وقال شمس الدين البرماوي، بعد أن أثنى على الكرماني وشرحه: «إلا أنه كرر فيه كثيرا، لا سيما في التراجم والأسماء، فإنه زاد تكريرا، وربما أغلق في بعض العبارة، وأطال بما يمكن أن يشار إليه بأخصر إشارة، وربما قدم ما يحسن تأخيره، وأخر ما يحسن تقديمه وتوفيره، وربما غاير بين أقوال راجعة في المعنى إلى واحد، حتى كاد أن تلتبس في ذلك المقاصد» (^١).
إذا تبين أن المآخذ كانت في:
الوهم في النقل لأنه لم يأخذ إلا من الصحف.
الاكتفاء في النقل عن شرّاح الحديث في كثير من الأحايين، من دون التعليق عليها، كالنووي في شرحه على مسلم، وابن بطال (^٢) في شرحه على البخاري وغيرهم، وهو ما يعزز قول ابن حجر أنه أخذه من الصحف.
وقد انتقد ابن حجر الكرماني بقوله أن البخاري لا يراعي حسن الترتيب (^٣) فقال ابن حجر: «والعجب من دعوى الكرماني أنه لا يقصد تحسين الترتيب بين الأبواب مع أنه لا يعرف لأحد من المصنفين على الأبواب من اعتنى
_________________
(١) اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح، المقدمة، ص ٤.
(٢) علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال القرطبي، أخذ عن أبي عمر الطلنكي، وكان من أهل العلم والمعرفة، له شرح على البخاري، (ت ٤٤٩ هـ)، ينظر: سير أعلام النبلاء، ١٣/ ٣٠٣.
(٣) الكواكب الدراري، ٢/ ١٨٣.
[ ٨٢ ]
بذلك غيره حتى قال جمع من الأئمة فقه البخاري في تراجمه» (^١).
وقد تبين لي أن وهم الكرماني في بعض النقول أنه كان ينقل معنى الكلام، دون أن يأخذه بالحرف، ولعله أخطأ في بعضها، كما أنه إلا في حالات قليلة، يقول بعد النقل: «تم كلامه» (^٢) ولا يذكر أين هي نهاية كلام المرجع الذي نقل منه، فهذا قد يؤدي إلى التداخل بين كلامه وكلام المنقول عنه.
التكرار في ضبط أسماء الرواة:
أما عن تكراره لضبط اسم الرواة:
ولعل الكرماني كان يعمد إلى ذلك في أسماء الرواة الذين قد يقع الإشكال في نطق أسمائهم، فتراه يكرر الضبط حتى يعلق في ذهن القاراء الضبط الصحيح مثال على ذلك:
فقد قال في ضبط اسم التابعي: «سعيد بن المسيَّب» (^٣) «بفتح الياء على المشهور، وقيل بالكسر وكان يكره فتحها» (^٤).
_________________
(١) فتح الباري، ١/ ٢٣٤.
(٢) الكواكب الدراري، ١/ ٧٢، ٤/ ١٩٦.
(٣) سعيد بن المسيَّب بن حزن، بن أبي وهب القرشي المخزومي المدني، التابعي، عالم أهل المدينة، ولد في زمن عمر بن الخطاب ﵁، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، وروى له الجماعة كلهم، (ت ٩٤ هـ)، ينظر الوافي بالوفيات، الصفدي، ١٥/ ١٦٣.
(٤) الكواكب الدراري، ١/ ١٢٥، وكرر الضبط في مواضع أخرى بقوله: «بفتح الياء على المشهور» ٢/ ٢٢، ٢/ ١٧٣، ١٤/ ٨٧، إلا أنه قال في موضع في ضبط ذات الاسم: «بفتح الياء على المشهور وبكسرها» ١٧/ ١٤٣. وقال النووي في تهذيب الأسماء واللغات: «ويقال: المسيب، بفتح الياء وكسرها، والفتح هو المشهور، وحكى عنه أنه كان يكرهه، ومذهب أهل المدينة الكسر»، ١/ ٢١٩.
[ ٨٣ ]
مثال ثانٍ:
كرر ضبط اسم الراوي: «محمد بن جعفر هو أبو عبدالله محمد الهزلي البصري المعروف بغُنْدَر بضم الغين المعجمة والنون الساكنة والدال المهملة المفتوحة هو المشهور» (^١).
ثم إنه كرر ضبط غُنْدَر في أكثر من عشر مواضع، ويقول: مر في باب ظلم دون ظلم، وتارة يكتفي بالضبط من دون الإحالة، وقد بيّن الكرماني في مقدمته بيان السبب في ذلك: «ولم أبال عن الإعادة في الإفادة عند الحاجة إلى البيان، ولا في تعجيم بعض الأسماء التي هي واضحة عند أهل هذا الشأن، لأني قصدت فيه النفع للمبتدئين والمنتهين، والفائدة للمتقدمين والمتأخرين … وذكر أن الناس اشتبهت عليهم أكثر الأسماء، حتى كادوا يتركون قراءة صحيح البخاري» (^٢).
أما قول شمس الدين البرماوي، أن الكرماني كان يُطيل في موضع الاختصار، أو أنه يُقدم مايجب تأخيره أو العكس، فلعل هذا وجهة نظر البرماوي ورأيه، إذا أن منهج الكرماني كان أكثره يدور على الاختصار.
قلت: ومن المآخذ على الكرماني كذلك:
الحكم على أسانيد بالانقطاع، وهي موصولة من طرق أخرى، مع العلم أن الكرماني كم من أحاديث مرت قيل عنها أنها مقطوعة أو مرسلة إلا أنه بيّن
_________________
(١) الكواكب الدراري، وقد ترجم له في بَابُ: ظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ ١/ ١٤٤.
(٢) السابق، ١/ ٥.
[ ٨٤ ]
أنها موصولة من طرق أخرى وأزال الإشكال إلا أنه ربما غفل عن بعضها كهذا المثال: قال البخاري:
«حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ قَرَأ تُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُمَرَ ابْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا وَهْوَ بِالْعِرَاقِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ مَا هَذَا يَا مُغِيرَةُ أَلَيْسَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ جِبْرِيلَ ﷺ نَزَلَ فَصَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ «بِهَذَا أُمِرْتُ». فَقَالَ عُمَرُ لِعُرْوَةَ اعْلَمْ مَا تُحَدِّثُ أَوَإِنَّ جِبْرِيلَ هُوَ أَقَامَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَقْتَ الصَّلَاةِ. قَالَ عُرْوَةُ كَذَلِكَ كَانَ بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ. قَالَ عُرْوَةُ وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ» (^١).
قال الكرماني: «واعلم أن الحديث بهذا الطريق ليس متصل الإسناد إذ لم يقل أبو مسعود شاهدت أنا أو قال رسول الله ﷺ إن جبريل نزل» (^٢).
قال ابن حجر في فتح الباري يرد كلام الكرماني: «قلت هذا لا يسمى منقطعا اصطلاحا وإنما هو مرسل صحابي (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب: مواقيت الصلاة، رقم (٥٠٠).
(٢) الكواكب الدراري، ٤/ ١٧٥.
(٣) «مرسل الصحابي هو ما يرويه الصحابي عن النبي ﷺ ولم يسمعه منه، إما لصغر سنه، أو تأخر إسلامه أو غيابه عن شهود ذلك»، منهج النقد، ص ٣٧٣، وقال ابن الصلاح في حكم الاحتجاج بمراسيل الصحابة. «ثم إنا لم نعد في أنواع المرسل ونحوه ما يسمى في أصول الفقه مرسل الصحابي مثلما يرويه ابن عباس وغيره من أحداث الصحابة عن رسول الله ﷺ ولم يسمعوه منه؛ لأن ذلك في حكم الموصول المسند، لأن روايتهم عن الصحابة، والجهالة بالصحابي غير قادحة، لأن الصحابة كلهم عدول، والله أعلم» علوم الحديث ص ٥٦، وتوجيه النظر ٢/ ٥٦١.
[ ٨٥ ]
لأنه لم يدرك القصة فاحتمل: أن يكون سمع ذلك من النبي ﷺ أو بلغه عنه بتبليغ من شاهده أو سمعه كصحابي آخر، على أن رواية الليث عند المصنف تزيل الإشكال كله، ولفظه: فقال عروة سمعت بشير بن أبي مسعود يقول سمعت أبي يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول فذكر الحديث» (^١) وهو «أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الْعَصْرَ شَيْئًا، فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ: أَمَا إِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ قَدْ نَزَلَ، فَصَلَّى أَمَامَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ عُمَرُ: اعْلَمْ مَا تَقُولُ يَا عُرْوَةُ، فَقَالَ: سَمِعْتُ بَشِيرَ بْنَ أَبِي مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ … وذكر الحديث» (^٢).
فبين ابن حجر أن الحديث من قبيل مرسل الصحابي، وأن الرواية الثانية عند البخاري فيها التصريح بالسماع فيزيل الإشكال.
مثال آخر: قال البخاري: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو قُتَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ المُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ
_________________
(١) فتح الباري، ٢/ ٥.
(٢) أخرجه البخاري، كتاب: بدء الخلق، بَاب: ذِكْرِ الْمَلَائِكَةِ، رقم (٣٠١٢).
[ ٨٦ ]
لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ».» (^١).
قال ابن حجر: «قوله عن عبدالله بن أبي قتادة قال أبو عبدالله لا أعلمه إلا عن أبيه انتهى أبو عبدالله هذا هو المصنف، وقع قوله قال أبو عبدالله في رواية المستملي وحده وكأنه وقع عنده، توقف في وصله لكونه كتبه من حفظه أو لغير ذلك، وهو في الأصل موصول لا ريب فيه فقد أخرجه الإسماعيلي عن بن ناجية عن أبي حفص، وهو عمر بن علي شيخ البخاري فيه فقال عن عبدالله بن أبي قتادة عن أبيه ولم يشك وأغرب الكرماني فقال إن هذا الإسناد منقطع وإن حكم البخاري بكونه موصولا لأن شيخه لم يروه إلا منقطعا» (^٢) كما أن البدر العيني نقد ابن حجر في مواضع عدة في كتابه: «عمدة القاري شرح صحيح البخاري» (^٣).
لكن هذه الانتقادات القليلة بجانب الإيجابيات، والمحاسن الكثيرة، تتلاشى مع كثرة النقول والفوائد التي نقلها ابن حجر عن الكرماني في فتح الباري، وغيره كالبدر العيني، والشوكاني، وكل جهد بشري قابل للانتقاد، مهما بلغ فيه صاحبه غاية الجهد، فلذلك نلتمس له العذر.
وبعض المآخذ كانت في نسبة الكرماني لبعض الرواة لبلدان غير بلدانهم،
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب: الجمعة، بَاب: لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، رقم (٨٦٩).
(٢) فتح الباري، ٢/ ٣٢٩.
(٣) عمدة القاري، شرح صحيح البخاري، البدر العيني، وهذه بعض الصفحات من نقله عن الكرماني:/ ١٨، ١٢/ ٢٢٣، ١٢/ ٢٩٨.
[ ٨٧ ]
كما قال في نسبة: «المكي ابن إبراهيم» «المنسوب الى مكة شرفها الله تعالى» (^١).
وقد اعترض ابن حجر على ذلك فقال في الاسم: «هو اسم بلفظ النسب وليس بنسب لأنه بلخي» (^٢) وقد رد البدر العيني على اعتراض ابن حجر وبيّن أن المراد على صورة النسبة إلى مكة، فقال: «وقد اعترض عليه بعضهم بأن قال: منسوب إلى مكة وليس كذلك، بل هو اسمه، وهو من بلخ قلت: أراد به الكرماني أنه على صورة النسبة إلى مكة ولم يدع أنه منسوب إلى مكة حقيقة» (^٣). قلت: وهو من النِسب التي على خلاف ظاهرها.
* * *
_________________
(١) الكواكب الدراري، ٨/ ٨٣.
(٢) فتح الباري، ١/ ٢٥١.
(٣) عمدة القاري، ٩/ ١٨٥.
[ ٨٨ ]
الباب الثاني
الصناعة الحديثية عند الكرماني وطرائقه المتعلقة بالأسانيد، والتخريج وعلوم الرواة
* الفصل الأول: منهج الكرماني وصناعته الحديثية المتعلقة بالأسانيد.
* الفصل الثاني: منهج الكرماني في تخريج الأحاديث وبيان الفوائد من ذلك.
* الفصل الثالث: منهج الكرماني وصناعته الحديثية في علوم الرواة.
[ ٨٩ ]