خلق الله ﷿ الإنسان، وجعله خليفة في هذا الكون يعمره وينتفع بكل ما فيه وفق منهج رسمه له، وأرسل من أجل هذا المنهج النبيين مبشرين ومنذرين وسخر له كل ما يعينه على أداء دوره وواجبه من شمس وقمر، ونجوم، وجبال، وشجر، ودواب، وأرض وسماء وماء وهواء الخ وحدد له أجلا معينا يحقق فيه ما طلب منه، ثم جعل له دارا أخرى- غير هذه الدار- يلقى فيها جزاء عمله من ثواب وعقاب، وجنة ونار، وما على العاقل- بعد ما تقدم- إلا أن يلقي الدنيا عن كاهله، وأن يطرحها وراءه
_________________
(١) (شرح الأربعين النووية/ ٨٣- ٩٥) لابن عثيمين، باختصار، دار الثريا، الرياض، ط ١، ١٤٢٤ هـ
[ ٤٧ ]
ظهريا، واضعا نصب عينيه الاخرة التي هي دار القرار، وما قرّب إليها من قول وعمل.
وإذا كان له أن يأخذ حظه من الدنيا فليكن ذلك بقدر، ووفقا للمنهج الذي ارتضاه الله ﷿ لنا دينا، ولئلا يطمئن الناس إلى الدنيا ويركنوا إليها، تاركين العمل للاخرة «١»
وحتى يتضح لك هذا المعنى، ويرتكز في ذهنك هذا المفهوم فاقرأ بتمعن هذا الحديث الاتي:
عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: نام رسول ﷺ على حصير فقام وقد أثر في جنبه، فقلنا يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاء فقال: «مالي وما للدنيا ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها» «٢» . وفي رواية: «والذي نفسي بيده ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب» .
بيّن النبي ﷺ عمر الدنيا في جنب الاخرة، وأنه لا يعدو أن يكون ساعة من نهار، وحتى تستقر هذه الحقيقة في النفوس، ساق
_________________
(١) (توجيهات نبوية على الطريق/ ٢٢) د/ السيد محمد نوح، دار اليقين، مصر، المنصورة، ١٤١٨ هـ
(٢) صحيح: رواه الترمذي في كتاب الزهد، باب: ٤٤" بدون" رقم (٢٣٧٧) وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح، وصححه الألباني بالرقم السابق.
[ ٤٨ ]
النبي ﷺ حديثه هنا على طريق المثل فقال: ليس لي تعلق بالدنيا، وليس للدنيا تعلق بي، وكيف أتعلق بالدنيا وتتعلق الدنيا بي؟!
وما مثلي ومثلها إلا كمسافر ركب مطيته وسار في يوم هجير شديد قيظه، فلما اشتد به التعب نزل، فقال تحت شجرة فترة وجيزة لا تتجاوز الساعة ريثما ابتلع أنفاسه، وعاد إليه نشاطه، ثم راح وترك الشجرة مستأنفا السير من جديد ليصل إلى نهاية رحلته. «١»