقُرْآن) // أخرجه التِّرْمِذِيّ //
قيل لَهُم إِن خُرُوج من الشَّيْء على وَجْهَيْن
أَحدهمَا كخروج الْجِسْم من الْجِسْم وَذَلِكَ بمفارقة مَكَانَهُ وإستبداله مَكَانا آخر وَلَيْسَ الله تَعَالَى جسما وَلَا كَلَامه جسم لِأَنَّهُ لَو كَانَ جسما لإقتضى محلا وَاحِدًا وَذَلِكَ فَاسد
وَالْوَجْه الثَّانِي من معنى الْخُرُوج كَقَوْلِك خرج لنا من كلامك خير كثير وأتانا مِنْهُ نفع مُبين إِذا أَرَادَ أَنه ظهر لَهُم مِنْهُ مَنَافِع
[ ٢٨٦ ]
فَأَما الْخُرُوج الَّذِي بِمَعْنى الإنتقال فَلَا يَصح على كَلَام الله سُبْحَانَهُ وَلَا على شَيْء من الْكَلَام لأجل أَنه لَيْسَ بجسم وَلَا جَوْهَر وَإِنَّمَا يجوز الإنتقال على الْجَوَاهِر والأجسام
فَأَما على الْوَجْه الثَّانِي فَيصح وَالْمعْنَى فِيهِ أَنه مَا أنزل الله على نبيه وَأفهم عباده
وَقد قَالَ قَائِلُونَ إِن الْهَاء فِي قَوْله خرج مِنْهُ يعود إِلَى العَبْد وَخُرُوجه مِنْهُ وجوده متلوا على لِسَانه مَحْفُوظًا فِي صَدره مَكْتُوبًا بِيَدِهِ
وَذكر عِكْرِمَة أَنه شهد جَنَازَة مَعَ ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ فَجعل جلّ يَقُول عِنْد الْقَبْر
يارب الْقُرْآن إغفر لَهُ
فَقَالَ ابْن عَبَّاس مَه أما علمت أَن الْقُرْآن مِنْهُ
فَقَالَ فَغطّى الرجل رَأسه كَأَنَّهُ قد أَتَى كَبِيرَة
وَمعنى قَوْله إِن الْقُرْآن مِنْهُ أَي هُوَ صفة الله الْقَائِمَة بِذَاتِهِ وَلم يجز أَن يكون مَا كَانَ من حكمه مربوبا مُحدثا
فَإِن قيل فَمَا معنى قَول عَمْرو بن دِينَار
أدْركْت مَشَايِخنَا يَقُولُونَ مُنْذُ سبعين سنة
إِن الْقُرْآن كَلَام الله مِنْهُ خرج وَإِلَيْهِ يعود
[ ٢٨٧ ]
قيل مَعْنَاهُ عِنْد أهل النّظر
أَنه هُوَ الَّذِي تكلم بِهِ وَهُوَ الَّذِي أَمر بِهِ وَنهى بِهِ وَإِلَيْهِ يعود يَعْنِي هُوَ الَّذِي يَسْأَلك عَمَّا أَمرك ونهاك