ش: أي هذا باب في بيان حكم الصلاة في أعطان الإبل، والأعطان جمع عطن وهو مَبْرك الإبل.
قال الجوهري: العَطَن والمَعْطَن واحد الأعْطَان والمَعَاطن، وهي مبارك الإبل عند الماء ليشْرب علَلًا بعد نَهَل، فإذا استوفت رُدّت إلى المراعي والأظماء، ويقال: عَطَنَت الإبل -بالفتح- تُعْطِن وتَعْطِن عُطُونًا: إذا رويت ثم بَرَكَت فهي إبل عَاطِنة وعَوَاطِن وقد ضربت بعطن أبي بركت، وقد أعطنتها أنا.
قال ابن السكيت: وكذلك تقول: هذا عَطَن الغنم ومَعْطَنِها: لمرابضها حول الماء.
وجه المناسبة بين البابين: من حيث وجود الكراهة في كل منهما، أما في الأول فلوجود كراهة الصلاة في الثوب الواحد عند البعض، وأما في هذا فلوجود كراهة الصلاة في عطن الإبل.
ص: حدثنا يزيد بن سنان وصالح بن عبد الرحمن وبكر بن إدريس، قالوا: ثنا أبو عبد الرحمن المُقْرئ، قال: ثنا يحيى بن أيوب أبو العباس المصري، عن زيد بن جبيرة، عن داود بن الحُصين، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ - قال: "نهى رسول الله - ﵇ - عن الصلاة في سَبْع مواطن: في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، والحمام، ومعاطن الإبل، وفوق بيت الله -﷿-".
ش: أبو عبد الرحمن المقرئ اسمه عبد الله بن يزيد القصير شيخ البخاري، ويحيى بن أيوب الغافقي روى له الجماعة، وزيد بن جَبيرة بفتح الجيم وكسر الباء والموحدة بن محمود بن أبي جُبَير بن الضحاك الأنصاري المديني أبو جبيرة، قال يحيى بن معين: لا شيء. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث منكر الحديث جدًّا لا يكتب حديثه، روى له الترمذي وابن ماجه، وداود بن الحصين القرشي المدني روى له الجماعة.
[ ٦ / ١٣٢ ]
وأخرجه الترمذي (١): ثنا محمود بن غيلان، قال: نا المقرئ، قال: نا يحيى ابن أيوب إلى آخره نحوه سواء، غير أن في لفظه: "وفوق ظهر بيت الله".
قال أبو عيسى: حديث ابن عمر إسناده ليس بذاك القوي؛ قد تُكُلِّمَ في زيد بن جبيرة من قبل حفظه.
وأخرجه ابن ماجه (٢) أيضًا: عن محمَّد بن إبراهيم الدمشقي، عن عبد الله ابن يزيد، عن يحيى بن أيوب، عن زيد بن جبيرة إلى آخره نحوه.
قوله: "في سَبْع مواطن" كذا في رواية ابن ماجه، وفي رواية الترمذي: "في سبعة مواطن"، والظاهر رواية الطحاوي؛ لأن المواطن جمع موطن وهو مؤنث؛ لأنه اسم لبقعة من الأرض معينة، وقد عرف أن العدد يذكر في المؤنث ويؤنث في المذكر إلى العشرة.
قوله: "في المَزْبَلَة" وهي موضع رمي الزبالات، وهي بفتح الميم والباء، وحكى الجوهري فيها ضم الباء.
قوله: "والمجزرة" بفتح الميم والزاي موضع جزر الإبل أي ذبحها، وقال ابن الأثير: المجزرة الموضع الذي تُنحر فيه الإبل وتذبح فيه البقر والشاء، وجمعها المجازر.
قوله: "والمَقْبُرة" بفتح الميم وضم الباء، وقد تفتح، وقال ابن الأثير: المقبرة موضع دفن الموتى وتضم باؤها وتفتح.
قلت: المَقْبَرة -بفتح الميم والباء- اسم مكان من قَبَر يَقْبُر، والمقبُرة -بضم الباء- اسم موضوع للمكان الذي يدفن فيه الموتى، وذكر في شرح "الهادي" أن ما جاء على مفعُلة -بالضم- يراد بها أنها موضوعة لذلك ومتخذة له، فإذا قالوا: المقبَرة بالفتح أرادوا مكان الفعل، وإذا ضموا أرادوا البقعة التي من شأنها أن يقبر فيها الموتى.
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٢/ ١٧٧ رقم ٣٤٦).
(٢) "سنن ابن ماجه" (١/ ٢٤٦ رقم ٧٤٦).
[ ٦ / ١٣٣ ]
وذكر بعضهم أن المقبرة بالفتح أو الضم ليس بمقياس، أما الفتح فلأنه لم يُرد بها مكان الفعل -يعني موضع وقوع الفعل- ولا زمانه، بل أريد المكان المخصوص، والفتح لمكان الفعل أو زمانه، وأما الضم فظاهر؛ لأن مضارعها مضموم العين، فالقياس الفتح.
وفيه نظر؛ لأن الضم إنما يكون غير قياس إن لو أريد بها مكان الفعل، أما لو أريد بها المكان الخاص فلا يكون خارجًا عن القياس.
وقال ابن الحاجب في "شرح المفصل": وقد يدخل على بعضها تاء التأنيث مع جريها على القياس كالمزلّة والمقبرة، ومع مخالفته كالمظنة، وأما ما جاء على مَفْعُلة -بالضم- فأسماء غير جارية على الفعل ولكنها بمنزلة قارورة وشبهها.
قلت: معنى كلامه أنها أسماء غير مذهوب بها مذهب الأفعال، فإذا ضموا أرادوا اسم المكان مع قطع النظر عن كونه من الفعل كالقارورة فإنه اسم مع قطع النظر عن فعله فإنه لا يسمى كل ما يقر فيه الشيء قارورة وإن كان معنى القرار موجودًا فيه، وشبهها، فافهم.
قوله: "وقارعة الطريق" قال الجوهري: قارعة الطريق أعلاه.
قوله: "ومعاطن الإبل" المَعَاطِن جمع مَعْطَن وهو مبرك الإبل، وقد مرّ الكلام فيه مستوفى عن قريب.
قوله: "وفوق بيت الله -﷿-" أراد بها فوق الكعبة شرفها الله تعالى.
ويستنبط منه أحكام:
كراهة الصلاة في المزبلة؛ لأنها موضع الزبالات ولا تخلو عن النجاسات، وكراهتها في مجازر الإبل والبقر والشاء؛ لأجل النجاسة التي فيها من دماء الذبائح وأرواثها، فإن وجد هناك موضعًا طاهرًا وصُلي فيه فلا بأس به.
قال ابن حزم في "المحلى": والصلاة في البيعة والكنيسة وبيت النار والمجزرة -ما اجتنب البول والروث والدم- وعلى قارعة الطريق وبطن الوادي ومواضع
[ ٦ / ١٣٤ ]
الخسف وإلى البعير والناقة والمتحدث والقيام وفي كل موضع جائزة ما لم يأت نص أو إجماع متيقن في تحريم الصلاة في مكان ما، فيوقف عند النهي في ذلك.
وقد روينا عن رسول الله - ﵇ - من طريق أبي هريرة وجابر وحذيفة وأنس - ﵃ -: أن من فضائلنا أن الأرض جُعلت لنا مسجدًا، وكل ما ذكرنا من الأرض فالصلاة فيه جائزة حاشى ما جاء النص بالمنع من الصلاة فيه كعطن الإبل والحمام والمقبرة وإلي قبر وعليه والمكان المغصوب والنجس ومسجد الضرار، وإنما جاء النهي عن الصلاة في المجزرة وظهر بيت الله الحرام من طريق زيد بن جبيرة وهو لا شيء، ومن طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث وهو ضعيف، وجاء النهي عن الصلاة في موضع الخسف من طريق ابن لهيعة وهو لا شيء، وجاء النهي عن الصلاة على قارعة الطريق من طريق الحسن عن جابر، ولا يصح سماع الحسن عن جابر - ﵁ -.
وقال ابن قدامة في "المغني" (١): وزاد أصحابنا: المجزرة والمزبلة ومحجة الطريق وظهر الكعبة؛ لأنها في خبر عمر وابنه - ﵄ -، وقالوا: لا يجوز فيها الصلاة، ولم يذكرها الخرقي فيحتمل أنه جوّز الصلاة فيها وهو قول أكثر أهل العلم؛ لعموم قوله: "جُعلت لي الأرض مسجدًا" وهو صحيح متفق عليه (٢)، واستثني منها المقبرة والحمام ومعاطن الإبل بأحاديث صحيحة خاصة، ففيما عدا ذلك يبقى على العموم، وحديث ابن عمر وأبيه يرويهما العُمريُّ وزيد بن جَبيرة، وقد تكلَّم فيهما من قبل حفظهما فلا يترك الحديث الصحيح بحديثيهما، وهذا أصح، وأكثر أصحابنا فيما علمت عملوا بخبر عمر وابنه في المنع من الصلاة في المواضع السبعة.
ومعنى "محجة الطريق": الجادة المسلوكة التي يسلكها السابلة، وقارعة الطريق يعني التي تقرعها الأقدام فاعلة بمعني مفعولة مثل الأسواق والمشارع
_________________
(١) "المغني" (١/ ٧٥٤).
(٢) "صحيح البخاري" (١/ ١٦٨ رقم ٤٢٧)، و"صحيح مسلم" (١/ ٣٧٠ رقم ٥٢١).
[ ٦ / ١٣٥ ]
والجادّة للسَفر، ولا بأس بالصلاة فيما علا منها يمنةً ويسرةً ولم يكثر قرع الأقدام له، وكذلك لا بأس بالصلاة في الطريق التي يقل سالكوها.
و"المجزرة": الموضع الذي تذبح فيه البهائم للقصابين وشبهها معروفًا بذلك معدًّا.
و"المزبلة": الموضع الذي يجمع فيه الزبل ولا فرق في هذه المواضع بين ما كان منها طاهرًا أو نحبسًا، ولا بين كون الطريق فيه سالكًا أو لم يكن، ولا في المعاطن بين أن يكون فيها إبل أو لم يكن في ذلك الوقت.
ثم قال: يكره أن يصلى إلى هذه المواضع، فإن فعل صحت صلاته، نصَّ عليه أحمد في رواية أبي طالب، انتهى.
وفيه دلالة أيضًا على كراهة الصلاة في المقبرة، واختلف العلماء في ذلك، فكان الشافعي يقول: إذا كانت المقبرة مختلطة التراب بلحوم الموتى وصديدهم وما يخرج منهم لم تجز الصلاة فيها للنجاسة، فإن صلى رجل في مكان طاهر منها أجزأته صلاته.
ورخص عبد الله بن عمر - ﵄ - في الصلاة في المقبرة، وحكي عن الحسن البصري أنه صلى في المقابر.
وعن مالك: لا بأس بالصلاة في المقابر.
وقال أبو ثور: لا يصلى في حمام ولا مقبرة؛ على ظاهر الحديث.
وكان أحمد وإسحاق يكرهان ذلك، ورُويت الكراهة فيه عن جماعة من السلف.
وقال أصحابنا: إنما تخرج المقبرة عن كونها مسْجدًا إذا ظهرت فيه صدايد الموتي ونحوها، حتى إذا صلى في موضع طاهر منها يجوز.
وفي "المغني" (١) لابن قدامة: وقد سئل أحمد عن الصلاة إلى المقبرة والحمام
_________________
(١) "المغني" (١/ ٧٥٤).
[ ٦ / ١٣٦ ]
والحش، قال: لا ينبغي أن يكون في القبلة قبر ولا حشّ ولا حمام، فإن كان يجزئه.
وقال أبو بكر: يتوجه في الإعادة قولان:
أحدهما: يعيد لموضع النهي، وبه أقول.
والثاني: يصح؛ لأنه لم يصلّ في شيء من المواضع المنهي عنها.
وقال أبو عبد الله بن حامد: إن صلى إلى المقبرة والحشّ فحكمه حكم المصلى فيهما إذا لم يكن بينه وبينهما حائل.
ثم قال: والصحيح أنه لا بأس بالصلاة إلى شيء من هذه المواضع إلا المقبرة.
وقال أيضًا: ولا فرق في المقبرة بين الحديثة والقديمة وما نقلت أتربتها أو لم تنقل؛ لأنه يتناولها اسم المقبرة، وإن نقلت القبور منها جازت الصلاة فيها، وإن كان في الموضع قبر أو قبران لم يمنع من الصلاة فيها؛ لأنها لا يتناولها اسم المقبرة، وممن روي عنه أنه كره الصلاة في المقبرة علي وابن عباس وابن عمر وعطاء والنخعي وابن المنذر، انتهى.
وفيه دلالة أيضًا على كراهة الصلاة في قارعة الطريق، قيل: النهي في ذلك لكونها مظنة النجاسات، وقيل: لئلا يعوق المارُّ فيها.
قلت: فعلى الأول: إذا صلى في مكان طاهر منها أجزأته صلاته من غير كراهة.
وعلى الثاني: إذا لم يكن فيها مارٌّ لا يكره أيضًا.
وفيه دلالة أيضًا على كراهة الصلاة في الحمام، قال أصحابنا: إنما يخرج الحمام عن كونه مسجدًا إذا كانت النجاسة فيه ظاهرةً، أو صلى في موضع فيه غسالات، حتى لو صلى فيه في مكان طاهر أو غسل موضعًا منه وصلى فيه يجوز بلا كراهة.
وكذا قال الشافعي: إذا صلى في الحمام في موضع نظيف منه فلا إعادة عليه.
وقد اختلفت الرواية عن أحمد في الصلاة في الحمام، فعنه: أنها لا تصح فيها بحال.
[ ٦ / ١٣٧ ]
وعنه: أنها تصح ما لم يكن على موضع نجس. وهو مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة.
وكذلك اختلفت الرواية عن أحمد في الحشّ والمقبرة وأعطان الإبل.
وفي "المغني": وإن صلى على سطح الحشّ أو الحمام أو عطن الإبل أو غيرها فذكر القاضي أن حكمه حكم المصلى فيها؛ لأن الهواء تابع للقرار.
وفيه دلالة على كراهة الصلاة على سطح الكعبة.
وفي "المغني" (١): ولا تصح الفريضة في الكعبة ولا على ظهرها، وجوّزه الشافعي وأبو حنيفة؛ لأنه مسجد، ولأنه محلّ لصلاة النفل فكان محلًا للفرض كخارجها، وتصح النافلة في الكعبة وعلى ظهرها لا نعلم فيه خلافًا، والله أعلم.
ص: حدثنا فهدٌ، قال: ثنا الخضر بن محمَّد الحراني، قال: ثنا عباد بن العوام، قال: أنا الحجاج، قال: ثنا عبد الله بن عبد الله مولى بني هشام وكان ثقة، وكان الحكم يأخذ عنه- عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أُسَيْد بن حُضَيْر، قال: قال رسول الله - ﵇ -: "صلّوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل".
ش: إسناده صحيح، ورجاله ثقات، والحجاج بن أرطاة النخعي روى له الجماعة البخاري في "الأدب"، ومسلم مقرونًا بغيره، وعبد الله بن عبد الله -كلاهما مكبّر- الرازي قاضي الريّ، وثقه أحمد والعجلي وروى له الأربعة النسائي في "مسند عليّ - ﵁ -".
وأسيد بن حُضَير -كلاهما بالتصغير- الأنصاري الصحابي.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٢): ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثنا أبو معمر القطيعي إسماعيل بن إبراهيم، نا عباد بن العوام، عن حجاج بن أرطاة، عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أسيد بن حضير
_________________
(١) "المغني" (١/ ٧٥٧ - ٧٥٨).
(٢) "المعجم الكبير" (١/ ٢٠٦ رقم ٥٥٩).
[ ٦ / ١٣٨ ]
قال: قال رسول الله - ﵇ -: "صلوا في مرابض الغنم ولا توضئوا من ألبانها، ولا تصلوا في معاطن الإبل وتوضئوا من ألبانها".
قوله: "في مرابض الغنم" جمع مَربض -بفتح الميم- من رَبَضَ في المكان يَرْبِضُ إذا ألصق بها وأقام ملازمًا لها.
وفي "الصحاح": وربوض الغنم والبقر والفرس والكلب مثل بروك الإبل وجثوم الطير، يقال: ربضت الغنم تربض بالكسر ربوضًا، وأربضها أنا.
و"الأعطان" جمع عطن، وقد مرّ تفسيره.
ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا عبد الله ابن إدريس، عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب قال: قال رجل للنبي - ﵇ -: "أصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم. قال: أتوضأ من لحومها؟ قال: لا. قال: أصلي في معاطن الإبل؟ قال: لا. قال: أتوضأ من لحومها؟ قال: نعم".
ش: إسناده صحيح، ورجاله ثقات، والأعمش هو سليمان، وعبد الله بن عبد الله هو المذكور في السند السابق.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: أنا أبو معاوية، قال: أنا الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب قال: "سئل رسول الله - ﵇ - عن الوضوء من لحوم الإبل، قال: توضئوا منها. وسئل عن لحوم الغنم، فقال: لا توضئوا منها. وسئل عن الصلاة في مَبارك الإبل، فقال: لا تصلوا في مبارك الإبل؛ فإنها من الشياطن. وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم، فقال: صلوا فيها؛ فإنها بركة".
وأخرجه الترمذي (٢) وابن ماجه (٣) مختصرًا.
_________________
(١) "سنن أبي داود" (١/ ٤٧ رقم ١٨٤).
(٢) "جامع الترمذي" (١/ ١٢٣ رقم ٨١).
(٣) "سنن ابن ماجه" (١/ ١٦٦ رقم ٤٩٤).
[ ٦ / ١٣٩ ]
ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبد الله بن بكر (ح).
وحدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا محمَّد بن عبد الله الأنصاري، قالا: ثنا هشام بن حسان، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﵇ -: "إذا لم تجدوا إلا مرابض الغنم ومعاطن الإبل فصلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في معاطن الإبل".
ش: هذان إسنادان صحيحان:
الأول: عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن عبد الله بن بكر السهمي، عن هشام بن حسان العنبري، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة.
وأخرجه الترمذي (١): ثنا أبو كريب، قال: نا يحيى، عن أبي بكر بن عياش، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﵇ -: "صلّوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل".
قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح.
الثاني: عن محمَّد بن خزيمة، عن محمَّد بن عبد الله الأنصاري، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة إلى آخره.
وأخرجه ابن ماجه (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا يزيد بن هارون، وثنا أبو بشر بكر بن خلف، نا يزيد بن زريع، قالا: نا هشام بن حسان، عن محمَّد ابن سيرين، عن أبي هريرة: قال قال رسول الله - ﵇ -: "إن لم تجدوا إلا مرابض الغنم وأعطان الإبل فصلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل؛ فإنها خلقت من الشياطين".
ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن سماك بنحرب، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة، أن رجلًا قال: "يا رسول الله، أصلي في مَبَاءة الغنم؟ قال: نعم. قال: أصلي في مباءة الإبل؟ قال: لا".
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٢/ ١٨٠ رقم ٣٤٨).
(٢) "سنن ابن ماجه" (١/ ٢٥٢ رقم ٧٦٨).
[ ٦ / ١٤٠ ]
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا أبو عوانة، عن عثمان بن عبد الله بن موهب، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة، عن النبي - ﵇ - مثله.
ش: هذا إسنادان صحيحان:
أحدهما: عن ابن خزيمة، عن حجاج بن المنهال الأنماطي، عن حماد بن سلمة إلى آخره.
وأخرجه الطبراني (١): ثنا يوسف القاضي، ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن جعفر بن أبي ثور بن جابر بن سمرة، عن جده جابر بن سمرة، أن رجلًا قال: "يا رسول الله أتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فعلت وإن شئت لم تفعل. قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم. قال: أصلي في مباءة الغنم؟ قال: نعم. قال: أصلي في مباءة الإبل؟ قال: لا".
قوله: "في مَبَاءة الإبل" أي في منزلها الذي تأوي إليه وهو المتبوّأ أيضًا، يقال: بوأه منزلًا أي أسكنه، وتبوأت منزلًا أي اتخذته، والمَبَاءة -بفتح الميم- اسم الموضع منه.
والآخر: عن ابن خزيمة أيضًا، عن حجاج بن منهال، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري إلى آخره.
وأخرجه عبد الله بن أحمد في "مسنده" (٢): ثنا محمَّد بن سليمان لُوَيْنٌ، نا أبو عوانة، عن عثمان بن موهب، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة قال: "كنت جالسًا عند النبي - ﵇ - فسألوه: أنتوضأ من لحوم الغنم؟ فقال: إن شئتم فتوضئوا وإن شئتم لا توضئوا. فقالوا: يا رسول الله أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم، توضئوا. قالوا: يا رسول الله، نصلى في مرابض الغنم؟ قال: نعم. قالوا: نصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا".
_________________
(١) "المعجم الكبير" (٢/ ٢١٠ رقم ١٨٦٠).
(٢) "مسند أحمد" (٥/ ٩٨ رقم ٢٠٩٦٣).
[ ٦ / ١٤١ ]
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١) بطرق متعددة.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن مبارك، عن الحسن، عن عبد الله بن مُغفل قال: قال رسول الله - ﵇ -: "صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل".
ش: أبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، ومبارك بن فضالة القرشي البصري فعن يحيى: ضعيف. ووثقه ابن حبان، وقال أبو زرعة: يدلس كثيرًا، فإذا قال: حدثنا فهو ثقة. استشهد به البخاري، وروى له أبو داود والترمذي وابن ماجه.
والحسن هو البصري.
والحديث أخرجه ابن ماجه (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا نعيم، عن يونس، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل المزني إلى آخره نحوه.
ص: فذهب قوم إلى أن الصلاة في أعطان الإبل مكروهة واحتجوا بهذه الآثار، حتى غلَّظ بعضهم في حكم ذلك فأفسد الصلاة.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الحسن البصري وأحمد وإسحاق وأبا ثور؛ فإنهم قالوا: الصلاة في أعطان الإبل مكروهة، واحتجوا في ذلك بالأحاديث المذكورة، ويروى هذا عن عبد الله بن عمر وجابر بن سمرة.
قوله: "حتى غلَّظ بعضهم" أي بعض هؤلاء القوم وأراد به أحمد؛ فإنه قال في رواية مشهورة عنه: إنه إذا صلى في أعطان الإبل فسدت صلاته وعليه أن يعيدها، وعنه: إنها صحيحة وليس عليه الإعادة.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فأجازوا الصلاة في ذلك الموطن.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: أبا حنيفة ومالكًا
_________________
(١) "مسند أحمد" (٥/ ٩٢ - ١٠٨ رقم ٢٠٨٩٩، ٢٠٩٠٧، ٢٠٩٩٢، ٢٠٩٩٣، ٢١٠١٨، ٢١٠٥٣، ٢١٠٨٢) وغير ذلك.
(٢) "سنن ابن ماجه" (١/ ٢٥٣ رقم ٧٦٩).
[ ٦ / ١٤٢ ]
والشافعي وأبا يوسف ومحمدًا وجمهور العلماء؛ فإنهم أجازوا الصلاة في أعطان الإبل لعموم قوله - ﵇ - "جُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا"، ويأتي الجواب عن الحديث المذكورة الآن إن شاء الله تعالى.
ص: وكان من الحجة لهم: أن هذه الآثار التي نهت عن الصلاة في أعطان الإبل قد تكلم الناس في معناها وفي السبب الذي من أجله كان النهي، فقال قوئم: أصحاب الإبل من عادتهم التغوط بقرب إبلهم والبول فينجِّسون بذلك أعطان الإبل، فنهى عن الصلاة في أعطان الإبل لذلك لا لعلة الإبل، وإنما هو لعلة النجاسة التي تمنع من الصلاة في أي موضع ما كانت، وأصحاب الغنم من عادتهم تنظيف مواضع غنمهم وترك البول فيه والتغوط فأبيحت الصلاة في مرابضها لذلك.
هكذا روي عن شريك بن عبد الله أنه كان يفسّر هذا الحديث على هذا المعنى.
وقال يحيى بن آدم: ليس من قبل هذه العلة عندي جاء النهي، ولكن من قِبَل أن الإبل يُخاف وثوبها فتعطب من تلاقي حينئذٍ، ألا ترى أنه يقول: إنها جنّ ومن جنٍّ خلقت، وفي حديث رافع بن خديج، عن رسول الله - ﵇ - أنه قال: "إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش" وهلا فغير مخوف من الغنم؛ فأمر باجتناب الصلاة في معاطن الإبل خوف ذلك من فعلها، لا لأن لها نجاسة ليس للغنم مثلها، وأبيحت الصلاة في مرابض الغنم لأنه لا يُخاف منها ما يخاف من الإبل.
حدثني خلاد بن محمَّد، عن ابن الثلجي، عن يحيى بن آدم بالتفسيرين جميعًا.
حدثنا فهد، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، أن عياضًا قال: "أنما نهي عن الصلاة في أعطان الإبل؛ لأن الرجل يستتر بها ليقضي حاجته".
فهذا التفسير موافق لتفسير شريك.
[ ٦ / ١٤٣ ]
ش: أي: وكان من الدليل والبرهان للآخرين وهم أهل المقالة الثانية، وأشار بذلك إلى أن الأحاديث المذكورة محمولة على معاني يمنع الاحتجاج بها لما ذهب إليه أهل المقالة الأول على الإطلاق، وذكر فيها ثلاثة معاني أسند الاثنين عن خلاد بن محمَّد الواسطي، عن محمد بن شجاع بن الثلجي -بالثاء المثلثة- البغدادي من أصحاب الحسن بن زياد اللؤلؤي، عن يحيى بن آدم بن سليمان القرشي أبي زكرياء الكوفي روى له الجماعة، ذكره أصحابنا في جملة الأئمة الحنفية ﵏، وأسند المعنى الثالث عن فهد بن سليمان، عن عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن معاوية بن صالح بن حدير الحضرمي الحمصي قاضي الأندلس، روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح"، عن عياض، ذكره غير منسوب، والظاهر أنه عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح القرشي العامري، وثقه ابن معين والنسائي وابن حبان، ويحتمل أن يكون عياض بن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر القرشي الفهري المدني، نزيل مضر، وثقه ابن حبان، وعلَّل الخطابي أيضًا بالعلة الثانية، وذكر القاضي عياض في "شرح مسلم" العلة الثالثة.
وذكر الخطابي عن بعضهم علة أخرى وهي أن معنى النهي عن الصلاة في أعطان الإبل: أن المراد بذلك ما سَهُل من الأرض؛ لأنها مبوأ الإبل إذ لا تألف الحرونة، ومثل ذلك لا تظهر فيها النجاسة لإثارة ترابها وكثرته واختلاطها به فلا يؤمن كونها فيه.
قال القاضي عياض: وهذا بعيد في الفقه والتأويل.
والصواب ما قاله يحيى بن آدم، لأن ما جاء أنها جِنّ ومن جِنٍّ خلقت يساعد هذا؛ لأنه يدل صريحًا أن سبب النهي عن الصلاة في أعطان الإبل هو كونها مخلوقة من الجن؛ لأنه - ﵇ - عَلّل بقوله: "فإنها خُلِقَتْ من الشياطين"، هذا في لفظ أبي هريرة، رواه ابن ماجه كما ذكرناه.
[ ٦ / ١٤٤ ]
وفي رواية أبي داود عن البراء بن عازب: فإنها من الشياطين، فهذا يدل على [أن] (١) الإبل مخلوقة من الجن؛ لأن الشياطين من الجن على الصحيح من الأقوال التي ذكرت عن العلماء، وكذا حديث رافع بن خديج يؤيد هذا التأويل.
أخرجه البخاري (٢)، وقال: حدثني موسى بن إسماعيل، ثنا أبو عوانة، عن سعيد بن مسروق، عن عباية بن رفاعة بن رافع، عن جده رافع بن خديج قال: "كنا مع النبي - ﵇ - بذي الحليفة، فأصاب الناس جوع، فأصبنا إبلًا وغنمًا، وكان النبي - ﵇ - في أخريات الناس، فعجلوا فنصبوا القدور، فدفع إليهم النبي - ﵇ - فأمر بالقدور فأكفئت ثم قسم فعدل عشرةً من الغنم ببعير، فندَّ منها بعير وكان في القوم خيل يسيرة فطلبوه فأعياهم، فأهوى إليه رجل بسهم فحبسه الله، فقال النبي - ﵇ -: إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش فما ندَّ [عليكم منها] (٣) فاصنعوا به هكذا " الحديث.
وأخرجه مسلم (٤) وأبو داود (٥) والتزمدي (٦).
قوله: "أوابد" جمع آبدة وهي التي قد تأبدت أي توحشت ونفرت من الإنس، وقد أَبَدَتْ تأبِد وتأبَدُ من باب نَصَرَ يَنْصُرُ وضَرَبَ يَضْرِبُ.
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا محمَّد بن سعيد وأبو بكر بن أبي شيبة، قالا: ثنا أبو خالد الأحمر، عن عبيد الله، عن نافع عن ابن عمر: "أن النبي - ﵇ - كان يصلي إلى بعيره".
_________________
(١) ليست في "الأصل، ك".
(٢) "صحيح البخاري" (٥/ ٢٠٩٥ رقم ٥١٧٩).
(٣) في "الأصل، ك" "عليهم"، والمثبت من "صحيح البخاري".
(٤) "صحيح مسلم" (٣/ ١٥٥٨رقم ١٩٦٨).
(٥) "سنن أبي داود" (٣/ ١٠٢ رقم ٢٨٢١).
(٦) "جامع الترمذي" (٤/ ٨٢ رقم ١٤٩٢).
[ ٦ / ١٤٥ ]
ش: إسناده صحيح، ومحمد بن سعيد بن سليمان الكوفي أبو جعفر الأصبهاني شيخ البخاري، وأبو بكر عبد الله بن أبي شيبة محمَّد بن إبراهيم الكوفي الحافظ شيخ البخاري ومسلم وأبي داود وابن ماجه.
وأبو خالد الأحمر اسمه سليمان بن حيان روى له الجماعة، وعبيد الله بن عمر العمري.
وأخرجه البخاري (١): ثنا صدقة بن الفضل، ثنا سليمان بن حيان، نا عبيد الله، عن نافع قال: "رأيت ابن عمر يصلي إلى بعيره وقال: رأيت رسول الله - ﵇ - يفعله".
وأخرجه مسلم (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وابن نمير، قالا: نا أبو خالد الأحمر، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: "أن النبي - ﵇ - كان يصلي إلى راحلته" وقال ابن نمير: "إن النبي - ﵇ - صلى إلى بعيره".
وأخرجه أبو داود (٣): ثنا عثمان بن أبي شيبة ووهب بن بقية وابن أبي خلف وعبد الله بن سعيد -قال عثمان-: نا أبو خالد، قال: أنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: "أن النبي - ﵇ - يصلي إلى بعيره".
وأخرجه الترمذي (٤): ثنا سفيان بن وكيع، قال: ثنا أبو خالد الأحمر، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: "أن النبي - ﵇ - صلى إلى بعيره أو راحلته، وكان يصلي على راحلته حيث ما توجهت به".
وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
واعلم أن البخاري أخرج هذا الحديث في باب "الصلاة في مواضع الإبل".
_________________
(١) "صحيح البخاري" (١/ ١٦٦ رقم ٤٢٠).
(٢) "صحيح مسلم" (١/ ٣٥٩ رقم ٥٥٢).
(٣) "سنن أبي داود" (١/ ١٨٤ رقم ٦٩٢).
(٤) "جامع الترمذي" (٢/ ١٨٣ رقم ٣٥٢).
[ ٦ / ١٤٦ ]
وقال أبو بكر الإسماعيلي: ليس في هذا الحديث بيان أنه صلى في موضع الإبل وإنما صلى إلى البعير لا في موضعه، وليس إذا أنيخ بعير في موضع صار ذلك عطنًا أو مأوى للإبل.
فإن قيل: فهذا الطحاوي أيضًا قد أخرجه في باب "الصلاة في أعطان الإبل" كالبخاري فما قيل فيه فهو وارد فيه.
قلت: ليس كذلك؛ لأن الطحاوي لم يبوِّب على هذا الحديث كالبخاري، وإنما ذكره في هذا الباب لبيان إباحة الصلاة إلى البعير، وليدل على أن النهي عن الصلاة في أعطان الإبل لا لأنه لا يجوز الصلاة بحذائها كما يصرح به هكذا، على ما يجيء عن قريب.
ثم اعلم أن القرطبي قال: في هذا الحديث دلالة أن أبوال الإبل ليست بنجسة وكذا روثها، ولا يعارضه النهي عن الصلاة في معاطنها؛ لأن المعاطن مواضع إقامتها عند الماء.
وقال ابن التين: عن مالك: ولا يُصلّى إلى الخيل والحمير؛ لأن أبوالها نجسة.
قلت: عند محمَّد بن الحسن: أبوال الفرس طاهرة فيصلى إليها.
ص: حدثنا فهدٌ، قال: ثنا محمد بن سعيد، قال: أنا يحيى بن أبي بكير العَبدي، قال: ثنا إسرائيل، عن زياد المُصَفّر، عن الحسن، عن المقدام الرهاوي قال: "جلس عبادة بن الصامت وأبو الدرداء والحارث بن معاوية - ﵃ - فقال أبو الدرداء: أيكم يحفظ حديث رسول الله - ﵇ - حين صلّى بنا إلى بعير من المغنم؟ فقال عبادة: أنا. قال: فحدِّث. قال: صلَّى بنا رسول الله - ﵇ - إلى بعير من المغنم ثم مدَّ يده فأخذ وَبَرةَ من البعير فقال: ما يحلَّ لي من غنائمكم هذه إلا الخُمس وهو مردود فيكم".
[ ٦ / ١٤٧ ]
ش: يحيى بن أبي بكير واسمه بشر، ويقال: نسر -بالنون والسين المهملة- ويقال: بشير بن أسيد العبدي القيسي أبو زكرياء الكرماني، روى له الجماعة.
وإسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي روى له الجماعة.
وزياد المصَفِّر مولى مصعب، كنيته أبو عثمان، وثقه ابن حبان.
والحسن هو البصري، والمقدام الرهاوي ذكره ابن حبان في "الثقات" من التابعين.
والحديث أخرجه عبد الله بن أحمد في "مسنده" (١): قال: حدثني يحيى بن عثمان أبو زكرياء البصري الحربي، نا إسماعيل بن عياش عن أبي بكر بن عبد الله، عن أبي سلام، عن المقدام بن معدي كرب الكندي: "أنه جلس مع عبادة بن الصامت وأبي الدرداء والحارث بن معاوية الكندي فقال أبو الدرداء لعبادة: يا عبادة كلمات رسول الله - ﵇ - في غزوة كذا في شأن الأخماس؟ فقال عبادة: قال إسحاق -يعني ابن عيسى- في حديثه: إن رسول الله - ﵇ - صلى بهم في غزوتهم إلى بعير من المقسم، فلما سلَّم قام رسول الله - ﵇ - فتناول وَبَرةً بين أنملتيه فقال: إن هذه من غنائمكم وإنه ليس لي فيها إلا نصيبي معكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم، فأدوا الخَيْط والِمخْيط وأكبر من ذلك وأصغر، لا تغلّوا فإن الغلول نار وعار على أصحابه في الدنيا والآخرة، وجاهدوا الناس في الله ﵎ القريب والبعيد ولا تبالوا في الله لومة لائم، وأقيموا حدود الله في الحضر والسفر، وجاهدوا في سبيل الله -﷿- فإن الجهاد باب من أبواب الجنة عظيم ينجي الله ﵎ به من الهم والغم".
وأخرجه أحمد أيضًا (٢): عن أبي اليمان وإسحاق بن عيسى، كلاهما عن إسماعيل بن عياش، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، عن أبي سلام- قال
_________________
(١) "مسند أحمد" (٥/ ٣٢٦ رقم ٢٢٨٢٨).
(٢) "مسند أحمد" (٥/ ٣١٦ رقم ٢٢٧٥١).
[ ٦ / ١٤٨ ]
إسحاق الأعرج-: عن المقدام بن معدي كرب الكندي: "أنه جلس مع عبادة ابن الصامت إلى آخره نحوه.
ص: ففي هذين الحديثين إباحة الصلاة إلى البعير، فثبت بذلك أن الصلاة إلى البعير جائزة، وأنه لم يُنْه عن الصلاة في أعطان الإبل. لأنه لا يجوز الصلاة بحذائها، واحتمل أن تكون الكراهة لعلة ما يكون من الإبل في معاطنها من أرواثها وأبوالها.
فنظرنا في ذلك فرأينا مرابض الغنم كلٌّ قد أجمع على جواز الصلاة فيها، وبذلك جاءت الروايات التي رويناها عن رسول الله - ﵇ -، وكان حكم ما يكون من الإبل في أعطانها من أبوالها وغير ذلك حكم ما يكون من الغنم في مرابضها من أبوالها وغير ذلك لا فرق بين شيء من ذلك في نجاسة ولا طهارة؛ لأن مَن جعل أبوال الغنم طاهرةَّ جَعل أبوال الإبل كذلك، ومن جعل أبوال الإبل نجسة جعل أبوال الغنم كذلك، فلما كانت الصلاة قد أبيحت في مرابض الغنم في الحديث الذي نهي فيه عن الصلاة في أعطان الإبل؛ ثبت أنَ النهي عن ذلك ليس لعلة نجاسة ما يكون منها؛ إذ كان ما يكون من الغنم حكمه مثل ذلك.
ولكن العلة التي لها كان النهي هو ما قال شريك أو ما قال يحيى بن آدم، فإن كان لِمَا قال شريك فإن الصلاة مكروهة حيث يكون الغائط والبول كان عطنًا أو غيره، وإن كان لِما قال يحيى ابن آدم فإن الصلاة مكروهة حيث يُخاف على النفوس كان عطنًا أو غيره. فهذا وجه هذا الباب من طريق تصحيح معاني الآثار.
وأما حكم ذلك من طريق النظر، فإنا رأيناهم لا يختلفون في مرابض الغنم أن الصلاة فيها جائزة، وإنما اختلفوا في أعطان الإبل، فقد رأينا حكم لحمان الإبل كحكم لحمان الغنم في طهارتها، ورأينا حكم أبوالها كحكم أبوالها في طهارتها أو نجاستها فكان يجيء في النظر أيضا أن يكون حكم الصلاة في مواضع الإبل كهو
[ ٦ / ١٤٩ ]
في مواضع الغنم قياسًا ونظرًا على ما ذكرنا، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: أراد بهذين الحديثين: حديث ابن عمر وحديث عبادة بن الصامت - ﵃ -.
قوله: "وأنه" أي: وثبت أنه، أي: أن الشأن.
قوله: "لم يُنْهَ" على صيغة المجهول، ويجوز أن يكون على صيغة المعلوم، يعني: وأن النبي - ﵇ - لم يَنْهَ عن الصلاة في أعطان الإبل لكون عدم جواز الصلاة بحذائها.
قوله: "كلٌّ قد أجمع" أي كل واحد من الفريقين.
قوله: "لأن من جعل أبوال الغنم طاهرةً" وهو قول عطاء والنخعي والثوري ومالك وأحمد ومحمد بن الحسن.
وفي "المغني": قال مالك: لا يرى أهل العلم أبوال ما يؤكل لحمه ويشرب لبنه نجسًا، ورخّص في أبوال الغنم الزهري ويحيى الأنصاري.
قال ابن المنذر: أجمع كلُ من نحفظ عنه من أهل العلم على إباحة الصلاة في مرابض الغنم إلا الشافعي فإنه اشترط أن تكون سليمةً من أبعارها وأبوالها.
وعن أحمد: أن ذلك نجس. وهو قول الشافعي وأبي ثور، ونحوه عن الحسن؛ لأنه دخل في عموم قوله - ﵇ -: "تنزهوا من البول".
قوله: "ومن جعل أبوال الإبل نجسة" وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف والشافعي وأحمد في رواية، والباقي ظاهر.
ص: وقد حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا الليث بن سَعْد قال: هذه نسخة رسالة عبد الله بن نافع إلى الليث بن سعد يذكر فيها: أما ما ذكرت من معاطن الإبل فقد بلغنا أن ذلك يكره، وقد كان رسول الله - ﵇ - يصلي على راحلته، وقد كان ابن عمر ومَن أدركنا من خيار أرضنا يُعْرِضُ أحدُهم ناقته بينه وبين القبلة فيُصلّي إليها وهي تَبْعُر وتَبول.
[ ٦ / ١٥٠ ]
ش: ذكر هذا تأييدًا لما قاله من قوله: فثبت بذلك أن الصلاة إلى البعير جائزة إلى آخره.
وابن أبي مريم هو سعيد بن الحكم المصري شيخ البخاري.
وعبد الله بن نافع بن أبي نافع الصائغ القرشي المخزومي المدني، روى له الجماعة، البخاري في "الأدب".
[ ٦ / ١٥١ ]