وفي رواية عمر مولى غفرة عن ابن عباس زيادة قبل هذا الكلام وهي: "فإن استطعت أن تعمل لله بالرضا في اليقين فافعل، وإن لم نستطع فإن في الصبر عَلَى ما تكره خيرًا كثيرًا" (١).
ومراده باليقين هاهنا تحقيق الإيمان بما سبق ذكره من التقدير السابق كما ورد ذلك صريحًا في رواية ابنه علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه، لكن بإسناد ضعيف، وفي روايته زيادة وهي: قلت: يا رسول الله كيف أصنع باليقين؟ قال: "أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك".
فإذا أنت أحكمت باب اليقين فحصول اليقين للقلب بالقضاء السابق والتقدير الماضي يوجب رضا النفس بالقضاء والقدر وطمأنينتها به، وقد دلّ القرآن عَلَى هذا المعنى بعينه في قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣].
قال الضحاك في هذه الآية: عزّاهم ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ لا تأسوا عَلَى شيء من أمر الدُّنْيَا فإنا لم نقدره لكم ﴿وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ لا تفرحوا بشيء من أمر الدُّنْيَا أعطيناكموه، فإنَّه لم يكن يزوى عنكم. خرّجه ابن أبي الدُّنْيَا.
وقال سعيد بن جبير في هذه الآية: لكيلا تأسوا عَلَى ما فاتكم من العافية والخصب إذا علمتم أنَّه كان مكتوبًا عليكم قبل أن يخلقكم. خرَّجه ابن أبي حاتم.
ومن هذا المعنى قول بعض السَّلف: الإيمان بالقدر يُذْهِبُ الهم
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (١/ ٣١٤).
[ ٣ / ١٤٤ ]
والحزن، وقد أشار النبي ﷺ إِلَى ذلك بقوله في الحديث الصحيح عنه: "احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ، فَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ [كَانَ] (*) كَذَا [وَكَذَا] (*) وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ" (١). فأشار في هذا الحديث إِلَى أن تذكير النفس بالقدر السابق عند المصائب يذهب وساوس الشيطان الموجبة للهم والحزن والندم عَلَى تعاطي الأسباب الدافعة لوقوعها.
وقال أنس: خدمت النبي ﷺ عشر سنين، فما قال لي لشيء فعلته لم فعلت كذا وكذا؟ ولا شيء لم أفعله: ألا فعلت كذا (٢). وقال: وكان إذا لامني بعض أهله، قال: "دعوه فلو قُدِّرَ شيء كان" خرّجه الإمام أحمد (٣) بهذه الزيادة.
وخرَّج ابن أبي الدُّنْيَا بإسناد فيه نظر عن عائشة -﵂- قالت: كان أكثر كلام النبي ﷺ في بيته إذا خلا: "ما قضى من أمر يكن" وخرَّج أيضًا حديثًا مرسلًا أن النبي ﷺ قال لابن مسعود: "لا تكثر همك ما يُقدَّر يكن، وما ترزق يأتيك" وفي حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: "لا حول ولا قوة إلا بالله، دواء من تسعة وتسعين داء، أيسرها: الهم" خرّجه الطبراني (٤) والحاكم (٥).
_________________
(١) (*) ما بين المعقوفتين من صحيح مسلم.
(٢) أخرجه مسلم (٢٦٦٤).
(٣) أخرجه البخاري (٦٠٣٨)، ومسلم (٢٣٠٩).
(٤) (٣/ ٢٣١).
(٥) في "الأوسط" (٥٠٢٨) وقال: لم يرو هذا الحديث عن محمد بن عجلان إلا بشر ابن رافع، تفرد به عبد الرزاق. وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٩٨): رواه الطبراني في الأوس، وفيه بشر بن رافع الحارثي وهو ضعيف وقد وثق وبقية رجاله رجال الصحيح، إلا أن النسخة من الطبراني الأوسط سقط منها عجلان والد محمد الَّذِي بينه وبين أبي هريرة والله أعلم.
(٦) (١/ ٥٤٢) وقال: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه، وبشر بن رافع الحارثي ليس بالمتروك وإن لم يخرجاه، وكذلك الهيثم البكاء لم يخرجاه وله حديث يتفرد به وهذا موضعه فإنَّه من عباد المسلمين. وتعقبه الذهبي في "التلخيص" وقال: بشر واه.
[ ٣ / ١٤٥ ]
فإن تحقيق هذه الكلمة يقتضي تفويض الأمور إِلَى الله، وأنه لا يكون إلا ما شاء والإيمان بذلك يذهب الهم والغم، وقد وصى النبي - ﷺ - رجلًا فَقَالَ: "لا تتهم الله في شيء قضاه لك" (١).
فإذا نظر المؤمن بالقضاء والقدر في (حكم) (*) الله ورحمته، وأنه غير متهم في قضائه دعاه ذلك إِلَى الرضا بالقضاء، وقال الله ﷿: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] قال علقمة في هذه الآية: هي المصيبة تصيب الرجل فيعلم أنها من عند الله فيسلّم لها ويرضى.
وفي الحديث الصحيح (٢) عن النبي ﷺ قال: "لَا يَقْضِي اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ من قَضَاء إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ فَصَبَرَ كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ".
وقد دلّ القرآن عَلَى مثل هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥١، ٥٢] فأخبر أنَّه لن يصيبهم إلا ما كتب لهم، فدلّ عَلَى أنَّه لهم بكل حال سواء كان مما يلائم أو لا يلائم، وأخبر أنَّه تعالى مولاهم، ومن تولاه الله لم يخذله بل هو يتولى مصالحه، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال: ٤٠] ثم عقب ذلك بقوله: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢] يعني إما النصر والظفر، وإما الشهادة، وأيّهما كان فهو حسن.
وخرَّج الترمذي (٣) من حديث أنس عن النبي ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِي فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ".
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥/ ٣١٩). وذكره الهيثمي في المجمع (١/ ٥٩) وقال: رواه أحمد، وفي إسناده ابن لهيعة. (*) حكمة: "نسخة".
(٢) أخرجه مسلم (٢٩٩٩).
(٣) برقم (٢٣٩٦) وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.
[ ٣ / ١٤٦ ]
قال أبو الدرداء: إن الله إذا قضى قضاء أَحَبّ أن يُرضى به. وقالت أم الدرداء: إن الراضين بقضاء الله الذين ما قضى لهم رضوا به، لهم في الجنة منازل، يغبطهم بها الشهداء يوم القيامة.
وقال ابن مسعود (١): إن الله بقسطه وعلمه جعل الروح والفرح في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط. وقد رُوي هذا مرفوعًا من وجه ضعيف (٢).
وكان عمر بن عبد العزيز يقول: لقد تركتني هؤلاء الدعوات وما لي في شيء من الأمور إرب إلا في مواقع قدر الله ﷿، وكان يدعو بها كثيرًا: اللهم ارضني بقضائك وبارك لي في قدرك، حتى لا أَحَبّ تعجيل شيء أخرته، ولا تأخير شيء قدّمته.
وقال ابن عون: ارض بقضاء الله عَلَى ما كان من عسر ويسر؛ فإن ذلك أقل لهمك، وأبلغ فيما تطلب من أمر آخرتك، واعلم أن العبد لن يصيب حقيقة الرضا حتى يكون رضاه عند الفقر والبلاء كرضاه عند الغنى والرخاء، كيف تستقضي الله في أمرك؟ ثم تسخط إن رأيت قضاءه مخالفًا لهواك! ولعل ما هويت من ذلك لو وفق لك لكان فيه هلاكك، وترضى قضاءه إذا وافق هواك وذلك لقلة علمك بالغيب! وكيف تستقضيه إن كنت ذلك؟ ما أنصفت من نفسك ولا أصبت باب الرضا!
وهذا كلام حسن، ومعناه أن العبد إذا استخار الله -﷿- فينبغي له أن يرضى لما اختاره له من موافق لهواه أو مخالف له؛ لأنّه لا يدري في أيهما الخيرة له والله تعالى غير متهم في قضائه لمن استخاره.
ومن ها هنا كان طائفة من السَّلف ابن مسعود وغيره يأمرون من يخاف أن
_________________
(١) أخرجه البيهقي في "الشعب" (٢٠٥ - سلفية) وإسناده منقطع.
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ١٠٥١٤)، والبيهقي في "الشعب" (٢٠٤ - سلفية)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٢١، ٧/ ١٣٠). قال أبو نعيم: غريب من حديث الثوري ومن حديث الأعمش، تفرد به خالد بن يزيد العمري. وقال الهيثمي في المجمع (٤/ ٧١): وفيه خالد بن يزيد العمري واتهم بالوضع.
[ ٣ / ١٤٧ ]
لا يصبر عَلَى ما يخالف هواه مما يختار له أن يقول في استخارته: في عافية فإنَّه قد يختار له البلاء ولا يصبر عليه، وقد رُوي مرفوعًا من وجه ضعيف (١)!.
وعن بكر المزني أن رجلًا كان يكثر الاستخارة فابتلي فجزع ولم يصبر فأوحى الله إِلَى نبي من أنبيائهم أن قل لعبدي فلان: إذا لم يكن من أهل العزائم فهلا استخرتني في عافية!
وفي حديث سعد المرفوع: «مِنْ سَعادَةِ الْمَرْءِ استِخَارَتُهُ رَبُّهُ -﷿- وَرِضَاهُ بِمَا قَضَى، وَإِنَّ مِنْ شَقَاوَتهِ تَرْكُهُ الاسْتِخَارَةَ وَسَخَطُهُ بِمَا قَضَى» خرَّجه الترمذي (٢) وغيره (٣).
وللرضا بالقضاء أسباب منها:
يقين العبد بالله وثقته بأنه لا يقضي للمؤمن قضاء إلا وهو خير له، فيصير كالمريض المستسلم للطبيب الحاذق الناصح فإنَّه يرضى بما يفعله به من مؤلم وغيره لثقته به ويقينه أنَّه لا يريد له إلا الأصلح، وهذا الَّذِي أشار إِلَيْهِ ابن عون في كلامه المتقدم ذكره.
ومنها:
النظر إِلَى ما وعد الله من ثواب الرضا، وقد يستغرق العبد في ذلك حتى ينسى ألم المقضي به كما رُوي عن بعض الصالحات من السلف أنها عثرت فانكسر ظفرها، فضحكت وقالت: أنساني لذة ثوابه مرارة ألمه.
ومنها:
وهو أعلى من ذلك كله الاستغراق في محبة المبتلي ودوام ملاحظة جلاله وجماله وعظمته وكماله الَّذِي لا نهاية له، فإن قوة ملاحظة ذلك يوجب
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ١٠٠١٢، ١٠٠٥٢).
(٢) برقم (٢١٥١). وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن أبي حميد. ويقال له أيضًا حماد بن أبي حميد، وهو أبو إبراهيم المدني، وليس هو بالقوي عند أهل الحديث.
(٣) وأخرجه أحمد (١/ ١٦٨) وغيره.
[ ٣ / ١٤٨ ]
الاستغراق فيه حتى لا يشعر بالألم كما غاب النسوة اللاتي شاهدن يوسف عن ألم تقطيع أيديهن بمشاهدته.
قال الجنيد سألت سريًّا: هل يجد المحب ألم البلاء؟ فَقَالَ: لا. وهذا إشارة منه إِلَى هذا المقام، ومنه قول جماعة من أهل البلاء: دعه يفعل بنا ما يشاء فلو قطعنا إربًا إربًا ما ازددنا له إلا حبًّا.
وفي هذا المعنى يقول بعضهم:
لو قطّعني الغرام إربًا إربًا ما ازددت عَلَى الملام إلا حبًّا
لا زلت بكم أسير وجدٍ صبا حتى أقضي عَلَى هواكم نحبا
وكان إبراهيم بن أدهم قد خرج من ملكه وماله وولده وحشمه، فرأى ولده في الطواف فلم يكلمه، وقال:
هجرتُ الخلق طرّا في (رضاكا) (*) وأيتمتُ العيال لكي أراكا
فلو قطّعتني في الحب إربًا لما حنَّ الفؤاد إِلَى سواكا
كان جماعة من المحبين كالفضيل وفتح الموصلي إذا باتوا ليلة بغير عشاء ولا سراج اشتد فرحهم، وبكوا من الفرح، وقالوا: مثلنا يترك بغير عشاء ولا سراج بأي يد كانت منَّا، وبأي وسيلة توسلنا بها، وكان فتح يجمع ولده في ليالي الشتاء، ويغطيهم بكسائه، ويقول: أجعتني وأجعت عيالي، وأغربتني وأغربت عيالي، وإنَّما تفعل ذلك بأوليائك وأحبابك فهل أنا منهم حتى أفرح؟.
ودخلوا عَلَى بعض السَّلف وهو مريض فقالوا له: ما تحب؟ فَقَالَ: أحبُّه إِلَيّ أحبُّه إِلَيْهِ.
وفي هذا المعنى يقول بعضهم:
عذابه فيك عذب وبعده فيك قرب
وأنت عندي كروحي بل أنت منها أَحَبّ
حسبي من الحب أني لما تحب أحبُّ
_________________
(١) (*) هواكا: "نسخة".
[ ٣ / ١٤٩ ]
وأنشد أبو تراب:
لا تخدعن فللمحب دلائل ولديه من تحف الحبيب وسائل
منها تنعمه بمرِّ بلائه وسروره في كل ما هو فاعل
فالمنع منه عطية مقبولة والفقر إكرامٌ وبرٌّ عاجل
دخلوا عَلَى رجل قد قتل ولده في الجهاد يعزونه فبكى وقال: ما أبكي عَلَى قتله، إِنَّمَا أبكي كيف كان رضاه عن الله حين أخذته السيوف؟:
إن كان سكان الغضا رضوا بقتلي فرضى
والله لا كنت لما يهوى الحبيب مبغضا
صرت لهم عبدًا وما للعبد أن يعترضا
هم قلبوا قلبي من الشـ ـوق عَلَى جمر الغضا
يا ليت أيام الحمى يعود منها ما مضى
من لمريض لا يرى إلا الطبيب الممرضا
والمقصود أن النبي ﷺ أمر ابن عباس بالعمل لله بالرضا إن استطاعه، ثم قال له: "فإن لم تستطع فإن في الصبر عَلَى ما تكره خيرًا كثيرًا".
وهذا يدل عَلَى أن الرضا بالأقدار المؤلمة ليس بحتم واجب؛ وإنَّما هو فضل مندوب إِلَيْهِ، فمن لم يستطع الرضا فليلزم الصبر، فإن الصبر واجب لابد منه، وفيه خير كثير، فإن الله تعالى أمر بالصبر ووعد عليه جزيل الأجر، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] وقال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧] وقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾ [الحج: ٣٤، ٣٥].
قال الحسن: الرضا عزيز ولكن الصبر مُعَوَّلُ المؤمن.
[ ٣ / ١٥٠ ]
قال سليمان الخواص: الصبر دون الرضا، فالرضا: أن يكون الرجل قبل نزول المصيبة راض بأي ذلك كان، والصبر: أن يكون بعد نزول المصيبة يصبر.
وحقيقة الفرق بين الصبر والرضا: أن الصبر كف النفس وحبسها عن التسخط مع وجود الألم، والرضا يوجب انشراح الصدر وسعته، وإن وجد الإحساس بأصل الألم لكن الرضا يخفف الإحساس بالألم لما يباشر القلب من روح اليقين والمعرفة، وقد يزيل الإحساس به بالكلية عَلَى ما سبق تقريره.
ولهذا قال طائفة كثيرة من السَّلف منهم عمر بن عبد العزيز، والفضيل، وأبو سليمان، وابن المبارك، وغيرهم: إن الراضي لا يتمنى غير حاله التي هو عليها بخلاف الصابر.
وقد رُوي عن طائفة من الصحابة هذا المعنى أيضًا، وأنهم كانوا لا يتمنون غير ما هم عليه من الحال، منهم عمر وابن مسعود.
قال عبد العزيز بن أبي روَّاد: كان عابد يتعبد في بني إسرائيل، فرأى في منامه أن فلانة زوجتك في الجنة، فاستضافها ثلاث ليال لينظر عملها، فكانت تنام وهو يقوم، وتفطر وهو يصوم، فلما فارقها سألها عن أوثق عملها عندها، قالت: هو ما رأيت، إلا خصلة واحدة، إن كنت في شدة لم أتمنّ أني في رخاء، وإن كنت في مرض لم أتمنّ أني في صحة وإن كنت جائعة لم أتمنّ أني شبعانة، وإن كنت في شمس لم أتمنّ أني في ظلٍّ.
فَقَالَ العابد: هذه والله خصلة يعجز عنها العباد.
وكما أن الصبر إِنَّمَا يكون عند الصدمة الأولى، كما صح ذلك عن النبي - ﷺ - (١) فالرضا إِنَّمَا يكون بعد نزول البلاء، كما كان النبي ﷺ يقول في دعائه: "وأسألك الرضا بعد القضاء" (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٣٠٢)، ومسلم (٦٢٦).
(٢) أخرجه النسائي (١٣٠٥)، والحاكم في المستدرك (١/ ٥٢٤ - ٥٢٥) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
[ ٣ / ١٥١ ]
لأنّ العبد قد يعزم عَلَى الرضا بالقضاء قبل وقوعه، فَإِذَا وقع انفسخت تلك العزيمة.
فمن رضي بعد وقوع القضاء، فهو الراضي حقيقة.
وفي الجملة: فالصبر واجب لابد منه، وما بعده إلا السخط، ومن سخط أقدار الله فله السخط مع ما يتعجل له من الألم وشماتة الأعداء به أعظم من جزعه، كما قال بعضهم:
لا تجزعن من كل خطب عرا ولا ترى الأعداء ما يشمتوا
يا قوم بالصبر ينال المنى إذا لقيتم فئة فاثبتوا (*)
وقال النبي ﷺ:
"من يتصبر يصبره الله، وما أُعطي أحد عطاءً خيرًا ولا أوسع من الصبر" (١).
وقال عمر: وَجدنا خير عيشنا بالصبر (٢).
وقال علي: إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا إيمان لمن لا صبر له (٣).
وقال الحسن: الصبر كنز من كنوز الجنة، لا يعطيه الله إلا لمن كرم عليه.
وقال ميمون بن مهران: ما نال أحد شيئًا من جسيم الخير، نبي فمن دونه إلا بالصبر.
وقال إبراهيم التيمي: ما من عبد (وهبه الله) (**) صبرًا عَلَى الأذى،
_________________
(١) (*) فاصبروا "نسخة".
(٢) أخرجه البخاري (١٤٦٩)، ومسلم (١٠٥٣).
(٣) علقه البخاري (١١/ ٣٠٩) وقال الحافظ في "الفتح": وقد وصله أحمد في "كتاب الزهد" بسند صحيح عن مجاهد قال: قال عمر -إِلَى قوله- وأخرجه الحاكم من رواية مجاهد عن سعيد بن المسيب عن عمر الخ. وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٦٣٠) ووكيع في الزهد (١٩٨).
(٤) أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (١/ ٧٥ - ٧٦). (**) وهب الله له: "نسخة".
[ ٣ / ١٥٢ ]
وصبرًا عَلَى البلاء وصبرًا عَلَى المصائب، إلا وقد أوتي أفضل ما أوتيه أحد بعد الإيمان بالله -﷿.
وهذا منتزع من قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إِلَى قوله: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
والمراد بالبأساء: الفقر ونحوه، وبالضراء: المرض ونحوه، وحين البأس: حال الجهاد.
وقال عمر بن عبد العزيز: ما أنعم الله عَلَى عبد نعمة فانتزعها منه، فعاضه مكان ما انتزع منه الصبر إلا كان ما عوضه خيرًا مما انتزع منه، ثم تلا: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
وكان بعض الصالحين في جيبه ورقة يفتحها كل ساعة فينظر فيها، وفيها مكتوب: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨].
والصبر الجميل هو أن يكتم العبد المصيبة ولا يخبر بها.
قال طائفة من السَّلف في قوله تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ٨٣] قالوا: لا شكوى معه.
كان الأحنف بن قيس قد ذهبت عينه من أربعين سنة ولم يذكرها لأحد.
وذهبت عين عبد العزيز بن أبي روَّاد من عشرين سنة، فتأمله ابنه يومًا فَقَالَ له: يا أبت، قد ذهبت عينك! فَقَالَ: نعم يا بني، الرضا عن الله أذهب عين أبيك من عشرين سنة.
وكان الإمام أحمد لا يشتكي ما به من المرض إِلَى أحد، وذُكرَ له أن مجاهدًا كان يكره الأنين في المرض، فتركه فلم يئن حتى مات، وكان يقول لنفسه: يا نفسي، اصبري ولا تندمي.
ودخل بعض العارفين عَلَى مريض يقول: آه، فَقَالَ له ذلك العارف: ممن؟!
[ ٣ / ١٥٣ ]
وفي هذا المعنى يقول بعضهم:
تفيض النفوس بأوصابها وتكتم عوادها ما بها
وما أنصفت مهجة تشتكي هواها إِلَى غير أحبابها
قال يحيى بن معاذ: لو أحببت ربك ثم جوعك وأعراك، لكان يجب أن تحتمله وتكتمه عن الخلق، فقد يحتمل الحبيب لحبيبه الأذى فكيف وأنت تشكوه فيما لم يصنعه بك؟:
ويقبح من سواك الفعل عندي وتفعله فيحسن منك ذاكا
كان الرسول - ﷺ - وأصحابه يشدون عَلَى بطونهم الحجارة من الجوع (١).
أن أُويس يلتقط الكسر من المزابل، والكلابُ تزاحمه، فنبح عليه كلب يومًا فَقَالَ: يا كلب، لا تؤذ من لا يؤذيك، كل مما يليك وآكل ما يليني، فإن دخلت الجنة فأنا خير منك، وإن دخلت النار فأنت خير مني.
وكان إبراهيم بن أدهم يلتقط السنبل مع المساكين، فرأى منهم كراهة لمزاحمته، فَقَالَ: أنا تركت ملك بلخ أفأزاحم المساكين عَلَى لقط السنبل؟ فكان بعد ذلك لا يلتقط إلا مع الدواب التي ترعى فيه.
وكان الإمام أحمد يلتقط السنبل مع المساكين أيضًا.
وآجر سفيان الثوري نفسه من جمالين في طريق مكة، فطبخ لهم طعامًا فأفسده. فضربوه.
وكان فتح الموصلي يوقد النار للناس بالأجرة:
من أجلك قد تركت خدي أرضا للشامت والحسود حتى ترضى
مولاي إِلَى متى بهذا أحظى عمر يفنى وحاجتي ما تقضى
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٤٥٢).
[ ٣ / ١٥٤ ]
غيره:
كم أحمل في هواك ذلا وعنا كم أصبر فيك تحت سقم وضنا
لا تطردنّي فليس عنك غنى خذ روحي إن أردت الثمنا
من أجل هواكم هويت العشقا قلبي كلف ودمعتي ما ترقا
في حبكم يهون ما قد ألقى ما يسعد بالنعيم من لا يشقى
كانت مصائب الدُّنْيَا عندهم نعمًا، حتى قال بعضهم: ليس بفقيه من لم يعد البلاء نعمة والرخاء مصيبة.
ومن الإسرائيليات: إذا رأيت الغنى مقبلا فقل: ذنب عجلت عقوبته، وإذا رأيت الفقر مقبلا فقل: مرحبًا بشعار الصالحين.
وقال بعض السَّلف: إني لأصاب بالمصيبة فأحمد الله عليها أربع مرات: أحمد الله إذ لم تكن أعظم مما هي، وأحمد الله إذ رزقني الصبر عليها، وأحمده إذ وفقني للاسترجاع، وأحمده إذ لم يجعلها في ديني.
انتظار الفرج بالصبر عبادة، فإن البلاء لا يدوم:
اصبر لكل مصيبة وتجلد واعلم بأن الضر غير مؤبد
واصبر كما صبر الكرام فإنها نُوَبٌ تنوب اليوم تكشف في غد
إذا غُمِسَ أعظم الناس بلاء في الدُّنْيَا في نعيم الجنة غمسة، قِيلَ لَهُ: هل رأيت بؤسًا قط؟ هل مر بك بؤس قط؟ قال: لا يا رب (١).
يا نفس ما هي إلا صبر أيام كأن مدتها أضغاث أحلام
يا نفس جوزي عن الدُّنْيَا مبادرة وخل عنها فإن العيش قدام
قال غيره:
وما هي إلا ساعة ثم تنقضي ويذهب هذا كله ويزول
_________________
(١) يشير المصنف لما أخرجه مسلم (٢٨٠٧) من حديث أنس بن مالك ﵁.
[ ٣ / ١٥٥ ]