ش: أي هذا باب في بيان المرأة الحربية إذا أسلمت في دار الحرب وخرجت إلى دار الإِسلام، كيف يكون حكمها بعد خروج زوجها أيضًا مسلمًا؟
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا ابن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "رد النبي -﵇- زينب ابنته على أبي العاص ابن الربيع على النكاح الأول بعد ثلاث سنين".
ش: الوهبي هو أحمد بن خالد الكندي الوهبي شيخ البخاري في غير "الصحيح"، وثقه ابن معين، وروى له الأربعة.
وأخرجه أبو داود (١): نا عبد الله بن محمد النفيلي، قال: ثنا محمد بن سلمة.
وثنا محمد بن عمرو الرازي، قال: نا سلمة يعني ابن الفضل.
ونا الحسن بن علي، ثنا يزيد المعنى كلهم، عن ابن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "ردَّ رسول الله -﵇- ابنته زينب على أبي العاص بالنكاح الأول، لم يحدث شيئًا".
قال محمد بن عمرو في حديثه: "بعد ستّ سنين"، وقال الحسن بن علي: "بعد سنتين".
وأخرجه الترمذي (٢): ثنا هناد، قال: ثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "ردَّ النبي -﵇- ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع بعد ست سنين بالنكاح الأول، ولم يحدث نكاحًا".
_________________
(١) "سنن أبي داود" (١/ ٦٨٠ رقم ٢٢٤٠).
(٢) "جامع الترمذي" (٣/ ٤٤٨ رقم ١١٤٣).
[ ١٢ / ٣٧٩ ]
وأخرجه ابن ماجه (١) نحوه، وفي روايته: "بعد سنتين".
وقال الترمذي: هذا حديث ليس بإسناده بأس، ولكن لا نعرف وجه هذا الحديث، ولعله قد جاء هذا من قِبل داود بن الحصين من قِبل حفظه.
وقال البخاري: حديث ابن عباس هذا أصح من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. وسيجيء حديثه إن شاء الله تعالى.
وقال عبد الحق في "الأحكام": في إسناده محمد بن إسحاق، ولم يروه معه -فيما أعلم- إلا من هو دونه، وداود بن الحصين لَيِّن، كذا قال أبو زرعة. وقال ابن عيينة: كنا نتقي حديثه. وقال ابن المديني: ما رواه عن عكرمة فمنكر. وقال أبو داود: أحاديثه عن عكرمة مناكير.
ذكر ذلك الذهبي في "الميزان".
وقال الخطابي: حديث ابن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس نسخة قد ضعف أمرها علي بن المديني وغيره من علماء الحديث.
قوله: "رد النبي -﵇- ابنته -﵂-" اعلم أن النبي -﵇- له من الأولاد تسعة: خمسة ذكور، وهم: القاسم -وبه يكنى- والطاهر، والطيب، وعبد الله، وإبراهيم، وقيل: عبد الله هو الطيب، وقيل: عبد الله هو الطاهر، وقيل: عبد الله هو الطاهر هو الطيب.
وأربعة إناث، وهن: زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة -﵅-، وجميع أولاده من خديجة -﵂-، إلا إبراهيم فإنه من مارية القبطية. وأما زينب فهي أكبر بنات رسول الله -﵇- ولدت وله -﵇- ثلاثون سنة، وماتت سنة ثمان في حياة رسول الله -﵇-، وهاجرت بعد بدر، وكان رسول الله -﵇- زوَّجها من أبي العاص ابن الربيع، وولدت منه غلامًا اسمه علي فتوفي وقد ناهز الاحتلام، وكان رديف
_________________
(١) "سنن ابن ماجه" (١/ ٦٤٧ رقم ٢٠٠٩).
[ ١٢ / ٣٨٠ ]
رسول الله -﵇- يوم الفتح، وولدت له أيضًا بنتًا اسمها أُمامة، وكان -﵇- يحبها ويحملها في الصلاة، وكان إذا ركع وسجد تركها وإذا قام حملها.
وأما أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف بن قُصي، فاسمه لقيط، وقيل: هشيم، وقيل: مهشم، والأكثر لقيط.
وأمه هالة بنت خويلد أخت خديجة لأبيها وأمها، وهو ابن خالة أولاد رسول الله -﵇- من خديجة -﵂-، وكان أبو العاص مصاحبًا لرسول الله -﵇- مصافيًا، وكان قد أبى أن يُطلِّق زينب بنت رسول الله -﵇- لما أمره المشركون أن يطلقها، فشكر له رسول الله -﵇- ذلك، وكان أبو العاص أُسر في غزوة بدر، ولما أطلقه رسول الله - ﷺ - شرط عليه أن يرسل زينب إلى المدينة، فعاد إلى مكة وأرسلها إلى النبي -﵇- بالمدينة؟ فلهذا قال -﵇-: "حدثني فصدقني، ووعدني فوفَّى لي".
وأقام أبو العاص بمكة على شِرْكِه حتى كان قبل الفتح فخرج بتجارة إلى الشام ومعه أموال قريش ومعه جماعة منهم، فلما عاد لقيته سرية رسول الله -﵇- أميرهم زيد بن حارثة، فأخذ المسلمون ما في تلك العير من الأموال وأسروا أناسًا، وهرب أبو العاص بن الربيع، ثم أتى المدينة ليلًا فدخل على زينب فاستجار بها فأجارته، فلما صلى النبي -﵇- صلاة الصبح صاحت زينب: أيها الناس، إني قد أجرت أبا العاص ابن الربيع، فلما سلَّم رسول الله -﵇- أقبل على الناس وقال: هل سمعتم ما سمعت؟ قالوا: نعم، قال: أما والذي نفسي بيده ما علمت بذلك حتى سمعته كما سمعتم، وقال: يجير على المسلمين أدناهم، ثم دخل رسول الله -﵇- على ابنته فقال: أكرمي مثواه ولا يخلصن إليك فإنك لا تحلين له، قالت: إنه قد جاء في طلب ماله، فجمع رسول الله -﵇- تلك السرية وقال: إن هذا الرجل منا حيث علمتم، وقد أصبتم له مالًا وهو فيء أفاء الله عليكم.
وأنا أحب أن تحسنوا وتردوا عليه الذي له، فإن أبيتم فأنتم أحق به.
[ ١٢ / ٣٨١ ]
فقالوا: بل نرده عليه، فردوا عليه ماله أجمع، فعاد إلى مكة وأدى إلى الناس أموالهم، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، والله ما منعني عن الإِسلام إلا خوفًا أن تظنوا أني آخذ أموالكم. ثم قدم على رسول الله -﵇- مسلمًا، وحسن إسلامه، وردَّ عليه رسول الله -﵇- ابنته زينب -﵂- بنكاح جديد.
وقيل: بل بالنكاح الأول، وسيجيء الكلام فيه مستقصى.
وتوفي أبو العاص سنة اثنتي عشرة.
قوله: "بعد ثلاث سنين" وفي رواية ابن ماجه: "بعد سنتين" وكذا قال ابن منده، والكل فيه نظر، بل غير صحيح، وذلك لأن أبا العاص أرسلها بعد بدر في السنة الثانية، وأسلم هو قبل الفتح أول السنة الثامنة، فتكون نحو ست سنين كما وقع كذلك في رواية الترمذي وفي إحدى طرق أبي داود على ما ذكرنا، وهو الصحيح.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا ابن إسحاق، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن قال: "ردَّ النبي -﵇- على عكرمة بن أبي جهل أم الحكيم بنت الحارث بن هشام بعد أشهر؛ أو قريب من سنة".
ش: الوهبي هو أحمد بن خالد، وقد مرَّ في الحديث السابق مع محمد بن إسحاق.
والزهري هو محمد بن مسلم.
وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي أحد الفقهاء السبعة، روى له الجماعة.
وهذا سند مرسل.
[ ١٢ / ٣٨٢ ]
وأخرجه الشافعي في "مسنده" (١) نحوه، والبيهقي في "سننه" (٢) من طريقه.
ص: قال أبو جعفر -﵀-: فذهب قومٌ إلى أن المرأة إذا أسلمت في دار الحرب وجاءتنا مسلمة، ثم جاء زوجها بعد ذلك فأدركها وهي في العدة فهي امرأته على حالها، وإن لم يدركها حتى تخرج من العدة فلا سبيل له عليها.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الزهري والأوزاعي والليث بن سعد والحسن بن حي ومالكًا والشافعي وأحمد وإسحاق، فإنهم قالوا: الحربية إذا أسلمت في دار الحرب ثم خرجت إلى دار الإِسلام ثم جاء زوجها بعد ذلك فأدركها وهي في العدة فهي امرأته على عقدها الأول، وإن أدركها وهي قد خرجت من العدة فلا سبيل له عليها.
وقال ابن حزم: وأيما امرأة أسلمت ولها زوج كافر أو ذمي أو حربي فحين إسلامها انفسخ نكاحها، سواء أسلم بعدها بطرفة عين فأكثر أو لم يسلم، لا سبيل له عليها إلا بابتداء نكاح برضاها وإلا فلا، فلو أسلما معًا بقيا على نكاحهما، فإن أسلم هو قبلها فإن كانت كتابية بقيا على نكاحهما أسلمت هي أو لم تسلم، وإن كانت غير كتابية فساعة إسلامه قد انفسخ نكاحها منه أسلمت بعده بطرفة عين فأكثر، لا سبيل له عليها إلا بابتداء نكاح برضاها إن أسلمت، وإلا فلا، سواء حربيين أو ذميين كانا.
وهو قول عمر بن الخطاب وجابر بن عبد الله وابن عباس -﵄-.
وبه يقول حماد بن زيد والحكم بن عتيبة وسعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز وعدي بن عدي الكندي والحسن البصري وقتادة والشعبي وغيرهم.
وقال أبو حنيفة: أيهما أسلم قبل الآخر في دار الإِسلام فإنه يعرض الإِسلام على الذي لم يسلم منهما، فإن أسلم بقيا على نكاحهما، وإن أبى فحينئذ تقع الفرقة، ولا معنى لمراعاة العدة في ذلك.
_________________
(١) وانظر "الأم" (٥/ ٤٤).
(٢) "السنن الكبرى" (٧/ ١٨٦ رقم ١٣٨٤٠، ١٣٨٤٢).
[ ١٢ / ٣٨٣ ]
قال: فإن أسلمت في دار الحرب فخرجت مسلمة أو ذمية فساعة حصولها في دار الإِسلام يقع الفسخ بينهما لا قبل ذلك.
فإن لم تخرج من دار الحرب فإن حاضت ثلاث حيض قبل أن يسلم هو وقعت الفرقة حينئذٍ، وعليها أن تبتدئ ثلاث حيض، وإن لم يسلم حتى انقضت عدتها فقد بانت منه، قال: فلو أسلم هو -وهي غير كتابية- يعرض الإِسلام عليها، فإن أسلمت بقيا على نكاحهما، وإن أسلم هو قبل ذلك فهو على نكاحه معها.
قال: فلو ارتد أحدهما انفسخ النكاح من وقته.
وقال مالك: إن أسلمت المرأة ولم يسلم زوجها، فإن أسلم في عدتها فهما على نكاحهما، وإن لم يسلم حتى انقضت العدة فقد بانت منه.
وقال ابن شبرمة عكس قول مالك: إن أسلم هو وهي وثنية فإن أسلم قبل تمام العدة فهي امرأته، وإلا فبتمامها تقع الفرقة، وإن أسلمت هي وقعت الفرقة في الحين.
وقال الأوزاعي والشافعي والليث: كل ذلك سواء، وتراعى العدة، فإن أسلم الكافر منهما قبل انقضاء العدة فهما على نكاحهما، وإن لم يسلم حتى تمت العدة وقعت الفرقة. وهو قول الزهري وأحمد وإسحاق.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا سبيل له عليها في الوجهين جميعًا، وخروجها عندهم من دار الحرب يقطع العصمة التي كانت بينها وبين زوجها، ويبينها منه.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: سفيان الثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا، فإنهم قالوا: الحربية إذا أسلمت في في دار الحرب ثم خرجت إلي دار الإِسلام، ثم خرج زوجها بعد ذلك، لا سبيل له عليها، سواء أدركها وهي في العدة أو أدركها وقد خرجت من العدة، فبمجرد خروجها تنقطع العصمة التي كانت بينهما.
[ ١٢ / ٣٨٤ ]
وقال أبو عمر: قال أبو حنيفة في الحربية تخرج إلينا مسلمة ولها زوج كافر في دار الحرب: فقد وقعت الفرقة بينهما، ولا سبيل له إليها إلا بنكاح جديد، ولكن العدة عليها. وهو قول الثوري.
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا فهد، قال: ثنا يحيى الحماني، قال: ثنا حفص -يعني ابن غياث- عن الحجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "أن رسول الله -﵇- ردَّ زينب على أبي العاص".
حدثنا فهد، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا حفص، عن داود، عن الشعبي مثله.
قالوا: ففي حديث عبد الله بن عمرو هذا خلاف ما في حديث ابن عباس، وقد وافق عبد الله بن عمرو على ذلك عامر الشعبي مع علمه بمغازي رسول الله - ﷺ -.
قالوا: فهذا أولى مما قد خالفه لمعاني سنبينها في هذا الباب إن شاء الله تعالى.
ش: أي احتج الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص، فإنه يصرح أن المهاجرة المسلمة لا تحل لزوجها إذا خرج إلى دار الإِسلام مسلمًا إلا بعقد جديد، فظهر من هذا أن اختلاف الدارين يوجب الفرقة.
فإن قيل: لا نسلِّم أن اختلاف الدارين يوجب الفرقة، ألا ترى أن المسلم إذا دخل دار الحرب بأمان لم يبطل نكاح امرأته، وكذلك لو دخل حربي إلينا بأمان لم تقع الفرقة بينه وبين امرأته، وكذلك لو أسلم الزوجان في دار الحرب ثم خرج أحدهما إلى دار الإِسلام لم تقع الفرقة؟!
فعلمنا أنه لا تأثير لاختلاف الدارين في إيجاب الفرقة.
قلت: ليس معنى اختلاف الدارين ما ذهبت إليه، وإنما معناه أن يكون أحدهما من أهل الإِسلام إما بالإِسلام أو بالذمة، والآخر من أهل الحرب، فيكون حربيًّا كافرًا، فأما إذا كانا مسلمَيْن فهما من أهل دار واحدة وإن كان أحدهما مقيمًا في دار الحرب والآخر في دار الإِسلام.
[ ١٢ / ٣٨٥ ]
ثم إنه أخرج الحديث المذكور عن فهد بن سليمان، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن حفص بن غياث، عن الحجاج بن أرطاة، عن عامر بن شعيب، عن أبيه، عن جده.
وأخرجه الترمذي (١): ثنا أحمد بن منيع، وهناد، قالا: ثنا أبو معاوية، عن الحجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "أن رسول الله - ﷺ - ردَّ ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع بمهر جديد ونكاح جديد".
وقال الترمذي: هذا حديث في إسناده مقال.
وقال البخاري: حديث ابن عباس أصح في هذا الباب من حديث عمرو بن شعيب.
وقال الدارقطني: حديث عمرو بن شعيب لا يثبت والصواب حديث ابن عباس.
قلت: ومع هذا فالعمل على حديث عمرو بن شعيب، وقال الترمذي عقيب إخراجه هذا الحديث: والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم، والآن يجيء وجه ترجيح حديث عمرو بن شعيب على حديث ابن عباس.
قوله: "قالوا: ففي حديث عبد الله بن عمرو هذا خلاف ما في حديث ابن عباس" أي قال الآخرون: في حديث عبد الله بن عمرو من الحكم ما يخالف حديث عبد الله بن عباس الذي احتج به أهل المقالة الأولى، وذلك لأن حديث عبد الله بن عمرو يخبر أنه ردها عليه بمهر جديد ونكاح جديد، فهذا يناقض -ظاهرًا- ما في حديث ابن عباس، ولكن أجمعوا أن العمل على حديث عبد الله بن عمرو وتركوا حديث ابن عباس لمعاني في ذلك، منها: أن في حديث عبد الله بن عمرو زيادة ليست في حديث ابن عباس، والعمل بها أولى.
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٣/ ٤٤٧ رقم ١١٤٢).
[ ١٢ / ٣٨٦ ]
وقال البيهقي: عارضت رواية عبد الله بن عمرو رواية ابن عباس، وفيها زيادة ليست في رواية ابن عباس، والمثُبت أولى من النافي.
وقال أيضًا: ومعلوم أن زينب لم تزل مسلمة وكان أبو العاص كافرًا، ووجه ذلك أنه - ﷺ - إنما زوجها منه قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ (١)، ثم أسلم أبو العاص فردها عليه رسول الله - ﷺ - فاجتمعا في الإِسلام والنكاح معًا.
ومنها: أن حديث عبد الله بن عباس منسوخ؛ قال صاحب "التمهيد": حديث ابن عباس -وإن صح- فهو متروك منسوخ عند الجميع؛ لأنهم لا يجيزون رجوعه إليها بعد العدة، وإسلام زينب كان قبل أن ينزل كثير من الفرائض، وعن قتادة: كان قبل سورة براءة بقطع العهود بينهم وبين المشركين.
وقال الزهري: كان قبل أن تنزل الفرائض. وقال آخرون: قصة ابن العباس منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ (٢)، ويدل على أنها منسوخة: إجماع العلماء على أن أبا العاص كان كافرًا، وأن المسلمة لا يحل أن تكون زوجة لكافر؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (٣)، فلا يخلو إذا ردها عليه أن يكون كافرًا أو مسلمًا، فإن كان كافرًا فهذا ما لا شك فيه أنه كان قبل نزول الفرائض والأحكام؛ إذ القرآن والسنة والإجماع على تحريم فروج المسلمات على الكفار، وإن كان مسلمًا فلا يخلو أن تكون حاملًا فتمادى حملها ولم تضعه حتى أسلم؛ فردها -﵇- في عدتها، وهذا لم ينقل في خبر، أو تكون خرجت من العدة، فيكون أيضًا منسوخًا بالإجماع أنه لا سبيل له عليها بعد العدة، إلا ما ذكر النخعي وبعض أهل الظاهر، وكيف ما كان فخبر ابن عباس متروك لا
_________________
(١) سورة البقرة، آية: [٢٢١].
(٢) سورة الممتحنة، آية: [١٠].
(٣) سورة النساء، آية: [١٤١].
[ ١٢ / ٣٨٧ ]
يُعمل به عند الجميع، وحديث عبد الله بن عمرو في ردها بنكاح جديد تعضده الأصول.
ومنها: أن حديث ابن عباس إن صح فإنما هو إخبار عن كونها زوجة له بعدما أسلم، ولم يعلم حدوث عقد ثان، وفي حديث عبد الله بن عمرو الإخبار عن حدوث عقد ثان بعد إسلامه، فهو أولى، لأن الأول: إخبار عن ظاهر الحال، والثاني: إخبار عن معنى حادث قد علمه، وهذا مثل ما يقال في رواية ابن عباس: "أنه - ﷺ - تزوج ميمونة وهو محرم" (١)، وحديث يزيد بن الأصم "أنه تزوجها وهو حلال" (٢)، فقلنا: حديث ابن عباس أولى؛ لأنه أخبر عن حال حادثة وأخبر الآخر عن ظاهر الأمر الأول، فافهم.
قوله: "وقد وافق عبد الله بن عمرو عامر الشعبي. . ." إلى آخره، أي: وافق عبد الله الشعبي في أنه -﵇- ردَّها بنكاح جديد.
أخرجه عن فهد بن سليمان، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن حفص بن غياث، عن داود بن أبي هند، عن عامر الشعبي.
وهلما مرسل رجاله ثقات (٣).
وقال في "الاستذكار": ردَّها بنكاح جديد، ثم قال: وكذا قال الشعبي مع علمه بالمغازي أنه لم يردها إليه إلا بنكاح جديد.
قال: ولا خلاف بين العلماء في الكافرة تسلم فيأبى زوجها الإِسلام حتى تنقضي عدتها أنه لا سبيل له عليها إلا بنكاح جديد، وتبين بهذا أن قول ابن عباس: "ردها -﵇- إليه على النكاح الأول" إن صح أراد على مثل الصداق الأول.
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٢/ ٦٥٢ رقم ١٧٤٠)، ومسلم (٢/ ١٠٣١ رقم ١٤١٠).
(٢) أخرجه: مسلم (٢/ ١٠٣٢ رقم ١٤١١).
(٣) قد ذكرنا غير مرة أن الجمهور على تضعيف يحيى بن عبد الحميد الحماني.
[ ١٢ / ٣٨٨ ]
ص: وكان من الحجة لهم في ذلك على من ذهب إلى القول الأول: أن ابن عباس -﵄- إنما في حديثه أن رسول الله -﵇- ردها على أبي العاص على النكاح الأول، فليس في ذلك دليل على أنه ردها إليه لأنها في العدة، ولا نعلم كيف كان الحكم يومئذٍ في المشركة تسلم وزوجها مشرك، أيبينها ذلك منه، أو تكون زوجته على حالها؟ وإنما يكون حديث ابن عباس حجة لأهل المقالة الأولى لو كان فيه أن رسول الله -﵇- ردَّها على أبي العاص؛ لأنه أدركها وهي في العدة، فأما إذا لم تتبين لنا العلة التي لها ردها عليه؛ فقد يجوز أن تكون هي العدة، وقد يجوز أن تكون غيرها؛ لأن الإِسلام لم يكن حينئذ يبينها منه ولا يزيلها عن حكمها المتقدم.
ولقد حدثني أبو بكر بن عبدة، قال: حدثني أبو توبة الربيع بن نافع، قال: قلت لمحمد بن الحسن: من أين جاء اختلافهم في زينب؟ فقال بعضهم: ردَّها رسول الله -﵇- على أبي العاص على النكاح الأول، وقال بعضهم: ردَّها بنكاح جديد؟ أترى كل واحد منهم سمع من النبي -﵇- ما قال؟ فقال محمد بن الحسن: لم يجئ اختلافهم من هذا الوجه، وإنما جاء اختلافهم أن الله -﷿- إنما حرم أن ترجع المؤمنات إلى الكفار في سورة الممتحنة بعدما كان ذلك حلالًا جائزًا، فعلم ذلك عبد الله بن عمرو، ثم رأى رسول الله -﵇- قد ردَّ زينب على أبي العاص بعدما كان علم حرمتها عليه بتحريم الله -﷿- المؤمنات على الكفار؛ فلم يكن ذلك عنده إلا بنكاح جديد، فقال: ردَّها عليه رسول الله -﵇- بنكاح جديد، ولم يعلم عبد الله بن عباس بتحريم الله المؤمنات على الكفار حتى علم برد النبي -﵇- زينب على أبي العاص، فقال: ردَّها عليه بالنكاح الأول؛ لأنه لم يكن عنده بين إسلامه وإسلامها فسخ للنكاح الذي كان بينهما.
قال محمد -﵀-: فمن هنا جاء اختلافهم لا من اختلاف سمعوه من النبي -﵇- في ذكره ما ردَّ زينب به على أبي العاص: أنه النكاح الأول، أو نكاح جديد.
[ ١٢ / ٣٨٩ ]
ش: أي وكان من الدليل والبرهان لأهل المقالة الثانية فيما ذهبوا إليه، وأشار بذلك إلى الجواب عن حديث ابن عباس الذي احتج به أهل المقالة الأولى، وهو ظاهر.
قوله: "على أنه ردها إليه، لأنها في العدة"، أي لكونها في العدة.
وقال ابن حزم: أسلمت زينب أول ما بعث - ﷺ - بلا خلاف، ثم هاجرت، وبين إسلامها وإسلام زوجها أزيد من ثماني عشرة سنة، وَوَلَدت في خلال ذلك ابنها عليًّا، فأين العدة؟
قوله: "أيبينها؟ " الهمزة فيه للاستفهام، وتبينها من الإبانة.
قوله: "ولقد حدثني أبو بكر بن عبدة [. . . . . . .] (١).
عن أبي توبة الربيع بن نافع الحلبي نزيل طرسوس وشيخ أبي داود وأحمد بن حنبل، كان يقال: إنه من الأبدال.
ص: قال أبو جعفر -﵀-: وقد أحسن محمد: في هذا، وتصحيح الآثار في هذا الباب على هذا المعنى الصحيح يوجب صحة ما قال عبد الله بن عمرو، والدليل على ذلك: أن ابن عباس قد كان يقول في النصرانية إذا أسلمت في دار الإِسلام وزوجها كافر: ما حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: "في اليهودية والنصرانية تكون تحت النصراني أو اليهودي فتسلم هي، قال: يفرق بينهما، الإِسلام يعلو ولا يعلى".
_________________
(١) بيض المؤلف -﵀- في "الأصل، ك"، ووقع في "شرح معاني الآثار": أبو بكر محمد بن عبدة ابن عبد الله بن زيد، وقال العيني في "المغاني": لا أعرف له ترجمة. قلت: ترجمة ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٥٤/ ١٦٥ - ١٦٧) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
[ ١٢ / ٣٩٠ ]
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا قيس بن الربيع، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس مثله. غير أنه لم يقل: "الإِسلام يعلو ولا يعلى".
أفيجوز أن تكون النصرانية عنده إذا أسلمت في دار الإِسلام وزوجها نصراني أنها تبين منه ولا ينتظر بها إسلامه إلى أن تخرج من العدة، وتكون الحربية التي ليست بكتابية إذا أسلمت في دار الحرب ثم جاءتنا مسلمة يُنتظر بها لحاق زوجها بها مسلمًا فيما بينه وبين خروجها من العدة؟! وهذا محال؛ لأن إسلامها في دار الإِسلام إذا كان يُبينها من زوجها النصراني الذمي فلإِسلامها في دار الحرب وخروجها إلى دار الإِسلام وتركها زوجها المشرك أحرى أن يُبينها، فثبت بهذا من قول ابن عباس أنه كان العصمة منقطعة بإسلام المرأة لا بخروجها من العدة.
فإذا ثبت ذلك من قوله استحال أن يكون ترك ما قد كان ثبت عنده من حكم رسول الله -﵇- في ردِّه زينب على أبي العاص على النكاح الأول، وصار إلى خلافه إلا بعد ثبوت نسخ ذلك.
فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار.
ش: وجه تحسين الطحاوي ما قال محمد بن الحسن: ظاهر.
قوله: "والدليل على ذلك" أي: الدليل على اقتضاء تصحيح الآثار صحة ما قاله عبد الله بن عمرو: أن عبد الله بن عباس -﵄-.
وحاصل ذلك: أن ابن عباس قد ذهب في النصرانية تسلم قبل زوجها أنها أملك لنفسها، فكان من مذهبه أن الفرقة قد وقعت بإسلامها، وغير جائز أن يخالف النبي -﵇- فيما رواه عنه، فإذا ثبت ذلك من قول ابن عباس استحال أن يكون ترك ما قد ثبت عنده من ردِّ رسول الله -﵇- زينب على أبي العاص بالنكاح الأول، وصار إلى خلاف ذلك إلا بعد ثبوت نسخ هذا الحكم عنده، فافهم.
[ ١٢ / ٣٩١ ]
وأخرج ما روي عن ابن عباس من طريقين.
الأول: إسناده صحيح، عن روح بن الفرج القطان، عن يحيى بن عبد الله بن بكير شيخ البخاري، عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن عكرمة، عن ابن عباس.
والثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن قيس بن الربيع الأسدي الكوفي -ضعفه يحيى وأحمد، قال يحيى: ضعيف الحديث لا يساوي شيئًا.
عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس.
قوله: "في اليهودية" يعني أجاب ابن عباس في المرأة اليهودية أو النصرانية التي تحت اليهودي أو النصراني تسلم هي بقوله: "يفرق بينهما".
وقوله: "يفرق" على صيغة المجهول.
وقوله: "الإِسلام يعلو" ابتداء كلام من المبتدأ والخبر، فكأنه تعليل لقوله: "يفرق بينهما"، فهذا يدل على أن الفرقة تقع بينهما بإسلام المرأة.
وفي "صحيح البخاري" (١) عن ابن عباس قال: "إذا أسلمت النصرانية قبل زوجها بساعة حرمت عليه".
وقال الجصاص: قال بعضهم: هي امرأته ما دامت في العدة، فإذا انقضت العدة وقعت الفرقة.
وقال ابن عباس: "تقع الفرقة بإسلامها".
واتفق علماء الأمصار على أنها تَبِين منه بإسلامها إذا كانا في دار واحدة.
واختلفوا في وقوع الفرقة إذا أسلمت ولم يسلم الزوج، فقال أصحابنا: إن كانا ذميين لم تقع الفرقة حتى تعرض عليه الإِسلام، فإن أسلم وإلا فرق بينهما،
_________________
(١) "صحيح البخاري" (٥/ ٢٠٢٤)، ذكره معلقًا.
[ ١٢ / ٣٩٢ ]
وهو ما روي عن علي وعمر -﵄-، وقالوا: إن كانا حربيين في دار الحرب فأسلمت فهي امرأته ما لم تحض ثلاث حيضات، فإن حاضت ثلاث حيض قبل أن يسلم فرق بينهما.
قوله: "أفيجوز" الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الإنكار.
قوله: "فَلَإِسلامها" مبتدأ، و"اللام" فيه للتأكيد؛ ولهذا جاءت مفتوحة وخبره قوله: "أحرى أن يبينها".
ص: وأما لنظر في ذلك، فإنا رأينا المرأة إذا أسلمت وزوجها كافر فقد صارت إلى حال لا يجوز أن يستأنف نكاحها عليها؛ لأنها مسلمة وهو كافر، فأردنا أن ننظر إلى ما يطرأ على النكاح مما لا يجوز معه استقبال النكاح كيف حكمه؟
فرأينا الله -﷿- حرَّم الأخوات من الرضاعة، وكان من تزوج امرأة صغيرة لا رضاع بينه وبينها فأرضعتها أمه حرمت عليه بذلك وانفسخ النكاح، فكان الرضاع الطارئ على النكاح في حكم الرضاع المتقدم للنكاح في أشباه لذلك يطول الكتاب بذكرها، وكانت ثمة أشياء يختلف فيها الحكم إذا كانت متقدمة للنكاح وطرأت على النكاح، من ذلك: أن الله -﷿- حرَّم نكاح المرأة في عدتها من زوجها، وأجمع المسلمون أن العدة من الجماع في النكاح الفاسد تمنع من النكاح كما تمنع إذا كانت بسبب نكاح صحيح، وكانت المرأة لو وطئت بشبهة ولها زوج فوجبت عليها بذلك عدة لم تبن بذلك من زوجها، ولم تجعل هذه العدة كالعدة المتقدمة للنكاح.
ففرق في هذا بين حكم المستقبل والمستدبر.
فأردنا أن ننظر في المرأة إذا أسلمت وزوجها كافر، هل تبين منه بذلك؟
ويكون حكم مستقبل ذلك ومستدبره سواء كما كان ذلك في الرضاع الذي ذكرنا أولًا وإلا تبين منه بإسلامها، فلا يكون حكم إسلامها الحادث كهو إذا كان قبل النكاح، فالعدة قبل النكاح كالعدة التي ذكرنا التي فرق بين حكم المستقبل فيها وحكم المستدبر.
[ ١٢ / ٣٩٣ ]
فنظرنا في ذلك فوجدنا العدة الطارئة على النكاح لا تجب بها فرقة في حال وجوبها ولا بعد ذلك، وكان الرضاع الذي ذكرنا تجب به الفرقة في حال كونه، ولا ينتظر بها شيء بعده، وكان الإِسلام الطارئ على النكاح كلٌ قد أجمع أن الفرقة تجب به، فقال قومٌ: تجب في وقت إسلام المرأة. وهو قول ابن عباس. وقال آخرون: لا تجب الفرقة حتى تعرض على الزوج الإِسلام فيأباه فيفرق بينه وبين المرأة، أو يختاره فتكون امرأته على حالها.
وقال آخرون: هي امرأته ما لم يخرجها من أرض الهجرة. وهو قول علي بن أبي طالب -﵁-، وسنأتي بأسانيد هذه الروايات في آخرها إن شاء الله تعالى.
فلما ثبت أن إسلام الزوجة الطارئ للفُرقة بين المرأة وزوجها في حال ما ثبت أن حكم ذلك كحكم الرضاع أشبه منه بحكم العدة، فلما كان الرضاع تجب به الفُرقة ساعة يكون، ولا ينتظر به خروج المرأة عن عِدَّتِها؛ كان كذلك الإِسلام.
فهذا وجه النظر في هذا الباب: أن المرأة تَبين من زوجها بإسلامها في دار الإِسلام كانت أو في دار الحرب، وقد كان أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد يخالفون هذا ويقولون في الحربية إذا أسلمت في دار الحرب وزوجها كافر: إنها امرأته ما لم تحض ثلاث حيض أو تخرج إلى دار الإِسلام، فأي ذلك ما كانت بانت به من زوجها.
وقالوا: كان النظر في هذا أن تَبين من زوجها بإسلامها ساعة أسلمت.
وقالوا: إذا أسلمت وزوجها في دار الإِسلام فهي امرأته على حالها حتى يعرض القاضي على زوجها الإِسلام فيُسلم فتبقى تحته، أو يأبى فيفرق بينهما.
قالوا: فكان النظر في ذلك أن تَبين منه بإسلامها ساعة أسلمت، ولكنا قلدنا ما روي عن عمر -﵁-، فذكروا ما حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا أبو معاوية الضرير، عن أبي إسحاق الشيباني، عن السفاح، عن داود بن كردوس، قال: "كان رجل منَّا من بني تغلب نصراني تحته امرأة نصرانية فأسلمت، فرفعت إلى عمر -﵁-، فقال له عمر: أسلم وإلا فرقت بينكما. فقال: لو لم أدع هذا إلا
[ ١٢ / ٣٩٤ ]
استحياء من العرب أن يقولوا: إنه أسلم على بضع امرأة لفعلت، قال: ففرَّق عمر -﵁- بينهما".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا هلال بن يحيى، قال: ثنا أبو يوسف، قال: ثنا أبو إسحاق الشيباني، عن السفاح الشيباني، عن كردوس بن داود التغلبي، عن عمر نحوه.
فقلدوا ما روي عن عمر -﵁- في هذا الذي أسلمت امرأته في دار الإِسلام، وجعلوا للذي أسلمت أمرأته في دار الحرب أجلًا إن أسلم فيه؛ وإلا وقعت الفرقة بينه وبين امرأته بدلًا من العرض الدي كانوا يعرضونه عليه لو كان في دار الإِسلام وهو العدة إلا أن تخرج المرأة قبل ذلك إلى دار الإِسلام فينقطع بذلك الأجل وتجب به البينونة، ونحن في هذا على ما روينا عن ابن عباس من وجوب البينونة بالإِسلام ساعة يكون من المرأة.
ش: أي: وأما وجه النظر والقياس، تقريره: أن المرأة إذا أسلمت وزوجها كافر تصير إلى حالة لا يجوز أن يستأنف عليها نكاحها؛ وذلك لأنها مسلمة وهو كافر، فإذا تمهد هذا ننظر إلى ما يطرأ على النكاح من الذي لا يجوز فيه استئناف النكاح كيف حكمه؟ فوجدنا ذلك على نوعين:
الأول: يستوي فيه حكم المستقبل والمستدبر، وذلك كمن تزوج صغيرة فأرضعتها أمه فإنها تحرم عليه بذلك، فيكون الرضاع الطارئ على هذا النكاح في حكم الرضاع المتقدم.
النوع الثاني: يفرق فيه بين المستقبل والمستدبر، وذلك كالمرأة التي لها زوج إذا وُطئت بشبهة فوجبت عليها عدة لم تبن بذلك من زوجها، ولم تجعل هذه العدة كالعدة المتقدمة للنكاح، فإذا كان كذلك ننظر في المرأة إذا أسلمت وزوجها كافر هل تبين منه بذلك، ويكون حكمها حكم النوع الأول أم النوع الثاني؟
[ ١٢ / ٣٩٥ ]
فنظرنا في ذلك فوجدنا العدة الطارئة على النكاح لا تجب بها فرقة في حال وجوبها ولا بعد ذلك، ووجدنا الرضاع تجب به الفرقة في حال وقوعه وكونه، ولا ينتظر به شيء بعده.
ثم الإِسلام الطارئ على النكاح كلٌّ قد أجمع أن الفرقة تجب به، غير أنهم اختلفوا في وقتها:
فقالت طائفة: تجب في وقت إسلام المرأة.
وقال آخرون: لا تجب حتى يعرض على الزوج الإِسلام فيأبى، فيفرق بينهما.
وقال آخرون: هي امرأته ما لم يخرجها من أرض الهجرة.
فثبت أن حكم إسلامها الطارئ للفرقة كحكم الرضاع أشبه منه بحكم العدة، فإذا كان كذلك تجب به الفرقة ساعة يكون، ولا ينتظر به خروج المرأة من عدتها.
فهذا وجه النظر والقياس: أن المرأة تَبين من زوجها بإسلامها سواء كانت في دار الإِسلام أو في دار الحرب، ولكن أصحابنا خالفوا هذا، حيث قالوا في الحربية إذا أسلمت في دار الحرب وزوجها كافر: إنها امرأته ما لم تحض ثلاث حيض أو تخرج إلى دار الإِسلام، والذمية إذا أسلمت في دار الإِسلام فهي امرأته حتى يعرض القاضي على زوجها الإِسلام، فإن أسلم بقيا على نكاحهما ولا يفرق بينهما.
وكان النظر في الفصلين جميعًا أن تَبين من زوجها ساعة أسلمت لما ذكرنا، غير أنهم تركوا هذا، وقلدوا في ذلك عمر بن الخطاب -﵁- الذي أخرجه الطحاوي من طريقين:
الأول: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن أبي معاوية الضرير محمد بن خازم، عن أبي إسحاق الشيباني سليمان بن فيروز، عن السفاح بن مطر الشيباني، عن داود بن كردوس التغلبي الكوفي، عن عمر بن الخطاب.
[ ١٢ / ٣٩٦ ]
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق الشيباني، عن السفاح بن مطر التغلبي، عن داود بن كردوس: "أن عبادة بن النعمان بن زرعة أسلمت امرأته التميمية وأبى أن يُسلم، ففرق عمر -﵁- بينهما".
الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن هلال بن يحيى بن مسلم الرأي البصري، عن أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي، عن أبي إسحاق الشيباني. . . إلى آخره نحوه.
فإن قيل: قال ابن حزم: السفاح وداود بن كردوس مجهولان. وقال الأزدي: داود بن كردوس مجهول. وقاله الذهبي أيضًا.
قلت: رجال الإِسنادين كلهم ثقات.
أما أبو بشر فإنه وثقه ابن يونس.
وأما أبو معاوية فإنه من رجال السنة.
وأما أبو إسحاق الشيباني فكذلك من رجال السنة.
وأما السفاح بن مطر فإن ابن حبان ذكره في "الثقات"، وروى له أبو داود في "المراسيل".
وأما داود بن كردوس فإن ابن حبان ذكره في التابعين "الثقات"، وذكره ابن أبي حاتم في كتاب "الجرح والتعديل" ولم يتعرض إليه بشيء.
وأما أبو بكرة فإنه لا يشك في ثقته ودينه وأمانته وزهده المشهور بين الأنام.
وأما هلال بن يحيى الرأي فقد أثنى عليه جماعة بخير.
وأما أبو يوسف فأبو يوسف، وهو أجلّ من أن يذكر بشيء.
ص: وأما ما روي عن علي -﵁- في ذلك: فما حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا
_________________
(١) "مصنف عبد الرزاق" (٦/ ٨٣ رقم ١٠٠٨١) بنحوه من طريق الثوري عن سليمان الشيباني قال: "أنبأني ابن المرأة التي فرق بينهما عمر حين عرض عليه الإِسلام فأبى، ففرق بينهما".
[ ١٢ / ٣٩٧ ]
الخَصِيب بن ناصح، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب: "أن عليًّا -﵁- قال: هو أحق بنكاحها ما كانت في دار الهجرة".
ش: لما نقل قول علي -﵁- فيما مضى بقوله: "وقال آخرون: هي امرأته ما لم يخرجها من أرض الهجرة، وهو قول علي -﵁-، أراد بيان ذلك مسندًا.
وأخرجه بإسناد رجاله كلهم ثقات: عن نصر بن مرزوق، عن الخَصِيب -بفتح الخاء المعجمة وكسر الصاد المهملة- بن ناصح الحارثي، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب: "أن عليًّا -﵁-. . ." إلى آخره.
وأخرجه ابن حزم (١): من حديث حماد بن سلمة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب: "أن علي بن أبي طالب قال في الزوجين الكافرين يسلم أحدهما: هو أملك ببضعها ما دامت في دار هجرتها".
وروى أيضًا (٢): من طريق سفيان بن عيينة، عن مطرف بن طريف، عن الشعبي، عن علي -﵁-: "هو أحق بها ما لم تخرج من مصرها".
ص: وقد روى عن الزهري وقتادة في رد رسول الله - ﷺ - زينب على أبي العاص أن ذلك منسوخ، واختلفا فيما نسخه.
حدثنا عبيد الله بن محمد المؤدب، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن الزهري: "أن أبا العاص بن ربيع وأُخذ أسيرًا يوم بدر، فأتي به النبي - ﷺ - فرد عليه ابنته".
قال الزهري: وكان هذا قبل أن تنزل الفرائض -يعني-: ابنة النبي - ﷺ - وردها على زوجها.
حدثنا عبيد الله، قال: ثنا علي، قال: ثنا عباد بن العوام، عن سعيد، عن قتادة:
_________________
(١) "المحلى" (٧/ ٣١٤).
(٢) "المحلى" (٧/ ٣١٤).
[ ١٢ / ٣٩٨ ]
"أن رسول الله -﵇- ردّ على أبي العاص ابنته. قال قتادة: وكان هذا قبل أن تنزل سورة براءة".
ش: هذا من جملة المعاني التي رجحت خبر عبد الله بن عمرو بن العاص على خبر ابن عباس، وكان قد وعد فيما مضى ببيانها، وقد بيَّن بعضها فيما مضى، وبيَّن ها هنا أيضًا بعضها، وهو أن حديث عبد الله بن عباس منسوخ على ما روي عن محمد بن مسلم الزهري وقتادة بن دعامة السدوسي، ولكنهما اختلفا في الناسخ، فقال الزهري: الناسخ هو نزول الفرائض، وقال قتادة: سورة براءة.
وأخرج ذلك عنهما بإسناده جيد واحد.
فإذا كان كذلك فثبت من قولهما انتساخ حديث ابن عباس.
وقال أبو عمر (١): حديث ابن عباس منسوخ عند الجميع بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ. . .﴾ (٢) إلى قوله: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ. . .﴾ (٢) الآية، فلا يجوز رجوعه إليها بعد خروجها من عدتها، وإسلام زينب كان قبل أن ينزل كثير من الفرائض، قاله ابن شهاب. وروي عن قتادة أن ذلك كان قبل أن تنزل سورة براءة بقطع العهود بينهم وبين المشركين، وفي قوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (٢) ما يكفي ويغني، والحمد لله.
وقال أبو عمر أيضًا: لم يختلف أهل السير أن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ (٢) أنها نزلت في الحديبية حين صالح رسول الله - ﷺ - قريشًا على أن يرد عليهم من جاءهم بغير إذن وَلِيِّه، فلما هاجرن أبى الله أن يُردَدْن إلى المشركين إذا امتحن بمحنة الإِسلام وعرف أنهن جئن رغبةً في الإِسلام، والله أعلم.
_________________
(١) "التمهيد" (١٢/ ٢٠).
(٢) سورة الممتحنة، آية: [١٠].
[ ١٢ / ٣٩٩ ]